احمد بابانا العلويفاتحة: يعتبر الزعيم المجاهد علال الفاسي (1910/1974) من اكبر إعلام الوطنية المغربية .. وأبرز علماء الإسلاموقادة الفكر المجددين الذين أثروا في توجهات المجتمعات وتطورها.. ونهوض الثقافة العربيةالإسلامية في القرن العشرين ..فلا غرو إذا استأثر باهتمام كبار الكتاب والباحثين والمستشرقين في الشرق والغرب... باعتباره أحد رواد الفكر الإصلاحي التجديدي وزعيما قاد الكفاح ضد الاستعمار وناضل من أجل بناء الاستقلال ...

ولا مراء أنه كان فريدا بين رجال عصره .. ولاسيما في باب صفات الرجحان الامتياز ..

كان صاحب رأي ورؤية في الاجتماعيات  والعقليات يمكنه الاستدلال عليه والمدافعة عنه....

كان الإمام مالك (ت179هـ) نموذجه الذي اقتدى به في الذب عن السنة وحماية الشريعة  ومجاهرته بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ... ، ونهج نهجه  في الصدع بالحق وإقامة العدل  ومقاومة الجور والطغيان والبدع والأهواء... وتزكية القلب وتفتح الذهن وتنمية المعرفة.

وقد ثمن العلامة علال الفاسي إختيار المغاربة لمذهب مالك الذي يجمع بين المحافظة على السنة والتفتح على طرق المصلحة  والحث على النضال في نشر الدين وحمايته من الأهواء المهوية  والبدع المغرية(1)، فالإسلام هو الدين الإلهي الذي جاء به الأنبياء والرسل  وختم برسالة النبي الخاتم فجاء مصدقا لـما بين يديه ومصلحا لما أفسدته الأهواء...

-1-

الدين الإلهي هو استجابة للفطرة الإنسانية للتعريف بالحقيقة فيما لا يمكن إدراكه من أمور الغيب بغير الوحي، والتدليل عليها بالبرهان الذي يثبت إمكانها ويسير بقبول الإيمان بها، وتشريع الأحكام  يقوم عليها مجتمع سليم يتحكم فيه العقل وتسوده القيم ...."(2)

ويسترسل في شرح فلسفةالإسلام الدينية بالقول أنها ترتكز على توحيد الله وتنزيهه، وعدم الخضوع للطغيان البشري  في الحكم وفي السلوك  وذلك هو جماع العقيدة الأساسية للإسلام ومنها يمكن استخراج كل ضروب  الفلسفة  في معرفة الوجود الحقيقي، ومعرفة مركز الإنسان في الكون والقيم الأخلاقية التي يقتضيها توحيد الألوهية والربوبية ففلسفة الإسلام تأخذ بالحجة والبرهان لكي يطهر قلوب الناس من درن الشرك وعقولهم من آثار الطغيان نتيجة فساد القيم الاجتماعية....

ومهمة الرسول كانت الإرشاد بتبليغ الوحي وتربية الناس على مقتضى القيم الأخلاقية التي تزكى النفوس وتصقل الأذهان وتنير العقول بالحض على التعلم ونشر العلم  والعلماء هم ورثة النبي ينشرون الحكمة التي تعني في نظر علال الفاسي العلم والفهم و الفقه في شؤون الحياة، ويستشهد بما قاله  ابو بكر المعافري (ت543هـ).بهذا الصدد "بان ليس للحكمة معنى إلا العلم  ولا للعلم  معنى إلا العقل، إلاأن في الحكمة إشارة إلى ثمرة العلم وفائدته ولفظ العلم مجرد من دلالته على غير ذاته  وثمرة العلم بموجبه التصرف بحكمة و الجري على مقتضياته في جميع الأقوال واللأفعال(3)، فالقران يدعو إلى التفكير والنظر، ويحارب التقليد  ويحث العقل  على التبصر والتأمل  والتدبر... و الفلسفة تعني النظر والدليل  والاسلام يدعو إلى النظر والتبصر والـمراد أن يصل الإنسان إلى الحكمة والحكمة تتضمن أصول الدين وأصول العلم النافع  وأصول العمل الصالح...

وكل ما تدل عليه  الأدلة العقلية فهو ثابت بالسمع والعقل...(4)

والخلاصة التي ينتهي إليهاأن المدارس في الفلسفة الإسلامية لا تحصر نظرية المعرفة في التجربة أوفي الاستنباط الرياضي ... لان المعارف الكسبية فرع عن المعارف الضرورية والمعارف الضرورية الكلية فرع عن المحسوسات الجزئية والمحسوسات أصل الاعتقادات  ولا يصح الفرع إلا بعد صحة الأصل ..(5).

إن الفلسفة هي كل محاولة عقلية لتفهم الكون وبناء المجتمع...

وفلاسفة الإسلام الغزالي وابن تيمية  وابن خلدون استمدوا فلسفتهم من الأصول الثابتة للحكمة فوراء العقل إدراك أسمى يتمثل في نور الوحي و إلهام المتصوفة والفارق  عظيم بين ماهو ضد العقل وما هو فوقه  وفوق ما يدرك بالعقول  المحدودة وهي التي يجب  أن تقوم عليها العقائد الدينية..

وقد استقل فلاسفة الإسلام بآرائهم يفكرون ويستنتجون عن طريق الأدلة والبراهين..

وللمسلمين فلسفتهم ونظرتهم للحياة وطريقهم في مواجهة المسائل بالحكمة التي تعني العلم والفكر...لأنه بالعلم والفكر يمكن بعث حضارة الإسلام وتجديد منهجها في الحياة....(6)

فتقدم المعرفة رهين بحرية الفكر من أجل تحقيق غاية إنسانية عن طريق التضحية والانعتاق من القيود التي تكبل الإرادات ، لأن أول مظهر للحرية هو الإرادة وتاريخ الإنسانيةكله  هو تاريخ الحرية  وما كان كفاح قوم  إلا من أجل الحرية ... لأنها الغاية التي تسعى لتحقيقها جميع الأمم و تتطلع إليها وبذلك فهي مرادفة للمدنية التي تعني اطراد التقدم وتتجه في مسيرتها نحو إنسانية تزداد وعيا بذاتها ....(7) فالحرية الحقيقية هي القيمة التي تحرك الفكر وتدفع الإرادة للعمل....

لا يسمى العقل عقلا إذا كان يفكر بإرغام من الخارج.. لان العقل لا يميز الخير من الشر إلا بذاته، لا بإلزام خارجي، وإلا فليس هو بعقل..

فالعقل وسيلة للمعرفة، ولكن في حركته مع الحياة ... والتجربة الوجودية وسيلة للمعرفة، ولكن في تفاعلها مع العقل أي مع الوعي الإنساني الباحث عن الوجود  وأعظم صفات الله انه يتصف بكامل الحرية قادر على فعل ما يشاء لا معقب  لحكمه  ولا راد لإرادته فالحرية الإلهية هي الحرية الخلاقة كل شيء يصدر عنها وفيها وبها...(8).

وقصارى كمال الإنسان أن يتخلق بنور الله، فكمال حريته بقدر كمال إرادته، وإرادته محدودة بقدر ما تتسع لها إنسانيته...(9).

لقد وقع بعض الفلاسفة في خطأ عميق إذ حاولوا إحلال اللامتناهي في المتناهي أو تجريد كل موضوع في المطلق ...

إن  الحرية مجموع العمل النفسي للتوفيق بين الارادة وبين المعرفة، وليست مجرد شعور ثابت كما يؤكد البعض....

-2-

ويرى الإمام الغزالي قبل ديكارت بأن العقل وحده هو الذي يثبت الوجود الذي هو عين الحرية...

وأصحاب الجبر الذين يقولون بأن كل شيء خاضع لناموس طبيعي ويجعلون الضمير خاضع لعوامل خارجية، وهذا بالفعل ما يحتقر الضمير وينزله عن صفة الوعي الذي يجعله يختار أن يستعمل عند الحاجة مسؤوليته..

والحرية أعظم صفات الوجدان الإنساني، وهي تتحقق بالمواءمة بين المعرفة والارادة ... ولكي أكون حرا علي أن أختار  وكلما عرفت ما هو حق  وما هو خير، يسهل الإمعان في الاختبار (10).

لقد عرفت البشرية منذ نشأتها ثلاثة مصادر للمعرفة الدين والعقل والحس وكل الإتجاهات العقلية تتأرجح بين اختيار  واحد منهما على أنه منشأ المعرفة اليقينية الثابتة... وعن الجدل الدائر حولها تكونت المذاهب الفلسفية الغربية:

فالحرية واجبة الوجود بمعنى أنها انبثاق واستقلالية ذاتية ناشئة عن حركية واجبة الوجود كحركة حرة... (أصلها في الاختيار).

الواجب القانوني عقلي تأمر به الإرادة وتحقيقه في شخص الفاعل الأخلاقي منظور إليه في ذاته... كمثل أعلى للأخلاق والعمل الأخلاقي الذي ترمي إليه الحرية عن طريق الاستقلال الذاتي إنما هو المواءمة بين العقل وبين الإرادة....

فالجدل يقع في الأفكار والأشياء وجدل الفكر ليس إلا نتيجة لحركة الأشياء، وإنما كان الفكر جدليا لأنه يرسم جدل الواقع....

وإذا كان العقل سابقا على المادة وبناء  على ذلك فالمعرفة الصحيحة ليست مستوحاة من الوجود الواقعي المادي، ولكن مصدرها  الصحيح هو العقل، والوحي هو الذي يعطي اليقين وليس الواقع....(11).

والتعويل على العقل في أمر العقيدة وأمر التبعية والتكليف... والقرآن لا يذكر  العقل إلا في مقام التعظيم والتنبيه إلى وجوب العمل به والرجوع إليه... ولا تأتي الإشارة إليه في كل من مواضع من مواضعها مؤكدة جازمة باللفظ والدلالة،  وتتكرر في كل معرض من معارض الأمر والنهي التي يحث فيها المؤمن على تحكيم عقله  أو يلام فيها المنكر على إهمال عقله وقبول الحجر عليه... وتأتي الإشارة إلى معاني العقل لتشمل وظائف الإنسان العقلية على اختلاف أعمالها وخصائصها...

فلا ينحصر خطاب العقل، في العقل الوازع ولا في العقل المدرك، ولا في العقل الذي يناط به التأمل الصادق والحكم الصحيح، ويعم الخطاب القرآني كل ما يتسع له الذهن الإنساني من خاصة أو وظيفة،وهي كثيرة إذ هي جميعا مما يمكن أن يحيط به العقل الوازع والعقل المدرك والعقل المفكر الذي يتولى الموازنة والحكم على معاني والأشياء...

فالعقل في مدلول لفظه العام ملكة يناط بها الوازع الأخلاقي و المنع على المحظور والمنكر... ومن خصائص العقل ملكة الادراك التي يناط بها الفهم والتصور وهي على كونها لازمة لادراك الوازع الاخلاقي وادراك أسبابه وعواقبه تستقل أحيانا بادراك الامور فيما ليس له علاقة بالأمر والنهي.

ومن خصائص العقل أنه يتأمل فيما يدركه ويقلبه على وجوهه، ويستخرج منه بواطنه، وأسراره ويبني عليه نتائجه وأحكامه وهذه الخصائص في جملتها تجمعها ملكه، "الحكم"... وتتصل بها ملكة الحكمة وتتصل كذلك بالعقل الوازع إذا انتهت حكمة الحكيم به إلى العلم بما يحسن، وما يقبح وما ينبغي له أن يطلبه وما ينبغي له أن يأباه...

ومن أعلى خصائص العقل الإنساني "الرشد" وهو مقابل لتمام التكوين في العاقل الرشيد ووظيفة الرشد فوق وظيفة العقل الوازع والعقل المدرك والعقل الحكيم لأنها استيفاء لجميع هذه الوظائف وعليها مزيد من النضج والتمام والتمييز بميزة الرشاد حيث لا نقص ولا اختلال وقد  يؤتى الحكيم من نقص في الادراك وقد يؤتي العقل الوازع من نقص الحكمة ولكن العقل الرشيد ينجو للرشاد من هذا وذاك...(12).

-3-

فظاهرة التفكير في الفلسفة الإسلامية تشمل العقل الإنساني بجميع أبعاده ومكوناته ووظائفه وبجميع خصائصها ومدلولاتها...

إن التنويه المتكرر بالعقل في الخطاب القرآني تأكيد على فريضة التفكير في الإسلام وتبين أن العقل الذي يخاطبه الإسلام هو العقل الذي يعصم الضمير ويدرك الحقائق ويميز بين الأمور ويوازن بين الأضداد ويتبصر ويتدبر ويحسن الادكار والروية....

والإسلام دين لا يعرف الكهانة ولا يتوسط فيه السدنة والأحبار بين المخلوق والخالق... فلا ترجمان فيه بين الله وعباده.... ودين بلا كهانة لن يتجه فيه الخطاب بداهة إلى غير الإنسان العاقل حرا طليقا من كل سلطان يحول بينه وبين الفهم القويم والتفكير السليم....(13).

إن الحرية التي تضمن للناس أن يتعايشوا فيما بينهم في حدود القانون في دائرة التضامن العام إنها ليست حرية النفس المطلقة لأنها خاصة بالفكر وعلاقته بالإرادة وبالواقع ولكن الحرية المدنية التي مناطها الحياة الاجتماعية وهي أصل كل الحريات الأساسية لأنها تتعلق بحياة الإنسان وترجع  إلى إثبات قيمته وضمان كرامته كفرد وهي التي تتيح له أن يتقدم نحو الحرية الكاملة، كمثل أعلى...(14)

إن الإنسان مركب من حيوانية هي بشريته ومن روحانية  هي فطرته ويرى علال الفاسي أن للفطرة معنيين، الأول في كونها صفة روحانية إنسانية ممثلة في المروءة التي وضعها الله في الإنسان ليتحمل المسؤولية وإدراك الحرية والمعنى الثاني أنها جملة من الإمكانات العقلية والمعرفية والمدنية....(15)

فإذا بلغ الإنسان هذا المبلغ فقد انتهى إليه بالعقل والعلم والإيمان... على توافقه.... وكلمة سواء...

4-

العلامة علال الفاسي مفكر موسوعي متعدد الأبعاد غزير الإنتاج وقد ضمن كتابه النقد الذاتي مشروعا فكريا متعاملا جعل مرتكزه أن من يطلب الحرية يجب أن يعلم التفكير في معانيها، فالحرية تكمن في يعد المرء نفسه لمبدأ صحيح وعقيدة ثابتة ويعمل ويكافح من أجل تحقيقها، ويرعاها في سلوكه وأعماله وتفكيره.

فالفكر الحر لا يستطيع أحد أن يقيده ويجب أن نعرب عما يخالج نفوسنا من آراء وتستعد للتضحية بالنفس والغالي في ذلك، فالأمة التي تعتاد التفكير هي التي تستطيع التفريق بين الدعوات الصالحة وغيرها وهي التي تستطيع أن تنجب نبغاء الفكر وقادة الرأي وزعماء الإصلاح...

وإن تعميم التفكير في الأمة هو سبيل نهوضها وتحريرها ....(16)وقد ذكرت في كتابي عن علال الفاسي ، إن المشروع الفكري المعرفي لعلال الفاسي يتسم برحابة النظر والمعرفة الواسعة، وقد أتاحت له الدراسة المعمقة لكل من الثقافة الإسلامية والثقافة الغربية الحديثة بناء رؤية تركيبية تجمع بين الأصالة والمعاصرة استطاعت أن تتكلم لغة العصر بدون تحرج وبعيدا عن سوء الهضم العقلي...

جعل من الحرية التي هي جوهر إنسانية الإنسان الأساس والمنهج والطريق إلى الريادة والسبيل إلى النهوض الحضاري..."

إن ما توخيناه من هذه الدراسة.. هو  الوقوف عند بعض مظاهر التفكير الفلسفي في المشروع الفكري لعلال الفاسي...

ونعني  بالتفكير الفلسفي ما تضمنته أبحاثه في التاريخ والاجتماع والشريعة والسياسة من مصطلحات يراد بها البحث في النظريات والأفكار التي تصاغ منها وجهة نظر حول الوجود والمجتمع... وتنظر في العقيدة الإلهية، وفي أصول الخلق والوجود والشرائع والنظم الاجتماعية... وقد خاض فلاسفة الإسلام ومفكريه وعلمائه قديما وحديثا في كل باب من هذه الأبواب على أوسع مدى وأصرح بيان...

وتتجلى سعة الإسلام في أن كبار فلاسفة الاسلام خاضوا غمار الأفكار الفلسفية (اليونانية والهندية والفارسية) وعرضوا لكل مشكلة من مشاكل العقل والإيمان وتكلموا عن وجود الله  ووجود العالم ووجود النفس...وخرجوا من سبحاتهم الطويلة  في هذه المعالم والمجاهل فلاسفة مسلمين دون أن يعنتوا أذهانهم في التخريج والتأويل...(17).

إن المتأمل في  فلسفة البحث والنظر عند علال الفاسي سوف يتضح له بجلاء أنها مستمدة من منهج الأصوليين (علماء أصول الفقه) الذي يقوم على السبر والتقسيم من خلال بنائهم المعرفة الأصولية في صورة قواعد تجمع جزيئات كثيرة وضوابط تندرج تحتها أحكام متعددة توحي بمعانيها الاستقرائية للنصوص الشرعية...(18)

وقد عرف الغزالي الاستقراء بأنه تتبع الحكم في جزئيات كثيرة داخلة تحت معنى كلي فالاستقراء على هذا المعنى يعمل على ربط النتائج بالأسباب وذلك بتحديد القوانين التي تضبط هذه الظواهر وبنياتها الداخلية ... وعند الجرجاني فإن الاستقراء هو الحكم على الكل لوجوده  في أكثر جزئياتها....(19).

وحدده المعاصرون  بأنه كل استدلال تجيء النتيجة فيه أكثر من المقدمات التي ساهمت في تكوين ذلك الاستدلال (وهو تلك العملية التي بواسطتها يمكننا الانتقال من معرفة الواقع إلى القوانين التي تخضع لها..(20).

-5-

المنهج الأصولي هو منهج بحث وتتبع ونظر فائدته بيان المسائل وسبر غورها وفهم الخطاب جملة، ليكون الانتهاء إلى جواب شامل وصياغة قاعدة عامة وقانون، تكشف وتفسر حقائق الأمور....

يعتبر علال الفاسي  مفكرا أصوليا، متشبع بالمنهج وملتزم بأصوله  وقواعده، وانشغل باعتباره مفكرا مقاصديا بتأصيل القيم الفلسفية الراهنة للإنسان المعاصر وحاجته المعنوية وضروراته القيمية  وهذا ما دفعه في أبحاثه ودراساته الفكرية الى تناول القضايا المتعلقة بالسياسة والاجتماع والحرية والديمقراطية والعدل والمساواة ... ومقاربتها في عداد الكليات الشرعية الضرورية.

فكان النظر الفلسفي جزءا مهما في السجال العلمي والتدافع المعرفي المعاصر بين التصور الإسلامي وغيره من التصورات الفلسفية الحديثة. وقد انتهى الأمر بالخطاب المقاصدي المعاصر إلى استدعاء الواقع لاكراهاته وضروراته الوجودية في التقصيد للكليات الشرعية..(21).

إن الشريعة نظام كلي للحياة ومقاصدها تعم سائر مجالاتها المتنوعة خاصها وعامها دقيقها وجليلها....

وإذا كانت الغايات الكبرى للبشر، لا تمر إلا عبر تمثلات واقعية للقيم الإنسانية المطلوب العناية بها والاهتمام بقدرها لأنها تخدم بدورها حفظ الكليات الضرورية في استمرار الحياة وتقدمها.... (22).

فقد وقف علماء الإسلام عند أسس الهيمنة الحضارة الغربية... وخطر آليات التثاقف والنظر على جملة القيم الإنسانية والروحية والدينية الواجب صيانتها وحفظها في مجالات التواصل القيمي لمنع الهيمنة  الثقافية على الإرادات البشرية....

فالروح الإسلامية تستمد مقوماتها من المنهج القرآني الاستقرائي الذي ينأى أشد النأي عن التصور الميتافيزيقي والمادي للحضارة الغربية فكان من المحتم ،أن يكون للمسلمين منهجهم في البحث تقوم عليه مقومات حضارتهم العلمية، ويكون طابع تلك الحضارة الأساسي وجوهرها الوحيد (23) من هذا المنهج استمد علماء الإسلام ومفكروه في جميع العصور الروح الملهمة والقوة التي  تدفع بالحياة إلى التجديد و التطور والرقي.

وقد جاء الإسلام لتطوير الحياة وذلك بإطلاق الطاقات نحو الإنشاء العمراني والسمو الأخلاقي والروحي..و ضمن هذا السياق يندرج فكر علال الفاسي الفلسفي الإصلاحي التجديدي.. ودعوته إلى بعث ونهوض حضاري انطلاقا من كون  الإنسان يؤمن في أعماقه ووجدانه بمعرفة الفكر... لأن صلته عميقة بهذا الوجود غير المحدود وهي أبعد غورا من الصلات الحسية التي تحصرها العلوم المتغيرة... ويعلم علمايقينيا أن الصلة وراء ذلك لن تكون إلا بالإيمان. والإسلام عقيدة حية وإنها لب ووجدان وتفكير وإيمان...

ولابد للجماعة من دين  يهديها إلى الفكر ويهديها الفكر إليه..

خاتمة:

بعد أن عرضنا جملة من الافكار والطروحات التي تصب في مجال التفكير الفلسفي نختم بالسؤال الذي قد يخطر  ببال القارئ : هل كان علال الفاسي فيلسوفا وبأي معنى؟

يشبه هذا السؤال سؤال  طرح على الشيخ محمد عبده (ت 1905هـ) "من يكون الفيلسوف؟ فأجاب بأن الفيلسوف هو الذي له رأي في المسائل العقلية والاجتماعية يمكنه الاستدلال عليه والمدافعة عنه" ، ويمكن أن نضيف إلى هذا التعريف لمفهوم الفيلسوف بأنه صاحب الفكر الذي يروم الاصلاح أي تصويب ما أعوج وتجديد ما تآكل، وإعادة ترميم وتطوير وبناء لنظام الثقافة والمجتمع..

والعنصر الثاني الذي ينطوي عليه مفهوم الفيلسوف هو أن الفلسفة ممارسة دائبة للسؤال والسؤال لغة هو "الطلب" ، ومعلوم أن الطلب هو الشرط الضروري لحصول المعرفة، فتكون الفلسفة بانبنائها على السؤال قائمة مقام الشرط الذي تحصل به المعرفة ما دامت حقيقة السؤال هي أنه طلب السائل معرفة المسؤول عنه وحينئذ  يصح أن يقال بـأنه لا معرفة بغير فلسفة كما لا يصح القول بأنه لا معرفة بغير طلب، وإذا صار كل علم يستلزم الفلسفة استلزامه لطلب فقد انفتح للمشتغل بالعلم باب ممارسة التفلسف ما بقى على استزادة  من العلم بما أن الاستزادة لا تكون إلا طلبا وأن الفلسفة لا تتحدد إلا بالطلب (25).

وهكذا يتضح بأن جميع معاني التفلسف تنطبق على علال الفاسي سواء باعتباره مفكرا اصلاحيا أو باعتباره عالما أصوليا زيادة على ثقافته الفلسفية الواسعة التي جعلته في كتاباته يناقش كبار الفلاسفة بندية فلا يكتفي بعرض أفكارهم ونظرياتهم  في القضايا التي يبحثها بل يقوم بالرد على بعض أطروحاتهم ويفند بعض أرائهم في المسائل الفلسفية الكبرى..

ومن بين الفلاسفة الذين عرض جانبا من أفكارهم وناقشها بروية وعمق نذكر: أرسطو وديكارت واسبينوزا وكانط وهيجل وماركس وبرغسون وسارتر وغارودي وغيرهم..

وفي كتابه "الحرية" قدم عرضا لمختلف المدارس والمذاهب الفلسفية مع ابداء رأيه في القضايا والمسائل التي أثاروها وبلوروا حولها تصورا خاصة فيما يتعلق بالإلهيات والمصير الانساني..

وإذا كان كل مصلح  فيلسوف يتصل اصلاحه بالتفكير كما يتصل بالعمل وهو فيلسوف حين تكون الفلسفة حكمة وبحثا عن سر الوجود ورأيا في كليات الحقائق..

فإن علال الفاسي مصلح فيلسوف بكل ماشئنا من معاني الاصلاح والفلسفة ..

 

أحمد بابانا العلوي

 

 

منى زيتونلدى تلميذات الصف الثاني الإعدادي*

مقدمة: يعد التذكر مرآة التعلم، حيث أن التذكر هو السلوك الذي يحدد لنا حدوث عملية التعلم، فالذاكرة عملية معقدة ومتفاعلة تكون متطلبة لحدوث التعلم، وبدون مهارات ذاكرة جيدة تنشأ مشاكل تعلم عديدة. ولقد كان الاهتمام بدراسة ما وراء الذاكرة لكونه واحدًا من الأساليب المعرفية للتعلم، حيث لا يكون الاهتمام منصبًا فقط على تذكر المعلومات، بل يتعداها إلى دراسة كيفية اكتساب الفرد للمعلومات وتخزينها واسترجاعها، وقدرته على تقدير صعوبة/سهولة مهام التذكر، وعلى ملاحظة التقدم عند إدخال المعلومات بالذاكرة، وكذلك قدرته على تنظيم المعلومات بذاكرته؛ واختياره أفضل استراتيجية أثناء تنفيذ مهام التذكر. ولا زال أغلب المعلمين في عالمنا العربي يوجهون جهودهم فقط إلى تنمية التذكر والاسترجاع، ولا يتعدون ذلك إلى السعي إلى التوصل لفعالية في تعلم المادة الدراسية وإتقانها، والذي يتحقق من خلال تنمية مكونات ما وراء الذاكرة.

ومن المعروف أن التذكر هو إظهار الدلالات على التأثر بشيء في الماضي، وقد يكون التذكر كاملًا وتامًا للخبرة السابقة وهو ما يسمى الاستدعاء recalling، كما قد يكون التذكر مجرد التعرف على شيء لسابق خبرة في الماضي، ولا يكون التذكر هنا تامًا بل يكون مجرد شعور بأن هذا الشيء مألوف ومر بخبرة الفرد في الماضي وهو ما يسمى التعرف recognizing. وفي هذا الشأن يذكر رادفانسكي (Radvansky, 2006) أن الشعور بالمعرفة Feeling of Knowing (FOK) –وهو أحد ظواهر ما وراء الذاكرة- يحدث عندما يشعر الفرد أن لديه شيئًا في ذاكرته لا يمكن أن يُستدعى لكن يمكن التعرف عليه إذا رُؤي.

وإذا كانت القدرة التذكرية هي تكوين فرضي مسئول عن أساليب النشاط المتعلقة بالاستدعاء والتعرف، فإنه من المعروف وجود ثلاث عمليات شائعة في منظومة الذاكرة وهي (التشفير- التخزين- الاسترجاع). ويقصد بالتشفير العملية الخاصة باتخاذ قرار حول طريقة تصنيف المعلومات، والتي يتم بواسطتها تكوين آثار الذاكرة، وتعمل على بقاء المعلومات بالذاكرة، أما التخزين فهو عملية حفظ المعلومات في الذاكرة، والعملية الثالثة وهي الاسترجاع هي القدرة على تكرار الاستجابة، وتُسترجع المعلومات من الذاكرة طويلة المدى باستمرار، ويتم هذا الاسترجاع إراديًا ولا إراديًا (عادل العدل، 1992، ص ص 179- 180).

إن المثير يُلتقط بواسطة مستقبلات الحس ويتحول للمخ من أجل التخزين، وهذا النظام التخزيني يقسم الذاكرة –وفقًا لنموذج أتكنسون و شيفرين (Atkinson & Shiffrin, 1968 as cited in John, 1993, p.4)- إلى ذاكرة حسية وذاكرة قصيرة المدى وذاكرة طويلة المدى. وتعرف مادلين بيرلي آلن (ترجمة 2006) الذاكرة بأنها مهارة ومنظومة لمعالجة المعلومات، وتتكون من ثلاث وظائف أساسية حيث تُقسم الذاكرة وفقًا لعمليات التخزين إلى:

1-ذاكرة حسية ناقلة sensory memory تستقبل معلومات من الأعضاء الحسية (الحواس) وتحتفظ بها (لمدة لا تزيد عن خمس ثوان)، لذا لا بد من نقلها إلى مستودع آخر. ويذكر جون (John, 1993, p. 4) أن هذه الذاكرة تحمي نظام معالجة المعلومات من أن يصبح مزدحمًا بمثيرات غير متعلقة.

2-الذاكرة قصيرة المدى short-term memory (STM) تستقبل المعلومات من الحس الناقل حتى تحدث عملية ذهنية واعية، وفي هذه الذاكرة تتم معالجة المعلومات فإما أنها تحذف من الذاكرة القصيرة الأجل أو أنها ترسل إلى الذاكرة طويلة المدى، وعادة عندما لا يتم نقل المعلومات إلى الذاكرة طويلة الأجل خلال خمس عشرة ثانية فإن المعلومات تُنسى. يذكر جون (John, 1993, p. 5) أنه نظرًا لأن المعالجة الواعية النشطة للمعلومات تحدث في الذاكرة قصيرة المدى فإنه غالبًا ما يُشار إليها بالذاكرة العاملة working memory. بالرغم من ذلك وجد ميللر (Miller, 1956 as cited in John, 1993, p.5) أن سعة هذه الذاكرة محدودة 7 (±2) أجزاء من المعلومات في المرة الواحدة.

3-الذاكرة طويلة المدى long-term memory (LTM) وهي الذاكرة التي يتم خزن المعلومات فيها على المدى البعيد. وهي ذات سعة غير محدودة؛ لذا لابد من تنمية وتطوير هذه الذاكرة وتدريبها على خزن واسترجاع المعلومات بشكل سريع وقوي. ويذكر رجاء أبو علام (2003 ب، ص 348) أنه مما يميز الذاكرة طويلة المدى عن الذاكرة قصيرة المدى هو قدرتها على تنظيم المعلومات ما يساعدها على الاحتفاظ بها فترات طويلة، ويسهل على الفرد استرجاعها عندما يريد.

ويقترح لوكل وشنايدر (Lockl & Schneider, 2007, p.p. 149-150) سلسلة من الخطوات الارتقائية من أجل الفهم المتزايد لعمليات ومحتويات الذاكرة. وكخطوة أولى في هذه السلسلة قد يحتاج الأطفال مفهوم المعرفة؛ ذلك إنهم يجب أن يفهموا أن حالات المعرفة تعتمد على التجربة الغنية بالمعلومات المفيدة. ثم كخطوة ثانية بعد اكتسابهم هذا المفهوم، قد يبدأ الأطفال في اكتساب فهم كامل لمفاهيم ذاكرة معينة، والتي قد تصبح واضحة في فهمهم المتزايد لأفعال عقلية مثل "يتذكر" أو "ينسى". أما الخطوة الثالثة -أو ربما بشكل متزامن- فبينما يكتسب الأطفال إدراكًا لذكرياتهم وذكريات الآخرين، فإنهم ربما أيضًا يكتسبون فهمًا أعمق للكيفية التي تعمل بها ذاكرتهم، وأي المتغيرات تؤثر على الذاكرة. على سبيل المثال: إنه قد يكون أصعب تذكر مفردات عديدة من تذكر مفردات قليلة فقط. وهنا تظهر ما وراء الذاكرة metamemory في الخطوة الثالثة.

فإذا كان التذكر هو القدرة على تشفير وتخزين المعلومات في الذاكرة، ثم استرجاعها وقت الحاجة إليها، وإذا كانت الوظيفة الكبرى للذاكرة هي معالجة المعلومات، فإن ما وراء الذاكرة  metamemory هو مصطلح يُقصد به معرفة كيف تعمل ذاكرتك، وأن تكون قادرًا على المراقبة والتنظيم الذاتي لأنشطة ذاكرتك. وتمد ما وراء الذاكرة بخلفية هامة للتلميذ الذي يكون مهتمًا بمراقبة تعلمه في جهد لإحراز أهداف مرغوبة والوصول لإمكانية تعليمية تامة.

وتشير نتائج لبعض الدراسات مثل دراسة إمام مصطفى سيد وصلاح الدين حسين الشريف (1990) إلى أن استخدام استراتيجية ما وراء الذاكرة ذو فعالية في تحسين التحصيل الدراسي، ودراسة لوكانجيلي وآخرين (Lucangeli et al., 1995) التي أشارت إلى أن التدريب على ما وراء الذاكرة قد حسَّن التحصيل الأكاديمي لدى التلاميذ ذوي صعوبات التعلم. كذلك أشارت نتائج دراسة سينكافيتش (Sinkavich, 1991) إلى أن ما وراء الذاكرة كان من أفضل المنبئات بأداء الاختبارات، ودراسته (Sinkavich, 1988) إلى أن التلاميذ الجيدين –كما عرفوا من الدرجات على الاختبار النهائي- ظهر أن لديهم دقة أكثر في ما وراء الذاكرة مما لدى التلاميذ الضعاف. كما أشارت نتائج دراسة منال شمس الدين (2005) إلى وجود علاقات ارتباطية موجبة دالة (تراوحت معاملاتها بين 0.417 و 0.618) بين مكونات ما وراء الذاكرة (الوعي والتشخيص والمراقبة والتنظيم واستراتيجية ما وراء الذاكرة) والتحصيل الدراسي، كما وجدت الباحثة فروقًا دالة إحصائيًا بين التلميذات مرتفعة ومنخفضة التحصيل الدراسي في مكونات ما وراء الذاكرة، حيث كانت متوسطات درجات مكونات ما وراء الذاكرة للتلميذات مرتفعة التحصيل الدراسي أعلى من نظيراتها للتلميذات منخفضة التحصيل الدراسي. وأظهرت نتائج دراسة ليل (Leal, 1987) علاقة موجبة بين أداء الفصل الدراسي والاستخدام المنصوح به لطلاب الجامعة للاستراتيجية التنظيمية عندما خططوا للدراسة من أجل مهمة استدعاء حر.

في عام 1983 قدم هوارد جاردنر Howard Gardner   نظريته للذكاءات المتعددة Multiple Intelligences Theory، والتي صنَّف فيها القدرات العقلية إلى ثمانية ذكاءات تعبر عن القدرات العقلية المختلفة للأفراد (ذكاء لفظي- ذكاء منطقي/رياضي– ذكاء بصري/مكاني– ذكاء جسمي/حركي– ذكاء موسيقي– ذكاء طبيعي– ذكاء تفاعلي– ذكاء شخصي)، وقد لاقت تلك النظرية اهتمامًا كبيرًا من علماء النفس المعرفيين منذ بزوغها، وعلى عكس الكثير من نظريات الذكاء كان لهذه النظرية الكثير من التضمينات التربوية التي نتجت عنها تباعًا، حيث يرى جاردنر أن تعلم فروع المعرفة يمكن أن يتم بأكثر من طريقة في ضوء فهمنا للذكاءات المتعددة، كما يمكن أن يتم تقويم تعلم التلاميذ بأكثر من طريقة.

ويذكر رجاء أبو علام (2003 ب، ص 349) أن النسيان يكون سريعًا بالنسبة للأشياء التي لا معنى لها أو الأشياء المنعزلة غير المترابطة، في حين أن الحفظ يكون أكبر وأكثر ثباتًا بالنسبة للمادة ذات المعنى وبخاصة إذا كانت مشوقة، وهو ما يوفره مدخل الذكاءات المتعددة في التدريس.

هذا وتشير الدلائل إلى أنه حتى أطفال ما قبل المدرسة يكون لديهم فهم أساسي للذاكرة، ويمكن أن يظهروا ما وراء ذاكرة دقيقة، وأن بعضًا من ما وراء الذاكرة التقريرية (التصريحية) تتطور بالفعل أثناء سنوات ما قبل المدرسة (Kreutzer et al., 1975; Wellman, 1977 as cited in Lockl & Schneider 2007)   ، إلا أنه بالرغم من ذلك فإنه يطرأ تحسن على ما وراء الذاكرة بينما ينضج الأطفال.

كما تشير الدراسات إلى أنه من الممكن أن يطرأ تحسن على الذاكرة وما وراء الذاكرة باستخدام استراتيجيات تدريسية ترتبط بالمحتوى الدراسي الذي يدرسه التلاميذ، وبالرغم من وجود بعض الدراسات التي استخدمت استراتيجيات مباشرة لتنمية ما وراء الذاكرة لدى التلاميذ، مثل دراسة مختار الكيال (2006)، فقد رأت الباحثة من خلال تطبيقها لمدخل الذكاءات المتعددة في بحثها للدكتوراة -العام الدراسي 2006/2007- أنه يمكن أن يمثل استراتيجية تدريب غير مباشرة لتنمية مكونات ما وراء الذاكرة؛ حيث لاحظت الباحثة أن هذا المدخل قد رفع مستوى الانتباه لدى التلاميذ والتلميذات –عينة دراسة الدكتوراة- نظرًا لتنوع الأنشطة التدريسية ما زاد من سعة الذاكرة، كذلك لاحظت الباحثة أنه نظرًا لاعتماد الأنشطة المعرفية المتنوعة بهذا المدخل التدريسي على الذاكرة العاملة، لكونها المسئولة عن تشفير المعلومات بأشكالها المختلفة موسيقية ولغوية ومنطقية/رياضية و....... ومن ثم تحويلها إلى الذاكرة طويلة المدى، فقد أدى ذلك لارتفاع مستوى التحصيل الدراسي لدى عينة دراسة الدكتوراة، وذلك وفقًا لنتائج تحصيل عينة تلك الدراسة، كما اتضح لدى التلاميذ زيادة الوعي بقدرات الذاكرة وبالطرق التي يتذكرون بها المعلومات –وهو يمثل أحد مكونات ما وراء الذاكرة- حيث قرر أفراد العينة أن قدرتهم على تذكر المعلومات قد ارتفعت، وأن استدعاءها أيضًا صار أسهل، وذلك وفقًا لما قرره التلاميذ والتلميذات في المقابلات التي قامت بها الباحثة معهم بعد انتهاء دراسة الدكتوراة، وتلك المقابلة التي قامت بها إحدى مذيعات التليفزيون في أحد البرامج الثقافية مع 10 من التلميذات، كما كان التلاميذ قادرين وبسهولة على تذكر تفاصيل المحتوى المعرفي الذي درسوه باستخدام مدخل الذكاءات المتعددة في مقابلة أجرتها معهم الباحثة في نهاية الفصل الدراسي الثاني من العام الدراسي 2006/2007، أي بعد انتهاء التدخل التجريبي بأربعة أشهر. ونظرًا لما سبق فإن الدراسة الحالية قد هدفت إلى تطبيق مدخل الذكاءات المتعددة لتدريس العلوم لمدة عام دراسي كامل لتحديد أثر ذلك المدخل التدريسي في ما وراء الذاكرة ومكوناته لدى التلميذات.

وتتفق تلك الرؤية مع ما ذكره عزو عفانة ونائلة الخزندار (2007، ص 125) من أنه نظرًا لتأخر نمو المهارات فوق المعرفية وبطئه، فإنه يحسن التعامل معها بصورة غير مباشرة حتى مستوى المرحلة الأساسية العليا (الإعدادية) (المتوسطة)، ثم يمكن تناولها وتعليمها بصورة مباشرة خلال سنوات الدراسة الثانوية. كذلك أشارت نتائج بعض الدراسات إلى تأخر نمو بعض مكونات ما وراء الذاكرة لدى التلاميذ الصغار، على سبيل المثال أشارت نتائج دراسة دي ماري وفيرون (DeMarie & Ferron, 2003) إلى عدم وجود دليل كاف على عامل ما وراء الذاكرة للأطفال الأصغر سنًا (أعمارهم تتراوح بين 5: 8 سنوات) مقارنة بالأطفال الأكبر سنًا (أعمارهم تتراوح بين 8: 11 سنة). كما أشارت نتائج دراسة جيتي وآخرين (Ghetti et al., 2008) إلى أن الأطفال في عمر السابعة مقارنة بمن في عمر العاشرة والبالغين أظهروا عجزًا في مراقبة الفروق في قوة الذاكرة للحوادث المتخيلة، وعجزًا في مراقبة غياب الذاكرة. وفي دراسة أوسوليفان (O'Sullivan, 1996) التي فحصت الفروق في ما وراء الذاكرة لدى تلاميذ الصفوف الأول والثالث والخامس، وتأثير العلاقات المفاهيمية على الاستدعاء الحر لقائمة من الكلمات من تصنيفين، وقائمة من الكلمات ليس بها علاقات، وجدت الباحثة أن الأطفال الأكبر سنًا عزوا الاستدعاء الأفضل للمادة ذات العلاقة للعلاقات التصنيفية، وقرروا استراتيجيات تنظيمية للتصنيفات، وأظهروا زيادة في الوعي بالتأثيرات المسهلة للعلاقات المفاهيمية على الجهد المعرفي.

ومن ثم اُختيرت مرحلة المراهقة المبكرة –وتحديدًا تلميذات الصف الثاني الإعدادي- لتطبيق البرنامج التدريسي المعد في ضوء استراتيجية الذكاءات المتعددة بهدف تنمية ما وراء الذاكرة ومكوناته لديهن.

مشكلة الدراسة

تظهر نتائج البحث التربوي أن استخدام قنوات تعليمية متنوعة لإدخال المعلومات يسهم في ازدياد سعة الذاكرة العاملة المؤثرة. وتؤكد نظرية الذكاءات المتعددة على ضرورة تنويع أساليب التدريس والتقويم، وأن تتنوع بتنوع الذكاءات المتعددة للمتعلمين، وبما أن الذاكرة القوية تساعد على التفوق الدراسي، والذاكرة شأنها شأن أي متغير من المتغيرات النفسية قابلة للنمو بتأثير استخدام استراتيجيات تدريس تعمل على تحسينها، وبما أن الاهتمام في مجال علم النفس أصبح يتعدى تحسين الذاكرة إلى تحسين قدرتنا على التفكير في الذاكرة أو ما أصبح يُعرف بـ "ما وراء الذاكرة"؛ حيث استنتج بريسلاي وشنايدر (Pressley & Schneider, 1997 as cited in Eriksson, 2000) أن أبحاث ما وراء الذاكرة الحديثة أظهرت أن مقاييس ما وراء الذاكرة هي منبئات قوية للأداء، وأن ما وراء الذاكرة تعلو من حيث الأهمية سلوك وأداء الذاكرة، ومن ثم فإن معرفة الطفل عن ذاكرته –ما وراء الذاكرة- يبدو أنها تؤثر على السلوك الاستراتيجي الذي تباعًا يتنبأ بأداء الذاكرة؛ لذا فقد عُنيت هذه الدراسة بالبحث في إمكانية تنمية ما وراء الذاكرة باستخدام مدخل الذكاءات المتعددة في التدريس.

ومما سبق تتحدد مشكلة الدراسة الحالية في التعرف على الفروق في ما وراء الذاكرة ومكوناته بين تلميذات الصف الثاني الإعدادي اللاتي درسن مادة العلوم باستخدام مدخل الذكاءات المتعددة واللاتي درسن بالطريقة التقليدية.

الإطار النظري والدراسات السابقة

يرى عبيد وعفانة (2003، ص ص 107: 108 في عزو عفانة ونائلة الخزندار، 2007، ص 121) أن عمليات ما وراء المعرفة تأتي على قمة مكونات المنظومة المعرفية، ويعرف جابر عبد الحميد (1999، ص 329 في عزو عفانة ونائلة الخزندار، 2007، ص 123) ما وراء المعرفة على أنها معرفة الفرد بعملياته المعرفية والأنشطة الذهنية وأساليب التعلم والتحكم الذاتي المستخدم في عمليات التذكر والفهم والتخطيط والإدارة وحل المشكلات.

ويفصِّلها جابر عبد الحميد (2008، ص 25) حين يذكر أن مصطلح ما وراء المعرفة يشير إلى معرفة الفرد بعملياته المعرفية ونواتجه أو أي شيء يتصل بها... على سبيل المثال "أنا مندمج في ما وراء المعرفة، ما وراء الذاكرة، ما وراء التعلم، ما وراء الانتباه، ما وراء اللغة.. الخ" إذا لاحظت أني أجد صعوبة أكبر في تعلم "أ" عن تعلم "ب"، وإذا خطر على عقلي أنني ينبغي أن أراجع مرة أخرى "ج" قبل أن أقبلها كحقيقة، وإذا أدركت أن من الأفضل بالنسبة لي أن آخذ مذكرة عن "د" لأني قد أنساها. إن الميتامعرفية تشير من بين أشياء أخرى إلى المراقبة النشطة وما يترتب على ذلك من تنظيم لهذه المعلومات وتنسيق أو تناغم بينها عادة في خدمة هدف عياني ومحسوس.

ويمكن القول إن لما وراء الذاكرة نتائج هامة تتصل بالكيفية التي يتعلم بها الناس، ويستخدمون ذاكرتهم، على سبيل المثال.. عند المذاكرة يقوم التلاميذ بعمل أحكام عما إذا كانوا قد تعلموا المادة المخصصة بنجاح، ويستخدمون تلك القرارات والتي تُعرف باسم أحكام التعلم Judgments of Learning لكي يوزعوا وقت المذاكرة  (Nelson & Narens, 1990).

والمتتبع لمفهوم ما وراء الذاكرة في التراث السيكولوجي يجد أن هذا المفهوم قد قُدم لأول مرة منذ أوائل السبعينات على يد جون فلافل (John Flavell, 1971)، حيث يذكر ناوشاد بي بي (Noushad P P, 2008, p.1) أن هذا المصطلح كان سابقًا على مصطلح ما وراء المعرفة metacognition الذي قدمه العالم نفسه –فلافل Flavell- في نهاية السبعينيات. ويمكن للباحثة -من مراجعة الأدبيات المختلفة في المجال- القول إن فلافل قد توصل إلى مفهوم ما وراء المعرفة من خلال البحث في عمليات الذاكرة.

غير أنه على حداثة مفهوم ما وراء الذاكرة فإنه بإمكاننا أن نجد جذورًا لهذا المفهوم في تراث علم النفس والفلسفة، على سبيل المثال تحدث الفيلسوف ديكارت Descartes عن عملية التفكير بالتفكير (Metcalfe, 2000, p.197). وفي أواخر القرن التاسع عشر تأمل براون وجيمس (Browne & James as cited in Cavanaugh & Perlmutter, 1982) –لكن لم يتحققا تجريبيًا- العلاقة بين أحكام الذاكرة وأداء الذاكرة. كما يمكن أن نجد في كتابات جون لاك (John Locke, 1924 as cited in Noushad P P, 2008, p.2) استخدامًا لمصطلح "انعكاس reflection" ليشير إلى فهم حالة عقولنا الخاصة أو الملاحظة التي يعطيها العقل لعملياته الخاصة. الاستبطان "تأمل الذات" Introspection هو أيضًا تقنية اُستخدمت من قبل بعض علماء النفس الأوائل لإيجاد الإجابة على الأسئلة النفسية، وكان أيضًا إشارة أولى للاهتمام بالعمليات ما وراء المعرفية. وفي البحث عن أصول ما وراء المعرفة وما وراء الذاكرة ذهب علماء آخرون بعيدًا عن القرن العشرين، فيشيرون إلى افتراض أرسطو أنه بالإضافة إلى الشيء المرئي والمسموع حقيقة يصبح العقل واعيًا بفعل ذلك.

وتذكر فاطمة المدني (د.ت) ومحمد الوطبان (2010) أنه على الرغم من مرور عقود على استخدام مصطلح ما وراء المعرفة Metacognition إلا أنه لا يزال هناك غموض يحيط بهذا المفهوم من حيث ماهيته. ولعل من الأسباب المهمة لهذا الغموض هو وجود أكثر من مصطلح مستخدم حاليًا يعبر عن الظاهرة نفسها فعلى سبيل المثال لا الحصر مصطلح ما وراء الذاكرة Metamemory، ومصطلح ما وراء الفهم Metacomperhension، ومصطلح ما وراء الإدراك Metaperception، ومصطلح التنظيم الذاتي الموجه Self Regulation. وواقع الأمر أن هذه المصطلحات والمفاهيم ليست في حالة تعارض مع مصطلح ما وراء المعرفة ولكنها في الحقيقة من العناصر المكونة لهذا المفهوم.

إن معرفة الفرد بنظام الذاكرة لديه يعد من أحد مكونات نظام أكبر وهو معرفة الفرد بمنظومة تكوين وتناول المعلومات لديه بصفة عامة التي تنمو وتتطور بنمو الفرد كنتيجة لتراكم الخبرات التي يمر بها (عصام علي الطيب وربيع عبده رشوان، 2006، ص 75). وهو ما يشير إليه مختار الكيال (2006، ص 5) إذ يوضح أن المتتبع لمفهوم ما وراء الذاكرة يمكنه التوصل إلى أن هذا المفهوم يعد بعدًا من أبعاد ما وراء المعرفة بصفة عامة. ويتفق بانو وكازنياك (Panuu & Kaszniak, 2005) مع تلك الرؤية إذ يعرفان ما وراء الذاكرة على إنها "أحد مكونات ما وراء المعرفة، تكون حول إمكانيات الذاكرة للفرد، واستراتيجياته التي يمكن أن تساعد الذاكرة، بالإضافة إلى العمليات المتضمنة في المراقبة الذاتية للذاكرة". كذلك يؤيد لوكل وشنايدر (Lockl & Schneider, 2007, p. 148) ذلك المنظور لما وراء الذاكرة باعتبارها أحد أبعاد ما وراء المعرفة ويعرفان ما وراء الذاكرة على أنها: "المعرفة عن الذاكرة، والمهارات التنفيذية المتعلقة بالمراقبة والتنظيم الذاتي لأنشطة الذاكرة الخاصة للفرد".

ولعل التعريف الأشهر لما وراء الذاكرة الذي ينتشر ذكره في كافة الأدبيات إلى الدرجة التي لم يعد من السهل تتبع العالم الذي قدمه، ذلك التعريف الذي ينص على أن ما وراء الذاكرة هي التفكير في التفكير Thinking about thinking. إلا أن هذا التعريف رغم شيوعه في أدبيات علم النفس فإنه تعريف عام لا تتضح منه أبعاد ومكونات هذا التفكير في التفكير، أو مكونات ما وراء الذاكرة.

ويمكن تصنيف التعريفات الكثيرة لمفهوم ما وراء الذاكرة في ثلاث فئات، حيث اهتمت الفئة الأولى منها بمعالجة المكون المعرفي لمفهوم ما وراء الذاكرة، وما يتضمنه من وعي الفرد الذاتي بمنظومة ذاكرته وقدراته وإمكاناته ومدى تقديره لسعة ذاكرته، ومدى وعيه بالمهام التي يؤديها ومتطلباتها وسهولتها أو صعوبتها في المعالجة، وكذلك مدى وعيه بالاستراتيجيات المختلفة وانتقاء الاستراتيجية المناسبة للمهام التي يؤديها وإمكاناته هو. أما الفئة الثانية فقد اهتمت بالمكون التحكمي لمفهوم ما وراء الذاكرة، وما يتضمنه من المراقبة الذاتية لكفاءة عمليات الذاكرة، والتنظيم الذاتي، والتقويم الذاتي. كما اهتمت الفئة الثالثة من التعريفات بتناول كل من المكون المعرفي والمكون التحكمي لما وراء الذاكرة (مختار الكيال، 2006، ص 5).

والمكون المعرفي لما وراء المعرفة -وما وراء الذاكرة باعتبارها جزءًا من منظومة ما وراء المعرفة- أو ما يُعرف بالمعرفة حول المعرفة  Knowledge Of Cognition أو التقدير الذاتي للمعرفة (Self appraisal of cognition)  يمثل الانطباعات الشخصية التي يملكها الفرد عن نفسه فيما يتعلق بقدراته ومحتواه المعرفي، ويتضمن ثلاثة أشكال: المعرفة التقريرية (التصريحية) Declarative والمعرفة الإجرائية Procedural والمعرفة الشرطية Conditional عن المعرفة والاستراتيجيات والمعلومات والعلاقات المتبادلة بينهم والتي تؤثر في المعرفة والتعلم بصفة عامة. وتشير المعرفة التقريرية Declarative إلى معرفة الفرد للاستراتيجيات المختلفة الخاصة بالذاكرة والتفكير وحل المشكلات والفروق بينها، أي معرفة الفرد حول مهاراته ووسائل تفكيره وقدراته كمتعلم، وتتضمن المعرفة الإجرائية Procedural كيفية استخدام وتفعيل الاستراتيجيات المختلفة فهذه المعرفة تختص بعملية التنفيذ أي إنها تعني معرفة الفرد حول كيفية استخدام الاستراتيجيات المختلفة من أجل إنجاز إجراءات التعلم، بينما تتضمن المعرفة الشرطية Conditional معرفة متى يتم استخدام الاستراتيجيات المختلفة ولماذا يتم استخدام استراتيجية معينة ولماذا تكون الإستراتيجية فعالة (Jacobs & Paris, 1987; Marazano et al., 1998; Schraw & Dennison, 1994).

بينما المكون التحكمي لما وراء المعرفة -وما وراء الذاكرة باعتبارها جزءًا من منظومة ما وراء المعرفة- أو ما يُعرف بالتحكم بالمعرفة أو تنظيم المعرفة Metacognitive Control & Regulation أو الإدارة الذاتية للمعرفة Self Management of cognition فهو سلسلة من العمليات العقلية التي تساعد الفرد في تنظيم الجوانب المتعلقة في حل المشكلة، وهناك اختلاف بين العلماء على مكوناته الفرعية؛ إذ يرى البعض أنه يشمل: التخطيط Planning ويعني الاختيار المتعمد لاستراتيجيات معينة لتحقيق أهداف معينة، ووضع الخطط والأهداف وتحديد المصادر الرئيسة قبل التعلم، وإدارة المعلومات Information Management وهي القدرة على استخدام المهارات والاستراتيجيات في اتجاه محدد للمعالجة الأكثر فعالية للمعلومات وتتضمن (التنظيم، والتفصيل، والتلخيص)، حيث يتضمن التنظيم مراجعة مدى التقدم نحو إجراء الأهداف الرئيسية والفرعية وتعديل السلوك إذا كان ضروريًا، والمراقبة الذاتية Monitoring وتعني وعي الفرد بما يستخدمه من استراتيجيات مختلفة للتعلم، والتنقيح (تعديل الغموض) Debugging هو القدرة على استخدام الاستراتيجيات البديلة لتصحيح الفهم وأخطاء التعلم والأداء، والتقويم Evaluation وهو تقدير مدى التقدم الحالي في عمليات محددة ويحدث أثناء مراحل العملية التعليمية، والقدرة على تحليل الأداء والاستراتيجيات الفعالة عقب حدوث التعلم (فاطمة المدني، د.ت)  (Schraw & Dennison, 1994). أي أن المكون التحكمي يتضمن المهارات والأبعاد التنفيذية لما وراء المعرفة وضبط عمليات تجهيز ومعالجة المعلومات، وهناك من يقتصر على أبعاد التخطيط والتقويم والتنظيم عند تحديد الأبعاد التنفيذية لما وراء الذاكرة (Jacobs & Paris, 1987; Marazano et al., 1998). ومن يقتصر على التخطيط والمراقبة والتقويم الذاتي مثل ستيرنبرج (Sternberg, 1988) (في محمد الوطبان، 2010). عند تصنيفه لخبرات ما وراء المعرفة، بينما يحدد بليغ حمدي إسماعيل (2010) استراتيجيات ما وراء المعرفة في استراتيجية التخطيط، واستراتيجية التنفيذ والتنظيم، واستراتيجية المراقبة والتحكم، واستراتيجية التقييم.

وبالرغم من أن أغلب من عرَّفوا ما وراء الذاكرة وحددوا مكوناتها قد ركزوا على المكون التحكمي لما وراء الذاكرة، فإن الباحثة تتبنى وجهة النظر التي ترى ضرورة شمول مفهوم ما وراء الذاكرة لكلا المكونين المعرفي والتحكمي، متفقة في ذلك مع الباحثين الذين ينتمون لهذه الفئة التي تتناول مفهوم ما وراء الذاكرة كمنظومة من المكونات المعرفية والتحكمية، ونذكر منهم فلافل وويلمان (Flavell & Wellman, 1977) (في مختار الكيال، 2006، ص 7: 8) وإمام مصطفى سيد وصلاح الدين حسين الشريف (1999) ومنال شمس الدين (2005) ومختار الكيال (2006) –مع اختلاف المسميات أحيانًا لكن مع الاتفاق في المضمون-، حيث يشير كل من فلافل وويلمان (Flavell & Wellman, 1977) وفلافل (Flavell, 1979) (في محمد الوطبان، 2010) وإمام مصطفى سيد وصلاح الدين حسين الشريف (1999) إلى المكونات المعرفية بكونها مجموعة المتغيرات المرتبطة بالشخص وبالمهمة وبالاستراتيجية، وهي التي تتساوى مع الوعي والتشخيص واستراتيجية ما وراء الذاكرة في نموذج منال شمس الدين (2005).

وتعرف منال شمس الدين (2005، ص ص 12-13) ما وراء الذاكرة Metamemory –وهو التعريف الذي تتبناه هذه الدراسة- على أنها "وعي الفرد بمنظومة الذاكرة لديه وكيفية عملها وعملياتها، وقدرته على تقدير صعوبة مهام التذكر، واختيار وتوظيف الاستراتيجية المناسبة، ومراقبة فعاليتها، وتنظيم معارف الذاكرة" وتقسم مكونات ما وراء الذاكرة إلى خمس مكونات وهي:

1- مكون الوعي Awareness: هو دراية الفرد بقدرات الذاكرة لديه، وكيفية عملها وعملياتها التي تتضمن التشفير والتخزين والاسترجاع.

2- مكون التشخيص Diagnosis: هو قدرة الفرد على تقدير صعوبة/سهولة مهام التذكر من حيث مقدار المادة، والألفة بالمعلومات، وسرعة تقديم المادة، وطريقة تنظيمها.

3- مكون المراقبة Monitoring: هو ملاحظة الفرد لتقدمه عند إدخال المعلومات في الذاكرة، والملاحظة المستمرة لعمليات معالجة وتجهيز المعلومات أثناء تنفيذ المهام، وقدرة الفرد على التنبؤ بالنتائج المحتملة للنشاط العقلي مستقبلًا.

4- مكون التنظيم Regulation: هو قدرة الفرد على تنظيم المعلومات بالذاكرة بالطريقة التي تساعده على تذكرها بصورة أكثر كفاءة، وتقسيم الوقت بمعالجة تنفيذ مهام التذكر سعيًا لتحقيق أفضل أداء ممكن.

5- مكون استراتيجية ما وراء الذاكرة Metamemory Strategy: هو قدرة الفرد على اختيار أنسب القرارات والأفعال التي يقوم بها أثناء تنفيذ مهام التذكر.

ونلاحظ أن المكون التحكمي لما وراء الذاكرة في نموذج منال شمس الدين (2005) يتكون من مكونين فرعيين فقط هما مكونا المراقبة والتنظيم، مع استبعاد التقويم الذاتي الذي يضيفه مختار الكيال (2006) في نموذجه لما وراء الذاكرة، وبذا تتفق المكونات الخمسة في نموذج منال شمس الدين (2005) مع نموذج فلافل وويلمان (Flavell & Wellman, 1977) ونموذج إمام مصطفى سيد وصلاح الدين حسين الشريف (1999)، وهذا هو النموذج الذي تأخذ به الدراسة الحالية.

وقد قام العديد من العلماء (Schwartz, 1994; Hart, 1965 as cited in Radvansky, 2006;  Radvansky, 2006; Gardiner, 1988)  بدراسة ظواهر ما وراء الذاكرة Metamemory Phenomena، وقاموا بتحديدها في أربع ظواهر أساسية هي:

1- أحكام التعلم Judgments of Learning (JOLs): والتي تشمل أحكام سهولة التعلم Ease-of-Learning Judgments وتتم قبل محاولة المذاكرة، حيث يمكن للأفراد أن يقيِّموا كم الدراسة التي ستكون متطلبة لتعلم معلومات معينة مقدمة لهم، وأحكام سهولة التعرف Ease-of-Recognition Judgments والتي تتنبأ بإمكانية التعرف المستقبلي على المعلومات بعد أن تكون قد قُدمت لهم، وأحكام تعلم الاستدعاء الحر Free-Recall Judgments of Learning والتي تتنبأ بإمكانية الاستدعاء الحر المستقبلي للمعلومات.

2- أحكام الشعور بالمعرفة Feeling of Knowing Judgments (FOK): تشير إلى المشاعر التي تكون للفرد بخصوص معرفته بموضوع معين، وإذا ما كانت تلك المعرفة توجد أو لا توجد في الذاكرة. ولا تركز أحكام الشعور بالمعرفة على الإجابة الفعلية للسؤال، لكن بدلًا من ذلك تركز على ما إذا كان الفرد يعرف أو لا يعرف الإجابة الصحيحة.

3- معرفة أنك لا تعرف Knowing that you don't know: تشير إلى وعي الفرد بحقيقة أنه لا يعرف معلومات معينة، فيرد بشكل تلقائي أنه لا يعرف؛ ذلك أنه ليس من الضروري أن يمر بعملية محاولة إيجاد الإجابة في الذاكرة، لأنه يعرف أن تلك المعلومات لن تُتذكر أبدًا.

4- يتذكر مقابل يعْرِف Remember vs. Know: تقوم هذه الظاهرة على أساس فهم الاختلافات بين تذكر شيء ومعرفة شيء؛ حيث أنه إذا كانت المعلومات حول سياق التعلم ترافق الذاكرة فهي تسمى خبرة (تذكر)، بينما إذا كان الشخص لا يتذكر شعوريًا السياق الذي تعلم فيه قطعة خاصة من المعلومات، ولديه فقط الشعور بالألفة تجاهها فإنها تسمى خبرة (معرفة).

إن عمليات ما وراء الذاكرة تساعد الفرد على التعلم بنجاح، وتعمل على تنفيذ العمليات المعرفية من حيث التخطيط لتعلم مهمة ما، ومراقبة عمليات الفهم، وتقييم مدى التقدم نحو تحقيق التعلم، ولا يقتصر ارتباط عمليات ما وراء الذاكرة فقط بالتعلم، وإنما ترتبط على نحو وثيق أيضًا بالذكاء. كما يذكر دوغلاس هاكر (Douglas Hacker, 2002) (في بليغ حمدي إسماعيل، 2010) أن الاهتمام قد تطور بمفهوم ما وراء المعرفة في عقد الثمانينيات والتسعينيات، ولا يزال يلقى الكثير من الاهتمام نظرًا لارتباطه بنظريات الذكاء والتعلم واستراتيجيات حل المشكلة واتخاذ القرار.

في عام 1983 قدم هوارد جاردنر Howard Gardner نظرية الذكاءات المتعددة Multiple Intelligences في كتابه "أشكال من العقل.. نظرية الذكاءات المتعددة" "Frames of Mind.. The Theory of Multiple Intelligences"  والذي بدت فيه نظريته مختلفة تمامًا عن النظريات العاملية؛ إذ تضع نظرية الذكاءات المتعددة تعريفًا واسعًا للذكاء، فيعرفه جاردنر

 (Gardner, 1983 as cited in Kallenbach and Viens, 2001; Gardner, 1983 as cited in Torff and Gardner, 1999, p.140; Gardner, 1983 as cited in Tapping into Multiple Intelligences page, n. d.; Gardner, 1997 in Chekley, 1997; Gardner as cited in McKenzie, 1999) وجاردنر وهاتش (Gardner and Hatch, 1989 as cited in Brualdi, 1996)

بأنه "القدرة على حل المشكلات أو تكوين المنتجات التي تكون ذات قيمة في ثقافة أو أكثر"، كما يذكر جاردنر (ترجمة محمد العقدة، 1997، ص 396) أن الذكاء هو قدرة سيكولوجية (نفسية) وبيولوجية (حيوية) كامنة، وأن هذه القدرة الكامنة يمكن أن تتحقق بدرجات متفاوتة نتيجة عوامل خبراتية وثقافية ودافعية تؤثر على الفرد. ثم عدّل جاردنر (Gardner, 1999, p.34) تعريف الذكاء ليصبح كالآتي: "هو إمكانية نفس حيوية لمعالجة المعلومات التي يمكن تنشيطها في بيئة ثقافية لحل المشكلات، أو ابتكار المنتجات ذات القيمة في ثقافة ما". وجاءت نظرية جاردنر لتوسع تلك النظرة التقليدية للذكاء ولتؤكد على أن كل الناس يمتلكون ثمانية أنواع منفصلة من الذكاء (ذكاء لفظي/لغوي- ذكاء منطقي/رياضي–  ذكاء بصري/مكاني–  ذكاء جسمي/حركي–  ذكاء موسيقي–  ذكاء طبيعي–  ذكاء تفاعلي–  ذكاء شخصي).

وتعرف الباحثة (منى زيتون، 2007، ص ص 28: 34) هذه الذكاءات –استنادًا لما ذكره العديد من الباحثين (أحمد أوزي، د.ت)

 (Armstrong, 2003; Brualdi, 1996; Christison & Kennedy,1999; Gardner, 1997 in Checkley,1997, p. 12; Gardner, 1999 as cited in Carlson- Pickering, 2001; Garrigan and Plucker, 2001; Hoerr, 2000; Lynn Gilman, 2001; Prescott, 2001, p. 3 as cited in Holmes, 2002; Tapping into Multiple Intelligences, n. d.; Torff and Gardner, 1999,p.143-144)-.

- الذكاء اللفظي/اللغوي: هو القدرة على استخدام اللغة المنطوقة والمكتوبة –لغتك الأصلية وربما لغات أخرى- للتعبير عما يدور في الذهن –نثرًا أو شعرًا- ولفهم الآخرين ولتذكر الأشياء والمعلومات.

- الذكاء المنطقي/الرياضي: هو القدرة على التعامل مع الأرقام والكميات والعمليات، والإقناع بالحجة والمنطق، والتفكير بطريقة استنتاجية منطقية، واستخدام وتقدير العلاقات العددية والسببية والمجردة والمنطقية.

- الذكاء البصري/المكاني: هو القدرة على تعرف التكوين والمسافة واللون والخط والشكل، وعلى توضيح الأفكار البصرية والمكانية بيانيًا، كذلك القدرة على تصور العالم المكاني داخل العقل –هذا العالم المكاني قد يكون واسعًا يعكس وضعنا المادي في الفراغ وقدرتنا على الإبحار والاستكشاف أو يكون أكثر محدودية-، والقدرة على معالجة العلاقات المكانية (الفراغية) واستخدام الخيال.

- الذكاء الجسمي/الحركي: هو القدرة على استخدام القدرات العقلية للفرد لتنسيق حركات الجسم الذاتية واستخدام الجسم –بالكامل أو أجزاء منه- للتعبير عن الأفكار والمشاعر ولحل المشكلات ولصناعة بعض المنتجات والقيام ببعض الأعمال.

- الذكاء الموسيقي: هو القدرة على التفكير في الموسيقى، وعلى سماع أساليب مختلفة الشكل من التأليف الموسيقي وتعرفها وتذكر الإيقاع وطبقة الصوت واللحن، وربما أداءهم، والانفعال بالآثار العاطفية لهذه العناصر الموسيقية، وكذلك القدرة على التكوين والخلق الموسيقي.

- الذكاء الطبيعي: هو القدرة على التعرف والتمييز بين الأشياء الحية (النباتات- الحيوانات)، بالإضافة إلى الحساسية للملامح الأخرى من العالم الطبيعي (السحب- أشكال الصخور)، كذلك القدرة على تصنيف النباتات والحيوانات والمعادن، ويمكن أن نضيف إلى ذلك في مجتمعاتنا الحديثة القدرة على التعرف والتمييز بين الأشياء التي يصنعها الإنسان مثل السيارات والأحذية المطاطية وأمثالها، وأخيرًا.. القدرة على الفهم والعمل في العالم الطبيعي.

- الذكاء التفاعلي: هو القدرة على تعرف وفهم مشاعر ودوافع وأهداف واعتقادات ونوايا ورغبات الآخرين، والتمييز بينها، والاستجابة لها، ومن ثم العمل مع الآخرين.

- الذكاء الشخصي: هو القدرة على امتلاك الفهم لنفسك، ومعرفة من أنت، وماذا يمكنك عمله، وماذا تريد أن تفعل، وكيف تتفاعل مع الأشياء، وأي الأشياء تتجنب، وأي الأشياء تنجذب إليها، وتعرُف المتشابهات والاختلافات في نفسك عن الآخرين، وأن تكون متلائمًا مع المشاعر الداخلية والقيم والمعتقدات وعمليات التفكير، وتستخدم تلك المعلومات لضبط حياتك الشخصية واتخاذ قرارات. إنه الذكاء الذي يُمكِّن الأفراد أن يُكوِّنوا نموذجًا عقليًا عن أنفسهم يتفهمون من خلاله مشاعرهم ودوافعهم الذاتية، ويعتمدون عليه في كل ما يخص حياتهم.

وقد تميزت نظرية جاردنر عن باقي نظريات الذكاء بتضميناتها التربوية؛ إذ يذكر جاردنر أن المتعلمين يمكنهم التعلم بطرق عديدة تتنوع بتنوع الذكاءات، ويوضح أرمسترونج (Armstrong, 2000) أن المعلمين اليوم يتعلمون كيف يقدمون المادة خلال تشكيلة من القنوات التعليمية متضمنة بصريات وموسيقى ووسائط متعددة وتعليم عن طريق الفريق وعروض عملية واستكشاف المواد. وتؤكد لامب (Lamb, 2002) على عدم وجود طريقة صحيحة ومناسبة واحدة لإدماج مدخل الذكاءات في الفصل الدراسي، إنه يستلزم فقط تغيير فكرتنا عن التدريس والتعلم والإمداد بتشكيلة من الأنشطة والخبرات لتسهيل التعلم.

وتظهر نتائج البحث التربوي أن هذا الاستخدام للقنوات التعليمية المتنوعة لإدخال المعلومات يسهم في ازدياد سعة الذاكرة العاملة المؤثرة؛ حيث تشير مادلين بيرلي آلن (2006) إلى أن بعض الناس يبدو أنهم يتذكرون ما يرون، بينما البعض يتذكرون بشكل أفضل عندما يسمعون، ولقد أثبتت الدراسات أن استخدام الذاكرة البصرية التي تعتمد على رؤية الأشياء والذاكرة السمعية التي تعتمد على سماع الأشياء معًا له مميزات أفضل خصوصًا في تعلم الأسماء واللغات أو المصطلحات. وهو ما يتفق ونظرية التشفير الثنائيDual-Coding Theory لبايفيو (Paivio, 1969, 1971, 1986, 1990 as cited in Marzano et al., 2001; Mousavi et al., 1995; Yang et al., 2003, p.330) التي تذكر أن الحجم المؤثر من الذاكرة العاملة قد يزيد عن طريق تقديم المعلومات بأسلوب مختلط (شكل سمعي وبصري) بدلًا من أسلوب واحد لأن المعرفة تخزن في شكلين وليس في شكل واحد (شكل لغوي وشكل بصري أو غير لغوي). الشكل اللغوي هو دلالات ألفاظ في طبيعته، أما الشكل البصري فيعبر عنه كصور عقلية أو حتى إحساسات جسمية مثل الشم والتذوق واللمس والارتباط الحركي والصوت، وأن نشاط المخ يتم حفزه أكثر لدى التلاميذ الذين يبدعون في التمثيلات غير اللغوية. بينما يرى أندرسون (Anderson, 1983 as cited in Carlson- Pickering, 1999; 2001) ويتفق معه باحثون كثيرون أنه عندما يريد الأفراد أن يفهموا شيئًا معقدًا بعمق فإنهم يجب أن يشفروا خبراتهم التعليمية ثلاثيًا. هذا يعني أنه إذا كنت معرضًا لأفكار جديدة وقدمت لك على الأقل من خلال ثلاثة ذكاءات مختلفة فسوف يكون لديك فرصة أفضل لتذكر المعلومات.

وتفسر لنا وولف (Wolfe, 2003) سبب قوة استدعاء الذاكرة مع زيادة مصادر الخبرة فتذكر أنه عندما تدخل خبرة ما إلى المخ فإنه يُفك تركيبها وتُوزع على المخ بأكمله، وأنه عندما تُستدعى معلومة يجب أن يُعاد تركيبها، لذا فإنه كلما كانت الطرق التي تُقدم بها المعلومات لمخ التلاميذ أكثر كلما كانت الطرق التي يملكونها لإعادة التركيب أكثر وكلما كانت الذاكرة أغنى؛ وبذا يكون التدريس المتعدد الأشكال مؤثرًا للغاية. كذلك يشير روجرز وأستون (Rogers & Aston, 1994) (في عصام علي الطيب وربيع عبده رشوان، 2006، ص ص 75: 76) إلى أن الطبيعة النشطة للفرد أثناء عملية تشفير المعلومات تعد من العوامل التي تساهم في زيادة كفاءة الذاكرة، فالتذكر عملية نشطة والفرد لا يتذكر إلا ما قام به أثناء مرحلة التعلم.

ويمكن إرجاع احتمالية تحسن الذاكرة وما وراء الذاكرة عند استخدام مدخل الذكاءات المتعددة في التدريس إلى فرضيتين من الفرضيات التي ساقها بعض العلماء لتفسير ما وراء الذاكرة (فرضية ألفة التلميح Cue familiarity hypothesis- فرضية إمكانية الوصول Accessibility hypothesis ). يذكر ميتكالف (Metcalfe, 2000) أن فرضية ألفة التلميح تشير إلى أن الأحكام بخصوص ما وراء الذاكرة تستند إلى مستوى الفرد من الألفة بالمعلومات الممد بها في التلميح؛ لذا فالأرجح أن يحكم الأفراد أنهم يعرفون الإجابة لسؤال إذا كانوا يألفون الموضوع والمصطلحات، والعكس صحيح. بينما تقترح فرضية إمكانية الوصول أن الذاكرة ستكون دقيقة عندما تكون سهولة المعالجة للمعلومات مرتبطة بسلوك الذاكرة، فإذا كانت سهولة المعالجة لا ترتبط بالذاكرة في مهمة معطاة فإن الأحكام لن تكون دقيقة (Schwartz, 1994) . فإذا كان مدخل الذكاءات المتعددة يوفر تنشيطًا للمخ بالعديد من المدخلات التي توفر سهولة المعالجة وتسهل إمكانية الوصول للذاكرة، فإن هذا يعني منطقيًا أنه يسهل عملية الاستدعاء ويجعله أفضل، كما يجعل أحكام الشعور بالمعرفة أكثر دقة.

وتتفق تلك النظرة مع ما أشارت إليه نتائج العديد من الدراسات من فعالية استخدام مدخل الذكاءات المتعددة في إثراء تعلم التلاميذ وزيادة قدرتهم على استدعاء المعلومات. ففي دراسة كامبل (Campbell, 1994) تحسن التحصيل الأكاديمي لكل التلاميذ بفصل الذكاءات المتعددة كما قيس بكل من اختبارات الفصل الدراسي والاختبارات المعيارية، كذلك أخذًا في الاعتبار متوسطات الدولة والمتوسطات القومية في كل المناطق، وكانت قدرة التلاميذ على التذكر مرتفعة في اختبارات نهاية العام، وكانت طرقهم لتذكر المعلومات موسيقية وبصرية وحركية، ما يشير إلى تأثرهم بالعمل خلال الذكاءات المختلفة، كما أن التلاميذ الذين كانوا سابقًا فاشلين في المدرسة أصبحوا مكتسبين للمعرفة وبدرجة مرتفعة.

وتقترح نتائج دراسة ميدن وميدن (Maiden & Maiden, 1988) نموذجًا متعددًا للذاكرة والذي توجد فيه فروق فردية داخلية، كما تدعم النتائج إمكانية أن يتدرب الأفراد بفاعلية في نمطهم للذاكرة الأفضل. وهو ما يتفق ونتائج دراسة ايركسون (Eriksson, 2000) التي أشارت إلى أنه عندما درس تلاميذ المرحلة الثانوية النصوص بطريقتهم الأكثر تفضيلًا نتج عنها أفضل استدعاء نص ممكن، وإن كان قد أنقص دقة التنبؤات.

ويذكر ايركسون (Eriksson, 2000) نقلًا عن كيرول وكورونيكا (Carroll & Korunika, 1999) وشنايدر (Schneider, 1985) أن ما وراء الذاكرة تهتم بالعلاقة بين معرفة التلاميذ بذاكرتهم وأداء الذاكرة. هذا وتشير نتائج دراسة جيتي وآخرين (Ghetti et al., 2008) إلى أن لتطورات ما وراء الذاكرة تضمينات هامة لحدة الذاكرة. كما أشارت نتائج دراسة شنايدر وآخرين (Schneider et al., 1987) إلى أن ما وراء الذاكرة تبقى منبئًا هامًا لسلوك الذاكرة. كذلك وجدت جيدي وآخرون (Geddie et al., 2000) أن قدرة ما وراء الذاكرة كانت مساعدة في تحديد سعة استدعاء المعلومات بدقة لدى الأطفال –تراوحت أعمارهم بين 43: 83 شهرًا، بالرغم من أن العمر كان المنبيء الأفضل لدى أغلب الأطفال-. وأظهرت نتائج بيرينغ وكي (Beuhring & Kee, 1987) أن تطور ما وراء الذاكرة تنبأ بمعظم الفروق المرحلية في الاستدعاء التلميحي، مقترحة أن تطور ما وراء الذاكرة ربما يفسر التحسنات في استراتيجيات الاسترجاع كذلك. وأشارت نتائج درسة ويد وآخرين (Weed et al., 1990) إلى أن ما وراء الذاكرة العامة ترتبط بدلالة بالاستدعاء. كذلك أشارت نتائج دراسة جولتني وهاك-وينر (Gaultney & Hack-Weiner, 1993) إلى أن التلاميذ البنين ضعيفي القراءة بالصفين الرابع والخامس ذوي درجات ما وراء الذاكرة الأعلى أظهروا استدعاءً -صريحًا وضمنيًا- أفضل مما كان للبنين ذوي درجات ما وراء الذاكرة الأكثر انخفاضًا. أما تيرنر وآخرين (Turner et al., 1996) فقد أشارت نتائج دراستهم إلى أن ما وراء الذاكرة قد تنبأت بالاستدعاء فقط للتلاميذ الذين لا يعانون من التخلف العقلي. كما توصل بانو وكازنياك (Pannu & Kaszniak, 2005, p.105) إلى أن هناك ارتباطًا قويًا بين مؤشرات وظيفة الفص الجبهي الأمامي وسلامة تركيبه وبين دقة ما وراء الذاكرة، وأن الجمع بين الاختلال الوظيفي للفص الأمامي والذاكرة الضعيفة يضعف بشدة عمليات ما وراء الذاكرة.

وترى الباحثة أن العلاقة المفترضة –والتي عززتها نتائج الدراسات الحديثة- بين ما وراء الذاكرة وأداء الذاكرة تبدو علاقة منطقية، ذلك أن معرفة الفرد بما تم تشفيره وتخزينه بنجاح وما لم يتم، وما هو قادر على استرجاعه يجعله يبذل جهدًا أكبر من أجل تذكر أفضل، ومن ثم تعلم أفضل؛ حيث أشارت نتائج دراسة ايركسون (Eriksson, 2000) إلى أن تلاميذ المرحلة الثانوية وجدوا القراءة من أجل تذكر نصوص كمهمة تتطلب جهدًا أكبر من القراءة من أجل الفهم، ما نتج عنه بشكل افتراضي وعي أفضل بأداء الذاكرة مقارنة بالفهم للنصوص نفسها.

وأكدت نتائج العديد من الدراسات على إمكانية اكتساب مكونات ما وراء الذاكرة عن طريق التدريب. ففي دراسة فيرهيغين وآخرين (Verhaeghen et al., 1993) 41% ممن تلقوا سبعة أشكال من تدريب الذاكرة زادوا الوعي بالذاكرة، كما وصف المشاركون التدريب بأنه مفيد. كما قام راو ومويلي (Rao & Moely, 1989) بإجراءات تدريب مركزة على اكتساب معرفة الذاكرة لتلاميذ الصف الثاني. وقد فاقت مجموعتا التدريب الصريح والضمني المجموعة الضابطة في كل من أداء الاستدعاء، وتنظيم الفئة أثناء الدراسة والاستدعاء، وما وراء الذاكرة التي تعتبر التنظيم كاستراتيجية. كذلك أشارت نتائج دراسة جولتني وهاك-وينر (Gaultney & Hack-Weiner, 1993) إلى أن التلاميذ البنين ضعيفي القراءة بالصفين الرابع والخامس والذين كانوا متفوقين في لعب البيسبول الذين استخدموا استراتيجية قراءة مصحوبة بتدريس منطمر في البيسبول –اللعبة التي كانوا خبراء فيها- سألوا أسئلة "لماذا" كثيرة، في إشارة إلى مراقبة –إحدى مكونات ما وراء الذاكرة- مناسبة. وفي دراسة مختار الكيال (2006) اتضح الأثر الإيجابي الفعال للبرنامج المستخدم في جميع متغيرات ما وراء الذاكرة خاصة مع مجموعتيّ العاديين وذوي صعوبات تعلم الحساب مقارنة بذوي صعوبات القراءة.

ومن الدراسات التي استخدمت مدخل الذكاءات المتعددة لتحسين القدرة التذكرية ومكونات ما وراء الذاكرة لدى التلاميذ.. دراسة أندرسون (Anderson, 1998) عن "استخدام الذكاءات المتعددة لتحسين التذكر في دراسة مفردات اللغة الأجنبية" نفذت الباحثة تجربة لزيادة القدرة على الاحتفاظ (تذكر) مفردات اللغة اللاتينية باستخدام استراتيجيات ذكاءات متعددة متنوعة وتقنيات تحسين ذاكرة متنوعة تم دمجهم في تصميم الدروس في سياق تعلم تعاوني. طُبق التدخل التجريبي على تلاميذ بالصفين السابع (ع= 38 تلميذًا) والثامن (ع= 53 تلميذًا)؛ حيث كانت هناك صعوبة ملحوظة لدى التلاميذ في الاحتفاظ بالمفردات نُسبت إلى تركيز المعلم على طرق التدريس اللغوية والنقص لدى التلاميذ في مهارات المذاكرة. تم تنفيذ التدخل التجريبي لمدة 10 أسابيع في الفترة من سبتمبر 1997 وحتى يناير 1998، حيث تم تقسيم التلاميذ في فصول اللغة اللاتينية إلى أربع مجموعات تبعًا لتفضيلهم لأسلوب التعلم في نطاق الذكاءات الأربعة: الحركي واللغوي والتفاعلي والبصري/المكاني. ولتقييم نتائج التدخل استخدمت الباحثة الاختبارات الموجزة للمفردات، ويوميات التلاميذ التقويمية لتقويم الأنشطة التعليمية التي أُعطيت وكيف ساعدت في عملية التذكر، ويوميات المفردات التي تُعطى بعد انتهاء كل درس أو بداية درس جديد، أشارت النتائج البعدية للتدخل التجريبي إلى زيادة درجات الاختبارات الموجزة للمفردات التي كانت تُجرى مرتين كل أسبوع، كما لوحظ زيادة الوعي لدى التلاميذ بتقنيات الذاكرة للتمكن من مفردات لغة أجنبية، والوعي بأنماط تعلم متنوعة لدى كل من المعلم والتلاميذ. لكن بالرغم من أن نتائج البحث تشير إلى أن استخدام مهارات الذكاءات المتعددة في تعلم قوائم المفردات يمكن أن يكون أداة فعالة في تحسين درجاتهم، إلا أن يوميات التلاميذ أشارت إلى أن أنشطة الذكاءات المتعددة لم يكن لها تأثير كبير على الذاكرة طويلة المدى للتلاميذ.

أما في دراسة جودنو (Goodnough, 2001) والتي كانت بعنوان "نظرية الذكاءات المتعددة: إطار عمل لأجل تفريد مناهج العلوم" فقد أظهر التلاميذ بالصف التاسع الذين درسوا العلوم من خلال مدخل الذكاءات المتعددة بالإضافة إلى النتائج المعرفية استفادة من إشراكهم في ما وراء المعرفة من خلال مدخل الذكاءات المتعددة، حيث كانت إجابات 11 تلميذًا –يمثلون 85% من تلاميذ الفصل الثلاثة عشر- إيجابية على استبيان فيما يتعلق بعبارات توضح أنهم أصبحوا متعلمين أفضل وبشكل أكثر سهولة كما استمتعوا بالعلوم أكثر من خلال استخدام تشكيلة من الذكاءات المتعددة، كذلك أحبوا العمل بشكل تعاوني مع تلاميذ آخرين في مشروعات.

وفي دراسة كامبابيلو وآخرين (Campabello et al., 2002) عن "الموسيقى تُعزز التعلم" استخدم الباحثون استراتيجيات موسيقية لتؤثر وتزيد استدعاء وذاكرة التلاميذ. كان المشاركون من فصل برياض الأطفال (31) تلميذًا، وفصل بالصف الثاني به (23) تلميذًا و (5) تلاميذ في برنامج تربية خاصة، وفصل بالصف الخامس (25 تلميذًا) من ثلاث مدارس ابتدائية. تحقق لدى الباحثين وجود صعوبة لدى التلاميذ في استدعاء الحقائق والمعلومات في مواد مختلفة من خلال عدم القدرة على اكتساب التمكن من نطاقات مهارة مستوى الصف الدراسي. تم تنفيذ التدخل التجريبي لمدة 14 أسبوعًا في الفترة من سبتمبر 2001 حتى ديسمبر 2001، وشمل تنفيذ أنشطة فردية وأنشطة مجموعة وأنشطة تعلم تعاوني في مجموعات صغيرة، كما تم دمج أداء حركات مع الأغاني. تم تقييم أثر التدخل بواسطة استبيانات قبلية وبعدية للتلاميذ والآباء لتحديد الاتجاهات عن التعلم من خلال الموسيقى في الفصل الدراسي وكيف يمكن للتلاميذ أن يتعلموا، وقوائم تحقق ملاحظة للتلميذ، ويوميات أسبوعية للتلاميذ، وسجلات تدوينية لملاحظة المعلم، واختبارات قبلية وبعدية. أشارت النتائج البعدية للتدخل التجريبي إلى زيادة في استدعاء الذاكرة –حيث حدث نمو إيجابي عام في الاحتفاظ بالحقائق الأساسية المتعلمة باستخدام التدخلات الموسيقية- والاندماج العاطفي للتلاميذ، وأن هذه الزيادة شجعت الارتباط الدافعي الذي شجع بدوره نجاحات إضافية. أشارت البيانات أيضًا إلى أن التلاميذ تعلموا المادة جيدًا وأصبحوا قادرين على نقل المهارات عبر المنهج إلى نطاقات مواد أخرى وإلى حياتهم الشخصية. بعض الأطفال أظهروا احتياجهم للدمج الحركي لاكتساب المعلومات واستخدموا الحركات لمساعدتهم في الاستدعاء أثناء الاختبار البعدي.

وفي دراسة ابتسام محمد فارس (2006) عن "فاعلية برنامج قائم على الذكاءات المتعددة في تنمية التحصيل الدراسي ومهارات ما وراء المعرفة لدى طلاب المرحلة الثانوية في مادة علم النفس" هدفت الدراسة لتحديد أثر برنامج قائم على نظرية الذكاءات المتعددة في مادة علم النفس على تحصيل ومهارات ما وراء المعرفة لطلاب الصف الثالث الثانوي أدبي. تكونت عينة الدراسة من (128) طالبًا وطالبة قُسموا لمجموعتين: تجريبية تتكون من (59) طالبًا وطالبة، وضابطة تتكون من (69) طالبًا وطالبة. استخدمت الباحثة مقياس التقييم النمائي للذكاءات المتعددة لبرانتون شيرر تعريب رنا قوشحة، كما أعدت اختبارًا تحصيليًا يقيس المستويات المعرفية الستة لبلوم، ومقياسًا لمهارات ما وراء المعرفة. أشارت النتائج إلى تحسن التحصيل الدراسي ومهارات ما وراء المعرفة لتلاميذ المجموعة التجريبية نتيجة لاستخدام البرنامج.

وفي دراسة بوشاسك وسيتلس (Pociask & Settles, 2007) عن "زيادة تحصيل التلاميذ من خلال استراتيجيات مستندة للمخ" هدفت الدراسة لتغيير مستوى ارتباط التلاميذ من أجل زيادة تحصيلهم الدراسي عن طريق دمج استراتيجيات الذكاءات المتعددة في الدروس اليومية. تكونت عينة الدراسة من 6 تلاميذ بالصف الثالث و 5 بالصف الرابع من ذوي صعوبات التعلم من إحدى المدارس، و11 تلميذ علوم بالصفين السابع والثامن من مدرسة أخرى ذوي درجات اختبار ودافعية وسلوك سيئة والتي أثرت سلبيًا على تعلمهم. أُجريت الدراسة في الفترة من سبتمبر 2006 وحتى يناير 2007م. تم جمع البيانات من خلال قوائم ملاحظة ومسوح للآباء وقوائم ذكاءات متعددة كأدوات قياس قبلي/بعدي، كما ساهم التلاميذ في التعريف بذكاءاتهم المتعددة الأقوى وكيف تؤثر في تعلمهم عن طريق كتابة تدوينات يومية لمدة سبعة أسابيع. أشارت النتائج إلى أن دمج استراتيجيات الذكاءات المتعددة في الدروس اليومية جعل التلاميذ أكثر ارتباطًا بعملية التعلم، كما حسَّن تقدير الذات لديهم، وزاد معدلات الاحتفاظ بالتعلم، وأثرى الدافعية للتعلم، وأنقص مدى السلوك الذي يقضيه التلاميذ بعيدًا عن المهمة التعليمية، حيث نقصت كل السلوكيات السالبة بدلالة خاصة عدم الاحترام تجاه المعلمين والزملاء.

هذا وتشير نتائج دراسة شنايدر وآخرين (Schneider et al., 1987) إلى أن الذكاء كان له تأثير على ما وراء الذاكرة في كل المجموعات العمرية من بين أطفال المدرسة الابتدائية. وتذكر كارليسون بيكرينغ (Carlson-Pickering, 2001) أن الذكاء الشخصي قد أصبح من أكثر الذكاءات التي نستخدمها اليوم من منظور تربوي.. فالتلاميذ اليوم لا يُطلب منهم فقط أن يُمدوا بإجابة عن المشكلة بل عادة ما يطلب منهم أن يُفسروا كيف وصلوا للحل؟.. ولا شك أن إجابة كيف؟ تتطلب منهم استخدام قدراتهم في ما وراء المعرفة Metacognition.. ونظرًا لاختلاف مستوى الذكاء الشخصي لدى التلاميذ فإن بعضهم يعتبر الإجابة مهمة سهلة بينما يجدها آخرون شديدة الصعوبة عن إدراك إجابة المشكلة المطلوب حلها أساسًا، مع ذلك يرى أغلب المعلمين أن هذا يقود لفهم أفضل للمحتوى. ومما يؤكد على هذا ما وجده كار وبوركوسكي (Carr & Borkowski, 1987) من أن ما وراء الذاكرة لدى تلاميذ الصفين الخامس والسادس الموهوبين كانت متعلقة بكل من التفكير التباعدي والتحصيل، مقترحين أن ما وراء الذاكرة تكون مستقلة عن –تظل مهمة لـ- التفكير التقاربي والتباعدي اللذين قد يكونان أساسًا للتحصيل الإبداعي.

نتائج الدراسة

يمكن إجمال النتائج التي توصلت إليها الدراسة في أن وعي التلميذات بالمجموعة التجريبية بقدرات الذاكرة لديهن لم يختلف عن وعي تلميذات المجموعة الضابطة، لكن بالرغم من ذلك حدث تحسن في مكونات التشخيص والمراقبة والتنظيم واختيار استراتيجية التذكر والدرجة الكلية لما وراء الذاكرة، ما ساعد على اتساق المعلومات بالذاكرة، وعمل على ارتقائها، ومن ثم حسَّن أداء المتعلمات في الفصلين التجريبيين بالدراسية وزاد من نموهن المعرفي. كما اتضح للباحثة –من ملاحظة التلميذات أثناء تطبيق البرنامج، ومقارنة درجاتهن القبلية والبعدية على مقياس مكونات ما وراء الذاكرة- أن درجات مكونات ما وراء الذاكرة والتحسن في تلك المكونات نتيجة لتطبيق البرنامج كان أفضل بالنسبة للتلميذات المتفوقات تحصيليًا بالمجموعة التجريبية منه لدى زميلاتهن في المجموعة نفسها، وهو ما يتفق ونتائج دراسة منال شمس الدين (2005) حيث كانت متوسطات درجات مكونات ما وراء الذاكرة للتلميذات مرتفعة التحصيل الدراسي أعلى من نظيراتها للتلميذات منخفضة التحصيل الدراسي.

توصيات الدراسة

بناء على النتائج التي توصلت إليها الدراسة توصي الدراسة بما يلي:

1- إنشاء مدارس عامة للتعليم الأساسي يتم فيها تطبيق مدخل الذكاءات المتعددة في كل المواد الدراسية لما لهذا النمط من المدارس من فوائد للنمو العقلي والمعرفي للتلاميذ والتلميذات؛ حيث توفر بيئة تعلم ذي معنى للتلاميذ، ما يكون له أثره في تطور عقولهم.

2- إعادة النظر في طرق وأساليب إعداد المعلمين –خاصة معلميّ العلوم- في كليات التربية؛ إذ أن الإعداد الحالي لمدرسيّ العلوم لا يؤهلهم لتطبيق استراتيجيات وطرق التدريس الحديثة، كما لا يفي بتزويدهم بالمهارات اللازمة لإدارة الفصل الدراسي أثناء تطبيق هذه الاستراتيجيات.

3- إعداد برامج تدريبية للمعلمين في الخدمة على استخدام مدخل الذكاءات المتعددة، وذلك من أجل تأهيلهم لتطبيقه.

4- إعادة تشكيل وصياغة المناهج الدراسية لمرحلة التعليم الأساسي وكراسات التدريبات والأنشطة للتلاميذ وكذلك أدلة المعلمين لتنفيذها في ضوء مدخل الذكاءات المتعددة.

5- تعديل الأهداف الدراسية في ضوء ما وراء المعرفة؛ أي التفكير في طريقة تفكيرنا والتخطيط لها وتنظيمها.

6- زيادة عدد حصص العلوم بالمرحلة الإعدادية إلى ست حصص أسبوعيًا بدلًا من أربع.

7- تفعيل دور المتعلم في العملية التعليمية، حتى يصبح له دور نشط في تعلمه، ما يؤثر إيجابيًا في تحصيله الدراسي، وتذكره للمادة المتعلمة.

8- ضرورة إعادة النظر في نظام التقويم الشهري للتلاميذ في المدارس، وتعميم نظام التقويم بالحقيبة الوثائقية portfolio على أن يتم تقديم دورات تدريبية للمعلمين في الخدمة على تطبيقه لضمان تطبيقه بطريقة صحيحة؛ لأن هناك من المعلمين من يتوهمون أن تنوع الأنشطة التعليمية يعني تقديم تشكيلة من الأنشطة اللغوية وحسب!

 

د. منى زيتون

.........................

* البحث كاملًا منشور ورقيًا في مجلة دراسات تربوية ونفسية "مجلة كلية التربية- جامعة الزقازيق"- العدد 71 - أبريل 2011م- الجزء الثاني.

* تتضمن الدراسة الكاملة أجزاءً منهجية وإحصائية و4 جداول، وشكلًا واحدًا، و77 مرجعًا، ويمكن للمتخصصين الرجوع إليها لتمام الفائدة.

 

 

 

عبد العزيز قريشقبل البدء:

مفهوم المواطنة هو نتاج الحراك الاجتماعي الواقع داخل المجتمعات وفيما بينها منذ وعى الإنسان طبعه الاجتماعي، حيث حصلت تطورات وتحولات اقتصادية وسياسية وثقافية واجتماعية وفكرية وتكنولوجية وبيئية وعلمية هامة عبر العصور والأزمنة، أفضت في مسارها وخطها التاريخي والزمني إلى تشنجات وصدامات بل وإلى حروب بين مكونات المجتمع الواحد كما بين المجتمعات نتيجة الانحباس في المنابت الاثنية أو الإيديولوجية أو السياسية أو القومية أو الثقافية أو الجغرافية أو العقائدية، مما ولد شعورا بالإحباط لدى الجميع من الوجهة التي سارت إليها الإنسانية والطريق المسدود الذي تعيشه جراء فقدان القيم الناظمة للحياة الاجتماعية في العصر الحديث. فتولدت رغبة أكيدة عند كل مكونات المجتمعات في تجاوز محن الإنسانية من خلال الاهتداء إلى مضامين نظرية قابلة للتطبيق على أرضية الواقع مستوحاة من الشرائع الإلهية والوضعية ومن الثقافة ومن التدافع الحضاري...

ومن تلك المضامين نجد المواطنة، وهي (لم تخرج من كتاب واحد بصورة كاملة بل قد خرجت من كتب الدين، النظريات السياسية والقانونية، التهذيب الأخلاقي، وحتى من الشعر الملهم البطولي)[1] حيث بعدها الفلسفي ينبع من الفكر المؤسساتي القائم على القواعد القانونية الصريحة المتضمنة في مجالي الواجب والحق المحتضنة للتساوي والديمقراطية والشفافية والحرية والعدل وضمان الحقوق الفردية والجماعية للأفراد والجماعات إزاء الانبناء (على الكفاءة الاجتماعية والسياسية للفرد)[2] بعيدا عن اعتبارات البلقنة الضيقة .

فالمواطنة تحتل مركز الفكر الدستوري والقانوني والسياسي والاجتماعي والتربوي والثقافي وقلب الدولة المدنية والحداثية بل (ثمة علاقة عميقة وجوهرية بين مفهوم المواطنة والأوضاع السياسية والاقتصادية والثقافية السائدة)[3] فإذا كانت الفلسفة الاجتماعية العامة للمجتمع هي التي تنظر للمواطنة مدخلا لبناء المجتمع والحفاظ على لحمته ضمن إطار من أداء الواجب واستيفاء الحق وبشروط موضوعية وذاتية ومؤسساتية ضامنة لنجاحها وخاصة فيما يتعلق بتنوع المجتمع بنية ووظيفة عبر تنوع مؤسساته ومكوناته الأساسية بما فيها الأقليات. ذلك أن المواطنة (لا تبنى بدحر خصوصيات المواطنين أو تهميش بعضهم لدواع ومبررات معينة، وإنما هذا المفهوم يبنى كحقيقة واقعية باحترام الخصوصيات وفسح المجال القانوني والثقافي لكل التعدديات والتعبيرات للمشاركة في بناء الوطن وتعزيز قوته وإنجاز مشروعه التنموي والحضاري)[4]؛ فإن الواقع المعيش هو الذي يطبق تنظيرات الفلسفة الاجتماعية للمجتمع ويمنحها قيمتها العملية والإجرائية والتداولية بين الدولة ومواطنيها وبين المواطنين فيما بينهم وبين الجماعات والأفراد وبين الجماعات فيما بينها بواسطة سن قوانينها ونشر ثقافتها وتربية قيمها، وإجرائها في حياة الناس على قدم المساواة والعدل. ومن ثم فسن القوانين وظيفة سياسية بالدرجة الأولى يتولاها النظام ومؤسساته المتنوعة خاصة منها الأحزاب السياسية والمؤسسات الدستورية، وأما نشر ثقافتها فهو وظيفة فكرية مجتمعية بطبيعتها يشارك فيها الجميع خاصة الطبقة المثقفة والإعلام والمؤسسات المدنية، والتربية على قيمها وظيفة أخلاقية واجتماعية وتربوية في عمقها، ترتبط أساسا بالتنشئة الاجتماعية للكائن البشري لتأهيله للاندماج في المجتمع المحلي والعالمي تحت سقف المواطنة، وهي منوطة بالأسرة والمدرسة بالدرجة الأولى.

والمواطنة ليست شعارا فحسب وإنما هي واقع معيش في ظل قوانين وقيم وثقافة الحقوق والواجبات التي تدفع المواطن إلى رعاية وطنه كرعايته لنفسه في مقابل رعاية الدولة لمواطنيها كرعايتها لنفسها مع استحضار بعد التنوع والتناغم بين مكونات المجتمع والوعي الاجتماعي بالقوانين الإلهية المبثوثة في الكون الحافظة للتنوع والاختلاف من مبدأ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ)[5]. بما يقتضي ذلك من تنوع رائع منسجم متناسق كتنوع ألوان اللوحة الفنية وتناسقها وتناغمها لتنسج لوحة جميله تعشقها العين قبل الفكر. فالتنوع والاختلاف سمة الكون بثها الرحمان فيه ليجد كل منا غايته فيه. ألا ترى العيون اللوحة الواحدة فتذهب في رؤيتها مذاهب شتى! وتقرأها قراءات متنوعة! ومن علم الله تعالى وخبرته بالإنسان جعل الكرم يتربع قمة المواطنة لأنه يذيب جميع الحساسيات ويقهر جميع التشنجات ويجمع كل رؤى في روابط اجتماعية مقننة بالتشريع!

ومن مدخل التربية على قيم ومبادئ وأسس المواطنة ترتبط المؤسسة التعليمية بمسألة المواطنة ارتباطا عضويا ووظيفيا، حيث تمثل المؤسسة التعليمية مرفقا من مؤسسات المجتمع السياسي الرسمي منوط بها وظيفة التربية والتكوين التي تقوم أساسا على قيم المواطنة وحقوق الإنسان والديمقراطية والعدالة والمساواة والحرية في الحياة المدرسية انطلاقا من أدبيات الفكر التربوي بما فيها الفلسفة التربوية والتشريع المدرسي؛ فالميثاق والكتاب الأبيض يذهبان إلى ذلك مذهبا صريحا وواضحا، وبذلك فالمؤسسة جزء من بنية المجتمع الرسمي للدولة من جهة أولى ومن جهة ثانية تعد مكونا رئيسا من بنية المجتمع العام؛ منوط به التنشئة الاجتماعية والتأهيل للنشء قصد الاندماج في المجتمع. ويزداد هذا الارتباط مثانة في ظل وجود التباس اجتماعي في المؤسسة التعليمية ناشئ عن سياق الظواهر المرضية التي تعيشها واقعيا انطلاقا من كونها مجتمعا صغيرا مستنسخا من المجتمع الكبير. تتجسد فيه الظواهر الاجتماعية وغيرها بكل تفاصيلها، من قبيل العنف المدرسي السائد في المؤسسات التعليمية إزاء تدهور العلاقات الإدارية والاجتماعية بين مكونات تلك المؤسسات وتحطم القيم والمبادئ الناظمة للعلاقات والغش...

من هذا الواقع المدرسي المتوتر والمتشنج بل والمتفجر في كثير من الأوقات؛ تنبعث مسوغات طرح مجموعة من الأسئلة الجوهرية المتعلقة بالمواطنة والمؤسسة التعليمية، من قبيل:

* لماذا التركيز على المؤسسة التعليمية في مسألة المواطنة؟

* وما المواطنة من منظور مدرسي؟

* وما الإشكالات التي يطرحها واقع المواطنة والمدرسة؟

* وكيف تصوغ المدرسة المواطنة بآلياتها وتنشئ النشء عليها؟

* وهل مدرستنا مؤهلة لمهمة بناء المواطنة في النشء؟

أسئلة كثيرة مفتوحة في سياق المواطنة والمدرسة تتطلب جهود فريق لا فرد لمقاربتها بحكمة وبشمولية في إطارها العام. لكن سأكتفي هنا بالتركيز على الأسئلة الثلاث الأولى؛ لعلي أضع معالم كبرى قابلة أن تكون موضوعات للتحليل والنقاش في ظل التجاذب الفكري المتعاظم بين مفكري مختلف المشارب السياسية والاجتماعية والتربوية وغيرها. خاصة منهم المتخندقون في الأطر السياسية والإيديولوجية والعقائدية والثقافية.

1 ـ لماذا التركيز على المؤسسة التعليمية في مسألة المواطنة؟

ليس غريبا أن المدخل الحقيقي لأنسنة الإنسان وقولبته في سحنة ما وفق منظور المجتمع السياسي باسم المجتمع العام، الذي خوله عبر المؤسسات الدستورية وبالطرق الديمقراطية !؟ أن ينوب عنه في الصغيرة والكبيرة ويصرف الشأن العام باسمه، هو المؤسسة التعليمية لأنها الأداة التربوية المروج لها سياسيا واجتماعيا وثقافيا وإعلاميا بلغة التنشئة الاجتماعية والتأهيل العلمي والمهني للاندماج في المجتمع، والجسر الذي يمر منه النشء إلى المجتمع، ومن هذا العنوان يدخل المجتمع السياسي لتشكيل السحنة المطلوبة لمفترض مستقبلي، يطغى عليه الخطاب السياسي وممارسته العملانية بلغة تربوية وتعليمية وعلمية تظهر على سطحها ما تخفيه في عمقها ويترسب في قاع سدها. فتتجلى في علوم مختلفة تقدم معرفة وأفكارا ونظريات وقيما وسلوكات ونماذج وكفايات وغيرها بلباس العلم المحايد بما هو العلم اصطلاحا، لكنه يعيد الإنتاج من جديد[6] في غفلة من المجتمع الذي يطمح للتغيير والتطور، على مستوى التفكير بالدرجة الأولى فضلا عن طبقات المجتمع.

وضمن هذا العلم المحايد؛ هناك تشكيل مقصود ومباشر للعقل الجمعي والشخصية الجمعية بما يوجهه نحو المستهدف من التربية والتكوين. وبذلك كانت المؤسسة التعليمية مطلب المجتمع السياسي قبل المجتمع العلمي والثقافي والاجتماعي لكي تعيد (إنتاج السائد الثقافي والاجتماعي... والتراتب الاجتماعي والحياة برمتها)[7] بل إعادة نفس المنتج السياسي تحت أسماء وعناوين مختلفة. فـ (المدرسة واحدة من أهم المؤسسات الاجتماعية التي يقع على عاتقها مهمة التعليم والتربية وبهذا فهي تقع في الصدارة كمؤسسة معنية بتطوير المواطنة وخلق الظروف المناسبة للتحول الديمقراطي غير أن المجتمع هو الذي يؤلف عناصر الثقافة المدرسية: المنطلقات الفكرية للمناهج والمقررات الدراسية، والقوانين والتشريعات، اللائحة المدرسية، نظام الامتحانات. أي أن ما يقدم في المدرسة ليس مستقلا عما يحدث في المجتمع والحياة والمدرسة)[8]. وبذلك تكون المدرسة هنا تابعا لا متبوعا، ويكون سؤال: " هل المدرسة تخلق المجتمع أم المجتمع يخلق المدرسة " سؤالا مشروعا؟

ولأجل زيادة توثيق مطلب المجتمع السياسي للمدرسة أكثر من أي مجتمع آخر؛ أسوق مثالا حيا من واقعنا المعيش، حيث ذهب مجتمعنا السياسي في عقود مضت ـ يعرفها ويعلمها الجميع ـ إلى إلغاء الفلسفة من الفكر التعليمي بمحاصرتها في منابعها الأولى لأنها كانت يومها مدخل المشاكسة والمعاكسة للمجتمع السياسي تقلب عليه المضاجع والمواجع، فسكنت وسكتت الفلسفة وحوصرت في مواضيع معينة ممسوخة ومبتورة ومشوهة وأقصي فعلها من المجتمع. لأن (الدولة وضعت أيديها على المدرسة التي فقدت دورها في تربية النشء لأنها كانت تعتبرها مصدرا للإزعاج وتفريخ بعض العناصر تنازع الدولة في سلطتها... [و] تهميش المدرسة بدأ عبر تبخيس رجال التعليم وعدم توفير الإمكانات الضرورية للقيام بعملية التدريس وتوجت بمنع تدريس مادة الفلسفة ومنع إصدار الكتب التي ترمز إلى المقاومة وتعتز بالوطنية، لكن هذه السياسة ... أتت بنتائج عكسية وأدت إلى بروز أشكال جديدة من المقاومة)[9] ، وعندما تأجج الحراك الاجتماعي وذهب إلى أبعد الحدود بوجود طفرات حادة وشاذة وعمياء وعنيفة تجلت بصورة واضحة في تفجيرات الدار البيضاء الأليمة والمؤسفة حقا. استدعيت الفلسفة من جديد ليس حبا فيها وتمجيدا لمكانتها في المجتمع ودورها في بناء العقل المنطقي والمحلل والناقد والمبدع؛ وإنما كمحارب وطني يذود عن المجتمع السياسي، بما يبعد الحراك الاجتماعي الراديكالي عنه بموازاة إبعاد مسؤوليته الكبيرة في هذا الحراك المتشنج نتيجة تخبطه في تصريف الشؤون العامة بما تقتضيه من حل الأزمات وإيجاد الحرية والشفافية والمساواة والعدالة والعدالة الاجتماعية وقيم المواطنة وغيرها. وطلب الفلسفة هنا مطلب للتحاور والنقاش والمدارسة للمختلف عليه لا لتأجيجه وصب الزيت عليه. لأن المسألة مسألة فكرية وإيديولوجية وعقائدية؛ وحده الحوار ينجح في تصريف المختلف عليه إيجابيا ويوجهه حيث يجب استثماره وذلك تحت عباءة المواطنة.

وبما أن مفهوم المواطنة مرتبط في أغلب جوانبه بالحقل السياسي والاجتماعي، فهو يقوم على أسس دستورية وقانونية واجتماعية وثقافية واقتصادية وتربوية وقيمية، تكون في مجموعها موضوع المواطنة، ومن ثمة كانت موضوعا معرفيا بامتياز قابلا للتدريس في صيغ متعدد وبمناهج متنوعة. ومنه ارتبطت المؤسسة التعليمية بالمواطنة من خلال وظيفتها العلمية كما ارتبطت بها من خلال وظيفتها التربوية انطلاقا من هيكل المواطنة المبني على القيم، والقيم شأن تعليمي محض. وبالتالي جاء التركيز على المدرسة في مسألة المواطنة لأنها الأداة بعد الأسرة التي تصوغ الأجيال عن قصد وعمد تحت مسميات عدة تبرر تلك الصياغة وذلك التدخل المباشر في تشكيل الإنسان نفسيا واجتماعيا وثقافيا وفكريا وعقائديا وإيديولوجيا.

2 ـ ما المواطنة من منظور مدرسي؟

لن نذهب هنا إلى تعريف المواطنة لغة واصطلاحا فذلك حاصل بحكم البحث في الموضوع والاطلاع على تفاصيله في حقول معرفية عديدة ومتنوعة. لكن سنذهب إلى المواطنة من منظور مدرسي، وهو منظور استقرائي لا لغوي ولا اصطلاحي. حيث تنظر المؤسسة التعليمية للمواطنة من منظورين متلازمين ومتلاحمين عضويا ومتكاملين وظيفيا وهما:

1.2. منظور معرفي:

يفيد هذا المنظور أن المواطنة قبل أن تكون سلوكا وممارسة هي حقل معرفي محض يدخل في مباحث عدة علوم بأجهزة مفاهيمية ومنهجية متنوعة، تشكل مادة مدرسية مستقلة أو مدمجة ممتحاة من المادة العالمة عبر النقل الديداكتيكي في أطر سياسية واجتماعية وفكرية وثقافية معينة، وفي شبكة تفاعلات بين مكوناتها النظرية وسيرورة تعليمية تعلمية معينة، منسوجة بيد المجتمع السياسي بالدرجة الأولى عبر السياسة التعليمية. تستهدف تمكين المتعلم من معرفة ما المواطنة؟ وهنا يصبح المنظور المعرفي أداة تعريف المواطنة لغة واصطلاحا وتعريف متعلقات التعريف وملابساته الفكرية والإشكالات التي يطرحا في الساحة الفكرية المتنوعة والسجالات السياقية في التعريف فضلا عن مكونات التعريف وأسسه النظرية والتطبيقية.

ومن هذا المنظور ترى المدرسة المواطنة خلا مادة علمية قابلة للتدريس وفق الأسس العلمية للعلم الاصطلاحي، فتنأى بنفسها عن السجالات والإشكالات المطروحة حولها. وتقدم المواطنة في صيغتها النهائية الحيادية كقيم وثوابت وحقائق علمية لا جدال فيها، تؤدي حتما إلى العدالة والمساواة والحرية بمجرد اكتسابها! وهذا وجه توهيمي وتمويهي لوجهها الحقيقي[10] وهو القيام بما طلب منها من قبل الجهة المسؤولة عنها رسميا القيام به تجاه المواطنة. وبذلك تظهر المدرسة خارجة عن نطاق التجاذب النظري أو الواقعي لإشكالية المواطنة، خاصة في عالمنا العربي والإسلامي الذي يتنوع عرقيا ودينيا وسياسيا واقتصاديا وثقافيا واجتماعيا حيث يشد هذا التنوع الولاءات بتلحيم عضوي وفكري قوي، تنحبس فيه المواطنة في مجالات ضيقة وتتخندق فيها كل معطياتها حتى تصير المواطنة مواطنات! وتستدعي المراجعة كمفهوم وافد علينا كما يراه البعض وأصل قديم لبس رداء الحداثة كما يراه البعض الآخر.

ومن ثم نجد المدرسة من المنظور السطحي التبسيطي تعرف المواطنة بأنها مادة دراسية مثل باقي المواد؛ تدرسها على قدم المساواة معها بعيدا عن أي تقاطع إيديولوجي أو عقائدي أو اثني أو ثقافي ... مع المطروح سياسيا واجتماعيا، وبعيدا عما يحمله المورد البشري من معتقدات وأفكار لأنها مادة علمية بالمواصفات المطلوبة عند العلماء وعند الديداكـتيـكـيين بما هي : (هي وحدة الانتماء والولاء من قبل كل المكون السكاني في البلاد على اختلاف تنوعه العرقي والديني والمذهبي للوطن الذي يحتضنهم، وأن تذوب كل خلافاتهم واختلافاتهم عند حدود المشاركة والتعاون في بنائه وتنميته والحفاظ على العيش المشترك فيه)[11].

لكن من منظور العمق فإن المدرسة تعرف المواطنة بحزمة من حزم تشكيل الهوية الفردية والجماعية للمجتمع الإنساني وفق رؤى معينة وقوالب مطلوبة. وهي مطلوبة من المجتمع السياسي، وهذا ما نلمسه في منطوق كلمة وزير التربية الوطنية السابق[12] الذي لمس عن قرب ابتعاد المؤسسة التعليمية عن المواطنة لأسباب جلية وخـفية تبعدها عن تحقيق أهدافها؛ مما جعله يقول في مقامه: ( ترسيخ المواطنة وهو منظور أساسي لم يطرحه أحد بكيفية مباشرة. وهــذا هو بيت القصــيد. وذلك لتصبح المؤسسة بيتا منظما، ومحترما، له من يصونه ويراقبه، وله من يعمل من أجل صيانته. ولا أعتقد أن مؤسساتنا حاليا تتطور في هذا الاتجاه. ولا أعتقد أيضا أنها تعيش أوضاعا تساعد على جعلها ذلك البيت الذي يفرض الاحترام. ما هي الأسباب ؟ على كل حال نحن الآن فتحنا هذا الملف ونطمح إلى معالجة الأوضاع بكيفية جدية. وكما جاء في التدخلات، نريد أن لا تعيش مؤسساتنا نوعا من الفوضى في كل جهات المملكة، هذا غير مقبول كيف ما كانت المبررات، والأخطر في المقابل هو السلوك الذي يقبل ما هو غير مقبول. فهناك تداخل العوامل، والعوامل الخارجية أصبحت تتحكم في سير وتدبير المؤسسات، وهنا لا أعمم. لكن هذا هو التطور الذي نلمسه من خلال ما أتوصل به شخصيا. لذلك، منظور ترسيخ المواطنة شيء أساسي كيف ما كانت الإكراهات والمبررات، وسنتخذ القرارات بنوع من التدرج لتحصين المؤسسة التعليمية، لأنها هي مرصد مصغر لما يجري داخل المجتمع، فلا بد من الاهتمام اليومي بالمؤسسات، لأنها هي المرآة والصورة والمحك. فبيت الوزارة هو المؤسسة، وبيت الأكاديمية والنيابة هي المؤسسة. كل ذلك جعلنا نعطي الأهمية التي يستحقها هذا الموضوع، ولا يجب أن نقلل مما يجب القيام به أو نقلص من أهميته، حذاري، لأنه وصلنا الآن إلى محطة متقدمة من تطبيق الإصلاح، وإذا لم تتحكم في هذا الحلقة /البنية /المؤسسة، من الصعب جدا أن نواصل الإصلاح ونحصن مكتسباته. لذلك، أدعوكم هذه السنة، وبدعم من الوزارة والشركاء، الاهتمام القوي والمتواصل بهذه الإشكالية) ومنه يتضح أن هاجس هذه الإشكالية تؤرق المجتمع السياسي.

وأما عن فحوى مضمون التعريف المدرسي للمواطنة تعرب عنه المادة الدراسية في تفاصيل الدروس المقررة سواء المستقلة منها أو المدمجة. وكلها شكليا وغائيا تسعى إلى إكساب المتعلم قيم ومبادئ ومفاهيم ومصطلحات المواطنة لكي يجد المتعلم فيها ما يشبع رغباته وطموحاته النظرية وتلبية لرغبته العلمية الافتراضية، ويجيب عن تساؤلاته العلمية المحدودة في ماهية المواطنة وواجباتها وحقوقها وشروطها وأساليب ترجمتها ميدانيا. وتبقى التساؤلات الجوهرية المتعلق بإشكالاتها خارج الدرس المدرسي بدعوى عدم البرمجة أو لضيق الوقت أو لسهو طارئ أو لمعطى علمي أو منهجي ؟!

2.2. منظور عملاني واقعي:

يفيد هذا المنظور أن المواطنة هي واقع ممارس بما يضمن مستلزمات المواطنة واجبات وحقوقا وشروطا وقيما، يجد المتعلم في فضاء المدرسة المواطنة ممارسة بكل وضوح، من حيث أن المدرسة مجتمع مصغر للمجتمع الكبير وكيان رسمي يعبر عن واقع حال الكيان الرسمي للدولة. ومن ثم يجد المتعلم نفسه متساويا مع زملائه في الحقوق والواجبات بعيدا عن معطياته الدينية أو المذهبية أو العرقية أو الاقتصادية أو الثقافية أو قناعاته السياسية ... ويجد حرية وعدلا في التعاطي مع قضاياه المدرسية في حدها الأدنى إن لم نقل قضاياه الاجتماعية التي يعيشها يوميا عبر تحريك المادة الدراسية تجاه إيجاد حلول لها من خلال مجموعة أسئلة ومناولات مساعدة، كما يجد وسطا مدرسيا ينعم بالسلم الاجتماعي ولحمته بين مكوناته قوية إزاء تقدير قدراته وإمكاناته الذهنية والفكرية والعقلية والعملية وكفاءاته الإجرائية. كما يجد المتعلم الديمقراطية في وسطه المدرسي بما يسمح له بالمشاركة الفاعلة والفعالة في الشأن التعليمي من خلال الآليات القانونية والتشريعية والتقنية الخاصة بذلك.

وهذا المنظور يعرف المواطنة بأنها ممارسة المتعلم الفعلية للحقوق والواجبات ضمن شروط ومستلزمات المواطنة داخل الفضاء المدرسي. وبالتالي هو منظور يرتبط ارتباطا عضويا ووظيفيا بالتعريف الأول ليشكلا وجهي عملة المواطنة بمفهومها الصحيح سواء تعلق ذلك المفهوم بالحقل السياسي أو بالحقل الاجتماعي أو الاقتصادي أو الثقافي. ونحن نجد الارتباط العضوي قائم على المضمون العلمي والثقافي والتعليمي للمواطنة. ونجد الارتباط الوظيفي في التلاحم بين النظري والتطبيقي في عملة المواطنة لتجسيد قيمها وسلوكاتها وأداءاتها ميدانيا، فيقتنع المتعلم بجدواها كمدخل لتحقيق ذاته الفردية وذاته الجماعية من خلال تحقيق رغباته ضمن حدود المواطنة. لكن عندما يفارق النظري الواقع الممارس إما استباقا أو تأخرا أو تنافيا؛ فوقتها لا تجد المواطنة مدافعا مقنعا أو مجادلا ملتزما وإنما تنهار كفكرة وقيمة معا. لذا كان النظام السياسي المغربي واعيا بمدى أهمية المؤسسة التعليمية في ترسيخ قيم المواطنة، ذلك أن المشروع التنموي المغربي يمر عبر الإصلاح التربوي (اعتبارا لدوره الحاسم في تعميم المعرفة، وترسيخ قيم المواطنة، وإعداد أجيال المستقبل)[13] و(اعتبارا لكون الحق في التربية يكلفه الدستور، وبالنظر إلى المكانة المتميزة التي يتبوؤها التعليم والتكوين في المشروع المجتمعي الذي نقوده من أجل المغرب، كناقل حاسم لقيم المواطنة والتسامح والتقدم)[14]؛ولن يكون النقل والترسيخ غير الممارسة الفعلية للمواطنة في المؤسسة التعليمية.

والمؤسسة التعليمية مجال اجتماعي؛ يجب أن تربط بين النظري والعملي لتأسيس منطق العلم عند المتعلم على الوحدة العضوية بين النظري والتطبيقي والتكامل بينهما وتمكينه من القيمة العملانية للعلم، بما يعني من توجيه النظري للعملي وتصحيح النظري للعملي في تزامن واقعي بينهما لكي لا تنتفي عن العلم صفة النفعية. لذا؛ كان أفضل العلم هو المترجم على أرض الواقع؛ وهذا مذهب من مذاهب الفكر التربوي الإسلامي والغربي على حد سواء. فقد وجدنا عند العديد من التربويين الربط بين العلم والعمل تماشيا مع سيرة أشرف الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، الذي كان ترجمان القرآن الكريم على الأرض، فقد كان قرآنا يمشي على الأرض كما قالت عائشة رضي الله عنها. وها هو ابن باديس يقول تربويا: (من دخل في العمل بلا علم لا يؤمن على نفسه من الضلال ولا عبادته من مداخل الفساد والاختلال)[15] وبذلك (حرص ابن باديس على جعل العلم أساس العمل وجعل العمل متكاملا مع العلم واضح في جميع أقواله التي طرح فيها المسائل المتعلقة بالعلم والعمل .لأنه ربط النظرية بالتطبيق من صميم التربية في الإسلام وحقيقة من الحقائق الكبرى التي يقوم عليها الفعل التربوي المتطور لأن قيمة العلم ليست قيمة مطلقة إنما قيمته في التطبيقات والممارسات التي تترجم الحقيقة العلمية وتجسدها للعيان ، وتجعلها فعلا حيا بين الناس يبنون به حياتهم فالعلم الذي يبقى مجرد متعة فكرية لا يفيد وكذلك العمل فهو ليس قيمة مجردة عن المنفعة التي يحققها والأساس العلمي الذي يقوم عليه)[16]. ومن هنا، فالمؤسسة التربوية تنظر إلى المواطنة على أساس أنها ممارسة فعلية للجانب النظري الذي تقدمه للمتعلم. وانطلاقا من كونها مؤسسة سياسية واجتماعية فهي تقدم للمتعلم القدوة والمثال الذي يجب أن يقتدى به، حيث (القدوة في التربية هي أفعل الوسائل جميعا وأقربها إلى النجاح. من السهل تأليف كتاب في التربية! ومن السهل تخيل منهج، وإن كان في حاجة إلى إحاطة وبراعة وشمول ... ولكن المنهج يظل حبرا على ورق ... يظل معلقا في الفضاء ... ما لم يتحول إلى حقيقة واقعية تتحرك في واقع الأرض ... ما لم يتحول إلى بشر يترجم بسلوكه وتصرفاته ومشاعره وأفكاره مبادئ المنهج ومعانيه. عندئذ فقط يتحول المنهج إلى حقيقة، يتحول إلى حركة، يتحول إلى تاريخ)[17].

والسؤال المطروح في إطار منظور المؤسسة التعليمية للمواطنة بشقيه النظري والعملي هو: هل المتعلم فعلا يتشبع بالمواطنة روحا وممارسة؟ وتصبح سلوكا مدمجا في شخصيته وممارسة يومية تتعدى أسوار مدرسته؟

هذا السؤال يحيلنا على الإشكالات التي تطرحها المواطنة على المؤسسة في مقابل الإشكالات التي تطرحها هذه الأخيرة على المواطنة. وهنا بيت القصيد الذي ينسف من الداخل وظيفة المؤسسة التعليمية بمجمل تناقضاته وسلبياته. فترى ما الإشكالات التي تعيشها المواطنة والمدرسة معا من خلال وظيفة المدرسة؟

3 ـ بعض إشكالات واقع المواطنة والمدرسة:

ليس الواقع كالتنظير، وليس البساط ممهدا للمواطنة لاستنباتها في الفضاء المدرسي دون ارتجاج فكري أو عملي، لأن الفضاء المدرسي جزء مجتمعي من مجتمع عام يعيش ممارسات وتناقضات وسلبيات وتدافعات وتراكمات تاريخية وثقافية وتربوية واجتماعية تحمل ما تحمل من مضادات المواطنة، وتعمل على نسفها أو على الأقل كبحها وتعويقها رغم ما ذهبت إليه من إصلاح وانفتاح. فــ (المؤسسة التعليمية، على الرغم من المجهود المبذول على مستوى تغيير مناهج وبرامج المواد التعليمية، إن على المستوى المنهجي أو البيداغوجي أو التقني والفني، لا زالت في منأى عن الدخول في أجرأة مستويات التفعيل العملي والميداني لاستهداف الغايات الأساسية الكبرى؛ من مثل: ترسيخ قيم المواطنة الحرة، وتنمية روح المسئولية، ودعم التنمية الثقافية، والعمل في سياق البناء الديمقراطي. كما أنها ـ المؤسسة التعليمية ـ لا زالت غير ملامسة لغايات ضمان التماسك الاجتماعي وصيانة الهوية الوطنية المتعددة الأبعاد، وبصيغة أخرى يمكن القول بأن المؤسسة التعليمية لا زالت على حالها، وغير مواكبة للاهتمام الذي يوليه لها المجتمع المغربي بمنظور إصلاحي)[18]. ومنه نجد مشروعية البحث في الإشكالات المطروحة ومنها:

1.3. إشكال التنظير من فوق وداخل الغرف المغلقة والمكاتب المكيفة:

بما أن المؤسسة التعليمية واقع اجتماعي معيش لا افتراضي، وموضوع اجتماعي شيئي لا موضوع تجريدي مستنبت من الميتافيزيقا بالمفهوم المفارق لعالم الحس. فالواجب عند التنظير لها الانطلاق من واقعها المعيش لملامسة إشكالاته ومشاكله عن قرب، بما يفيد القيام بدراسات ميدانية ومسحية لواقع هذه المؤسسة قصد الانطلاق من حقائقها الموضوعية والواقعية لا الافتراضية؛ مما يجعل التنظير متينا مرتبطا بالأطر الموضوعية والذاتية والمتطلبات الفعلية لهذه المؤسسة بما تعني من مدخلات بشرية.

ولأجل أن تكون للمؤسسة مصداقيتها الميدانية يجب أن تحقق المتطلبات الفردية والجماعية للمتعلم، وأن يجد فيها ما يشبع فعليا وعمليا تلك المتطلبات. وهذا ما لا يقدمه التنظير من فوق بملابساته السلطوية القهرية والجزرية، التي تلغي ذات المتعلم وتحيله إلى طالب معرفة فقط لا مشارك في برمجتها وتخطيطها وبنائها. فالمتعلم الذي يخاطبه الخطاب التربوي بأسلوب فوقي مفارق لواقعه المعيش لن يحدث فيه تغييرا ولا إقناعا ولا إثارة ولا حافزية ولا تحديا. فمثلا: ما جدوى الحديث ضمن المواطنة عن حق المشاركة في تدبير الشأن العام بتخصيص في الشأن المدرسي وبحصر في تدبير الحصة الدراسية، وقد نزل عليه نص لغوي أو قضية معرفية من فوق تفوق قدراته العقلية أو حالته الاقتصادية أو الاجتماعية أو غير معني بها؟ كيف يكون الإقناع أو الإيمان بالقيمة تحت سلطة الكتاب المدرسي أو المدرس أو النظام التعليمي " العنف الرمزي " ؟ كيف يكون الإيمان بقيمة المشاركة في الشأن العام انطلاقا من عدم مشاركة المتعلم في برمجة احتياجاته وحاجاته التي قررها المبرمج التربوي في غيابه وأسقط حقه في المشاركة أو حتى استشارته؟ فالمواطنة لا تبرمج إلا من المعيش اليومي للمتعلم الذي لا يعرف عنه المبرمج المغربي سوى الأرقام والنسب الإحصائية. أما من هو؟ وما في جعبته من مكتسبات سابقة وأفكار وقيم وسلوكات ومعلومات؟ وما مهاراته وكفاياته وقدراته؟ وما متطلباته واحتياجاته وحاجاته؟ وما الموضوع والمنهجية المناسبين له؟ فذلك كله افتراضي من خلال التخمين التأملي على أحسن أحواله أو هو إرهاصات فكرية فيما يمكن توقعه.

وهذا تنظير يخلق تناقضا بين واقع المتعلم وبرمجة المواطنة، مما يؤدي إلى انفصام النظري عن العملي، وبذلك ينسف الهدف الذي سعى إليه حيث يحيل المواطنة إلى ترف فكري معلوماتي فقط قابل للتخزين في ذاكرة المتعلم يستدعى في الامتحان على أحسن تقدير.

2.3. إشكال درس المواطنة موضوعا ومنهجا:

وهنا؛ نجد أن التأليف المدرسي بما هو مفتوح على الهواية لا الاحتراف والعلمنة، ويقتحمه المختص وغير المختص فضلا عن الملابسات الإدارية والقانونية والتشريعية لا يترجم ما يريده حقيقة المبرمج التربوي الذي وضع المنهاج الدراسي. حيث يجري على درسه المدرسي ومادته المدرسية التباسات موضوعية ومنهجية يسيطر عليها العنف الرمزي والابتذال المعرفي والتعقيد الديداكتيكي. تزيدها الطين بلة الدلالات الخفية المبثوثة في ثنايا المتن التعليمي التي تحققها صور الكتاب فعليا؛ علما بأن (المدرس والمدرسة يلعبان دورا هاما في عملية التنشئة الاجتماعية بعد الأسرة، وذلك عن طريق معاملة المدرس للتلاميذ في الفصول وعن طريق مضمون المادة العلمية ومحتواها)[19]. فهذا الكتاب[20] يتحدث عن حقوق المعاق " ذوي الحاجات الخاصة " في حدود الاعتراف به وتعليمه وهي حقوق طبيعية مشتركة بين المعاق وغير المعاق، فأين حقوق المعاق في النص وما هي المواد القانونية الخاصة بها؟ وذاك الكتاب يتحدث عن الانتخاب وحملته من باب الحلقة والتهريج لا من باب أركان الدولة المؤسساتية والديمقراطية، وكتاب ثالث يقدم الديمقراطية وحقوق الإنسان بنص للغابة وما يقع فيها من وحشية وافتراس؛ ليقول في الأخير لمتعلم السنة الرابعة ابتدائي وقد تمرس على الحاسوب والإنترنيت : (وبدت لي الحياة الإنسانية عند ذلك جنة نعيم إذا ما قيست بالحياة في هذه الغابة الساكنة، لأن الإنسان قد أقام قوانين تحمي الضعفاء من الأقوياء، وتبيح للبطيء أن يسعى رغم بطئه، وللصغير أن يبقى رغم هوان أمره) خزعبلات تأليف مدرسي، يحاول تمرير خطاب ساذج على متعلم يشهد بأم عينه انهيار جنة الإنسان أمام أفعال وأفكار القوة العظمى في العراق وفلسطين وغيرهما، وأن الضعفاء لا تحميهم القوانين؟ بل تزيدهم ضعفا! وهلم جرا مما ابتلانا الله به من موبقات الرشوة وأكل المال العام وغيره. ويذهب إلى تكريس البطء والهوان في فكر المتعلم ويضمنهما له بالقانون الإنساني!؟ بل القياس هنا باطل لأنهما عالمان متشابهان ومتساوقان في المضمون والشدة. فكيف يقنع النص المتعلم بالديمقراطية وحقوق الإنسان من هذا المنطلق؟ وأين هي الديمقراطية وحقوق الإنسان في النص؟ نص يعيد تعليمنا إلى الغابة والقرون الوسطى بالتاريخ الأوروبي لا العربي الإسلامي. نص ...؟! " لا حول ولا قوة إلا بالله".

فهذا التباس في الموضوع كما في المنهج، فمادة المواطنة مادة قانونية بالدرجة الأولى تحمل في ثناياها قواعد قانونية ومواد تشريعية وحقوقا وواجبات، وقيما وأخلاقا وقواعد سلوكية لا يبرزها المتن التعليمي فكيف سيتشبع بها المتعلم؟ ويعرف ما له وما عليه بمثل هذا النص وغيره كثير كثير! فهذا التعاطي مع المواطنة وغيرها لن يزيد المواطنة في المدرسة سوى انهيارا وتمزقا وتأسفا على حالها.

3.3. إشكال عدم تأهيل المدرسة للمواطنة:

انطلاقا من كون المؤسسة التعليمية مؤسسة رسمية يجب أن تعبر من خلال حياتها المؤسساتية عن أهليتها لمقاربة موضوع المواطنة عبر قوانينها وبنيتها المادية والاعتبارية وتجهيزاتها وأدائها وسحنتها؛ نجدها خلاف ذلك! لأن بعض قوانينها يكرس العنف القانوني على المتعلم وعلى مكوناتها، فالمتعلم الذي يجد أستاذه باسم المواطنة وبحكم القانون تجمد في سلم معين مقابل أستاذ آخر يدرسه نفس المادة فتح السلم أمامه، ويجد مختبره يفتقد للمواد المساعدة في دراسته لهذه المادة أو تلك، ولا يجد مقعدا يجلس عليه بل يجد نفسه مكدسا في القسم شر تكديس، ويجد مؤسسته لا تحتوي على ملعب أو مرحاض أو قاعة ... كيف تخاطبه المدرسة بلغة المواطنة، وهو يرى بأم عينه سحق المواطنة باسم المواطنة!

فالمدرسة كمكون رسمي يجب أن تؤهل لغاية تدريس المواطنة بحيث نجعلها مواطنة لها حقوقها وعليها واجباتها التي لا نفرط في شروطها ومتطلباتها. إذن لا يمكن الانطلاق من التهميش إلى المواطنة إلا بإحقاق الحقوق واستيفاء الواجبات. لذا فمدرستنا مازالت غير مؤهلة بعد لتدريس المواطنة وهي مكبلة بأحمال ثقيلة حتى سحنتها وسخة لا ترى الطلاء إلا تبرعا أو تضامنا بين المحسنين أو شفقة من خارج! يتم في يتم! نريده أن يتحدث عن حنان الوالدين؟ فتدريس المواطنة له شروطه وظروفه ومتطلباته السياسية والاجتماعية ... حتى يقتنع بها المتعلم ويؤمن بها وبقيمها ومبادئها. وأما؛ والحالة هذه، فإننا نحاول أن نجمع بين المتناقضين بل المعاكسين في نفس المكان والزمان، فحتى توظيف منهج المحدثين في الاختلاف هنا لا يستقيم.

4.3. إشكال فاعلية المتعلم:

ترتبط المواطنة بالحقل السياسي ارتباطا عضويا كما أسلفنا، وحيث (المدرسة وحدة اجتماعية لها جوها الخاص الذي يساعد بدرجة كبيرة على تشكيل إحساس الطالب بالفاعلية الشخصية، وفي تحديد نظرته تجاه البناء الاجتماعي القائم. فهي تؤدي دورا حيويا في عملية التنشئة السياسية خصوصا أنها تمثل الخبرة الأولى المباشرة للطالب خارج نطاق الأسرة، وذلك من عدة زوايا، فهي تتولى غرس القيم والاتجاهات السياسية التي ينخرط فيها الطلاب، وليس بصورة تلقائية كما هو الحال في الأسرة أو المؤسسات الأخرى. كما أن المدرسة تؤثر في نوع الاتجاهات والقيم السياسية التي تؤمن بها الفرد، وذلك من خلال علاقة المعلم بالطالب، ومن خلال أداء المعلم لعمله، ومن خلال التنظيمات الإدارية)[21]. فمن المفترض وفقه في المؤسسة أن تفعل دور المتعلم في مقاربة المواطنة من خلال مداخلها السياسية والاجتماعية والثقافية والقيمية والقانونية، لكن ليس لمؤسساتنا شيء من هذا رغم ما قيل من إصلاح؛ فالتلميذ / المتعلم مازال على الهامش غارق في الحفظ والاستظهار. كل دروسه تلقين لا يحيد عنها الطباشير قيد أنملة، وإن أحسن بها فعبر بعض الوسائل والتجهيزات الالكترونية التي ليس لها قيمة مضافة على ناتجها التعليمي! أنشطتها مستغرقة في الإنشاء اللغوي، وفي الماضي وتمجيده والأشخاص، لا تشارك في نقد الحاضر وتعريته وهدمه لإعادة بنائه من جديد على أسس الحاضر. محورها الأستاذ، تغيب عن معظمها الوسائل اللوجستية كما يقع في المختبرات. وتقويمها اختبارات تقليدية. أسلوبها قهري بصيغة الأمر لا بصيغة المشاركة والانغماس في حل المشكل أو الوضعية التقويمية، تلمس فيه السلطوية والديكتاتورية، يؤدي إلى (انخفاض الدافعية عند التلميذ، وضعف قدرته على التركيز، وزيادة في توتره الداخلي، وميل إلى الثورة والغضب)[22]، وردة الفعل المتشنجة وربما العنيفة سواء إيجابية أو سلبية العنف!.

واقع تعليمي لا يجد فيه المتعلم نفسه ولا يجد فيه متعة التعلم. راكد قابع في طاولات تشبه مقاعد الناقلة لا تسمح له بالحركة ولا بتغيير طريقة الاشتغال. فضلا عن جمود منهجية التدريس في صيغ قديمة رغم ادعاء لبيداغوجيا الكفايات، ولعل نظرة سريعة على صيغ تقديم الدروس بين القديم والجديد تبرهن على أنها لم تشهد خلا تغييرات طفيفة جدا[23] والجوهر واحد. وهذا لا يفعل المتعلم ولا يمكنه من تشكيل شخصيته المستقلة بأبعادها المختلفة خاصة فيما يخص قناعاته نحو الآخر والوطن والمستقبل. ومن ثم فهو مسلوب الإرادة في المدرسة، مفعول به لا فاعل، مما يجعله متعلما سلبيا في تفاعله مع نفسه والآخر ومحيطه المدرسي والسياسي والمجتمعي.

واقع تعليمي يساهم في إنتاج متعلم مستهلك معرفيا واقتصاديا واجتماعيا وثقافيا وتكنولوجيا. متعلم ينقاد للسهل دون الصعب لا يقرب النقد والإبداع والابتكار إلا لماما أو عرضا. يؤمن بسلبيته وسكونيته. ألا ترى النظام التعليمي يتسلط عليه حتى في اختيار الشعبة بدعوى التوجيه وأي توجيه؟ يخالف رغباته بأقل معدل ، حيث يريد النظام التعليمي إنجاح فراسته النسبية وقراءاته الكهنوتية لمستقبل نجاح الإصلاح؟! فكيف نوطن المواطنة ونستنبتها عند المتعلم وهو غير فاعل في قسمه ومدرسته؟! ليست له مساحة الحرية المطلوبة في التعلم، كل التوجيهات مركزة في: " أنت افعل " وليس في: : أنا أفعل "!

5.3. إشكال فاعلية الأستاذ:

لقد تقلص بالتقنين المفرط دور الأستاذ وحصر في التنفيذ للمبرمج رسميا من متن تعليمي ومنهجية مقررة وخطوط حمر خفية؛ لم يعد الأستاذ معها يبتكر ويجتهد إلا للضرورة الملحة وخلسة! لذا لم يعد أداؤه يؤتي إلا القليل من النتائج، وأكثر جهوده ضائعة ومهدورة. فمثلا مع نص الغابة الذي مر بنا وهو نص لا صلة له بموضوع مجاله لا من قريب ولا من بعيد وإنما حشو وحشر على قياس من رمي به من السفينة للانقاذ وما هو بسباح ولا منقذ! لا يؤسس هذا النص لحقوق الإنسان ولا للديمقراطية ولا لثقافتهما، لأن موضوعه الغابة وليس تلك الحقوق. فماذا سيفعل الأستاذ حياله؟ فإن اجتهد فذاك خروج عن المقرر وإن التزم فتلك تفاهة رسمية تدرس للمتعلم بما لا يمكنه من حقوق ولا من واجبات، ولا من مؤسسات الديمقراطية أو من صيغ إنشائها، ولا من نهجها أو سلوكياتها. فهو مقيد الإرادة لا تُفتح دفاتره على الاجتهاد لأن رقابة الوزارة عبر أجهزتها الإدارية والتربوية وأنظمتها له بالمرصاد. فكيف يبني مواطنة أو غيرها؟!

إن تفعيل الأستاذ بترك هامش الإعداد الحر لدرسه وفتحه على أكثر من مرجع وأكثر من قضية وعنوان هو الكفيل ببعث الروح في درسه ودخ الدم من جديد في قلبه، بل بعث الحياة في أدائه ببعديه المعرفي والميتامعرفي قصد قراءة الآخر والأنا عن وعي عميق مما يكسب فعله معنى يحركه نحو النموذج المنظوماتي للمعرفة الكلي الذي يحقق عند الأستاذ التمكن من المعرفة الشرطية والإجرائية والتقريرية في المتن التعليمي المتعلق بالمواطنة، وبما يميز لديه بين المعرفة الصحيحة والخاطئة ضمن استحضار الفروق الفردية بين المتعلمين؛ لينقل فاعليته من السذاجة الإيبستيمية إلى الوعي الإيبستيمي الفاعل في المتعلم والموضوع والمجال.

ويزيد مشهد فاعلية الأستاذ تعقيدا أو تحسنا نمط شخصية الأستاذ وتكوينه وثقافته ووضعه الاجتماعي والاقتصادي ومظهره وسحنته الخارجية فضلا عن نوع العلاقات المنسوجة بينه وبين مكونات بيئته التعليمية المختلفة خاصة منها البشرية. فالعلاقات لها منطق التصديق على قيمة ما يدرس لمتعلميه من مواضيع بما فيها المواطنة. ومنه لا يمكن أن يقوم لدرس المواطنة في المدرسة قيام وقوام مادام النظام التعليمي يرى الأستاذ/ ة خلا منفذا لقراراته الفوقية ولا يترك له المبادرة.

6.3. إشكال مفارقة النظري لواقع المدرسة:

ينطوي هذا الإشكال على العديد من مواطن مفارقة النظري للواقع أو للتطبيق في الاتجاهين من المواطنة نحو المدرسة أو العكس انطلاقا من كون المدرسة مجالا سياسيا للسلطة الحاكمة تحمله بحمولة المواطن الصالح في عرفها ورؤيتها؛ ومجالا اجتماعيا لسلطة المجتمع يحمله بحمولة الهوية العامة المنبثقة من الموروث التاريخي للمجتمع وهي هوية لا تأخذ صورة واحدة جامدة لتعدد روافدها وتنوعها. ومن ثم يقوم الصراع في المؤسسة التعليمية بين سلطة السياسة وسلطة المجتمع، فتتقرر حقيقة عدم إمكانية الاشتغال المحايث عليها، لانصهار الروافد والتداخلات والتفاعلات في صبغ المدرسة بواقع الصراع الموجود في المجتمع العام والمجتمع السياسي بل والثقافي فضلا عن الاقتصادي. ونحن نجد انفصاما بين المؤسسة والمجتمع حيث (ثمة خلل في طبيعة الآليات الفاعلة والموجهة لقضية التعليم. لقد لوحظ طلاق حاصل بين المدرسة والمجتمع، بين المتعلم ومحيطه، وبين المتعلم وذاته كشخص وكشخصية)[24]. وهذا يقوض تدريس المواطنة في المدرسة لأن واقعها لا ينسجم مع خطابها ومعارفها المروجة في أدائها لوظيفتها المهنية على الأقل. فهي تشهد الفكرة ونقيضها في نفس الوقت، والقيمة وعكسها في ذات اللحظة بما يذكي في المتعلم الطلاق البائن بين شخصه وشخصيته!

فالمدرسة تعيش زمن المواطنة وزمن اللامواطنة في اليوم ألف مرة؛ فمثلا من حقوق المتعلم تكافؤ فرص التعلم داخل القسم بما يفيد تخصيصه بنفس المساحة الزمنية وبنفس المعلومة وبنفس المنهج المخصص لباقي زملائه لكن في واقع القسم هذا غير ممكن لأن السياسة التعليمية تقتضي حشر خمسين متعلما في الحجرة الواحدة وتخصيص ستين أو مائة وعشرين دقيقة للموضوع والمنهج وغير ذلك، مما يعني أن المتعلم ينتابه في حصته الزمنية عشر دقائق وأجزاء من الثانية؛ فهل يكفيه هذا الغلاف الزمني لاكتساب الموضوع والمنهج فضلا عن ملابساتهما؟ فأين تساوي تكافؤ الفرص في التعلم مقابل حجرة دراسية لنفس المستوى تحتوي على أربعين متعلما مثلا وفي نفس المدرسة؟ وأين تكافؤ الفرص في سياق الساعات الإضافية التي تأتي من تدهور خدمات المدرسة العمومية؟ وأين شخصية المتعلم المتوازنة أمام الفرز الممنهج للتلاميذ وفق المعدلات أو المحسوبية والزبونية والعلاقات الاجتماعية بمختلف أصنافها وأنواعها؟ وهي بالمناسبة ليست طارئة على المدرسة لأنها واردة من أزمة النظام التعليمي ككل، الذي تمارس فيه هذه العلاقات من أجل الترقية والانتقال وتبوء المناصب بعيدا عن معيار الكفاءة كأحد مبادئ وقيم المواطنة؟

فواقع المؤسسة التعليمية معروف ولا يمكن أن يرتفع كما هو واقع المجتمع السياسي والاجتماعي للأمة، ومن ذلك لا واقع المدرسة يقنع المتعلم بدعوى درس المواطنة ولا واقع خارج المدرس يقنعه هو الآخر بذلك. ومن ثمة يجد المتعلم درس المواطنة يدخل في باب تأثيث الفكر والذاكرة به كالمؤثثات الأدبية الأخرى، مادام لا يجد له امتدادا في معيشه اليومي بدء من طول انتظاره بباب المسؤول عن المؤسسة وانتهاء بطول انتظاره بباب المسؤول الإداري بالمرافق الإدارية الأخرى أو غيرهما. فتلك معطيات تتراكم لتشكل المكبح الحقيقي لدرس المواطنة وغيره في المدرسة.

وأي خطاب تعليمي للمعرفة من أجل النفع هو خطاب جامد وساذج في ظل واقع مفارق لتنظيراته. وعليه لن يطول القول في هذه الحيثية مادامت الإشارة تغني عن الجمل والكلمات لأن ذلك يشكل خبز يومنا وليلنا.

لــيــس خــتــامــا:

المواطنة والمدرسة في ظل الواقع المعيش المأزوم على مختلف الأصعدة ليست موضوعا مغلقا ومحسوما في أمره بقدر ما هو موضوع مفتوح للنقاش بما يبقي (صيغة الأزمة ملازمة للتعليم، وكأن قدر التعليم أن يكون قطاعا أزميا، فقد اعتبرته الدولة مصدرا أزميا، لأنه كان سابقا يولد نخبة سياسية معارضة، وهو الآن يولد توترا اجتماعيا بسبب الحركات الاجتماعية للمتخرجين المعطلين عن العمل، كما اعتبرته الفئات الاجتماعية مصدرا أزميا يولد التمايزات الاجتماعية ويكرس إجراءات الانتقاء والإقصاء ثقافيا واجتماعيا وبيداغوجيا، وينتج ترسبات سيكو ـ اجتماعية كالفشل الدراسي، التعثر والطرد المدرس، والبطالة، وينتج مفارقات تكوينية كالتباعد الحاصل بين التعلم والحياة عموما، والتباعد بين حاجات ورغبات المتعلم وواقع التعلم. كما اعتبره الممارسون مصدرا أزميا يولد تناقضات بين واجب الممارسة وواقعها، بين حاضر التعليم وطبيعة التكوين، كما أصبح ينتج ظواهر خطيرة، كالغش والعنف والغياب وضعف المستوى، إنها أزمة ممارسة. إنه أيضا مجال تتجسد فيه سلطة القرار، وإلغاء فعالية الممارسين والنظر إليهم كجنود عليها أن تنفذ، لا أن تفكر، وإطارا للعقاب يحرم فيه الممارس مما يتمتع به سواه من الموظفين، وبالتالي إنها أزمة الوضعية، ناهيك عن أزمة التكوين ومدى استمراره. لهذا أصبحت الرغبة في التعليم والجدية في التحصيل وفي التدريس مثار سخرية، وعلامة على السذاجة، ونعتا طوباويا وفقرا في الواقعية. وبالتالي أصبح التعليم نموذجا للضياع والهدر في المجهود وفي الزمن)[25].

فالأزمة مازالت قائمة رغم ما روج من إصلاح لأن الإصلاح لم ينطلق من الإنسان وإليه لأنه غاية التربية والتعليم والتكوين. فلم يبرح مكانه وإن علت وجهه مسحوقات التجديد، فالجسد والجسم قديم يستدعي مشرطا لاستئصال جراثيمه وطفيلياته. ويستدعي جراحا كفء فنانا يدري حقيقة فعله لا هاويا يستنبت المواطنة في تربة لم يؤهلها بعد ولم يكيفها لأجل البذور أو الشتائل؟! فذلك ضرب من الوهم يعلو الخطاب التربوي.

 

عبد العزيز قريش

.........................

المراجع:

ـ القرآن الكريم.

ـ رزنبرغ ، في " من دولة الرعية إلى دولة المواطنة، معقل زهور عدي، http://www.alfikralarabi.org/vb/showthread.php?t=2318

ـ د. فهد إبراهيم الحبيب، الاتجاهات المعاصرة في تربية المواطنة، مجلة المعرفة، وزارة التعليم، السعودية،http://www.almarefah.com/print.php?id=691.

ـ محمد المحفوظ، جريدة الرياض، السعودية، 22/03/2005.

ـ محمد المحفوظ، المواطنة وقضايا الانتماء الوطني، http://www.rasid.com/print.php?id=12779.

ـ مبارك سالمين، السياسة التعليمية والنظام التعليمي في اليمن ومدى توافقها في تكريس المواطنة والديمقراطية، http://www.wfrt.org/cedy/studies/res4_a.html.

ـ عبد المقصود الراشدي، http://www.ier.ma/article.php3?id_article=895

ـ أوليفيي روبول، لغة التربية، ترجمة: عبد السلام بن عبد العالي، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، 2002.

ـ الموسوعة الحرة ويكيبيديا، . http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%B7%D9%86%D8%A9 .

ـ د. حبيب المالكي، الكلمة التوجيهية في لقاء التنسيق الخاص بمديري الأكاديميات والنواب الإقليميين، الرباط 2 ـ 3 فبراير 2007، http://81.192.52.38/men/discours/alloc_min_2fevrier07.htm

ـ خطاب ملكي في المجلس الأعلى للتعليم .

ـ المادة1 من ظهير شريف رقم 1.05.152 صادر في 11 من محرم 1427 (10 فبراير 2006) بإعادة تنظيم المجلس الأعلى للتعليم، جريدة رسمية عدد 5396 – 17 محرم 1427 (16 فبراير 2006) .

ـ عبد القادر فضيل، فلسفة ابن باديس في مجال التربية والتعليم، http://www.binbadis.net/dirasat/lire_abdelkader_foudel.htm.

ـ محمد قطب، منهج التربية الإسلامية، دار الشروق، بيروت، لبنان، 1400/1980، ط4.

ـ سامر أبو القاسم، مهام منظومة التربية والتكوين وتحديات التعبئة والإدماج الاجتماعي، http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=59157

ـ د. مصطفى أحمد تركي، السلوك الديمقراطي، عالم الفكر، وزارة الإعلام، الكويت، المجلد 22، العدد2، 1993.

ـ د. فهد إبراهيم الحبيب، الاتجاهات المعاصرة في تربية المواطنة، مجلة المعرفة، وزارة التعليم، السعودية.

ـ عزيز لزرق، حدود وممكنات إصلاح التعليم، منشورات اختلاف 5، 2001، المغرب.

 هوامش 

[1] رزنبرغ ، في " من دولة الرعية إلى دولة المواطنة، معقل زهور عدي، http://www.alfikralarabi.org/vb/showthread.php?t=2318.

[2] د. فهد إبراهيم الحبيب، الاتجاهات المعاصرة في تربية المواطنة، مجلة المعرفة، وزارة التعليم، السعودية،http://www.almarefah.com/print.php?id=691.

[3] محمد المحفوظ، جريدة الرياض، السعودية، 22/03/2005.

[4] محمد المحفوظ، المواطنة وقضايا الانتماء الوطني، http://www.rasid.com/print.php?id=12779.

[5] القرآن الكريم، سورة الحجرات، الآية 13.

[6] انظر كتابات وكتب بيير بورديو صاحب نظرية إعادة الانتاج من منطلق الرأسمال الرمزي أو الثقافي وهو أخطر من إعادة الإنتاج من منطلق الرأسمال الاقتصادي لأنه خفي ولا يترك وراءه غبارا ولا دخانا.

[7] مبارك سالمين، السياسة التعليمية والنظام التعليمي في اليمن ومدى توافقها في تكريس المواطنة والديمقراطية، http://www.wfrt.org/cedy/studies/res4_a.html.

[8] نفسه.

[9] عبد المقصود الراشدي، http://www.ier.ma/article.php3?id_article=895.

[10] انظر في شأنه: أوليفيي روبول، لغة التربية، ترجمة: عبد السلام بن عبد العالي، إفريقيا الشرق، الدار البيضاء، المغرب، 2002.

[11] الموسوعة الحرة ويكيبيديا، . http://ar.wikipedia.org/wiki/%D9%85%D9%88%D8%A7%D8%B7%D9%86%D8%A9 هناك تعاريف عدة؛ حيث رأيت هذا مناسبا للمجتمع المدرسي.

[12] د. حبيب المالكي، الكلمة التوجيهية في لقاء التنسيق الخاص بمديري الأكاديميات والنواب الإقليميين، الرباط 2 ـ 3 فبراير 2007، http://81.192.52.38/men/discours/alloc_min_2fevrier07.htm

[13] خطاب ملكي سامي بمناسبة تنصيب المجلس الأعلى للتعليم والإعلان عن إحداث هيئة وطنية للتقويم.

[14] المادة1 من ظهير شريف رقم 1.05.152 صادر في 11 من محرم 1427 (10 فبراير 2006) بإعادة تنظيم المجلس الأعلى للتعليم، جريدة رسمية عدد 5396 – 17 محرم 1427 (16 فبراير 2006) ص 405 . 

[15] عبد القادر فضيل، فلسفة ابن باديس في مجال التربية والتعليم، http://www.binbadis.net/dirasat/lire_abdelkader_foudel.htm.

[16] عبد القادر فضيل، نفسه.

[17] محمد قطب، منهج التربية الإسلامية، دار الشروق، بيروت، لبنان، 1400/1980، ط4، ص.: 180.

[18] سامر أبو القاسم، مهام منظومة التربية والتكوين وتحديات التعبئة والإدماج الاجتماعي، http://www.rezgar.com/debat/show.art.asp?aid=59157

 [19] د. مصطفى أحمد تركي، السلوك الديمقراطي، عالم الفكر، وزارة الإعلام، الكويت، المجلد 22، العدد2، 1993، ص.ص.: 116 ـ 132.

[20] راجع أغلبية الكتب المدرسية في التعليم الابتدائي للغة العربية بقراءة ناقدة تتعجب لما تحويه من انزلاقات في المضمون والمنهج ونحملها أسماء لو نطقت لتبرأت منها.

[21]د. فهد إبراهيم الحبيب، الاتجاهات المعاصرة في تربية المواطنة، مجلة المعرفة، وزارة التعليم، السعودية، مرجع سابق.

[22] د. مصطفى أحمد تركي، السلوك الديمقراطي، مرجع سابق.

[23] يمكن إجراء مقارنة بين منهجية الكتاب الوحيد القديم في تقديم درس التراكيب أو الصرف أو التعبير وبين منهجية تقديمها في الكتاب الجديد، لتبين تطابقها في الجوهر وفي النظرية الديداكتيكية المؤطرة لهما.

[24] عزيز لزرق، حدود وممكنات إصلاح التعليم، منشورات اختلاف 5، 2001، المغرب، ص.: 21.

[25] نفسه، ص.: 69.

 

 

محمد بنيعيش1 - في بدء الجهر بالدعوة الإسلامية وعند المواجهة الأولى قد كان بإمكان رسول الله (ص) أن يخلص أصحابه الصديقين مما هم عليه في الظاهر من تعذيب ذلك لمعطيات ووقائع تثبت ذلك عمليا، ولكنه لم يفعل وذلك لحكمة عالية وبعد ما بعده من بعد لا علاقة له بالتخلي أو الضعف عن النصرة، كما يروى عن خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: "شكونا إلى رسول الله (ص) حر الرمضاء في وجوهنا وأكفنا فلم يشك"أي لم يدع لنا في الساعة الراهنة "[1].

يقول طه حسين فيما يناسب قصدنا من تناول المرحلة ويواكبه: " وكان التاريخ في ذلك الوقت كما كان في أكثر الأوقات أرستقراطيا لا يحفل إلا بالسادة ولا يلتفت إلا إلى القادة، وكان التاريخ كما كان في أكثر الأوقات ضنينا بخيلا ومستكبرا متعاليا، يحفل بالسادة في تحفظ ويلتفت إلى القادة في كثير من الاحتياط، لا يسجل من أمرهم إلا ما كان له شأن أو خطر ...

وكان ياسر من هؤلاء الدهماء فلم يحفل به التاريخ ولم يلتفت إليه ولم يصحبه في حياته الطويلة، ولم يسجل غدوه على التماس الرزق ولا رواحه على أهله بما اكتسب منه، حتى كان يوم أكره التاريخ فيه على أن يلتفت إلى الدهماء أكثر مما يلتفت إلى السادة والقادة، وعلى أن يسجل من أمر ياسر وأمثاله من عامة الناس أكثر مما يسجل من أمر حلفائه من بني مخزوم وأمثالهم من الملأ والسادة من قريش .

في ذلك اليوم نظر التاريخ فإذا أحداث ضئيلة تحدث لا يكاد الناس يأبهون بها ولا يعنون بها، ولكنها لا تكاد تحدث حتى تخفق لها القلوب وتنفتح لها العقول وتضطرب لها الضمائر، وحتى تعرف الدهماء نفسها وتشعر بحقها وتطمح إلى هذا الحق وتسعى إليه جادة لا وانية ولا فاترة، وحتى يذكر الملأ من قريش كل شيء، يرون المستضعفين في الأرض وقد سمت نفوسهم إلى أشياء لم تكن تنطلق بها، ويرون الرقيق وقد طمحوا إلى الحرية واشتاقوا إليها، وهاموا بها وجعلوا يتحدثون فيما بينهم كأنهم ليسوا أقل من سادتهم استحقاقا للحياة ولا استئهالا للكرامة، ولا ارتفاعا عما ينقص ولا تنزها عما يشين[2] ...

ونظر التاريخ ذات يوم إلى مكة فرأى فيها هذه الأحداث الصغار الكبار، وسمع فيها هذه الأحاديث التي كانت تهمس بها الأفواه وتصيح بها الضمائر والقلوب والنفوس ..."[3].

قلت: قد كان بوسع رسول الله (ص) أن يحسم المعركة وينهي المواجهة مع أعداء الدعوة بمجرد دعاء يخضعهم فيه بالجلال والإرادة الإلهية المعجزة كما قال الله تعالى(إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آَيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ) [4]، وهذه معجزة قهرية تخضع القلوب وتكسرها وترمي بها في مقام الذل والاستسلام مع الملامة والتوبيخ لعدم الاستجابة بالرضا ومعنى الجمال والإدراك طواعية وحرية.

2 ) لكن الرسول (ص) قد كان حينئذ يؤسس للأمة والعالمين وليس لمرحلة زمنية ضيقة ورغبات وأحوال أفراد معدودين ومحدودين .ولهذا فكان مرة يظهر برداء البشرية العادية المتناسبة مع الواقع الأرضي والخاضعة لسنة التدافع والتمانع وحال الكر والفر والنصر والهزيمة والحرب السجال، تماما كما عبر عنه فيما بعد أبو سفيان لما سأله هرقل ملك الروم عن جملة نتائج الصراع بينه (ص) وبين قريش: "فهل قاتلتموه ؟قلت: نعم.قال: فكيف كان قتالكم إياه؟قلت: الحرب بيننا وبينه سجال ينال منا وننال منه !"[5].

ومرة كان يفيض عليه الجلال ويتجلى فيه فيرعب الأعداء بمجرد النظرة أو الدعاء والوعيد اللفظي.وهذا السجال روحي قبل أن يكون ماديا وعسكريا لأنه يكاد ينطبق عليه حال ما يصطلح عليه عند الصوفية بالجلال والجمال أو القبض والبسط والفرق والجمع وما إلى ذلك من تعاقب .

ولقد تجلى هذا الحال بكل وضوح وواقعية في مواجهة أعتا أعداء الرسول (ص) من كفار قريش، فكان على رأسهم أبو جهل عمرو بن هشام بن المغيرة المخزومي القرشي ذي الشخصية المتناقضة في العداء والتحدي، أي أنه في بعض الأحيان كان يبدو شجاعا مستأسدا، ومتهورا متحديا ومنتحرا، وفي الوجه الآخر يظهر جبانا خوارا لا يكسو محياه، إن كان لديه محيا، إلا اصفرار الهوان والخسران والنكوص .

وهاتان الصورتان المتناقضتان في شخصية أبي جهل ستطفو في لحظة واحدة عند هذه الحادثة الفريدة من نوعها كما تروي كتب السير والحديث حيث: "قال يوما: يا معشر قريش إن محمدا قد أتى ما ترون من عيب دينكم وشتم آلهتكم، وتسفيه أحلامكم، وسب آبائكم، إن أعاهد الله لأجلسن له غدا بحجر لا أطيق حمله، فإذا سجد في صلاته رضخت به رأسه فأسلموني عند ذلك أو امنعوني، فليصنع بي بعد ذلك بنو عبد مناف ما بدا لهم .فلما أصبح أخذ حجرا كما وصف ثم جلس لرسول الله ينتظره، وغدا عليه الصلاة والسلام كما كان يغدو إلى صلاته، وقريش في أنديتهم ينتظرون ما أبو جهل فاعل، فلما سجد عليه الصلاة والسلام احتمل أبو جهل الحجر وأقبل نحوه، حتى إذا دنا منه رجع منهزما منتقعا لونه من الفزع ورمى حجره من يده .فقام إليه رجال من قريش، فقالوا: ما لك يا أبا الحكم ؟قال: قد قدمت إليه لأفعل ما قلت لكم فلما دنوت منه عرض لي فحل من الإبل، والله ما رأيت مثله قط هم بي ليأكلني فلما ذكر ذلك لرسول الله (ص)قال: ذاك جبريل ولو دنا لأخذه..."[6]. وفي رواية مسلم: "فقيل له(أبو جهل) ما لك؟فقال: إن بيني وبينه لخندقا من نار وهولا و أجنحة.فقال رسول الله (ص): لو دنا لاختطفته الملائكة عضوا عضوا ".كما أن نفس المشهد سيتكرر عند قصة الأعرابي الإراشي وابتياع الجمال .كما يقص ابن هشام: " قَالَ قَدِمَ رَجُلٌ مِنْ إرَاشٍ بِإِبِلِ لَهُ مَكّةَ، فَابْتَاعَهَا مِنْهُ أَبُو جَهْل فَمَطَلَهُ بِأَثْمَانِهَا. فَأَقْبَلَ الْإِرَاشِيّ حَتّى وَقَفَ عَلَى نَادٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي نَاحِيَةِ الْمَسْجِدِ جَالِسٌ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ، مَنْ رَجُلٌ يُؤَدّينِي عَلَى أَبِي الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ، فَإِنّي رَجُلٌ غَرِيبٌ ابْنُ سَبِيلٍ وَقَدْ غَلَبَنِي عَلَى حَقّي ؟ قَالَ فَقَالَ لَهُ أَهْلُ ذَلِك الْمَجْلِسِ أَتَرَى ذَلِك الرّجُلَ الْجَالِسَ - لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُمْ يَهْزَءُونَ بِهِ لِمَا يَعْلَمُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي جَهْلٍ مِنْ الْعَدَاوَةِ - اذْهَبْ إلَيْهِ فَإِنّهُ يُؤَدّيك عَلَيْهِ.

فَأَقْبَلَ الْإِرَاشِيّ حَتّى وَقَفَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ يَا عَبْدَ اللّهِ إنّ أَبَا الْحَكَمِ بْنَ هِشَامٍ قَدْ غَلَبَنِي عَلَى حَقّ لِي قِبَلَهُ وَأَنَا (رَجُلٌ) غَرِيبٌ ابْنُ سَبِيلٍ وَقَدْ سَأَلْت هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ عَنْ رَجُلٍ يُؤَدّينِي عَلَيْهِ يَأْخُذُ لِي حَقّي مِنْهُ فَأَشَارُوا لِي إلَيْك، فَخُذْ لِي حَقّي مِنْهُ يَرْحَمُك اللّهُ قَالَ انْطَلِقْ إلَيْهِ وَقَامَ مَعَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَلَمّا رَأَوْهُ قَامَ مَعَهُ قَالُوا لِرَجُلِ مِمّنْ مَعَهُمْ اتْبَعْهُ فَانْظُرْ مَاذَا يَصْنَعُ. قَالَ وَخَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى جَاءَهُ فَضَرَبَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَقَالَ مَنْ هَذَا ؟ قَالَ مُحَمّدٌ فَاخْرُجْ إلَيّ فَخَرَجَ إلَيْهِ وَمَا فِي وَجْهِهِ مِنْ رَائِحَةٍ قَدْ اُنْتُقِعَ لَوْنُهُ فَقَالَ أَعْطِ هَذَا الرّجُلَ حَقّهُ قَالَ نَعَمْ لَا تَبْرَحْ حَتّى أُعْطِيَهُ الّذِي لَهُ قَالَ فَدَخَلَ فَخَرَجَ إلَيْهِ بِحَقّهِ فَدَفَعَهُ إلَيْهِ. (قَالَ): ثُمّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَالَ لِلْإِرَاشِيّ الْحَقْ بِشَأْنِك، فَأَقْبَلَ الْإِرَاشِيّ حَتّى وَقَفَ عَلَى ذَلِكَ الْمَجْلِسِ فَقَالَ جَزَاهُ اللّهُ خَيْرًا، فَقَدْ وَاَللّهِ أَخَذَ لِي حَقّي".

والقصة، و خاصة ما قبلها، من أولها لآخرها تصور لنا مدى نذالة وجبن أبي جهل، بكل ما تحمل كلمة جبن وخوار من معنى .بحيث يكفي أن يأتي شخص لمواجهة الآخر وهو مولي ظهره إياه قد يسمى غادرا وخائنا، وأسوأ منه أن يهاجمه وهو ساجد لله تعالى قد أسلم روحه وجسمه لعبودية الواحد الأحد.أي أن أبا جهل هنا قد كان رائدا لكل مظاهر الغدر والخيانة في هذا العالم ومثالا لمقام الجبن والشقاء في مقاومة مقام الثبات والحقيقة التي لا تزول بالوهم والتشويش.

فلقد كان طه حسين دقيقا ومحللا نفسيا جادا حينما خصص لأبي جهل فصلا أو عنوانا على هامش السيرة وصفه فيه ب"صريع الحسد"[7]، حيث الحقد والبغض والجبن والتهور، والضعف والشعور ر بالدونية والنقص مع نزعة الانتقام وتمني زوال النعمة عن الآخر.وحينما لا تتحقق الأمنية الظلامية يقع الشخص الحاسد في صراع نفسي ودوامة شر لا خلاص له منها، ستزداد غورا كلما ازداد الآخر فضلا ونعمة ونصرا.

إن أبا جهل قد فاض به الحسد فيضا وتوافق مع إبليس كل التوافق حتى أعلن عنه صراحة، مثلما أعلن إبليس حسده لآدم ولو على حساب مقامه وسعادته في الجنة وذلك حينما أبى أن يسجد له فوقع في وهم القياس المغالطي إلى أن قال: ( أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين )[8]، تماما كما روى البيهقي في حوار أبي سفيان والأخنس بن شريق وأبي جهل بعد استماعهم إلى النبي (ص) وهو يقرأ القرآن إلى جانب الكعبة .حيث قال الأخنس لأبي جهل: يا أبا الحكم ما رأيك فيما سمعت من محمد؟فقال: ما ذا سمعت؟تنازعنا نحن وبنو عبد مناف الشرف، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الركب كنا كفرسي رهان قالوا: منا نبي يأتيه الوحي من السماء ! فمتى ندرك هذه؟! والله لا نسمح به أبدا ولا نصدقه، فقام عنه الأخنس بن شريق"[9].

إن مكر أبي جهل الإبليسي هذا لم يقتصر على الإيذاء الفردي المادي أو الاستفزاز والاستدراج للنبي (ص)، وذلك بالتنكيل بأصحابه على نحو فظيع لإخراجهم على عجالة إلى المواجهة المباشرة والتمهيد للإفناء الجماعي الحتمي بحسب منطق العدد والعدة . فمثل هذا التحريض المحض أو المعارضة بمجرد الحسد الشخصي قد لا تفي بالمقصود، وربما ستلقى صدا استنكاريا من داخل الموالين له أنفسهم، وبالتالي فلن يتحقق الهدف الرئيسي من الحاسد نحو محسوده ألا وهو إقبار دعوته في مهدها وإقبار الداعي نفسه.

لهذا فقد رأى أبو جهل، وبئس الرأي كان، أنه لا بد من اللجوء إلى إضعاف موقع الآخر الذي هنا هو صاحب الدعوة رسول الله (ص)، بالسعي إلى تصيد ما يمكنه من المتشابهات في خطابه أو حتى سلوكه الممتنع بثباته وأمانته على الجميع، تماما كما يفعل بعض الحكام الاستبداديين أو الدول الإمبريالية والاستعمارية، وذلك كي تؤخذ، هذه الحيثيات بزعم العدو، كذريعة سلبية ومنفرة، طالما أن الدعوة عنده، أي النبي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم في هذه المرحلة مقتصرة على الخطاب والمقاومة باللسان في الدرجة الأولى، وأيضا مرتكزة على تحمل الأذى من غير ركوب قارب التحدي والتجديف به عكس التيار في وجه الأعداء بواسطة السلاح والانتقام المادي قدر الإمكان...

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

 

الدكتور محمد بنيعيش

....................

[1] ابن كثير: السيرة النبوية ج1ص498

[2] طه حسين: إسلاميات، الوعد الحق ص574

[3] طه حسين: إسلاميات، الوعد الحق ص575

[4] سورة الشعراء آية 4

[5] رواه البخاري في كتاب بدء الوحي

[6] محمد الخضري: نور اليقين ص50

[7] طه حسين: إسلاميات، على هامش السيرة ج3ص 435

[8] سورة الأعراف آية 12

[9] ابن كثير: السيرة النبوية ج1ص 506

 

 

عادل بن خليفة بالكحلةمْن الممكن، أن نجد نساء في أقطار العصر الوسيط الإسلامية حافظات للقرآن أو ناسخات له (2)، أو ناقلات للحديث النبوي، لكنْ من النادر، إن لم يكن من المستحيل عمليَّا أن نجد منهن مفسّرات للقرآن أو للحديث، سواءً تجزيئيا (كجلّ الرجال المفسرين) أو موضوعيًّا. ومن المستحيل أكثر أن نجد منهن الكاتبات في الفكر الأصولي أو الإعتقادي أو الفلسفي. ومن الممكن أن نجد منهن المتدخلة في الشؤون السياسية، ولكن من المستحيل عمليًّا أن نجد مِنْهُن صاحب المَعْزَم في التدبير السياسي.

ولقد كان من الممكن لثقافة مغربية أنتجت «الكاهنةُ» مبادرتها السياسية، أن لا تكون فيها السيدة المنوبية وزينب النفزاويّة وفاطمة نْسُومر مجرّد استثناءات في المبادرة السياسية والدينية، إذا استطاعت فرض مشروعية دينية غير المشروعية المالكية إذْ تهمّشت فيها المشروعية التصوفية والمشروعية الإباضية. وهذا المعطى يمكن تعميمه على مجمل الحالة العربية قبل العصر الحديث.

أما جنوب الجزيرة العربية، وخاصة منه اليمن، فإن الوضعية الإناثية الإيجابية ما قبل «الإسلام» فقد استطاعت أن تبقى مع تطوّر، لأنها استُوعبت بمشروعية دينية تحمل وضعية إناثية إيجابية هي أيضا. ولذلك كانت المبادرة الإناثية ظاهرة ثابتة، لم تُجابَهْ باستنقاص فقهي أو عامّي، ولم تكن استثناءً أو حالاتٍ منعزلةً.

سنحاول في هذا العمل أن نُثبت أن ثقافة الوضعية الإناثية باليمن تطوّرية إذ مرت بثلاث إمَّاتٍ كُبْرى: إمَّة تأسيسية مع ذكرى بلقيس ومع زرقاء الهَمْدَانية، وإمّة إسماعيلية بما يُسمى «العصر الوسيط» مع الملكة أرْوَى، وإمَّة زَيْدية مع عدة نماذج (دَهماء بنت يحي المرتضى زينب الشهارية).

ذكرى بلقيس والتأسيس الإسلامي مع زرقاء الهمدانية:

تكاد تشتري كل المترجم لهن من اليمانيات في كمال الجمال الجسديي، وكمال عقلها معًا. ومن الأكيد أن بلقيس هي المثال الذي يختزن إمكانيات المرأة اليمانية في أي طَوْر من أطوارها. إنها، في ررواية القرآن ليست مُتملكة على اليمانيين فحسب، بل هي تملك قلوبهم وعقولهم أيضا (إنِّي وَجَدتُّ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ) (سورة النمل، 21) ولها نظام سياسي ذو حكمة تدبيرية وسَوْقية متطورة كثيرًا: (وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ) (النمل،21). وهي تعتقد أن النظام الوراثي مَفسدة للحكم ومقّوض للعدل: (قَالَتْ إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً وَكَذَٰلِكَ يَفْعَلُونَ)، ولقد كان ذلك بناءً على قدراتها المعرفية (وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ ) (النمل،21).

صحيح أن القرآن يرى أن معتقدها الديني فاسدٌ، ولكنه يؤكد رجاحة عقلها الذي يريد اختبار مدى صدق النبي: (وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِم بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ) (النمل، 379)، لتعترف بقصورها الديني: (رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ) (النمل، 43).

من المعروف أن إسلام الحكمة اليمانية لم يكن بإغراءات مالية ولا بفتح عسكري. فلقد استطاع معاذ بن جبل ثم علي بن أبي طالب أن يقوما بأسلمة إنْ لم تكن للأكثرية المطلقة فهي للأكثرية النسبية. فبَعْد أن كانت اليمن قاعدة لإسقاط دولة يثرب، حسب الأمر الكسْرَويّ –الساساني للأبناء (3) بصنعاء، أصبح الأبناء أنفسهم في مقدمة الانخراط اليماني في المشروع الثقافي الإسلامي في العالم. وتشهد الحلقة والمجلس في صنعاء بأن عملية الأسلمة لم تكن إكراها أو إغراء أو استمالة قبلية، بل كانت نتيجة حوار حقيقي مع الداعيتين. فلقد كان التظاسيس الإسلامي في طابع تسامحي-إقناعي-عقلاني، ولقد غطت امرأة يمانية هي أنيسة النخْعية وُفود معاذ بن جبل (4). ولقد كان الهمدانيون (ومنهم النخعيون) ضمن المنخرطين الأساسيين في هذا المشروع، وأهمهم مالك الأشتر، الذي كان الفاتح العسكري للشام ومصر، بينما كان غيره الفاتحين السياسيين.

ولعل أهم ما أفرزت الوضعية الإناثية الايجابية باليمن في هذه الفترة التأسيسية زرقاء بنت غديّ الهمدانية، ولقد كانت ضمن ندوة التدبير شبه الدائمة لمدينة الكوفية في عهد الخليفة الرابع، الذي كان كثير الاستشارة لها في الأمر الحضري الكوفي، كما كانت موجودة بصفتها الاستشارية والتعبوية في معاركه، وخاصة منها صفين، وقد خطبت فيها مرّات عديدة.

يصف معاوية بن أبي سفيان مبادرتها فيقول: «ألسْتِ راكبة الجمل الأحمر يوم صفين بين الصَّفّيْن تُوقدين الحرب وتحرّضين على القتال؟!». فلم تحضر المعركة في مؤخر الصفوف، ولم تكن مجرّد خطيبة، بل كانت في صميم سَوْق المعركة، إذ أن التعبئة بوجهيها: الجَوْس بين الصفوف والخطابة، من ذلك الصميم.

ولم تكن خطابتها تكرارًا للخطابة القتالية الرجالية ما قبل الإسلام، بل كانت حاملة لكثير من الوعي التاريخي بالمرحلة، فلم تكن تعبئ لمعركة صِفَّين، بل لمعركة مشروعيْن: مشروع تسمّيه «فتنة»، و«ظُلم»؛ ومشروع «كلمة عَدْل» و «الحقوق»، «التأمين كلمة العدل، وغلب الحقُّ باطله»، واندملت «شعب الشتات»، وهي من حامليه. وهي تقول محذّرة: «غشيتكم جلابيب الظّلم (5) وجارت بكم عن قصد المحجة، فيا لها من فتنة عمياء صمياء، يُسْمَعُ لقائلها ولا يُنظر لسائقها» (6). فهي ترى أن هذه الفتنة القادمة يمكن للأمة أن ترى القائلين فيها، ولكنّ سائقيها (7) ذوي دهاء يسمح لهم بأنْ لا يُرَوْا حتى يكون سَوْقهم أنجع.

إنها تعتبر المشروع الذي تنخرط فيه «الفرس» في سرعتها في انجاز الوعد التأسيسي، أما المشروع الآخر فهي تعتبره «البغل»، وهو «زفّ» لا يمكن أن «يقطع الحديد» (8) أي هو في نظرها عقيم ولا يمكنه الاستجابة للوعود التأسيسية.

وهي وإن كانت وفية لقائد مشروعها، فقد أقرّ لها معاوية بن أبي سفيان: «لوفاؤكم له بعد الموت أعجب إلىّ من حبكم له في حياته !» (9)؛ فهي تعتبر نفسها مبادرة وقيادية في مشروع «كلمة العدل». فهي مستعدة لتقديم التوضيح لمن أشكل على المشروع: «ألا من استرشدنا أرشدْناهُ، ومن استخبرنَا أخبرْناه» (10). ولقد اتهمها معاوية بن أبس سفيان: «لقد شاركت علي في كل دم سفكه»، فقالت:» أحسن الله بشارتك». فقال لها:» وقد سرَّكِ ذلك؟» قالت:» نعم والله لقد سرنّي فأنّى لي بتصديق الفِعل؟!» (11) لقد كانت منسجمة مع نفسها، مطابقة بين مثال وأفعال، ولذلك كانت مسرورة رغم «هزيمة» مشروعها النضالي، فلم تتغير مثاليتها رغم السنوات الطويلة التي مرّت، وهو ما لمْ يكُنْ حالُ الكثير من القُرَشيين ـنفسهم، الذين ساهموا في التأسيس الإسلامي.

ولقد احتفظت النساء اللواتي كُنَّ حول الخليفة الرابع بإعجاب كبير بمشروعه إذ قُلْن بعد سنوات من وفاته: أحببناه عى عدله في الرعية وقَسْمه بالسوية (12).

الطَّوْرُ الإسماعيلي: الملكة أرْوى:

زار المثقف المعاصر عبد العزيز المقالح اليمانية، عاصمة الملكة أروى ورآها حية في ذاكرة الناس «والحيث عنها لم ينقطع في المساجد وفي المدارس، عند ينابيع الماء وفي الطرق المرصوفة» (13). فهي لا تحمل مشروعية فحسب، بل إن سيرتها ومآثرها مازالت واضحة في الذاكرة العامّة.

أمها الرواح بنت الفارع بن موسى الصليحي، وقد تزوجت من عامر بن سليمان بن عبد الله الزواحي، بعد وفاة زوجها أحمد فولدت له سليمان بن عامر الزواحي الذي كان قائدا عسكريا كبيرا في العهد الصليحي، فكان أخًا لأروى من امها.

لم يربِّها والدَاها، وإنما الملك علي بن محمد الصليحي وزوجته الملكة أسماء بنت شهاب. وكل المُتاحات التربوية التي كانت لولدهم الذكّر أحمد بن علي، كانت لها هي أيضا من تربية دينية وتربية سياسية، ملمة بالتاريخ وأنام العرب والفقه الإسماعيلي وباعتبار أن الاستعدادات الذكائية التي كانت حاظية بها أفضل كان تفوقها على عليّ ابن أحمد. وكانت العلاقة بين «الأخوين» علاقة حب وتفاهم. ولقد أعدّها أبواها، المربيّان، لتكون زوجة الملك الجديد (علي بن أحمد) وهي في سن الثامنة عشر. ولقد كانت واسعة الثقافة، تضع شروحها على هوامش الكتب، وتباحث المختصين (14).

لقد طلب منها الملك أن تكون مجرّد مستشارة فرأت في ذلك استنقاصًا لها وأمرا شكليا، إذ اعتبرت ذلك جعلها مطلوبة للمَنْكَحِ فحسب، فما فوق المَنكح في نظرها هو الشراكة في الأمر لا مجرّد الاستشارة: «إن المرأة التي تُرادُ للفراش لا تصلح لتدبير أمر، فدعني وما أنا بصدده» (15)، أي هي تطلب إطلاق يدها معه في التدبير، فكان لها ذلك، فلمّا تُوفي أصبحت هي الملكة وحدها، ولكنها استعانت بعدد من المستشارين، فلم تستبّد بالأمر، كالقاضي عمران بن الفضل اليامي وأبو السعود بن أسعد بن شهاب، علاوة على مستشاراتها الكثيرات من النساء الثّقفات.

استطاعت أن تحافظ على استقلالية بلادها، بين مبادلات اقتصادية متكافئة مع البحرين القرْمطية-العدالية، وبين علاقة ولاء شكلية بالعُبيديين في مصر. وقد رفضت ضغط العبيديين عليها لتتزوج المنصور سبأ رغم حضوره بجيشه وأمواله إلى قصرها، لأن زواجها منه سيعني تبعيتها للدولة العبيدية عَبْر وسيط يماني، فلقد كانت تريد من الدولة العُبيديية أن تكون حليفًا وسط إقليم مليء بالصراعات، وأن تكون أحد مُمَوّني اليمن بالخبرة الادراية فاستقدمت مستشارًا كان يعمل مع العبيديين.

ولقد كانت مَيَّالة إلى الانتاج الحقيقي لا إلى الرَّيْع التسلّحي، كما درجت عليه عادة العرب المهيمينين. فلقد أقنعت زوجها بنقل العاصمة إلى ذي جبلة لأنهم خرجوا إليها «يحملون سِلالا أو جرارًا مملوءة بالبُنّ والعسل» (16) على عكس أهل صنعا الذين يستقبلون الملك بأسلحتهم، قائلة: « إن الحياة لأفضل بين هؤلا الرجال العاملين المكدّين» (17). فلقد تأثرت صنعا بتقاليد المهيمن العباسي إنْ قليلاً أو كثيرًا.

وفي عهدها «حُفرت الترع والقنوات، وكانت خزائنها مترعة بالذهب ويُقال إن من بين الأشياء التي فرضت عليها الضريبة: المسك والكافور والعنبر والصندل والأدوات العينية وكانت التجارة الهندية تأتي إلى الموانئ اليمانية بكثرة عظيمة، وكان حكام عون يؤدون إليها نصف خراجهم سنويًّا» (18).

كانت متمكنة في علوم التأويل والتنزيل الإسماعيليين وإحدى الدعاة والحُجج الكبار في هذه المدرسة. وحين أرادت الدولة العبيدية إرسال داعية إسماعيلي مصري اختارت هي نفسها مِنْ بين أسماء كثيرة في ذلك العصر، ما هو أقرب للمُنْتَقل اليماني. وكان لها من حسن التدبير العسكري والسياسي ما قضت به على عديد الفِتن التي هدّدت دًوْلتها ورغم إخفاق مسعى الأمير سبأ في الزواج منها، فإن أشعاره التي أرسلها إليها تعبّر عن حسن تقديره لها.

ولقد أصبحت أروى العجوز قيّمة على الدولة أكثر منها ملكة، فعيّنت عليّ بن عبد الله الصليحي، ابن أخ علي بن محمد الصليحي على الشؤون العامة، أي إنها عيّنته ملكا عمليّا دون إطلاق هذا الاسم عليه.

وقد اهتمت قبل انساسة المُحدثين تربية الماشية وزتحسين نَسلها مُحَمّيَةً أراضي خاصة لذلك، «وهذه الأوقاف لازالت موجودة وتسمى باسم أوقاف السيدة» (19)/ و عبّدت الطريق «من رأس جبل سمارة إلى السيافي على مسافة ثلاث مراحل، ويُعد هذا أوّل الطرق الزراعية الممهدّة في اليمن وأكثرها فائدة إلى الآن» (20). وأنشأت الكثير من المدترس والمساجد والمصحات. ولقد فرضت حرية الاعتقاد، فلم تشنّ حروبًا لتفرض عقيدتها ولم تحارب عقائد الآخرين، بل كانت دولتها مثالا في الحرية الدّينية، بخلاف دولة المتوكل العباسي أو دولة السلاجقة أو دولة المرابطين، بل إن الصليحيين ذوي الأصل الشافعي أنفسهم، لم يُكْرههم أحدٌ على التحول الإسماعيلي، إذ كان تحوّلا إراديّا.

الطّور الزيدي:

طور التكافئ الكمْيّ والكيفي بين النوعين: رغم ظهور الملكة أروى، وقبلها الملكة أسماء، لم يكن من الممكن في الطور الاسماعيلي مقاسمة الرجال. في الطور الزيدي أصبح عدد المختصات في العلوم كثيرًا، وأصبحن مشاركات في صنع المعرفة. فالعقل الإناثي اليماني أصبح بإمكانه التأليف في أصول الفقه والاجتهاد في الفقه والإنتاج في الفكر الاعتقادي (علم الكلام وعلم المنطق)، علاوة على العلوم الأخرى (النحو، الحديث...) فهذه دهماء شيحي المرتضى لم يكنلها شغل «غير العلم والاجتهاد فيه، ولا تتعلق غيره من أعمال النساء أو الرجال»، فليس العم لدى المرأة اليمانية زينة، وإنما ضرورة خصوصية لشخصيتهاوكانت «مقتدرة على الفتوى والإقرار وبالغة الكمال في التصنيف والتأليف» ولها رسائل، أي إن عملها وحد الوعاء المادّي ووجدت الناقل البشري إذ أن الثقافة اليمانية لا تمنع الوعاء المادي ولا الناقل البشري للمعقول الإناثي.

في السياق الثقافي الزيدي اليماني يمكن للمرأة أن تتدخل في ما يُشكل على الرجل دون أن يعني ذلك انتقاصا للرجل، بل كل ما يعنيه أن للمرأة عقلا. وأنَّ حسن الرأي غير مرتبط بالجنس.

فهذه زينب بنت القاسم المتوكل، كانت زوجة «العلامة يحي بن محمد بن عبد الله، المعروف بقاضي القضاة» (21) وكان قد بعث له الملك الزيدي بجماعة ليفصل بينهم في شجار، «فلم يستطع أن يجزم فيه بشيء» (22)، فتدخلت وفصلت في القضية. وكانت «هي التي توجّه زوجها في ما يفعل. ولمّا توفيت حزن عليها خزنا شديدا وتنكد عيشه بعدها حتى وفاته». فلقد كانت للمرأة لدى الرجل اليماني مكانه رفيعة، خاصة إذا كانت ثقفةً أو عالمية، إلى حد أنَّ الزوج قد يستميتُ تدريجيًّا تفجّعًا من موتها. وهذا الأمر ظاهرة عامّة ترّسخ بالطور الزيدي، وليس مجرد أحداث أو استثناءات قد نجد بعضها في ثقافات العالم الإسلامي الأخرى.

لم تكن المرأة اليمانية، خاصة بترسيخ الطور الزيدي، «ناقصة عقل ودين»، بل كان من العادي أن تكون من النساء الثقِفات والعالمات ومدرّسات العلم للرجال والنساء. فصفة بنت المرتضى بن المفضّل (في القرن الثامن الهجري – الخامس عشر الميلادي) «اشْتغلت بالعلم، ودرستْ على والدها» (23)، فالعلم لديها ليس مجرّد زينة إضافية بل كان لدى المرأة اليمانية مهنةً إذا شات، والوالدُ اليماني لم يَكُن يحرص على تدريس أبنائه الذكور فحسب، كما في جل الممارسات الثقافية للعالم الإسلامي آنئذ، بل يدرّس أيضا بناته أيضا. ولقد كانت صفة بنت المرتضى بن المفضّل غير متمكنّة من العربية والإخباريات فحسب، وهي في متناول أيّ ذي حافظة، بل «برزت وفاقت» (24) في ما يتطلب ما أكثر من الحافظة، أي القدرة الفهمية والاستنباطية كأصول الفقه والاقتدار «على الفتوى»، فلقد كانت الفتوى النسائية مقبولة ولم يكن هناك رفضٌ عامّيّ أو فقهيّ لها.

ولم تكتف بتأليف الرسائل والمسائل، بل كانت تراجع تُراجع الملك نفسه (الإمام المهدي بن علي بن محمد) «في كثير من المسائل العلمية وتراسلُه» (25)، ممَّا يبين أن البلاط نفسهُ معترف بالعقل الإناثي مساويًا إياه بالعقل الذكوري، أي هو غير مُجَنّسٍ للعقل. ولقد اهتمت بمسألة الكفاءة في الزواج فكتبت رسالة الجواب الوجيز على صاحب التجويز، شهدوا لها فيها بسعة الإطلاع الرقم الأخير.

زينب بنت محمد الشهاوية: عندما يَفصُل العقل الإناثي على العقل الذكوري:

إنها مثل الكثير من نساء طورها، متمكنّة من علوم تتطلب من العقل درجاتٍ عالية كالمنطق وأصول الفقه وعلم الفقه وعلم الفلك والسيمياء» (26). ولقد كانت تُذاكر الرجال والنساء في العلوم (27)، وقد كانت «لطيفة المذاكر، حسنة المحاضرة» (28).

تزوجت ثلاث مرات (مرتان منها مِن أميرين)، وقد كانت لها مع زوجها الأول (الأمير علي بن المتوكل) «مكانيات ومطارحات» (29)، فالعقل الإناثي من حقّه في الثقافة اليمانية بالطور الزيدي أن تناقش العقل الذكوري في المسألة العلمية. فلقد كانت هذه المرأة «تفضل على كثير من الرجال» (30).

لقد كانت تتزوج في المراث الثالث عن حب، ولكنها من سوء حظها لم تنجح في إدامة زواجاتها مرتين، إذ طُلّقت. وفي المرة الثالثة طلبت بنفسها الافتراق، فسكنت مدينة شهارة لتعيش تجربتها في الحب الإلهي، حتى توفيت سنة 1114هـ/17، بعد أن أخفقتها في حب زوج رابع فمضى «والعين قرحا ببعده حاجيرة» (31).

ولقد كانت معاتباتها للزوج الذي يفارقها تحمل الكثير من الإحساس العميق:

أهكذا كل من قد ملّ يعتذر   ويعقب المدح ذمّ منه مبتكر

أما أنا فقد حمّلني شططا     بالأمر والنهي فيمن ليس بأتمر.

إنها تحتج على أزواجها: «أين إشادة العدل واعتماد الحلم، وقد صُيّرت حقيقة الزوجية معدومة في الحكم» (32).

ولقد سكت في الحب البشري حتى سكت في سند الحديث النبوي الذي ينص على أن العلاقة الثنائية أمرٌ غيبي مفروض مُسْبقا:

رواه العلم أُفْتونا جميعا     أحقا جاء في الخبر الصحيح

إن شواهد الأرواح بعض   إلى بعض بر الغيب توحي

جنود فاختلاف وائتلاف    أريحوا بالجواب الصِّدْقِ روحي (33).

لقد أصبحت هي نفسها عاجزة عن الحب البشري، نظرًا لأنها أخفقت في المبادلة ثلاث مرات، فاختارت الحب الإلهي استجابة لاستعداداتها العشقية، بما هو حب مضمون المبادلة ومضمونٌ عدَمُ انقطاعه باعتبار أن المحبوب دائم، مطلق. وقد استعملت في رياضتها «المندل»، هو دليل تصوّفي. ويرى المترجمون لها أنها أرهقت نفسها بالرياضة، حتى كان مرضها، «والظاهر أنه بسبب الروحانية» (34).

الخاتمة

في قمة التدهور المعرفي للعالم الإسلامي بالقرن الثامن عشر، وفي أقصى درجات انتقاص السلطة الذكورية به للعقل الإناثي. والدين الإناثي، كانت الحكمة اليمانية بطورها الزيدي تعيش حيوية لا يعرفها جُلُّ العالم الإسلامي آنئذ وإعلاء من العقل الإناثي لم تعشه أقطاره في أي مرحلة من مراحله المعرفية. ولكن المفارقة أننا اليوم نعاصر يمنا ضعيفا فكريًّا ولم يقدّم في حراكه منذ سنة 2011 نماذج نسائية ترتقي إلى نماذجه التي كانت بأطواره السابقة على القرن التاسع عشر.

 

د.عادل بالكحلة

مركز مسارات للدراسات الفلسفية والإنسانيات

................................

 (1)- الإمّة، هي إحدى الموجّهات الرئيسية التي تؤُمُ سلوكًا انتحاليًا (=ثقافيا) معيّنا.

 (2)- الجبر (موفّق فوزي)، ناسخات القرآن الكريم عبر التاريخ الاسلامي، دار اكتاب العربي، دمشق، 1997.

 (3)- الأبناء هُمْ الحُكّام الفرس لليمن الفارسية قبل «الإسلام».

 (4)- العسقلاني (ابن حجر): الإصابة في تمييز الصحابة ..........

 (5)- ابن طيفور، بلاغات النساء،

 (6)- السائق هو صاحب السّضوْق (=الاستراتيجيا).

 (7)- ابن طيفور .......

 (8)- ابن طيفور.....

 (9)- ابن طيفور ........

 (10)- ابن طيفور

 (11)- ابن منظور............

 (12)- مهريزي (مهدي)، المرأة في الإسلام، مركز تنمية الفكر الإسلامي، بيروت، 2008، ص 253.

 (13)- المقالح (عبد العزيز)، قراءة في فكر الزيدية في المعتزلة دار العودة، بيروت، 1982، ص 159.

 (14)- عمارة ......................................

 (15)- ... كان الصليحيون شوافع، وقد كان اصبح الشافعي أحمد الصليحي اسماعيليل بطلبه.

 (16)-المقالح (عبد العزيز)، م.س، ص 167.

 (17)- المقالح (عبد العزيز)، م.س، ص 167 أيضا.

 (18)- المقالح (عبد العزيز)، م.س، ص 167.

 (19)- المقالح (عبد العزيز)، م.س، ص 151.

 (20)- المقالح (عبد العزيز)، م.س، ص 152.

 (21)- جحاف (لطف الله)، درر نحو الحور العين،.......

 (22)- جفاف (لطيف الله)، م.س، .......

 (23)-المساوي (أحمد)، م.س، المادة نفسها.

 (24)-المساوي (أحمد)، م.س، المادة نفسها.

 (25)- المساوي (أحمد)، م.س، المادة نفسها.

 (26)- زيارة المحسني الصنعاني (محمد)، تعاريظ نشر الصرف لنبلاء اليمن بعد الألف، مركز الدراسات والبحوث اليمني، صنعا، د.ت ص 709.

 (27)- زيارة الحيني الصنعاني (محمد)، م.س، ص 709

 (28)- ........................ م.س، ص 704

 (29)- ...................، م.س، ص 709

 (30)- ...................، م.س، ص 712

 (31)- ......................، م.س، ص 711

 (32)- ......................... ، م.س ص 710

 (33)- ................ ، م.س، ص 710

 (34)- ................، م.س، ص 711.

 

 

مادونا عسكريطالعنا سفر الجامعة في الكتاب المقدّس، المنسوب إلى الملك سليمان، ابن داوود الملك، ككتاب يسيطر عليه التّشاؤم والعبثيّة. إلّا أنّ كاتب هذا السّفر يلقّب نفسه بالحكيم، "قهلت" باللّغة العبريّة نسبة إلى قهل أو الجماعة، ما يدلّ على أنّ هذا السّفر أو هذا الكتاب نتيجة تأمّليّة لمفكّر أو حكيم أو فيلسوف شاء أن يعرض نتيجة خبرته الشّخصيّة التّأمّليّة. ومن الجيّد أن نذكر أنّ سفر الجامعة من الكتب الحكميّة في الكتاب المقدّس العهد القديم وأنّ كاتبه المجهول ينتمي إلى مدرسة الحكماء في التّوراة (مدخل إلى الكتاب المقدّس- الجزء الثّالث- الأب بولس فغالي). وقت تأليف هذا السّفر غير معروف، ويرجعه جورج سارتن إلى الفترة الواقعة بين عامي 250- 168 ق.م. كما يذكر ميخائيل إيتون في سلسلة التّفسير الحديث للكتاب المقدّس أنّ هذا النّص أخذ شكله الثّابت في القرن الأوّل الميلادي. كما يذكر أنّ لدينا أربع قطع من المخطوطات المكتشفة في خرائب قمران تمّ نشرها سنة 1954 م، وتتضمّن شذرات من الإصحاحات من 5 إلى 7 وقد أرجع تاريخها إلى منتصف القرن الثّاني ق.م.

تشير فئة من النّقّاد أنّ كاتب هذا السّفر متشائم، وأخرى تفيد أنّه متفائل في نهاية النّصّ، وأخرى ترى فيه العبثيّة، ولا ريب أنّ فئة ترى فيه وحياً ينبّه الإنسان إلى أنّ كلّ شيء بيد الله ويصعب على الإنسان أن يفهم ويدرك مقاصد الله. 

يحمل النّصّ ما يحمله من تناقضات في فكر الكاتب نفسه دلالة على الاختبارات المتنوّعة الّتي يخضع لها الإنسان بشكل عام، ولا ضير في ذلك. إلّا أنّ ما هو لافت- كي لا أقول صادم- هو أنّ النّص لا يتضمّن أفكاراً عبثيّة وحسب بل إلحاديّة. فكيف يستوي الإلحاد والعبثيّة مع نصّ موحى به من الله في كتاب مقدّس يقول فيه الرّسول بولس في رسالته الثّانية إلى ثيموتاوس (3:16): "كلّ الكتاب هو موحى به من الله، ونافع للتّعليم والتّوبيخ، للتّقويم والتّأديب الّذي في البرّ."؟

- العبثيّة في سفر الجامعة:

وكأنّي بالحكيم يصرخ مع ألبير كامو: " أصرخ قائلاً إنني لا أؤمن بشيء وأنّ كلّ شيء عبث ".

 وصل الكاتب إلى قناعة أن لا قيمة لشيء في هذا الكون ويبدو ساخراً من هذه الحياة غير آخذ إيّاها على محمل الجدّ. وأنّ كلّ التّناقضات الحياتيّة من حزن وفرح، وتعب وسعادة، وشقاء وسرور، وحكمة وجهل، ومسار الكون بكلّ عناصره... هي "قبض ريح". ويتحدّانا في مطلع السّفر قائلاً: باطل الأباطيل... كلّ شيء باطل. ويؤكّد على قوله دون عناء ودون أن يدفعنا للتّساؤل عن سرّ هذه العبثيّة من خلال سرده ما يشبه السّيرة الذّاتيّة.

ولعلّنا ونحن نطالع سفر الجامعة، يسيطر علينا قول الكاتب والفيلسوف العبثي ألبير كامو، إنّ العبثية أكثر من مرحلة في الحياة، وهي المرور بمراحل عديدة ومختلفة في محاولة العثور على معنى. ثم يدرك الإنسان أخيراً أنه لا يوجد معنى للشيء، وأنّ محاولة فهم الحياة مضيعة للوقت، ويجب الاستسلام والتّوقف عن البحث لوضع القيم والإيمان بها. ويشير  إلى كلمة absurde، أي لا معنى له، وأنّ على الإنسان أن يتبنى الحالة العبثيّة للوجود البشريّ. وكأنّ حكيم سفر الجامعة أدرك أن لا جدوى من البحث عن معنى، واستسلم وتوقّف عن البحث لأنّ كلّ شيء قبض ريح؛ حتّى وإن ذكر الله في أكثر من موضع. فيبدو لنا الله في سفر الجامعة بعيد عن الإنسان أو مفارق له، ولا يبدو لنا يهوه إله بني إسرائيل المرافق لهم على الدّوام. ولا بدّ من الإشارة إلى فقرات مضافة إلى هذا السّفر. ويعود ذلك إلى استخدام صيغة الغائب المفرد (هكذا يقول الحكيم)، أضف إلى ذلك تقاطع التّسلسل الفكريّ، وإضافات تبيّن للقارئ أنّ كاتباً آخر تقيّاً ورعاً، كما يقول إيتون، أضاف ما أضافه عندما بلغ الحكيم من خطورة في طرح فكره. كأن نقرأ في الآية 26 من الإصحاح الثّاني: "والله يعطي الصّالحين حكمة ومعرفة وفرحاً، ويجعل الخاطئين يعانون في الجمع والادّخار، ليعطي ذلك كلّه لمن يكون صالحاً لديه. هذا أيضاً باطل وقبض ريح." ما الّذي عنى به الحكيم إذ قال "وهذا أيضاً باطل وقبض ريح"؟ هل هو عطاء الله أم معاناة الخاطئين أم الاثنان معاً؟ في حين أنّ الإصحاح الثّاني لا يتحدّث عن الصّالحين والخاطئين من الآية الأولى حتّى الثّالثة والعشرين. فتبدو للقارئ وكأنّ الآيتين الخامسة والعشرين والسّادسة والعشرين خارجتان عن السّياق وتمّ إقحامهما. ومثيلاتهما كثيرة إلّا أنّ ما يهمّنا من ذلك هو أنّ الإقحام والإضافات لم تلغِ العبثيّة عند الحكيم، بل أضفت تناقضاً رهيباً وصارخاً على النّصوص وأربكت التّسلسل الفكريّ.  

كلّ شيء باطل عند الحكيم، وكلّ شيء قبض ريح. وبالتّالي فكلّ شيء تحت الشّمس لا معنى له: "فقلت في قلبي: ((ما يحدث للجاهل يحدث لي أنا أيضاً، فما نفع حكمتي هذه؟)) وقلت في قلبي: (هذا أيضاً باطل). فما من ذكر دائم للحكيم ولا للجاهل، وفي الأيّام الآتية كلّ شيء يطويه النّسيان. ويا أسفي، كيف يموت الحكيم كالجاهل!" (2:15-16). إذا كان الحكيم يعني بالحكمة المعرفة والتّعقّل أو الفلسفة، وبالجهل عدم المعرفة، فلقد عبّر عن فلسفة عبثيّة لا شكّ. وأمّا إذا عنى الحكمة كدلالة على الإيمان كما يرد في سفر يشوع بن سيراخ "رأس الحكمة مخافة الله"، أو كما جاء في سفر الحكمة المنسوب أيضاً للملك سليمان: "هب لي الحكمة الجالسة إلى عرشك ولا ترذلني من بين بنيك"، أو دلالة الحكمة بشكل عام في العهد القديم كنعمة إلهيّة كما ورد في سفر الأمثال والحكمة وسيراخ على أنّ الحكمة الحقيقيّة هي الله. وعنى بالجهل الإيمان: "قال الجاهل في نفسه لا إله (مز 1:14)  فثمّة تناقض خطير بل ورهيب في ما أورده الحكيم في قوله  "ويا أسفي، كيف يموت الحكيم كالجاهل!"

- الأفكار الإلحاديّة:

اعتبر القدّيس إيرونيمس وكثير من آباء الكنيسة أنّ الحكيم ينبّه القارئ إلى أنّ كلّ شيء باطل على الأرض فيوجّه قلبه إلى السّماء. إلّا أنّ هذا الشّرح اللّاهوتي للآباء يستند إلى إيمان بحياة ما بعد الموت. وأمّا الشّعب اليهوديّ فلم يعرف الخلود وقيامة الموتى إلّا في القرنين الأوّل والثّاني ق.م. لكنّ الحكيم لم يورد هذا المعنى وهو مسجون في هذا العالم العبثيّ. بل إنّ أقواله تأرجحت بين القدريّة واللّاأدرية حتّى بلغت الأفكار الإلحاديّة. فعن أيّ سماء نتحدّث؟

يقول الحكيم في الإصحاح الثّالث (19-18): "وقلت في قلبي: ((البشر يتصرّفون هذا التّصرّف ليمتحنهم الله ويريهم أنّهم في حقّ أنفسهم كالبهائم)) كيف لا، ومصير بني البشر والبهيمة واحد؟ فكما يموت الإنسان تموت هي، ولهما نسمة حياة واحدة. وما للإنسان فضل على البهيمة، لأنّ كليهما باطل".

كيف استشفّ الحكيم هذه الحكمة أو كيف بلغ هذه النّتيجة إذا كان مؤمناً؟ إلّا إذا قنعنا بأنّه تمّ إقحام الامتحان الإلهيّ في هذا القول؟ وكيف لمؤمن أن يساوي بين الإنسان والبهيمة إذ يقول أنّ كليهما باطل، وأنّ مصيرهما واحد؟ في حين أنّ الإنسان مصنوع على صورة الله؟ وحينما نظر الله إلى الإنسان فرأى أنّ ما صنعه حسن جدّاً؟ (سفر التّكوين) بل ويضيف في الآيتين الواحدة والعشرين والثّانية والعشرين من نفس الإصحاح: "كلاهما يصيران إلى مكان واحد، وكلاهما من التّراب وإلى التّراب يعودان. ومن يعلم هل تصعد روح البشر إلى العلاء وتنزل روح البهيمة إلى الأرض؟ فرأيت أن لا شيء خير من أن يفرح الإنسان بأعماله، وهذا حظّه. فمن يرجعه ليرى ما سيكون من بعده؟"

لعلّنا في هاتين الآيتين أمام فكر "لاأدري" لكنّنا حتماً أمام فكر إلحاديّ. وتشير العبارتان (من يعلم/ حظّه ) إلى لاأدريّة الحكيم، كما تشير العبارتان (يصيران إلى مكان واحد/ ومن يرجعه ليرى ما سيكون بعده) إلى فكر إلحاديّ يعبّر عن عدم تصديق بوجود حياة بعد الموت، كما يعبّر عن مساواة الإنسان والبهيمة في مصيرهما وعن عدم وجود إله.

ثمّ نقرأ في الإصحاح الرّابع من الآية الأولى إلى الرّابعة: "رأيت جميع المظالم الّتي تجري تحت الشّمس. فها هي دموع المظلومين ولا معزٍّ لهم، وفي أيدي ظالميهم قدرة ولا من يعينهم. هنيئا للأموات الّذين ماتوا من قبل، فهم أسعد حالاً من الأحياء الباقين حتّى الآن. .وخير من كليهما من لم يولد بعد، لأنّه لم ير المساوئ الّتي ترتكب تحت الشّمس. .ورأيت أنّ كلّ تعب وكلّ نجاح في العمل إنّما هو حسد الإنسان من أخيه الإنسان. هذا أيضاً باطل وقبض ريح."

قول الحكيم عقلانيّ ومنطقيّ لكنّه بعيد كلّ البعد عن الإيمان. فليس من يعزّي المظلوم ولا من يعينه على ظالمه، وبالتّالي فهو متروك لقدره ومصيره. ولست أقول إنّ الملحد يستسلم للفكر القائل بترك المظلومين لمصيرهم وإنّما مفاد القول أنّ الحكيم أهمل العناية الإلهيّة، وأهمل حماية الله لشعبه كما ترنّم كاتب المزامير. واعترف بالمسار الطّبيعيّ للإنسانيّة منذ البدء وحتّى نهاية التّاريخ المتضمّنة التّنافس والنّزاع والصّراع للسيطرة والتّحكّم (إنّما هو حسد الإنسان من أخيه الإنسان). بل وبلغ به اليأس حدّ أن يغبّط الأموات، فهم أسعد حالاً لأنّهم استراحوا وانتهوا من هذه الحياة وعادوا إلى التّراب.

"وخلاصة ما رأيته أنّ خير ما يفعله الإنسان هو أن يأكل ويشرب ويجد لذّة في كلّ ما يعمله تحت الشّمس مدّة أيّام حياته الّتي وهبها الله له، فهذا حظه." (17:5) تعارض هذه الآية قول الرّسول بولس إلى حدّ ما: "إن كان الأموات لا يقومون، فلنأكل ونشرب لأننا غدا نموت" (كور 32:15) فحكيم الجامعة يشجّع الإنسان على الأكل والشّرب واللّذة في كلّ عملٍ، أي الاستمتاع  بكلّ ما هو أرضيّ، فغداً نموت وهذا هو قدر الإنسان. هكذا يرى الحكيم. وللقارئ أن يقارن بين وحي الجامعة ووحي الرّسول بولس في نفس الكتاب. وله أن يتبيّن عقلانيّاً ماديّة قول الحكيم: "لذلك أمدح الفرح. فما للإنسان خير، تحت الشمس غير أن يأكل ويشرب ويفرح".// "والأحياء يعرفون أنّهم سيموتون. أمّا الأموات فلا يعرفون شيئاً ولا جزاء لهم بعد، وذكرهم طواه النّسيان."

 

مادونا عسكر/ لبنان

 

 

محمد بنيعيشلقد كان الإعلان الأول أو جهر النبي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم بالدعوة في قومه وأقرب عشيرته بمثابة صدمة أو رجة قوية زعزعت كل الحسابات والتوقعات، فحركت الدواخل قبل الخوارج وامتزجت الحياة، حياة القلوب، بموتها امتزاجا لا يكاد يحلل ولا يعلل.إنه الماء الزلال ماء الحياة والطهارة في الأصل والفرع والقصد والغاية، شربا واستساغة .لكن المشكل والاختلاف يكون في لدى المتقبل والمتلقي.وهنا تتفاوت الاستفادة وحظوظ الاستثمار.

ومن يك ذا فم مُرّ مريض        يجد مُرّا به الماءُ الزلالا

أولا: خصوصية موازين القوة بين صراع أهل الحق وأهل الباطل

من هذه المحطة سيبدأ التفاعل القوي سواء عند أهل الإيجاب أو السلب معا، إذ الأولون يمثلون قمة التفاني في التشبث بالدعوة وتقديم الغالي والنفيس لحد تعريض أرواحهم للإزهاق وأموالهم للإتلاف دونها .

كما أن أول مبادئ هذه المحطة قد كان هو التحلي بصفة الصبر المشتقة من اسم الله تعالى الصبور، وهي صفة كفيلة بتحقيق الوصول إلى الغاية والهدف والمنتهى من الطلب، والصبر يمثل نصف الإيمان كما دلت عليه الأحاديث النبوية.

فلقد كانت معاناة الرسول (ص) في هذه المرحلة شديدة ومضاعفة إلى أقصى الدرجات، وكيف لا وهو قد يبتلى ويوعك بنسبة ما يوعك الرجلان من أصحاب الجلد معا من شدة الألم، وهو هنا سيتحمل الإذاية المنصبّة عليه شخصيا والمقصود بها ذاته الشريفة، أي أن التحطيم والتدمير قد طال في هذه المرحلة محور الرسالة والنبوة، والتي هي موطن المقدس ومستأمن الوحي الإلهي وإذنه .

إذن، فهي إذاية لله تعالى بواسطة رسوله (ص) ، والرسول على قدر المرسِل، والمرسٍل غيور فلابد وهو منتصر ومنتقم للذي أرسله، ولكنه مع هذا قد أراد بحبيبه أن يرتقي في سلم المعرفة ومقام الصبر الذي يؤسس للتوحيد الخالص وعدم الالتفات عند وجود المشوشات والعوارض والمثبطات، لأن الضعف عند الصدمات والتولي يوم الزحف والنكوص عند التهديدات كل أولئك تعبر عن ضعف في الرؤية ونقص في التوكل والمعرفة بمصدر القوة والحركة والفعل .

وهذا إن حصل فسيتنافى مع كلمة "لا حول ولا قوة إلا بالله "و"لا إله إلا الله".

كما أنه (ص) سيتحمل إيذاء آخر سيكون أشد من قصدِهم لذاته الشريفة، ألا وهو تعذيب أصحابه والتنكيل بهم على مرأى ومسمع منه، في حين سيبدو وكأنه غير مأذون له في أن ينتصر لهم عند هذه المرحلة وذلك لحكمة أرادها الله تعالى برسوله وأصحابه، مع أن عبارة ابن كثير السابقة " وقد كان يعصمه حيث لا يكون عمه بما شاء لا معقب لحكمه..." لهي قريبة جدا من تفسير هذا الوضع والموقف الصعب الذي واجهه بهذه الطمأنة التي كان يطمئن بها (ص) أصحابه وهم في أثناء التعذيب والتنكيل، كما كان يصبِّر بلال بن رباح وعمار بن ياسر بقوله الشهير "صبرا آل ياسر فإن موعدكم الجنة"ثم يدعو لهم تحقيقا لا تعليقا: "اللهم اغفر لآل ياسر وقد فعلت"[1].

لكن الرد الأكثر بعدا ووعدا مستقبليا لمسار الدعوة وجني ثمارها لهو ذاك الذي سيرد به على خباب بن الأرت كما يحدث عن نفسه:"أتيت النبي (ص) وهو متوسد ببردة وهو في ظل الكعبة وقد لقينا من المشركين شدة فقلت"ألا تدعو الله؟.فقعد وهو محمر وجهه فقال: "قد كان من قبلكم ليمشط بأمشاط الحديد ما دون عظامه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذاك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه، وليظهرن الله تعالى هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه"[2]، وفي رواية "ولكنكم تستعجلون".

يقول محمد الخضري:"قال ذلك عليه الصلاة والسلام وهو في هذه الحال الشديدة التي لا يتصور فيها أعقل العقلاء وأنبل النبلاء قوة منتظرة أو سعادة مستقبلة، اللهم إلا أن ذلك وحي يوحى إليه، ثم أنزل الله تعالى تثبيتا للمؤمنين أول سورة العنكبوت:"ألم أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين"..."[3].

ثانيا: بلال والفناء حبا وشوقا في مقام (أحد أحد)

فلقد كان النبي (ص) في هذا المقام يضع الأسس لهذه الأمة، أسس التوحيد الخالص العملي، والفناء في الله تعالى فناء حقيقيا لا يرى معه إلا مقام الأحدية، حيث لا حيث ولا أين ولا بين ولا فرق ولا جمع ولا قبض ولا بسط وإنما هو هو :"كان الله ولا شيء معه وهو الآن على ما كان عليه". وهو المعنى الذي شخصه واقعيا لفظا وحالا ومقالا ومقاما سيدنا بلال بن رباح رضي الله عنه.

"فأما رسول الله (ص) فمنعه الله بعمه، وأبو بكر منعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدرع الحديد وصهروهم في الشمس، فما منهم من أحد إلا وقد واتاهم على ما أرادوا، إلا بلال فإنه هانت عليه نفسه في الله تعالى، وهان على قومه فأخذوه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول :أحد أحد "[4].

إنه لتعبير دقيق هذا الذي ورد في النص وخاصة عند "فإنه هانت عليه نفسه في الله تعالى وهان على قومه"، إذ بالتفسير القريب من الذوقي، إن كان لدينا ذوق صحيح، فإن بلالا سيكون قد عايش مقام الأحدية وتلذذ به وسمى إلى عالم الإطلاق حيث لا قيود ولا حدود، ولا أين ولا بين، ولا أنا ولا إنية، وإنما ما ثم إلا هو هو (هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (22) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (23) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (24) )[5].

(قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) ).

فهو أحد في الأولية، أحد في الآخرية، أحد في الظاهر و أحد في الباطن .

وكتصوير لهذا الحال الذي كان عليه بلال بن رباح رضي الله عنه ومستوى الفناء لديه عن ذاته ومحيطه يقول أهل السير :"ومن الذين أوذوا في الله: بلال بن رباح، كان مملوكا لأمية بن خلف الجمحي القرشي، فكان يجعل في عنقه حبلا ويدفعه إلى الصبيان يلعبون به وهو يقول:أحد أحد، لم يشغله ما هو فيه من التوحيد، وكان أمية يخرج به في وقت الظهيرة في الرمضاء، وهي الرمل الشديد الحرارة لو وضعت عليه قطعة لحم لنضجت، ثم يأمر بالصخرة العظيمة فتوضع على صدره، ثم يقول له:لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى، فيقول:أحد أحد"[6].

أوليس هذا هو الفناء بعينه وسره، أوليست هذه هي التضحية بالذات والصفات، أوليس هذا هو المقام والموقف الذي لا يوازيه غيره من مظاهر التحدي والثبات على العقيدة والصبر وكل معاني الرجولة والبطولة؟

بلى ! إنها ثمرة المدرسة المحمدية الخالدة ذات الرسالة الإلهية الكاملة، كاملة الأسس وكاملة البنيان والطبقات وتحديد المقامات ومراقي العلى(وأن إلى ربك المنتهى).

وبقدر ما كان بلال وأمثاله من تلامذة هذه المدرسة العالية سلكا وسلوكا منغمسون في مقام الأحدية بالإشراف المحمدي، مع الفناء عن الذات والآخر رقيا وحضورا وتحررا، بقدر ما رأى فيهم الآخر من المحجوبون عبودية دونية مؤهلة للدهس، وإمعانا في التحطيم والإقبار والاحتقار !

فكان الجزاء والنصر بحسب مقام المنازلة، أي أن هؤلاء المعذبين في الظاهر هم أسعد ما يكونون في الباطن، وأرقى مقاما وجوديا وتخليدا في سجل التاريخ وعالم النور والنعيم الحقيقي .وعلى العكس فأولئك المحجوبون والطغاة سيكونون أبأس وأشقى الناس حالا لتطاولهم على المقام، ظانا منهم أنهم يتعاملون مع عبودية الخلق للخلق ولكنهم فوجئوا مصدومين هنا بمواجهة عبودية الخلق للحق، فواجهتهم ألوهيته سبحانه وتعالى وأردتهم أسوأ الموارد وأبأسها.

حتى إن بعض المفسرين يرون أن الآية الكريمة (فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (14) لَا يَصْلَاهَا إِلَّا الْأَشْقَى (15) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (16))[7] قد نزلت في أمية بن خلف وأمثاله كتعبير عن قمة خسرانه وشقائه.

وبالمقابل نزل قوله تعالى :( وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (17) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (18) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (19) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (20) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (21) )[8] في حق أهل السعادة كأبي بكر الصديق رضي الله عنه، وخاصة عند عتقه لبلال بن رباح وبذل المال لاستكمال تحرره من قيد العبودية البشرية وتحصيل انغماسه كلية في عبودية ومناجاة الأحد الصمد من غير عوارض أو شواغل .

 

الدكتور محمد بنيعيش

......................

 

[1] محمد الخضري:نور اليقين ص57

[2] رواه البخاري في مناقب الأنصار

[3] محمد الخضري "نور الأمين ص58

[4] ابن كثير"السيرة النبويةج1ص494

[5] سورة الحشر آية 23-24

[6] محمد الخضري:نور اليقين ص56

[7] سورة الليل آية 14 - 15

[8] سورة الليل آية 17 - 21

 

 

محمد بنيعيشأولا: بين أبي لهب وأبي طالب تختلف المواقف والمتاعب

إن الحكم على أبي لهب بواسطة الوحي وتخصيص سورة عنه قد تعتبر من ضمن المعجزات ذات الأبعاد العميقة في الدعوة، وذلك لما سيترتب عنه من نشر لها بواسطة العدو نفسه، والذي سيكون بشدة غضبه وانفعاله ومعارضته مثيرا لانتباه الآخر ودعوته إلى التحقيق وتمحيص الأمر حتى قد جاء الأمر على غير ما كان يتمناه ومن ثم كان تدميره في تدبيره...

فعن ربعي الديلي وكان جاهليا فأسلم قال: رأيت رسول الله (ص) في الجاهلية في سوق ذي المجاز وهو يقول: " يا أيها الناس قولوا لا إله إلا الله تفلحوا" والناس مجتمعون عليه، ووراءه رجل وضيء الوجه أحول ذو غديرتين يقول: إنه صابئ كاذب.يتبعه حيث ذهب، فسألت عنه فقالوا: هذا عمه أبو لهب"[1].

وفي رواية أخرى قال: رأيت رسول الله (ص) بذي المجاز يتبع الناس في منازلهم يدعوهم إلى الله، ووراءه رجل أحول تقدّ وجنتاه وهو يقول: أيها الناس لا يغرنكم هذا عن دينكم ودين آبائكم .قلت: من هذا ؟قيل: أبو لهب".

فلقد كانت السورة تحديا واستفزازا لأبي لهب، والمستفَز يكون من طبعه أن يمعن في الرد والمعارضة بأقصى وأقسى ما لديه من مساءة وقوة، وذلك طمعا منه في رد الاعتبار ومحاولة عدم السقوط والانهيار.

أما وإنه آيل للسقوط والهوي السحيق لا محالة فإنه عندئذ سوف لن يترك مشجبا أو خيطا يعلق عليه أو يتعلق به إلا وأمسك به وحاول جذبه إلى مقامه ليسقط معه ومن حوله في يأس ما بعده منه وإفلاس ما وراءه من متراس.

فكما يقول محمد رضا: " وقد أغضبت هذه السورة أبا لهب فأظهر شدة العداوة وصار متهما فلم يقبل قوله في رسول الله (ص) فكأنه خاب سعيه وبطل غرضه"[2].

وفي الجانب الآخر سيكون أبو طالب عم النبي (ص) وكفيله بعد جده عبد المطلب، والذي نال من بركته ما قد نال وحظي بصحبته وقربه أسمى حظوظ من أهمها ما كان من إخبار بحيرى إياه عن بشائر نبوته (ص) وفضله على العالمين.

لكن أباطالب هذا مهما كان حدبه وحمايته للنبي (ص) إلا أنه سيبقى دائما في صف المعارضة مع أنها قد كانت في بعدها ذات إيجابية لحد ما بالنسبة إلى الدعوة الإسلامية ومسارها وموقف قريش من الرسول (ص) وموقفه منهم.

وهنا قد تتداخل ازدواجية المواقف في التعامل مع الدعوة وحقيقة الدين، وأيضا ثنائية المعارضة والتأييد الصادرين من بيت واحد وعائلة وقرابة واحدة، كما أنه سيبدو الاعتدال والتطرف منبسطا بين هذين الجناحين بكل وضوح.

فأبو لهب قد كان يمثل التطرف بكل معانيه ومحمولاته، تطرفا في المعارضة والإيذاء والقطيعة والتحدي، كموقف مثير ومؤثر ومحفز ومستفز للآخر، إما بسلوك نفس المطب والهوي الفظيع وإما بعكسه على نفس المستوى من الحدة توازيا، أي التشبث والتسليم للمعترض عليه تبكيتا وضدا على تطرف المعارض، مما سيؤدي إلى تسريع تنامي ظاهرة المعارضة المتطرفة أو التأييد المطلق بالرغم مما سيترتب عنه من مصاعب ومتاعب.

وهكذا كان الأمر بين أبي لهب المتطرف ومن سار على حافة جرفه وبين أبي طالب المعتدل ومن اختار سبيله، بالرغم من توافق ظاهري وتقليدي بين الفريقين على مستوى الاعتقاد والشرك الموغل في براثن الوثنية المقيتة والمهلكة.

هذه النقطة بالذات ستجعل أبا طالب في صف المعارضة الضمنية، التي أظهرته بلباس المتناقض والمكبل باعتقادات الجماعة ودين الآباء والأجداد في مسلكهم الضال، في حين أنه لم يستطع الخلاص من هذه القيود والولوج إلى عالم الحرية وسعة الدين الصحيح مركز السعادة والنجاة، دين التوحيد الخالص الذي بعث الله به خاتم النبيين والمرسلين سيدنا محمد (ص) .

ومع هذه الحيرة و التجاذبات فقد بقي أبو طالب شهما في مواقفه وفيا لابن أخيه وصاحبه ومن كان بالأمس القريب تحت كفالته.

ثانيا: أبو طالب والموقف الشجاع ولو من غير اتباع

هذا الدعم وهذه الشهامة، بالرغم من التناقض لديه بين المعتقد والموقف ومتطلباته، سيتجلى بوضوح في هذه المحطة الفارقة والحاسمة بينه وبين قومه، وأيضا بينه وبين ابن أخيه حينما قالت له قريش: "إما أن تكفه أو ننازله وإياك في ذلك حتى يهلك أحد الفريقين، ثم انصرفوا فعظم على أبي طالب فراق قومه ولم يطب نفسا بخذلان ابن أخيه "[3].

فلما تم عرض هذا الخيار المر والمفصلي في تحديد العلاقات بين أبي طالب وبين ابن أخيه لما قال له: "إن قومك قد جاءوا وقالوا كذا وكذا، فابق علي وعلى نفسك ولا تحملني من الأمر ما لا أطيق أنا و لا أنت، فاكفف عن قومك ما يكرهون من قولك .

فظن رسول الله (ص) أن قد بدا لعمه فيه، وأنه خاذله ومسلمه، وضعف عن القيام معه، فقال رسول الله (ص): "والله يا عم لو وضعت الشمس في يميني والقمر في يساري ما تركت هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك في طلبه"ثم استعبر رسول الله (ص) فبكى .

فلما ولى قال له حين رأى ما بلغ الأمر برسول الله (ص): يا ابن أخي؟فأقبل عليه، فقال: امض على أمرك وافعل ما أحببت، فو الله لا أسلمك لشيء أبدا...".

يقول ابن كثير: "في ذلك دلالة على أن الله عصمه بعمه مع خلافه إياه في دينه، وقد كان يعصمه حيث لا يكون عمه بما شاء، لا معقب لحكمه..."[4].

لهذا السبب قلنا بأن أبا طالب قد كان يمثل جناحا معارضا ولكن بوجه آخر غير المعارضة النفسية المتنافسة أو المتعنتة والقائمة على الإكراه المادي والبدني في التصدي للدعوة، بحيث سيؤثر على تبعاتها الروحية ونتائجها السلبية كحكم عام على باقي المشركين، والمتمثلة بالنهاية في تخفيف العذاب عنه بالرغم من شركه ظاهرا وموته عليه كما أشارت إليه الروايات الصحيحة .

ومن يدري فقد ورد في كتب السيرة أن آخر ما قاله بأنه "على ملة عبد المطلب"[5]، في حين تقول بعض الروايات بأن عبد المطلب قد لجأ في آخر حياته إلى عقيدة التوحيد حيث: "انتهت إليه الرياسة بعد عمه المطلب، وكان يأمر أولاده بترك الظلم والبغي، ويحثهم على مكارم الأخلاق، وينهاهم عن دنيات الأمور، ورفض عبد المطلب في نهاية عمره عبادة الأصنام ووحد الله... وكان يكرم النبي (ص) ويعظمه وهو صغير ويقول: "إن لابني هذا لشأنا عظيما" وذلك مما كان يسمعه من الكهان والرهبان قبل مولده وبعدهّ..."[6].

وإذا كان الأمر هكذا وبحسب هذه الوصلة بين الخطابين والنتيجة التي آل إليها أبو طالب من جهة تخفيف العذاب عنه فإن ذلك كان بأنه لم يشهد برسالة النبي سيدنا محمد (ص) وليس مشركا بكل ما تحمل كلمة شرك من عمق وتوافق بين الظاهر والباطن، فكان عذابه مخففا، أخف من عذاب المشركين الذين هم في الدرك الأسفل من النار، لأن الشرك يبقى شركا مهما تخلله من أعمال وتأوله المتأولون من تأويلات، والله أعلم.

وإنه لحوار الشجعان هذا الذي دار بين الرسول (ص) وبين عمه، فيه المصارحة والاستعداد الكلي للمصارعة والمواجهة لا خيار آخر غيرها، كما أنه قد مثل نقطة حاسمة في اتخاذ القرار.

فالرسول (ص) في الصمود واستمرار الدعوة من غير التفات لمعارض أو تلكؤ و تردد ومجاملة من أجل انتظار إقناع الآخر والتماس رضاه، والعم أبو طالب في المساندة والتأييد ولو أدى الأمر إلى الصراع المرير والعام مع الكتلة المعارضة من قومه، إذ العلاقة هنا علاقة مبادئ والتزام بحلف الفضول الذي طبع سلوك بني هاشم جلهم في مسارهم التاريخي ونزعتهم السيادية لا السادية، وعلى أساس الأخلاق والقيم كان على رأس قائمتهم وفي مقدمتهم وكذا قائمة كل الكائنات سيدنا محمد (ص) .

حتى قد ينسب إلى أبي طالب هاته الأبيات المعبرة شعرا وأدبا عن عمق تقديره لشخصية ابن أخيه وما بعث به من دين وما هو عليه من فضائل:

والله إنهم لن يصلوا إليك بجمعهم

حتى أوسد في التراب دفينا

فامضي لأمرك ما عليك غضاضة

أبشر وقر بذاك منك عيونا

ودعوتني وعلمت أنك ناصحي

فلقد صدقت وكنت قدم أمينا

وعرضت دينا قد عرفت بأنه

من خير أديان البرية دينا

لولا الملامة أو حذارى سبة

لوجدتني سمحا بذاك مبينا[7]

 

د. محمد بنيعيش

........................

يتبع...

[1] ابن كثير: السيرة النبوية ج1 ص462

[2] محمد رضا: محمد (ص) ص 87

[3] محمد الخضري بك: نور اليقين ص49

[4] ابن كثير: السيرة النبوية ج1ص464

[5] جزء من حديث رواه البخاري في مناقب الأنصار

[6] محمد رضا: محمد (ص) ص16

[7] ابن كثير: السيرة النبوية ج1ص 464

 

منى زيتونفي مقال قريب نُشر منذ شهور بعنوان "القصص القرآني بين العرض المنطقي والعرض السيكولوجي" وعدت بأن تكون لنا عودة مع خواطر عن قصص قرآنية أخرى في مقال آخر.

وحديثنا اليوم مجرد تأملات وخواطر راودت ذهني أثناء قراءتي لكتاب الله ربطتها مع ما أعرف من حقول معرفية أخرى، ولا تتعلق بطريقة سرد القصص مثلما كان الحال في المقال السابق.

يَا أُخْتَ هَارُونَ

في سورة مريم، وفي سياق ما روى لنا الحق تبارك وتعالى عن موقف بني إسرائيل من السيدة مريم ابنة عمران بعد أن ولدت السيد المسيح ‏و﴿َأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ﴾‏ [مريم: 27]، نجدهم يخاطبونها بقولهم: ‏﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا﴾ [مريم: ‏28].

ونجد مفسرينا قد اختلفوا بينهم فيمن يكون هارون المقصود في الآية، فتارة هو رجل صالح من بني إسرائيل شبهوها به في صلاحه، وتارة أنه رجل من عشيرتها اسمه هارون -ليس بهارون أخي موسى- كان مشتهرًا بالصلاح. فالأمر عندهم ليس أكثر من أن اسمًا واطأ اسمًا.

وأعتقد أن هذا النفي لأن المعني في الآية هارون النبي أخي موسى الكليم غريب لسببين؛ أولهما: أن المسلمين لا يعرفون هارونًا غيره يستحق أن يُذكر اسمه في كتاب الله، حتى يكون تذكير مريم بصلاحه ذو معنى، بينما المفترض أنها هي من يشهد لها القرآن بالصلاح وأنها المصطفاة على نساء العالمين، وثانيهما: أن هذا النفي يخالف ما يدل عليه لسان العرب؛ فأخو القوم –ببساطة- أي أنه منهم، سواء من أنفسهم أو من مواليهم!

يقول تعالى: ‏﴿‏وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ [الأعراف: 65]، [هود: 50]. ‏و ﴿‏وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف: 73]، [هود: 61]. ‏و ﴿‏وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: 85]، [هود: 84]. وكان العرب يقولون عند تحية بعضهم بعضاً "عمت صباحاً يا أخا العرب"، فالأخ هو الواحد من الجماعة التي ينتمي إليها، وجميع البشر هم إخوة من آدم.

وبذا فإن المعنى البديهي الذي يتبادر إلى ذهن القارئ لـ ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ أن مريم من نسل هارون النبي عليه السلام، فيكون المقصود إجمالًا بالآية: "يا سليلة النبي هارون ما هذا الذي اقترفتيه؟" عندما ظنوا بها السوء لما جاءتهم حاملة المسيح عليه السلام وليداً.

ولمن لا يعلم فإن بني إسرائيل هم أبناء يعقوب النبي عليه السلام، وهم اثنا عشر ولدًا، نال منهم النبوة ابنه يوسف عليه السلام، ثم إن جميع أنبياء بني إسرائيل من بعد يوسف جاءوا من نسل باقي إخوته الأسباط الباقيين، ولم يُبعث نبي قط من نسل وسبط يوسف، ولما بعث رب العزة موسى الكليم إلى بني إسرائيل –وموسى من سبط لاوي- انقطعت النبوة في نسل موسى رغم أنه أصل الديانة اليهودية، وجميع أنبياء بني إسرائيل من بعد موسى من سبط لاوي جاءوا من نسل أخيه هارون وليس من نسل موسى. أما داود عليه السلام وابنه سليمان فمن سبط يهوذا. ولكن، ما علاقة هذا بالخطاب القرآني للسيدة مريم بـ ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾؟

أرى أن لنفي المعنى البدهي بأن السيدة مريم من نسل هارون النبي سببًا رئيسيًا، وهو ما أورده الإمام الطبري في تفسيره قال: "حدثني يعقوب، قال: ثنا ابن علية، عن سعيد بن أبي صدقة، عن محمد بن سيرين، قال: نُبئت أن كعبًا –يعني كعب الأحبار- قال: إن قوله ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ ليس بهارون أخي موسى، قال: فقالت له عائشة: كذبت، قال: يا أم المؤمنين، إن كان النبي صلى الله عليه وسلم قاله فهو أعلم وأخبر، وإلا فإني أجد بينهما ست مائة سنة، قال: فسكتت.".

فكان تفسير كعب الأحبار مصدره الإسرائيليات كما نعلم، وظاهره أنه ينفي أن تكون مريم من نسل هارون فتُنسب إليه لتباعد المدة بين موسى وهارون من جهة وبين مريم والمسيح من الجهة الأخرى، ولكن ما يخفى على كثير من المسلمين أن التوراة –التي بين أيدي الأحبار- تتنبأ أنهم بانتظار الأمير من نسل داود، وليس من نسل هارون. وقد وافقت الأناجيل النبوءة التوراتية فذكرت أن السيدة مريم والسيد المسيح من نسل داود، وذلك لعدم مخالفة ما جاء في التوراة وإدعاء أن النبوءة قد تحققت في المسيح عليه السلام.

فكأن الله تعالى أراد في هذا الخطاب القرآني ﴿يَا أُخْتَ هَارُونَ﴾ أن يصحح لنا نسب السيدة مريم، وأنها ليست من نسل داود كما يذكر أهل الكتاب، وإنما هي من نسل هارون، لكن كعب الأحبار أراد أن يوفق بين ما يعرفه من كتب بني إسرائيل وما أُنزل في القرآن، فنفى أن يكون المقصود هارون النبي وهو ما تناقله عنه المسلمون. وزاد على هذا ما رُوي عن المغيرة بن شعبة بأن رسول الله أخبره أنهم كانوا يسمون بأسماء الصالحين منهم، ولكن هذه الرواية لم تكن أساس النفي، ولولا قول كعب الأحبار لكان التشكيك فيها أولى.

وهذا الرأي قد تكون عندي منذ سنوات بعد مراجعتي لما ذكر أهل الكتاب عن نسب السيد المسيح، وسبق لي نشره على مدونات الفيسبوك، وقد وسرني أثناء مراجعة المقالة أنني وجدت له أصلًا –وإن كان ضعيفًا-، ذلك أنني بإعادة مراجعة ما ذكر الإمام الطبري في تفسيره للآية وقعت على كلمة في الختام ذكر فيها الإمام "وقال بعضهم: عنى به هارون أخو موسى، ونُسبت مريم إلى أنها أخته لأنها من ولده، يُقال للتميمي: يا أخا تميم، وللمضري: يا أخا مضر.".

إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ

من أهم ما يميز الإنسان الناجح تقبل الواقع دون تشويه ودون سباحة عبر الزمن! إنه يدرك الواقع جيدًا ويجيد التعامل معه، ويتعامل مع غيره من البشر على ما هم عليه في اللحظة الآنية، فلا يعنيه ما كانوا عليه في الزمن القريب أو البعيد، ولا ما يُتصور أن يكونوا عليه في المستقبل القريب أو البعيد.

وكثيرون من بيننا لا يمتون لهذا الوصف بأدنى صلة، فهم لا يتعاملون مع واقعهم بل يهربون منه إلى ماضٍ أكثر سعادة أو إلى خيالات وأحلام يقظة، كما لا يتقبلون الترقي الذي قد يحدث لبعض ممن يعرفونهم وتحسن حالهم للأفضل مقامًا أو علمًا أو مستوى مادي أو غيره، ولا أنسى أن موجهًا للعلوم من هؤلاء الرافضين للواقع قال أمامي ذات مرة –جادًا لا هازلًا- إن المرحوم الدكتور أحمد زويل العالم المصري الحائز على جائزة نوبل هو زميل له، فاعتقدت أنه زامل زويل في كلية العلوم، وإذا به يرد علي بـأن زويل لو كان عاد إلى مصر بعد البعثة لكان موجهًا للعلوم مثله! وما سبق يُعرف بمعضلة "ما كان وما هو كائن وما سيكون"، والتي على أساسها تتحدد درجة وعي الإنسان.

وبعضهم عندما يكون ماضيه بالأساس سيئًا، وهو بحاجة للتهرب منه أكثر مما هو بحاجة للتهرب من واقعه، يختار أن يهرب من ماضيه بالإسقاط على الماضي وربما على المستقبل لغيره. وفي حوار سيدنا يوسف وإخوته ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُونَ﴾ [يوسف: 77]، نجد هؤلاء الخبثاء الذين كادوا لأخيهم الصغير في ماضيهم الأسود ينقبون عن شيء يسير في ماضيه أثناء لعبه في طفولته!

وما فعله أبناء يعقوب في هذا الموقف هو ما نسميه بالإسقاط على الماضي؛ فصاحب التاريخ الملوث يحاول تلويث تاريخ غيره بالتنقيب أو الافتراء أو حتى بالظن أن باقي الناس لا بد وأن لديهم في ماضيهم مثله ما يشين. وبعضهم يسقط على المستقبل فنجد أحدهم يظن -ودون بيِّنة- أن أي مسئول في الدولة هو لص، ولا فرق عنده بين (س) و (ص) من بينهم، وهذا الظن يشينه أكثر مما يشينهم لمن يعي معناه، فحقيقته أنه هو إن آلت إليه أمثال تلك المناصب الكبيرة لتربح من خلالها.

وهناك حقيقة أخرى يلفتنا إليها رد الصديق يوسف على إخوته؛ حيث جاء الرد القرآني على لسان يوسف موضحًا بأن لقصة السرقة التي ادعوها أساسًا، وليست مختلقة كليًا، ولكن ‏الحادثة ليست على الصفة التي ‏يصفونها بها. ‏

وكم من أمر ليست صفته على ما تظهر عليه؛ إذ ينبغي أن نضع نصب أعيننا أن ظواهر الأمور ليست دائمًا كبواطنها، وعلينا ‏أن نُعوِّد أنفسنا على أن نعف ألسنتنا خاصة عما لم نشهد، وكم من قصة انتشرت عبر مواقع التواصل فأساءت إلى أصحابها وحُكيت لي من بعض المطلعين بصفة أخرى تبرئهم، والله أعلم أين هي الحقيقة.

على سبيل المثال، فقد انتشر منذ سنوات أن سيدة ثرية في أحد المطارات المصرية اعتدت على أحد الضباط في المطار بالألفاظ الخارجة لما منعها من ركوب الطائرة، وبدا عليها من خلال مقاطع فيديو عديدة وكل منها شديدة القصر، إنها ليست في كامل وعيها وتحت تأثير مخدر أو مسكر ما، وكان مصيرها السجن، ولكني سمعت القصة بطريقة أخرى بعيدًا عن مواقع التواصل بأن الضابط شك إنها ليست صاحبة جواز السفر لأنها كانت تلبس فستانًا للسهرة أشبه في تصميمه بالجلابية، فأساء تقدير شخصيتها ومن تكون، فمنعها من ركوب الطائرة، فاتصلت بأهلها فطلبوا منها البقاء ساكنة في المطار، فلما استشعر الضابط المصيبة التي ستقع حتمًا فوق رأسه أحضر لها كوب عصير فاكهة بعد أن دس فيه حبة مخدرة، ليجد لنفسه مبررًا لمنعه إياها من ركوب الطائرة، وهي بحسن نية ظنت أنه يريد أن يراضيها فشربت العصير، وفقدت اتزانها، وكان يقول لها قولي كذا وقولي كذا ويصورها وهي تتلفظ بتلك الألفاظ، وكان ما كان.

ومنذ حوالي عامين سمعنا في الإسماعيلية أن محافظ المدينة قد تزوج بنتًا صغيرة طالبة في الجامعة وأبوها يعمل في مبنى المحافظة، وأنها كثيرًا ما كانت تحضر إلى مكتبه مع والدتها قبل إتمام الزواج، ولكن القصة ما أن بلغت القاهرة وانتشرت عبر مواقع التواصل الاجتماعي حتى تبدلت وتقذرت وصارت إلى حال أوصلت الرجل إلى الاستقالة بعد سوء السمعة الذي لحقه!

فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ

واستكمالًا للحديث عن الظواهر التي قد تخالف تمامًا حقيقة الأمر، فلنا وقفة مع قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ [القصص:8].

عندما كنت صغيرة أذكر أنني استمعت إلى تفسير الآية في حديث الشيخ الشعراوي الأسبوعي، وكان الجزء الذي لفتني أن الشيخ الجليل قد رأى أن أخذ فرعون للرضيع الذي وجدوه ملقى في تابوته بجوار شجرة على الترعة المجاورة لقصره علامة على غبائه لأنه –وفقًا لما رأى الشيخ- من سيكون ألقاه إلا هؤلاء القوم الذين تُذبح أبناءهم؟

والحقيقة أنني –وعلى الرغم من حداثة سني وقتها- لم أوافق الشيخ فيما رأى في هذه الجزئية؛ فلم أر الحادثة على أنها علامة على غباء فرعون، وإنما رأيتها كيدًا من الله وتحديًا له، فالله تعالى لم يفجأ فرعون برسول في سن الكهولة يأتيه على حين غفلة، بل قد أراه رؤيا أولوها له بشكل صحيح، وعلى إثرها صار يذبح البنين من بني إسرائيل، ولأنهم كانوا عبيده الذين يكلفهم بمشاق الأعمال سُخرة دون أجر فقد اضطر إلى الرجوع إلى مؤولي الأحلام وكهنته وعرافيه ليكشفوا له عن السنوات التي يمكن أن يولد فيها هذا الصبي الذي سيكون تدمير ملكه على يديه، وكان يمكن أن يحسبوا له خطأ، ولكنهم أصابوا وفقًا للطبائع الأربعة التي تدور على السنين مثلما تدور على البروج (نار ثم تراب ثم هواء ثم ماء)، فعرفوا أن هناك سنة لا يمكن أن يولد فيها الصبي ويمكن استبقاء مواليدها دون ذبح، وبعدها سنة يكون فيها الخطر، وهكذا دواليك، ثم كان التحدي الأكبر بأن هذا الطفل سيولد في سنة من تلك التي تذبح فيها المواليد، ومع ذلك سينجو ويُربى، وأنت يا فرعون من ستربيه!

وإننا إذ نعلم أن هذا الطفل –موسى الرضيع- من بني إسرائيل، وأن أمه قد ألقته في اليم تنفيذًا لما أوحى الله به إليها لينجو، فإن هذا العلم من إخبار الله تعالى لنا وإلا فإن هذا آخر ما ينبغي أن يدور في ذهن فرعون وفي أذهاننا لو لم يخبرنا به الله.

ولنراجع الحدث معًا، إذ يبدو أن جواري وخادمات القصر وجدن تابوتًا صغيرًا بجوار شجرة من الأشجار التي تنمو على شواطئ الترع في مصر وتوجد بجوار القصر، فذهبن به إلى زوجة فرعون الأثيرة -والتي على الأغلب لم تكن تنجب أو لم تنجب له سوى بنتًا- فأحبت أن تحتفظ بالطفل الذي كان في التابوت وتتبناه، وأسمته موسى أو موشيه كما يُنطق في العبرية، وهو باللغة المصرية ‏القديمة منحوت من شقين "مو" ويعني‎ ‎ماء، و"شيه"‎ ‎ويعني شجر، فيصير‎ ‎الاسم ماء وشجر أو بين الماء ‏والشجر؛ لأنهم‎ ‎وجدوا تابوته في الماء وبجانب الشجرة.‏

وعندما عرضت السيدة آسيا الأمر على زوجها المتكبر المتجبر فرعون وافق إرضاءً لها، ولأنه –كما أرى ووفقًا لظاهر الأمر- ظن أنه ابن واحدة من جواري أو نساء القصر حملت به سفاحًا وأخفت حملها، ثم ألقت بالطفل بعد ولادته بجانب القصر ليسهل عليها تتبع أثره وتعرف مصيره بعد أن يُلتقط. وإلا فهل يعقل عاقل –سواء فرعون أو غيره- أن هذا الطفل قد حمله هذا التابوت الصغير عبر هذه الترعة الطويلة، والتي أتت به من إحدى القرى التي يسكنها المستعبدون من بني إسرائيل ليلقي به بجوار قصره المشيد المحاط بالأسوار، والذي لا تشق أسواره وبواباته الحصينة سوى هذه الترعة!

وهذا الفعل في حد ذاته بإشفاقه على طفل رضيع لقيط في أشد درجات الضعف، يظهر جانبًا من شخصية فرعون يغفل عنه كثيرون، ففرعون موسى –وكما تظهر ملامح شخصيته من آي القرآن الكريم- لم يكن المتسلط بالدرجة ذاتها على جميع رعيته، بل ﴿جَعَل أَهْلَهَا شِيَعًا﴾ [القصص:4]، وكانت معاملته تتفاوت بين طوائف الرعية فيميز منها طائفة من يدعموه ممن استخفهم فأطاعوه فأهلكهم الله معه، ومنهم من هم دون ذلك، و﴿يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ﴾ وهم المستعبدون الذين أظهر لهم وجهًا خشنًا لم يظهره لبقية الرعية. وهذا النموذج النفسي للديكتاتور الشيزوفريني المنفصم معروف، وقد تم تقديمه من قبل في السينما المصرية في فيلم "البريء".

إنها قصة مليئة بالتقابلات العجيبة بدأت بالماء الذي حمل الطفل ولم يهلكه، وانتهت بالماء الذي أهلك المتجبر وأغرقه. ولم يكن ظاهر الأمر كباطنه فلم يكن هذا اللقيط ابن سفاح كما قد يتبادر للأذهان، بل كان نبيًا صُنع على عين الله وألقى عليه محبة حتى أحبه عدوه ورباه، ‏لتكون العاقبة لفرعون حزنًا.

إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ

يقول تعالى: ﴿وَأَوْحَيْنَا إلى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُم مُّتَّبَعُونَ، فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ، إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ، وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ، وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ، فَأَخْرَجْنَاهُم مِّن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ، كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ، فَأَتْبَعُوهُم مُّشْرِقِينَ﴾ [الشعراء: 52: 60].

ووقفتنا مع وصف فرعون لبني إسرائيل الذين فروا منه مع نبيهم موسى عليه السلام بـ ﴿إِنَّ هَؤُلَاء لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ﴾، والشرذمة هي البقية القليلة من كل شيء، وهو وصف صحيح يتناسب مع ما نعرف من حالهم، فإذا كان بنو إسرائيل هم أبناء يعقوب عليه السلام الاثنا عشر، والذين جاءوا جميعًا من البدو إلى مصر -مع أهلهم أجمعين- بعد أن صار أحدهم وهو يوسف عليه السلام عزيز مصر، ثم ذهب عزهم بعد أن باد ملوك الهكسوس الذين كانوا في خدمتهم، وتبدلت الدول، حتى جاءهم بعد قرنين أو ثلاثة قرون على الأكثر من دخولهم مصر ملك متجبر نالهم من ربهم بلاء عظيم على يديه بذبحه وجنوده أبناءهم الذكور لسنين، فالمنطق يقضي بأنه ما بقيت منهم وقت خروجهم من مصر إلا شرذمة قليلين.

والأهم أن الله تعالى ذكر هذا الوصف على لسان فرعون في كتابه العزيز، فهو كلام الله، وكلام الله حق، خاصة وأن الله تعالى لم يعقبه بتكذيب ما ذكر فرعون.

لكننا نجد مفسرينا ينساقون مع التفسيرات المستقاة من التوراة فذكروا أن عدد بني إسرائيل يوم خرجوا مع موسى كان ستّ مئة ألف وسبعين ألفًا! وأخذوا يسوقون التبريرات للوصف القرآني المخالف تمامًا للرقم الذي يضربونه تخرصًا بأن كل سبط منهم كان قليلًا ولكن جمعهم كان كثيرًا على هذا العدد! فهل ما يزيد عن خمسين ألف رجل لكل سبط يُسمى شرذمة! ثم ما علاقة فرعون بأنسابهم وتصنيفهم إلى أسباط؟! وهي مبالغات وتخرصات بالغيب غير مبررة تتعلق بالأرقام اعتدناها من مفسرينا، كذلك الذي ذكرناه عند عرض قصة البقرة في مقال ‏"القصص القرآني بين العرض المنطقي والعرض السيكولوجي" ‏عندما ذكر بعض المفسرين أنهم أخذوا يبحثون عن البقرة أربعين سنة! رغم اختيار الحق سبحانه وتعالى للفاء للعطف في الآية ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ [البقرة: 72]؛ ما دل على أن هذا الحوار والجدل عن البقرة بين موسى وبني إسرائيل لم يستغرق أكثر من ساعات، وغالبًا لم يكن القتيل قد دُفن.

كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ

يقول تعالى: ﴿ فَأتْبَعُوهم مُشْرِقِينَ، فَلَمّا تَراءى الجَمْعانِ قالَ أصْحابُ مُوسى إنّا لَمُدْرَكُونَ، قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء: 60-62].

ولنتأمل قليلًا في قول الكليم يوم ظن من معه أن فرعون لاحق بهم ﴿قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ وقد تراءى الجمعان مع شروق الشمس وأوشكا أن يتلاقيا، فجند فرعون من خلفهم والبحر أمامهم، وموسى مُصر أن الله تعالى الذي أمره بالسير بهم سيهديه السبيل، فهو معهم. لم يشك لحظة في ربه أو أنه تاركه، ولا شك أنه منجيه. إن ﴿كَلَّا﴾ هذه التي قالها الكليم لردع قومه عن الجزع والخوف لو وُضعت في كفة وإيمان أهل الأرض اليوم في كفة لرجحتهم.

طور سيناء والطور الأيمن

وفقًا للرواية القرآنية عن تكليم الله تعالى لموسى عليه السلام فإنه يوجد مشهدان لحدثين، وبفاصل زمني بينهما يصل إلى أعوام، وفي كلا الحدثين كان يظهر اسم جبل الطور؛ إذ إن تكليم الله لسيدنا موسى قد حدث مرتين وفقًا للقرآن الكريم.

2818 جبل موسى وجبل اللوز

المرة الأولى: خلال عودته من أرض مدين في شمال الحجــاز إلى مصر، وحدث ذلك عند جبل في جنوب شبه جزيرة سيناء، أسماه الله عز وجل في القرآن الكريم طور سيناء أو طور سينين، وفي آيات أخرى ذُكر تحت مسمى الطور فقط ‏﴿‏فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ [القصص: 29]، وذُكر مرة موصوفُا بالغربي ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [القصص: 44]

المرة الثانية: بعد خروج بني إسرائيل من مصر بعبورهم البحر من عند خليج العقبة إلى شمال الحجاز، وإيتـاء موسى عليه السلام الألواح، عندما غاب عن بني إسرائيل أربعين يومًا، عبدوا فيها العجل. وأُطلِق على الجبل هذه المرة الطور الأيمن. ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: 52]

وفي الكتاب المقدس أيضًا كانت هناك إشارة لجبلين وليس جبلًا واحدًا؛ حيث جاء ذكر برية سيناء وجبل سيناء 35 مرة، وفي 17 مرة أتي ذكر جبل آخر اسمه حوريب، هو الذي عسكر حوله بنو إسرائيل لما يقارب العام بعد خروجهم من مصر، حيث أُعطوا الشريعة.

ويبدو أن القصة التوراتية، وتوحيد أهل الكتاب بين الجبلين وجعلهما جبلًا واحدًا، بنسبتهم الجبل الذي تمت عليه حادثة التكليم الأولى إلى مشهد التكليم الثاني، قد أثّرت على تأويلنا وتدبرنا لآيات القرآن الكريم. ولنفهم القصة على وجهها دون خلط. ولنتدبر الآيات القرآنية التي ذُكِر فيها الطور لمزيد من الفهم.

يقول تعالى: ‏﴿‏ فَلَمَّا قَضَىٰ مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ [القصص: 29].

2817 منظور افقي لجبل موسى

وفي سورة القصص أيضًا، وفي آيتين متتابعتين يلفتنا الله سبحانه وتعالى إلى أنهما جبلان مختلفان حدث عليهما حدثان خطيران في تاريخ البشرية ﴿وَمَا كُنتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَىٰ مُوسَى الْأَمْرَ وَمَا كُنتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [القصص: 44] وبعدها بآية يقول تعالى: ‏﴿‏وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا﴾ [القصص: 46].

ويقول تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: 52].

ويوضح تعالى أن الطور الأيمن هو الجبل الذي تجمعوا عنده بعد نجاتهم من فرعون ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنجَيْنَاكُم مِّنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيْمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَىٰ﴾ [طه: 80].

فعندما حكى تعالى عن مناداته لموسى عليه السلام عند عودته إلى مصر بعد السنوات التي قضاها في مدين جاءت سيرة طور سيناء أو الغربي، أما عندما جاء ذكر الجبل الذي وُوعدوا عنده بعد نجاتهم من فرعون قيل الطور الأيمن.

وربما كان في انتقاله عليه السلام من مدين في الشرق إلى الجبل الذي أُعطي عنده الوحي عند عودته إلى مصر، والذي يقع في الغرب من مدين، تفسير لوصف القرآن لذلك الجبل بـ ﴿الْغَرْبِيِّ﴾. ولو وضعنا الخريطة أمامنا، فالجبل الذي في شمال الحجاز هو الأيمن، وسُمي الأيمن من التيمن، ولم يُسم الشرقي. والآخر الذي في سيناء هو الغربي، ولم يرد الله أن يسميه الأيسر، فالعرب لا تتفاءل سوى باليمين، والقرآن نزل بلسان العرب.

ومن العجيب أيضًا أن يُشار إلى كثير مما يخص مصر بالغرب، ففي التوراة يُسمى النيل بالبحر الغربي، وفي الحديث الشريف جند مصر هو الجند الغربي المقصود بالحديث في صحيح مسلم.

ولم يغب عن مفسرينا الإشارة القرآنية مرة بالأيمن ومرة بالغربي، وإن كانوا لم يتوقفوا عندها كثيرًا، ومروا عليها عابرين، وفسروها على إنها اختلاف الجبل نفسه بالنسبة لجهة قدوم موسى عليه السلام عليه، مع أن اللفظ القرآني واضح ﴿مِن جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ﴾ فإما أن الطور موصوف بأنه الأيمن أو أن الجبل له يمين، ولأن الجبل لا يمين له ولا شمال، فقالوا: اليمين، يمين موسى. والأصح أن الأيمن هنا صفة للطور الذي تجمعوا عنده بعد الخروج من مصر.

وكذا قال تعالى: ﴿بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ﴾ وليس بالجانب الغربي، فالأدق أن ﴿الْغَرْبِيِّ﴾ في الآية صفة للجبل، أي بجانب الجبل الغربي، وليس بجانب غربيّ الجبل كما فُسرت الآية. والوحيد الذي التفت إلى غرابة التركيب اللغوي للآية على تفسيرهم كان الفخر الرازي في "مفاتيح الغيب"؛ إذ إنه على قولهم فالجانب موصوف، والغربي صفة، فكيف أضاف الموصوف إلى الصفة، وإضافة الموصوف إلى الصفة تقتضي إضافة الشيء إلى نفسه؟! ولكنه قال إن ذلك جائز بشروط. وذكر أن التأويل فيه: جانب المكان الغربي، ثم المضاف إليه ليس هو النعت، بل المنعوت، إلا أنه حذف المنعوت وأقيم النعت مقامه. ووفقًا لكلام الرازي فالجبل ذاته هو الموصوف بالغربي، والغربي صفة للجبل، ولكن الجبل هنا وهو الموصوف محذوف.

ربما لا نفهم يقينًا سبب الوصف بأن ذلك الجبل هو الأيمن، والآخر هو الغربي، ولكن من الواضح أنهما جبلان، كل منهما وُصف بناءً على موضعه وصفًا يخالف الآخر، ولا يتفق تأويلٌ غيره مع سياق القصة القرآنية، والمكتشفات الأثرية بأن عبور بني إسرائيل كان إلى شمال الحجاز.

وللمزيد يمكن للقارئ أن يعود إلى مقالي "قصة جبلين وجزيرتين".

وَاْلطُّورِ

يقول تعالى: ﴿وَالطُّورِ، وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ، فِي رَقٍّ مَّنشُورٍ، وَالْبَيْتِ الْمَعْمُورِ، وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ، وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ، إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾ [الطور: 1-7]

وقد قال مفسرونا إن القسم في بدء سورة الطور بقوله تعالى: ﴿وَاْلطُّورِ﴾ قد يُحمل على وجهين، أولها: إنه تعالى يقسم بطور سيناء؛ وهو الجبل الذي اختاره الله سبحانه وتعالى ليشهد إعطاء الوحي إلى موسى عليه السلام دون واسطة، وهو ما رجحه كثير من مفسرينا لعدم تمييزهم بين طور سيناء الذي شهد حادثة التكليم الأولى لموسى عليه السلام وإرساله إلى فرعون، وبين الطور الأيمن الذي أعطيت ألواح التوراة إلى موسى عليه السلام عليه عند مواعدة الله له بعد النجاة والخروج من مصر. وثانيها: إنه تعالى يقسم بالطور أي الجبل الصلد الضخم أو كثير النبت والشجر كأحد مخلوقاته العظيمة الدالة على قدرته، مثلما أقسم بالكثير من خلقه كالشمس والقمر والبحر والعاديات وغيرها.

ولأنني أرى أنه لا مبرر لأن يُقسم الله تعالى بأحد مخلوقاته مرتين في كتابه، إذن فالطور المقسم به في أول سورة الطور ﴿وَاْلطُّورِ﴾ ليس هو طور سيناء الذي أقسم به تعالى في أول سورة التين﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَطُورِ سِينِينَ﴾، وكنت أرى بالرأي الثاني الذي رآه مفسرونا؛ أي أن قسمه تعالى ﴿وَاْلطُّورِ﴾ قسم بالجبل الصلد الكبير الذي يُعتبر أكبر مخلوقاته على ظهر الأرض، إلا أن خاطرًا جاءني وجعلني أتوقف ذات مرة أثناء قراءتي سورة الطور، فانتبهت إلى كل ما أقسم به الله تعالى به بعد الطور، خاصة ﴿وَكِتَابٍ مَّسْطُورٍ﴾، وقد ظن مفسرونا أنه القرآن، ولكن ربما كان الأقرب أنه التوراة التي أنزلها الله على الطور الأيمن ألواحًا مكتوبة، بينما القرآن نزل متفرقًا مقروءًا ولوحه محفوظ في السماء لم ينزل الأرض، وكُتب بأيدي البشر‏﴿‏بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ، فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾‏ [البروج: 21-22]. وكان بدء الوحي به إلى نبينا على أحد جبال مكة ولم يُسم هذا الجبل طورًا في أي موضع من القرآن أو السنة أو السيرة أو أقوال الصحابة.

ثم نظرت إلى جواب القسم ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ﴾، واسترجعت الصورة القرآنية في سورة البقرة لتخويف بني إسرائيل بإيقاع الطور فوق رءوسهم بعد أن رفعته الملائكة تخويفًا لهم ليأخذوا التوراة بالميثاق، فجاء في خاطري أنه ربما كان الأدق أن الذي أقسم الله تعالى به في سورة الطور، والذي ورُفع فوق رءوسهم كان الطور الأيمن الذي أُعطوا عنده التوراة، وأُمروا أن يأخذوها بحقها. والله تعالى أعلى وأعلم.

وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ...... نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ

ولنا وقفة مع الملك النبي الذي شهد الله له شهادتين عظيمتين إحداهما لم يشهد مثلها لغيره، وأعطاه عطيتين عظيمتين إحداهما لم ولن يُعطَ مثلها غيره.

أعطاه ملكًا لم ولن يُعطاه غيره، بعدما دعا دعوة راغب إلى ربه ﴿قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ ‏[ص: 35]. وهل حاز بشر مُلْكًا كالذي أعطي لسليمان بن داود!

وأعطاه من الحكمة ما شهد الله له بها أنه كان أفهم من أبيه. يقول تعالى: ‏﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ ۚ وَكُلًّا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ ‏[الأنبياء: 79].

وأما الشهادتان، فالشهادة الأولى له في قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ [البقرة: 102]. وما شهد الله سبحانه لبشر بالبراءة من الكفر غيره.

وفي الميثولوجيا القديمة يصورون سليمان بأنه ملك العُصي الذي يجلس على كرسي عرشه ممسكًا عصا، وفي يده خاتم فصه من عقيق اليمن، وإلى زمن قريب كان العقلاء يقولون: زينة الرجل عصا من خشب زيتون الشام وخاتم من عقيق اليمن. وعند المؤمنين فالعصا رمز القوة يمسكها الرجل حين يُسن ليتوكأ عليها ويستقوي بها، وخاتم العقيق طاقة حكمة، والأنبياء يمسكون العُصي ويتختمون بالعقيق، ومنهم موسى عليه السلام ونبينا محمد عليه الصلاة والسلام، ومن كان لديه صبي طائش ختّمه بالعقيق.

ولن أستفيض في شرح ما تقوَّله على سليمان بعض من الكهنة الفجرة من بني إسرائيل الذين نبذوا التوراة وراء ظهورهم –بل وما زالوا يتقولونه عليه إلى يومنا هذا- من أن ملكه كان سحرًا يختطه تحت كرسيه، والعصا قالوا: هي رمز السحر، ولا زال الساحر إلى يومنا هذا يمسك بالعصا ويشير بها ليوهم الرائي أنه قد صار ما يريد، والخاتم قالوا إن فيه ملكه يفرك فصه فتأتمر الجن بأمره، ولا زال بعض الجهلة يرددون هذا القول نقلًا عنهم فيقولون عمن أوتي من الله الكثير: كأنه أُعطي خاتم سليمان! وقد روى الإمام الطبري في تفسيره آية السحر في سورة البقرة "لما ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما نُزِّل عليه من الله سليمان بن داود وعدَّه فيمن عدَّه من المرسلين، قال من كان بالمدينة من يهود: ألا تعجبون لمحمد صلى الله عليه وسلم يزعم أن سليمان بن داود كان نبيًا! والله ما كان إلا ساحرًا!".

وأما الشهادة الثانية لسليمان من الله، ففي قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 30]. فهذا النبي الملك الحكيم كان على عظم فضل الله عليه ‏﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾، ولم يشهد الله لعبد غيره أنه نعم العبد سوى عبده الصابر أيوب؛ فكأن من استحقا وصف الله لهما بأنهما ‏﴿نِعْمَ الْعَبْدُ﴾ هما الشكور والصبور.

لم ينس سليمان فضل الله ونعمته عليه فشكر ولم يبطر، وغيره قد يغتر بمعشار معشار ما أُعطيه، بل كان من دعائه عليه السلام: ﴿فَتَبَسَّمَ ضَاحِكًا مِّن قَوْلِهَا وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَىٰ وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ﴾ [النمل: 19]. ولأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ۖ وَلَئِن كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ﴾ [إبراهيم: 7]، وسليمان شكور ومبرأ من الكفر فقد استحق أن أعطاه الله الملك العظيم الذي رغب فيه من ربه، كما استحق أيوب أن يزيده فوق شفائه ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [ص: 43].

ولكن هذا الذي كان نعم العبد مع ربه هو ذاته مُذِل الشياطين، ومؤدب من يستحق الأدب من البشر، والذين تقولوا عليه بعد موته كثيرًا من شدة وطأة ما نالهم منه. ولعلها من الأعاجيب أن هذا الحكيم يجد من ينتقص من عقله، وفوق ذلك يكفره! ولكنه حسد البشر، وكل ذي نعمة محسود.

وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى

يقول تعالى في مطلع سورة النجم: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى، مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى، وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى، إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [سورة النجم:1-4].

والقسم هنا في أول السورة قد يُحمل على جنس النجم فيشمل جميع النجوم لأن النجم أحد أعظم مخلوقات الله، ولكن أغلب المفسرين حملوا القسم على عنقود الثريا، والعرب إذا قالت: "النجم" إنما تعني –على الأغلب- الثريا. والثريا وإن كانت مجموعة نجمية وليست نجمًا واحدًا إلا أن تقارب نجومها وتجمعها على ارتفاع كبير في السماء يجعلها تضيئ كوحدة واحدة، ومن هنا سمى العرب كل وحدات إضاءة مجتمعة مرتفعة تضيء معًا بالثريا.

والثريا هي منزلة قمرية ممتزجة الطاقة (نار وتراب) تقع بين الحمل والثور؛ إذ تشغل 4.3 درجات الأخيرة من درجات الحمل وأول ‏‏8.55 درجات من بداية الثور. وفي الميثولوجيا القديمة، ووفقًا لنظرية الطباع الأربعة، فإن امتزاج طاقة النار التي تمثل القوة مع طاقة التراب التي تمثل الثبات والاستقرار هي أفضل طاقة لتأسيس كيان قوي وثابت، فالخيمة تُقام على أربعة عصي –والعصا هي القوة وهي رمز طاقة النار- وهذه العصي تثبت في التراب، وهذه تحديدًا هي طاقة الثريا. وهي المنزلة القمرية الثالثة التي ينزل عليها القمر ضيفًا في دورته حول الأرض من بين ثمان وعشرين منزلة. فما هي علاقة هذه المجموعة النجمية بصاحبنا ورسولنا عليه الصلاة والسلام؟

2816 سيدنا محمد

هذه المجموعة النجمية لارتفاعها في السماء هي أقرب مجموعات النجوم الثابتة في دائرة الأفق إلى المدار الظاهري للشمس، وكانت الثريا في الطالع مقترنة بالشمس يوم ميلاد ‏سيدنا ورسولنا محمد عليه الصلاة والسلام؛ إذ إن المعروف عند الفلكيين العرب أن طالعه صلى الله عليه وسلم كان في أواخر درجات الحمل، وشمسه كانت في أول درجة من الثور، وكلاهما مقترنان ضمن درجات الثريا لأنه وُلد قبل طلوع الشمس بدقائق، معلنًا أن شمسًا جديدة قاربت أن تُشرف على الدنيا.‏

ومنزلة الإكليل –وتُعرف أيضًا بالطريق المحترق- هي المنزلة الرقيب للثريا؛ أي المنزلة المواجهة للثريا تمامًا في دائرة الأفق، وهي منزلة ممتزجة الطاقة (هواء وماء) تقع بين الميزان والعقرب؛ إذ تشغل 4.3 درجات الأخيرة من درجات الميزان وأول 8.55 ‏درجات من بداية العقرب، ومفهوم أن المنزلة الرقيب هي التي تطلع من الشرق فتهوي الأخرى من الغرب، وعندما تهوي الثريا تطلع الإكليل. وقد روى الإمام الطبري في تفسيره عن مجاهد بن جبر قوله في الآية: "سقوط الثريا".

وفي الليلة السابقة لميلاده عليه الصلاة والسلام ظهرت تلك الدرجات الأولى من العقرب في منزلة الإكليل في الطالع من جهة الشرق مقترنة بالمشتري وزحل والعقدة الجنوبية لتقاطع مسار الشمس مع مسار القمر -والتي تمثل النهايات- منذ غروب الشمس وغروب النجم (الثريا)، وبعدها بدقائق طلع نجم قلب العقرب الأحمر الذي يقترب من الأرض ليلة ميلاد الأنبياء، أي أنه بمجرد أن هوت الثريا مع مغيب الشمس في الليلة السابقة على ميلاده عليه الصلاة والسلام حدث ما يُعرف بالاقتران العظيم، واستمر هذا الاقتران طوال الليل حتى هوى الإكليل وأشرقت الشمس مقترنة بعنقود الثريا والعقدة الشمالية لتقاطع مسار الشمس مع مسار القمر -التي تمثل البدايات- ‏بعد ميلاده عليه الصلاة والسلام بدقائق، والقمر أحدب متزايد غارب يُثلث الطالع في الدرجة 20 من برج الأسد، وذلك يوم الاثنين الموافق 20 من أبريل عام 571 بالتقويم الجولياني، الموافق العاشر من ربيع الأول من عام الفيل.

ونعرف جميعًا ما رُوي عن استطلاع الفلكي اليهودي في يثرب (المدينة المنورة) للسماء في تلك الليلة، وما شاهده من اقتراب النجم الأحمر (قلب العقرب) من الأرض، والذي لا يقترب إلى هذه الدرجة إلا ليلة ميلاد الرسل والأنبياء في إشارة لهدم الباطل ليُبنى الحق، وما روي عن تهدم إيوان كسرى وانطفاء نيرانه المقدسة وتهاوي الأصنام حول الكعبة في تلك الليلة العظيمة في تاريخ البشرية.

وللعلم فإن رقم سورة النجم في القرآن الكريم هو 53، وتوجد في ‏الحزب 53، وحساب الجُمل لاسم أحمد= 1+ 8+ 40+ 4= 53!‏

ورغم اقتناعي أن القسم في أول سورة النجم ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا ‏هَوَى﴾ بسقوط الثُريا تحديدًا كان إشارة منه تعالى لما حدث في السماء منذ لحظة الغروب في الليلة السابقة على ميلاده عليه الصلاة والسلام، وحتى أشرقت الدنيا بمولده، فإنه ربما كان القسم إخبارًا منه تعالى أيضًا بأن حدثًا سيحدث من علامات القيامة يتعلق بتلك المجموعة ‏النجمية التي تضرب بها العرب المثل في العلو والارتفاع، أو لعل ظالمًا سيهوي، ولذلك صلة بسقوط الثريا. وقد قال تعالى في موضع آخر: ‏﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُوم، وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظيم﴾ ‏[الواقعة: ‏‏75-76].‏ وقال المفسرون: "إن القسم بمواقعها أي: مساقطها في مغاربها، وما يحدث الله في تلك الأوقات، من ‏الحوادث الدالة على عظمته وكبريائه وتوحيده". 

* ملحوظة: قمت باستخدام برنامج فلكي باستخراج الخريطة الفلكية للحظة ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم، وما ذكرته من تحليل الخريطة مجرد قشور، ولكنها تستوفي الغرض في هذه المقالة.

لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم

يقول الحق سبحانه في سورة النور، وفي معرض حديثه عن حادثة الإفك: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ ۚ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۚ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ ۚ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [النور: 11].

والحديث في الآية –كما نعلم- عمن افتروا وتكلموا في حق السيدة عائشة أم المؤمنين، وقد أورد الإمام الطبري عن ابن عباس أنهم حسان بن ثابت، ومسطح، وحمنة بنت جحش، والمنافق عبد الله بن أُبيّ وغالبًا أن الأخير هو الذي تولى كبره؛ أي أنه هو من ابتدأ الكلام وكبّر القصة ودار يتكلم بها في المجالس وبين الجموع، وأيًا من كان فهو –وإن كان ذكرًا من المنظور البيولوجي- فكأن الجانب الأنثوي في شخصيته أكبر وأوضح من الجانب الذكوري.

وأكثر ما كان يستوقفني في الآيات هو قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم ۖ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ﴾، فكم تساءلت عن أين الخير في هذه الحادثة؟ ليس ردًا لكلام الحق سبحانه وتعالى ولكن لأن المصاب جلل، فأين تراه الخير في أن تُتهم واحدة من أطهر النساء في عفتها!

وبقي تعجبي حتى بدأ عملي في مجال الاستشارات المهنية والزوجية، فاكتشفت أن كلام الزوجة في حق زوجها، وكلام الزوج في حق زوجته هو أهم شهادة، وقد يبرئ الخائن في أعين الناس، ويخون الأمين.

والأمر سواء في الشرق والغرب، ولو رجعنا –على سبيل المثال- إلى الاتهام الذي واجهه الرئيس الأمريكي السابق بيل كلينتون بأنه أقام علاقة مع إحدى المتدربات في البيت الأبيض، فلا يحتاج الأمر إلى درجة مرتفعة من الذكاء لنعرف أن تلك الحادثة لم تكن لتمر لو لم تقف هيلاري كلينتون إلى جانب زوجها ولآل به الحال إلى أحقر شأن، لأن الناس اقتنعوا أنه لو لم تكن حادثة بسيطة –وفقًا لأعرافهم- وليست علاقة جنسية كاملة لطلبت زوجته الطلاق.

وهو سواء أيضًا بين النساء الرجال، وأعرف صديقة ظنت بزوجها السوء –وهو على الأغلب بريء- وقامت بخلعه، وقد ساءت سمعة الزوج من يومها وتدمرت تمامًا.

وبالعودة إلى حادثة الإفك سنجد أن ما رُوي لا يشير إلى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد صدّق في عائشة ما قاله الأفاكون، وإنما استشار عليّ بن أبي طالب وأُسامة بن زيد في فراقها لما لحقها من سوء السمعة، وأن سيدنا علي لم يشر عليه بفراقها إلا لذلك السبب لا غير، ولو كان رسول الله طلقها لكانت سُنة من بعده، وكم من نساء شريفات عفيفات كُن سيتطلقن لأن الكائدين والكائدات كادوا لهن وشنعوا عليهن. فهل هناك خير لنا من أن صار التثبت من شرف الزوجة كافيًا للإبقاء عليها وعدم طلاقها ورد كيد الكائدين؟

والغريب أن موقفها من علي الذي أشار على النبي بطلاقها كان أصعب من موقفها من حسان بن ثابت الذي شنع عليها! فقد غفرت لحسان وكانت تسمح له بالدخول عليها بعد أن فقد بصره، فكأن العقاب الذي طاله قد شفى صدرها مما قال في حقها، ولكنها مع ذلك لم تغفر لسيدنا علي إشارته على الرسول صلى الله عليه وسلم بطلاقها رغم أنه لم يشنع عليها، بل أراد فقط أن يُنقي عرض ابن عمه مما طالته من أقاويل.

وفي مقالي "الجميلة والوحش" ذكرت أنه يعجبني كثيرًا الوصف الذي استخدمه الحق سبحانه وتعالى في الحديث عن حادثة الإفك في سورة ‏النور، فهو يصف النساء البريئات اللاتي تُحاك القصص عنهن من الفُساق بـ ﴿الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ﴾، ‏فهي لم تقترف إثمًا ولم تفعل شيئًا، ويستحيل أن يدور في خلدها أن فاسقًا لعينًا يتقول عليها ويدعي عليها ‏سوءًا، وأن هناك من يلوك ذلك الإفك بلسانه عنها غيرة أو حسدًا أو سفاهة، وهي حقًا غافلة عن كل ذلك!

وكم أتذكر هذا الوصف عن السيدة عائشة كلما دار الحديث عن الولاية في فقه الأحوال الشخصية، وحديثها الشهير بأن ما من امرأة تزوجت بغير ولي إلا ونكاحها باطل، وهو رأي يناسب حسن ظنها بالناس وشخصيتها البريئة تمامًا التي لا تتخيل حجم الشر الذي يوجد في نفوس بعض البشر، فهي لفرط طيبتها تتوهم أن الأولياء جميعًا يستحيل أن يتفقوا على رفض رجل صالح تقدم لفتاة تقع تحت ولايتهم، ومن ثم فهي ترى –وبلا أدنى شك من جانبها- أن من تخالفهم وتزوج نفسها نكاحها باطل! ومعروف أن الإمام أبي حنيفة قد خالف هذا الرأي إن كان الرجل كفؤًا للفتاة لأن هذا يعني أنهم يتعنتون ولا يراعون مصلحتها، وهو الرأي الأولى بالصواب، وقد يصلح في حالات نادرة، وهناك قرية تقع بجانب مدينتي الإسماعيلية كانوا يكثرون فيها من زواج الأقارب منعًا لخروج أرض العائلة لأيدي أغراب، ففشت بينهم الأمراض الوراثية، وأشار عليهم الأطباء بالتوقف عن زواج الأقارب، فصار الرجال يتزوجون ويمنعون البنات من الزواج ويرفضون كل من يتقدم إليهن، خاصة إن كن متعلمات ويعملن ولهن دخل، وهناك حالة تعاملتُ معها لفتاة متعلمة منهن وتعمل ولها دخل معقول تزوجت رغمًا عن عائلتها ممن هو دونها في المستوى التعليمي لأنه قوي بما يكفي ليقف أمام عائلتها الرافضين لزواجها منه أو من غيره.

اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ ‏وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ

يقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالَاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ ۗ قَدْ عَلِمْنَا مَا فَرَضْنَا عَلَيْهِمْ فِي أَزْوَاجِهِمْ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ لِكَيْلَا يَكُونَ عَلَيْكَ حَرَجٌ ۗ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا﴾ [الأحزاب: 50]. وهي الآية التي كان لرسول الله قبلها أن يتزوج أي النساء شاء، فقُصر الحِل له بعدها على الأربعة أصناف المذكورات فيها من النساء، وليس له أن يتعداهن.

والجزء الأول من الآية يتحدث عن أن من يحللن للرسول صلى الله عليه وسلم هن أزواجه اللاتي آتاهن مهورهن، وما ملكت يمينه، وهو ما لم يستغلق على أغلب الناس فهمه، ولكن الإشكالية حدثت في عدم فهم ما تلا ذلك من قوله تعالى: ‏﴿‏وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ﴾ وقوله: ‏﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾. ولا أفهم ما العجيب في هاتين الجزئيتين ليستعصيا على الفهم!

ولنبدأ بمفهوم الحِل، وهو على وجهين: ففلانة تحل لك بمعنى إنها ليست من المحرمات عليك تحريمًا أبديًا أو تحريمًا مؤقتًا لأي من الأسباب، ومن ثم يجوز لك أن تتقدم طالبًا إياها للزواج، والوجه الثاني بقولهم إن فلانة حلال لفلان أي أنها زوجته، والمعنى في الآية واضح أنك يا محمد يجوز ويحل لك أن تخطب أي من بنات عمومتك وبنات خالك وخالاتك اللاتي هاجرن معك فقط، وعلى هذا فسخ الرسول صلى الله عليه وسلم نيته التي كانت معقودة بالزواج من ابنة عمه أم هانئ ابنة أبي طالب لأنها أسلمت يوم فتح مكة، فهي من طلقاء يوم الفتح، فلم يحل له الزواج منها، ولا تعني الآية بأي حال من الأحوال أن لرسول الله أن يعامل قريباته تعامل الرجل مع زوجته!

ولو نظرنا إلى الحكمة من تحريم زواجه صلى الله عليه وسلم من قريباته اللاتي لم يهاجرن فإن الله قد حرَّمه ولا شك كي تقر أعين زوجاته؛ فقريباته إن تزوج منهن ستكون لهن مكانة خاصة أعلى من مكانة بقية زوجاته، خاصة ابنة عمه أبي طالب التي تربى معها، فكيف يجوز أن يكون لامرأة من الطلقاء منزلة على السابقات الأوليات إلى الإسلام!

وأما قوله تعالى: ‏﴿وَامْرَأَةً مُّؤْمِنَةً إِن وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ إِنْ أَرَادَ النَّبِيُّ أَن يَسْتَنكِحَهَا خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾، فالمعنى بوهبها نفسها له أي إنها قبلت أن تتزوجه بغير صِداق، أي راغبة عن المهر، وهذا إن قبل النبي أن يتزوجها على أن تكون خالية من الزوج، فلا يُعقل أن تذهب امرأة متزوجة إلى الرسول لتعرض عليه أن يتزوجها وهي زوجة لرجل آخر وعلى ذمته! والمعنى أيضًا أن رجال أمتك يجب أن يؤتوا النساء صداقهن ولا يحل لهم الوهب، وأن هذا الحكم خالص لك دونهم.

وقد اُختلف في المقصودة في هذا الجزء من الآية، والأرجح إن المرأة المؤمنة المقصودة هي ميمونة بنت الحارث أخت السيدة لبابة الكبرى أم الفضل زوجة العباس عم الرسول، والتي وهبت نفسها للرسول في عمرة القضاء قبل فتح مكة بعام، وتزوجها دون مهر، والفرق بينها وبين السيدة أم هانيء أن ميمونة كانت قد سبقت بالإسلام ولم تكن من الطلقاء، كما لم تكن من قريباته.

وآمل أن يفتح الله عليّ بالمزيد، ليكون لنا لقاء آخر بإذنه تعالى مع مزيد من الخواطر والتأملات في كتاب الله.

 

د. منى زيتون

الـخميس 16 سبتمبر 2021

 

 

محمد تقي جونتوطئة: تمثل القواعد البناء التحتي للغة، الذي يقوم عليه وجودها وبه تحقق شموخها. ويسمى علم قواعد اللغة (أمّ العلوم) لأهميته. فعليه تؤسس علوم: النحو، والصرف، والألفاظ، والمعاني، والتأثيل (علم أصول الكلمات). وما يتصل بهذه من علوم أخرى كالأصوات واللسانيات واللغة والإملاء وغيرها من شبكات العلوم الأخرى. فهي تمثل منظومة جينية كاملة تحدد عرق اللغة وهويتها الخاصة بها جدا.

لم تخترق قواعد اللغة العربية طوال عهودها حتى بعد وقوعها تحت تأثير احتلالات أجنبية مختلفة أصبحت هي أقل أهمية من لغاتها التي أخذت الصدارة. وظلت محافظة على قواعدها وهي تتهاوى في العجمة والعاميات، فبقيت عربية في جوهرها وهويتها لا غبار عليها في ذلك.

وظلت الألفاظ الجانب الوحيد الذي اخترق في العربية من قبل اللغات التي احتكت بها منذ اتصل العرب بغيرهم، ثم زاد واستفحل ذلك عندما صار العرب أمة محتلة من الامم الإسلامية كالترك والفرس والتركمان، وغير الإسلامية كالمغول. ولم تشكل الترجمة ونقل المعاني في زمن عز العربية وقوتها ظاهرة اختراق محسوبة على اللغة، فاغتنت وازدهرت.

وبعد احتلال الغرب لامتنا العربية وهيمنة لغاته ولاسيما الإنگليزية بما فرضته ظروف الاحتلال وعدم التوازن الحضاري من حالة استسلام تامة أو شبه تامة للعرب واللغة العربية، انهار سد الألفاظ والمعاني ووصل الانهيار إلى القواعد، فترك قسم من قواعدها واستبدلت به قواعد أجنبية، فصرنا نقرأ جملا عربية بقواعد إنگليزية. وهذا أعلى مستوى من الهجنة وصلته العربية.

لقد ذكرنا ومثلنا لتلك الاختراقات كما فعلنا في الألفاظ والمعاني. ولكتابنا فضل السبق في تسجيل اختراق المعاني والقواعد. وليس ما أحصيناه يمثل القواعد الإنگليزية المستعملة في لغتنا كلها، اذ لم يكن هدف الكتاب الإحصاء بقدر ما هو تسجيل الظاهرة. وان ما سجلناه يكفي لبيان الخطر الذي حاق بجذور وأصول اللغة العربية ممثلة بقواعدها بعدما كان الخطر طفيفا أو مقبولا وهو في السطح والظاهر.

* علي مول

يقال (علي مو‌ڵ) (محمد مو‌ڵ) بمعنى (المتجر العائد إلى علي والى محمد). في اللغة العربية يتقدم المضاف على المضاف إليه مثل (مدرسة الكندي) ولا تقبل العربية أو تستسيغ السليقة (الكندي مدرسة). وفي الانگليزية تكون المعادلة عكسية: AL- Cindy's school)) وهكذا نقرأ على الجدران (علي مو‌ڵ( (محمد مو‌ڵ) (الكوت مو‌ڵ) على الطريقة الانگليزية:

(Muhammad's mall)

(Ali's mall)

(Kut's mall)

ويقتضي الأسلوب اللغوي العربي ان نقول (مو‌ڵ محمد) (مو‌ڵ علي) (مو‌ڵ الكوت).

* أستاذ مساعد

يقال (هو مدرس مساعد) (بمرتبة أستاذ مساعد) وهي (من الألقاب العلمية).

في اللغة العربية كما ذكرنا يتقدم المضاف على المضاف إليه ولا يصح العكس. فإذا قلنا: (هذا أستاذ مساعدٍ) هذا: مبتدأ، وأستاذ: خبر مضاف، ومساعد: مضاف اليه، فستكون جملة مبهمة غير مفيدة، فما معنى انه (أستاذُ لمساعد)! بينما ترجع مفيدة اذا حذفنا المضاف اليه. أما إذا أعربت: هذا: مبتدأ، واستاذ: خبر أول، ومساعد: خبر ثان، فالجملة لا معنى لها، فكيف يكون استاذاً ومساعداً معاً!!

وهذا يؤكد أن هذه الصياغة غير عربية. وهي بالفعل جاءت منقولة من اللغة الانگليزية، فهم يقدمون المضاف إليه على المضاف بعكس منطوق لغتنا. وهي بالانگليزية:

(مدرس مساعد = Assistant lecturer)

(أستاذ مساعد = Assistant Professor)

و الصحيح (مساعد مدرّس) و(مساعد أستاذ) حسب قواعد لغتنا العربية.

* علي أحمد لطيف

يقال (محمد حسن جعفر) (عبد الكريم قاسم) (عبد الحليم حافظ) (في قراءة وكتابة أسماء العلم).

اللغة العربية تضع (ابن) فاصلا بين الابن والأب. فمنطق اللغة العربية يقتضي القول (علي بن أحمد بن لطيف). فعلي مبتدأ وابن خبر وهو مضاف وأحمد مضاف اليه، وباقي السلسلة مضاف ومضاف إليه. أو علي خبر لمبتدأ محذوف تقديره هذا، وابن بدل من علي وهو مضاف وأحمد مضاف اليه، وباقي السلسلة مضاف ومضاف إليه.

حتى جاء احتلال الانگليز ولغتهم فصارت الأسماء تكتب بإلغاء (ابن) فاصلا بين الأب والابن، تماماً كالأسماء الانگليزية والإفرنجية مثل:

(Charles Deigns)

(William Shakespeare)

(Tomas Addison)

فصرنا نقول (علي أحمد لطيف). وفي هذه الحالة لا يقدم النحو العربي إعراباً مقنعاً لأعلام السلسلة؛ سواء إذا قدرنا علياً مبتدأ أو خبرا لمبتدأ محذوف. ولا مناص من عدّ الاسم كله (علي أحمد لطيف) بحكم واحد هو مبتدأ أو خبر، وهو غير واقعي وهروب اضطراري إلى حل. وهكذا فالنحو العربي يقتضي وجود (ابن) بين الأعلام المتوالدة.

وقد وجدت شواهد قبور تعود إلى أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي تضع (بن) بين اسم الولد واسم الوالد، مما يدل قطعاً على أن استخدام منطق اللغة العربية كان مستمرا إلى زمن الانگليز، وطبعا طبقة الدفنة غير مواكبين لحركة الثقافة، مما جعلهم إلى نهاية زمن الانگليز غير متأثرين بهم، ثم انتقلت لهم هذه الثقافة.

ومثله الاختصار في سلسلة النسب والاقتصار على الاسم الأول واللقب فنقول (علي الربيعي)؛ (علي) الاسم الأول (first name)، و(الربيعي) الاسم الأخير (last name) كما يعمل الانگليز بأسمائهم.

* غداً صباحاً

يقال (ذهبتُ أمس عصرا) (سأراه غدا صباحا) بـ (اتخاذ ظرفي زمان معا).

في اللغة العربية لا يجمع ظرفا زمان بالتوالي. ولم يرد مثل هذا في المؤلفات العربية، بل ورد (عصر أمس) (صباح الغد) قال دريد بن الصمة:

أَمَرتُهُمُ أَمري بِمُنعَرَجِ اللِوى

فَلَم يَستَبينوا النُصحَ إِلّا ضُحى الغَدِ

وهذا الأسلوب منقول من اللغة الإنگليزية ففيها يرد:

(غدا صباحا = Tomorrow morning)

(أمس عصرا = Yesterday  afternoon)

* تدريسي

يقال: (أنا تدريسي) (أخي فدائي) (هو قيادي) (المعمل إنتاجي) (الداعشي إرهابي) (يعمل تحريا) بـ(اشتقاق اسم الفاعل من المصدر الملحقة به ياء النسب).

في اللغة العربية يشتق اسم الفاعل من الفعل مثل: عمل = عامل، كتب = كاتب. والأمثلة السابقة أسماء فاعل مشتقة من المصدر الملحقة به ياء النسب: فـ(التدريس مصدر درس، وبالنسبة اليه = تدريسي)، و(الفداء مصدر فدى، وبالنسبة اليه = فدائي)، و(القيادة مصدر قاد، وبالنسبة اليه = قيادي)، و(الإنتاج مصدر أنتج، وبالنسبة اليه = انتاجي)، و(الإرهاب مصدر أرهب، وبالنسبة اليه = إرهابي)، و(التحري مصدر تحرى، وبالنسبة اليه = تحري). وهذا القياس غير عربي، بل راجع إلى اللغة الانگليزية ومن الأمثلة:

(هذا تدريسي = This is teaching)

(رجل قيادي = Man leading)

(هو تحري = he is detective )

ويقتضي القياس العربي للجمل السابقة أن تكون: (هذا مدرس) و(أخي فادي) (هو قائد) (المعمل منتج) و(الرجل رهيب) و(يعمل متحريا).

ولبيان الفرق، نجد البحتري يستعمل لفظة (الفادي) على القياس العربي، بينما استعمل علي محمود طه (الفدائي) على القياس الانگليزي. قال البحتري:

وَبَقيتَ يَفديكَ الأَنامُ وَإِنَّهُ

لَيَقِلُّ لِلمَفدِيِّ قَدرُ الفادي

وقال علي محمود طه:

فَلسطِينُ يَفدِي حِمَاكِ الشّبابُ

فجَلَّ الفِدائِيُّ وَالمُفتَدَى

 

وإذا جمع هذا النوع مثل (تدريسيون، فدائيون، تحريّون) فيضاف خطأ آخر؛ لان المصدر لا ينسب اليه ولا يجمع.

* معلومات

يقال (يبيع المكسّرات) (أسعار المحروقات) (طلب معلومات) (بإيراد أسماء على صيغة المفعول مفردا وجمعا، تشتق من أفعال مبنية للمجهول وتدل على المادة أو ما تؤول إليه).

لا عهد للغة العربية بهذه الصيغ. وإذا وردت في المؤلفات العربية فبصورة مختلفة. فمثلا (معلومات) تأتي صفة لأسماء كما في قوله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ) فمعلومات صفة لأشهر. وقال الشاعر:

وَمآثِرٍ كَانَت لَهُم مَعلُومَةٍ

فِى الصَّالِحِينَ وَسُؤدُدٍ لَم يُنحَلِ

فمعلومة صفة لمآثر. وهذا المعنى غير المعنى المستعمل في عبارة (طلب معلومات) فالمعلومات هنا تعني (شيئا معلوما بعينه) وليس صفة لاسم، ومخصوصا وليس (الشيء المعلوم عموما). ونمثل له بقول الشاعر المعاصر:

أعدادُ معلوماتِ رب العالمين

وضعفُ أضعافِ الذي أحصا

وقال لويس شيخو: (نجد في ما صنفه جرجي زيدان في كتابه تاريخ الآداب العربية معلوماتٍ لم نجدها في وصف آداب القرن التاسع عشر).

وهكذا نقول (ملبوسات) لأنها تُلبس، و(محروقات) لانها تُحرق، و(مأكولات) لأنها تُؤكل، و(مشروبات) لأنها تُشرب، و(مكسَّرات) لأنها تُكسَّر، و(معلومات) لأنها تُعلم و(مسموعات) لانها تسمع، و(مرئيات) لأنها ترى، و(مشتريات) لانها تشترى.

وهذه الصيغة منقولة من اللغة انگليزية، ومن ذلك:

(ملبوسات = Wearing)

(محروقات = Combustibles)

(مكسَّرات = Nuts)

(مأكولات = Edibles)

(مشروبات = Drinks)

(معلومات = Information)

(مشتريات= Purchases)

(مفاهيم= Concepts)

(مساحيق= Powders)

* واع

يقال (منظمة فتح) (حركة حماس) (وكالة واع) اختصارا لمنظمة (حركة تحرير فلسطين = ح ت ف وقد قلبت لان حتف تعني الموت)، و(حركة المقاومة الإسلامية= ح م ا س) و(وكالة الأنباء العراقية = و ا ع ) و(ص = صلى الله عليه وسلم) و(ش.ذ.م.م = شركة ذات مسؤولية محدودة).

لم تعرف العربية المختصرات في عصر الفصاحة حين نقاء اللغة أي العصر الجاهلي والاسلامي والاموي، وعرفوها باقتصار في العصر العباسي بتأثير المزاج اللغوي الأعجمي، مثل:

(بسمل) قال: بسم الله الرحمن الرحيم.

(سبحل) قال: سبحان الله.

(هلل) قال: لا إله إلا الله.

(حمدل) قال: (الحمد لله).

(حوقل) قال: (لا حول ولا قوة إلا بالله)

(الخ) اختصارًلـ(الى آخره)

(ج) اختصار لـ(الجمع)

(جج) اختصارا لـ(جمع الجمع). وغير ذلك، الا انه قليل ومعقول.

غير ان التوسع فيه كان بتأثير الانگليزية. فالانگليزية تختصر ألفاظا بحروف قليلة، وجملا بأوائل حروف الكلمات. والانگليزية مطواعة في الاختصار بعكس اللغة العربية. وقد روّج المستشرقون اختصارات مثل:

(ص) أي (صلى الله عليه وسلم)

(ع) أي (عليه السلام)

(رض) أي (رضي الله عنه)

ودفعوا الى تقليدهم فاشتهرت مختصرات كثيرة كمنظمة فتح ووكالة الأنباء العراقية. كما قلدوهم في اختصارات (التحادث = Chatt) مثل (س.ع = السلام عليكم).

ومن الاختصارات الانگليزية:

(أكاديمية = academe)(ACAD)

(أنا = I am)(I'M)

(الولايات المتحدة الأمريكية = USA = United state of America)

(العاصمة واشنطنDC = )

(مختصر وزارة الاتصالات = MoC)

(دكتور = DR = Doctor))

(سيد = MR = Mister)

(أخي Bro = Brother = )

(الثاني 2nd = Second = )

(الثالث 3rd = Third = )

(شخصيات مهمة جدا VIP = very important person = )

(شركة تتألف من شخصين أو أكثر W.L.L = With Limited liability =)

قياس ملابس يعني فوق الكبيرXL = extra large =)

(ساعات(Hrs = Hours

(سنوات(Yrs = years

ويختصرون الجملة مثل:

(أنقذوا حياتنا = S.O.S = Save our selves)

(يا إلهي = O.M.G Oh my cod)

(أحدثك لاحقا = T.T.U.L = Talk to you later)

(أنا آسف = IMS = Aim sorry)

(يضحك بصوت عال = LoL = laughing out loud)

(أراك لاحقا = CUL = See you later)

(U = you)

(R = are)

أمثلة:

س. ع  Hi

أنا أعمل 8 س          I work 8 hrs

* نجاح استثنائي

يقال (مدرسة نوعية أو نموذجية) و(نجاح استثنائي) و(اختيار كيفي) و(تخريج كمي) و(ميزانية انفجارية) بمعنى: (مدرسة فضلى والمثال المحتذى) و(نجاح فائق) و(اختيار كيفما اتفق) و(تخريج يهتم بالعدد وليس الجودة) و(موازنة ضخمة جدا).

في اللغة العربية لا تؤدي ألفاظ (نوعي، نموذجي) (استثنائي) (كيفي) (كمي) (انفجاري) المعاني المذكورة؛ بسبب أن الألفاظ العربية أثبت على معانيها الأصلية. فان لكل لفظة معناها المحدد. وهنا يظهر الفرق الأهم بين العربية وبين الانگليزية التي تكون الألفاظ فيها متحركة غير ثابتة في تزايد المعاني، لان اللغة العربية لغة لفظ واللغة الانگليزية لغة معنى. وفي الجمل السابقة تكليف الألفاظ العربية طبيعة الالفاظ الانگليزية في التوسع بالمعنى.

والألفاظ حسب معانيها العربية:

(مدرسة نوعية = مدرسة متخصصة بنوع واحد)

(مدرسة نموذجية = مدرسة للتجريب) لان النموذج هو العيّنة،

(نجاح استثنائي = نجاح بلا شروط)؛ لان النطق العربي الصحيح كما اسلفنا يقتضي (نجاح مستثنى) من الشروط.

و(اختيار كيفي = اختيار مبهم لانه يستفهم عنه بالكيف والكيفية)

و(تخريج كمي = تخريج مخصوص بعلوم الكم) قال الشاعر:

يا فائقاً في عُلومِ الكَمِّ أجْمَعِها

مِنْ مُوسِقَى وارْتَماطيقيٍّ وأشكالِ

و(ميزانية انفجارية) لا توجد في العربية لفظة ميزانية ولا معناها الاقتصادي، وقد اقرها مجمع اللغة في القاهرة والصحيح موازنة. وانفجارية، القياس العربي (منفجرة). والانفجار استعمل للماء كقوله تعالى: (وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا) (وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا) فتكون بمعنى(موازنة مباركة ذات نمو).

والجمل السابقة ترجمات من الانگليزية:

(مدرسة نموذجية = typical school)

(نجاح استثنائي = Exceptional success)

(تخريج كمي = Quantitative graduation)

(اختيار كيفي = Qualitative selection)

(ميزانية انفجارية = explosive budget).

وتظهر ركة مجاراة العبارات العربية المترجمة أمام قوة تعبير العبارات الانگليزية. والسبب ان اللغة الانكليزية تمتلك طاقة مميزة في (التعبير بالمعنى) لا تمتلكها او تدانيها اللغة العربية التي تتميز طاقتها في (التعبير باللفظ). ولذا يجب إعادة تلك الترجمات بما يناسب دلالات ألفاظ اللغة العربية.

* ما يلي

يقال (جاءنا ما يلي) (اكتب كما يلي) (كالآتي) أي (بداية تمهيدية لكلام يتبعه).

في اللغة العربية لم ترد هذه الصيغة ممهدة ومتعلقة بكلام يليها، وجاءت في كلام مسترسل مثل (الشِّعار ما يلي الجسد).

وهي من اللغة الانگليزية التي من سماتها تنظيم الكلام وتجزئته، والصيغة ترجمة لـ:

كما يلي = (As follows / As following)

ما يلي = (The follows/ The following)

وقد وهم أصحاب كتب التصحيح حين صححوا (ما يلي، كما يلي) إلى (ما يأتي، كما يأتي، الآتي)، فكلاهما بمعنى واحد وترجمة للصيغة الانگليزية نفسها.

* إجراءات

يقال (قدم انجازات كبيرة) (هذه هي الإجراءات) (عمل فحوصاً) (لهم إملاءاتهم) (قدم إصلاحات كثيرة) (توجد تفصيلات) (قمتُ بالتدريسات) (عندنا تطلعات) ... بـ(جعل المصدر مفرداً ومن ثمَّ استخراج جمع منه).

في اللغة العربية لا توجد صيغة هذه الجموع وما على قياسها. فكل جمع في اللغة العربية يجب أن يكون له مفرد. فـ(دُفعات) مقبولة لوجود مفرد لها هو (دُفعة)، و(ثورات) يوجد مفردها (ثورة) و(ضوابط) لها مفرد (ضابطة). ولا نجد الجموع السابقة في المعجمات وكتب اللغة. و(إصلاحات) وردت بمعنى تصحيحات لغوية وليس بمعنى ما يصلح به الحال. جاء في الأغاني (قال أبو الفرج: ونسخت من كتاب لإسحاق بن إبراهيم الموصلي فيه إصلاحات بخطه). و(فحوص) وردت جمعا لفحص وهو (المستوي من الارض). أما الفحص بمعنى (البحث) فلا جمع له لعدم استعمالهم مفردا له. وقد مر ان (انجازات) خطأ اصلا لان الانجاز للوعد والحاجة فقط، ولم يستعمل له مفرد.

وهذا النوع من الجمع انتقل إلينا من اللغة الانگليزية؛ لأنها تتقبل بسهولة وجمالية هذه الجموع. والعبارات السابقة ترجمات هي:

(انجازات =  Achievement /Achievements)

(فحوصات = Test / Tests)

(إجراءات = Procedure /Procedures)

(املاءات = Dictation / Dictations)

(إصلاحات = Reform / Reforms)

(تدريسات = Teaching / Teachings)

* المديرية

يقال (مديرية التربية) (رئاسة الجامعة) (قيادة الشرطة) بـ(اشتقاق اسم يطلقونه على البناية التي يمارس فيها صاحب اللقب الإداري عمله).

هذا النوع من الاشتقاق لا عهد للعربية به. واذا وجدنا في كتب العربية (رئاسة) و(وزارة) فليس من هذا الاشتقاق، وانما تأتي اسما للمنصب او زمنه مثل (هو من بيت رئاسة) (كانت وزارة ابن مقلة سنتين وأربعة أشهر وثلاثة أيام) و(هو عظيم القيادة).

وهذا الاشتقاق نقل من اللغة الانگليزية ودخل مفاصل حياتنا الإدارية والاجتماعية فبدا كأنه عربي محض. وهو في حقيقته ترجمة لمصلحاتهم وحسب قياسات لغتهم، مثل:

(مديرية التربيةDirectorate of Education = )

(رئاسة الجامعة = University headship )

(مفوضية الانتخابات = Electoral Commission)

(المفتشية العامة General Inspectorate =)

(قيادة الشرطة = Police Leadership)

(وزارة التجارة = Ministry of trade)

* أعمل عليه

يقال (أعمل على الموضوع) و(عملوا على بناء جسر)، باضافة الفعل إلى الحرف (على).

في العربية نجد الصيغتين: (عمل في) و(عمل على). ولكن يستعمل (عمل على) للتقدير والحكم كقولهم: (عمل على رأي الأوسط) ويستعمل (عمل في) لبذل الجهد كقول الطوسي (عمل في الجزء الثالث). وقال السمعاني: (إن هامان عمل في بناء الصرح سبع سنين).

ولكن في العصر الحديث استعملت صيغة (عمل على) لبذل الجهد. كما استعملها الشعراء والكتاب. قال حافظ إبراهيم:

عَمِلتَ عَلى نَيلِ الخُلودِ فَنِلتَهُ   فَقُل في مَقامِ الشُكرِ يا رَبِّ أَوزِعِ

وقول أحمد بن مصطفى المستغانمي (1934) في شعر عامي:

عمِلنا على كتم الحقيقه وصونها    ومن صانَ سر اللَهِ أخذ بالشكر

وهذا بتأثير اللغة  الانگليزية ففيها (Work on).

* نفس الشيء

يقولون (نفس الشيء) و(نفس المادة) و(نفس العينين والوجه). وفي العامية (نفس الشي)، بـ(تقديم نفس على الشيء).

في العربية يجب تقديم الشيء على نفس، فيقال (الشيء نفسه). قال محمد العدناني (يقولون جاء نفس الرجل. والصواب جاء الرجل نفسه؛ لان كلمتي (نفس وعين) إذا كانتا للتوكيد وجب أن يسبقهما المؤكَّد). ويجوز تقديم نفس لغير التوكيد مثل (قرأت نفس الكتاب) أي جوهره. أما (قلت الشيء نفسه) فلا يجوز عكسه (قلت نفس الشيء) لان الشيء ليس له نفس.

وقد راج هذا الأسلوب الخاطئ بفعل اللغة الانگليزية فهي تستعمل  (Same thing).

* أنا كشاعر

يقال (هو كرئيس يحب شعبه، ولكنه كإنسان قاسي القلب) (أنت كناقد رائع) (أنا كشاعر أحب الجمال). بـ(استعمال الكاف لغير التشبيه).

وهذا التعبير مؤشر ضمن الأخطاء الشائعة السليقية، التي يجد الكثير من الصعب التخلص منها، فهو غير عربي، بل جاء من اللغة الانگليزية، ويقابل هذه الكاف (As) مثل: (You are as  a critic = أنت كناقد). وقد اقترح اللغويون الاستعاضة عنها بـ(بوصفه) أو (بصفته). فنقول في الجملتين السابقين:

(هو بوصفه/ بصفته رئيساً يحب شعبه، ولكنه بصفته/ بوصفه إنسانا قاسي القلب)

(أنت بوصفك/ بصفتك ناقدا رائع، ولكنك بوصفك/ بصفتك شاعراً غير موهوب)

ولكن المشكلة إن هذا التعبير غير عربي أيضاً وان كان مقبولا في منطق اللغة العربية. وليس له قوة التعبير المتأجنب لذا استمر الخطأ ومارسه حتى المثقفون وأهل الاختصاص. والأصح عندي أن يقال:

(هو رئيساً يحب شعبه، ولكنه إنسانا قاسي القلب)

(أنت ناقدا رائع، ولكنك شاعراً غير موهوب)

ونظيره تقريباً قول أبي العتاهية: (وَأَنتَ اليَومَ أَوعَظُ مِنكَ حَيّا) = (وأنت ميتاً أوعظ منك حياً) وممكن كتابة الجملة بطريق أخرى دون التقيد بوضع بديل لـ(As).

* سينما النصر

يكتب على قطع تعريف (وزارة الزراعة) (جامعة بغداد) (مصنع العفة) (فندق النصر)، (بدون اسم الإشارة (هذا) أو (هذه)).

وهذا ليس من قواعد الكلام العربي؛ لانَّ الكلام العربي يقتضي أن يكون مفيداً، قال ابن مالك (كلامنا لفظ مفيدٌ) وشرحه ابن عقيل بقوله (الكلام هو اللفظ المفيد). فـ(جامعة بغداد) مثلا ليس لها معنى مفيد بدون (هذه) = (هذه جامعة بغداد).

وكانوا في القديم حين يكتبون شواهد القبور يعرِّفون بالميت بجمل تامة المعنى، فيقولون (هذا قبر...) وأقدم نص على شاهدة يعود إلى عام (328م) المعروف بـ(نقش النمارة) اذ كتب على قبر امرئ القيس اللخمي (تي نفس مر القيس = هذا قبر امرئ القيس). وكتب على قبر ابي محجن (هذا قبر أبي محجن الثقفي) وكتب على قبر أم كلثوم بنت الإمام علي (هذا قبر السيدة زينب المكناة بأم كلثوم بنت علي بن أبي طالب). وحين نقل جثمان المفكر عبد الرحمن الكواكبي إلى مصر كتب الشاعر حافظ إبراهيم على شاهدة قبره معرَّفا به:

هُنا رَجُلُ الدُنيا هنا مَهبِطُ التُقى   هُنا خَيرُ مَظلومٍ هُنا خَيرُ كاتِبِ

قِفوا وَاِقرَؤوا أُمَّ الكِتابِ وَسَلِّموا    عَلَيهِ فَهَذا القَبرُ قَبرُ الكَواكِبــي

ولا تدخل عناوين الكتب في هذا الأمر؛ لأنها إجابة على سؤال مستفهم، مثلا: (البيان والتبيين) إجابة على سؤال توهمه المؤلف هو (ما البيان والتبيين؟)، و(أسرار البلاغة) إجابة على سؤال (ما أسرار البلاغة؟).

ولو قدرنا ان الجمل السابقة لم توضع على بناياتها وقرئت في قطعها فقط فما ستعني (وزارة الزراعة) (جامعة بغداد) (مصنع العفة) (فندق النصر)؟ وهذا هو الفرق الجوهري بين اللغة العربية واللغة الانگليزية. اللغة العربية تقتضي جملها الفائدة.

والانگليزية لا تقتضي ذلك شرطا، فقد تعوض السيميائية وغيرها عن الفائدة. وقد يعبّر بالسيميائية فقط دون الكلام كما في (اللافتات المرورية = The traffic Sign)، أو بالكلام والسيميائية في  (اللافتات التحذيرية = The warning Sign) أو (القطع التعريفية = Induction Parts). والتعبير السيميائي يشرك الشخوص والأشياء مع الكلمات في التعبير. مثلا (glory school = مدرسة المجد)، تكمل البناية مع اللوحة الفكرة فتصبح في ذهن الناظر (This is glory school)

والقطع التعريفية واللافتات عرفناها من خلال الاحتلال الانگليزي. وان لغتها الخالية من اسم الإشارة تجعلنا نقطع بأن هذا الأسلوب غير عربي. ولو قرأها عربي من غير جيلنا المتأجنب لما فهمها البتة. ومن ذلك:

(وزارة الزراعة= Ministry of Agriculture)

(جامعة بغداد = Baghdad University)

(مصنع العفة = Chastity factory)

(سينما النصر = Victory hotel)

* ممنوع التدخين

يصاح على طفل وصل الشارع (السيارة)، وإذا أردتَ تشغيل شيء ويدك مبتلة (الكهرباءَ). ونقرأ على محل لوحة مكتوب عليها (مفتوح) أو (مغلق). وعلى ماكنة (معطلة). اختصارا لـ(انتبه من السيارة) (احذر الكهرباء)، (المحل مفتوح أو مغلق)، (الماكنة معطلة). وتكون كلاما او لوحات تحذيرية.

هذا المستوى من الحذف والاختصار لم تعرفه العربية قبل العصر الحديث. وليس من سمات العربية الحذف والاختصار المخل؛ فهم يقولون من باب المجاز مع وجود القرينة (رأسكَ والجدارَ) أي (احفظ رأسك، واحذر الجدار) إذا كنت تحذّره، فإن كنت تأمره فمعناه: (انطح رأسك بالجدار) و(اهلك والليل) أي (بادر أهلك قبل الليل). ولم يستعمل العرب قبل العصر الحديث لوحات تحذيرية.

وهذه كسابقتها لوحات تعريفية وتحذيرية مختلفة. وهي مثل سابقتها جاءت من اللغة الانگليزية:

(قطع تعريفية = Induction Parts)

(لافتات = Signboards)

(لافتات تحذيرية = Warning Sign)

(لافتات مرورية = Traffic Sign)

ومن ذلك:

(ممنوع الدخول = No enter)

(مخرج = Exit)

(ممنوع التدخين = No smoking)

(خطر = Danger)

(مركبة طويلة = long vehicle)

(انتباه = Attention)

(تحويلة = Diversion)

(احذر الدهان = Wet paint)

(الزم الهدوء = Quit)

(ادفع/ اسحب = Pull/Push)

(انتبه فولتية عالية = High voltage)

* عشرينات

يقال (خمس خمسات، وست ستات) و(في عشرينات القرن العشرين). بـ(جمع الأعداد المفردة (1- 9)). وقد جمعت العربية (عشرة = عشرات) و(مئة = مئات) و(ألف = ألوف وآلاف). إلا أنها لم تجمع الأعداد الأولية المفردة (1- 9). واستعملت صيغة ممنوعة من الصرف (آحاد، مثنى وثناء، وثلاث، ورباع) وهي ليست جمعاً؛ فـ(أحاد بمعنى واحد واحد) (جاؤوا أحادا أي واحداً واحداً) ومثله ثناء وثلاث ورباع. وهي لا تتجاوز ذلك في اللغة العربية الفصيحة كما ذكر ابن قتيبة في (أدب الكاتب) الا ان المولدين أكملوها إلى العشرة، قال المتنبي: (أُحادٌ أَم سُداسٌ) فذكر سُداس، وقال الكميت: (خِصَالاً عُشَارا) فذكر عُشارَا.

وفي كلامنا الفصيح والعامي المعاصر نجمع هذه الأعداد، مما يعني انه استعمال غير عربي. وهو بالفعل استعمال انكليزي:

(واحد - واحدات = One - Ones)

(إثنان- إثنانات  = Tow - Tows)

(ثلاث - ثلاثات = Three - Threes)

(أربعة - أربعات = Four - Fours)

(خمسة - خمسات = Five Fives)

(ستة - ستات = Sis - Sixes)

(سبعة - سبعات = Seven - Sevens)

(ثمانية - ثمانيات = Eight - Eights)

(تسعة - تسعات = Nine - Nines)

(عشرة - عشرات = Ten - Tens)

ومثله جمع العشرات (عشرين - عشرينات) (خمسين - خمسينات) وهناك من يُخطِّئ هذا الجمع ويقترح (عشرينيات، خمسينيات...الخ) وكلاهما ليس عربيا، والأصح ما طابق الأصل الانكليزي في الترجمة مثل:

(عشرين - عشرينات  = Twenty - Twenties)

(ثلاثين - ثلاثينات = Thirty - Thirties)

(أربعين - أربعينات = Forty - Forties)

(خمسين - خمسينات = Fifty - Fifties)

(سبعين - سبعيناتSeventy – Seventies = )

* اللاعودة

يقال (اللاعودة)، (اللامبالاة)، (اللاعنف)، (اللاإرادي)، (اللامنتمي) (لا سلكي) في (نفي العودة والمبالاة والعنف والارادة والانتماء وغيرها).

في اللغة العربية لا تدخل ألف التعريف على الحروف بل تختص بالأسماء، لذا قال ابن مالك:

بِالجَرِّ وَالتَّنوينِ وَالنِّدا وَألْمُسنَدٍ لِلإِسمِ تَمييزٌ حَصَلْ

وهذا يقطع بعدم عربية الجمل السابقة وعدم معقوليتها، فالصحيح عربياً إبدال (اللا) بـ(غير) أو (عدم)  فتكون: (غير المعقول) (غير المرئي) (عدم العنف). وهذا من أساليب تعبير اللغة الانگليزية، آثر المترجمون نقله أسلوباً ومعنى:

(اللاعودةNo return = )

(اللامبالاةindifference  )

(اللاعنف Nonviolence)

(اللاإرادي Autonomic)

(اللامنتميUnaffiliated  )

(اللاوعي Unconscious)

(اللامعقول Unreasonable, Absurd)

(اللاسلكي Wireless)

(اللاإنساني  Inhumane )

(اللامعنى  Nonsense)

* عباس!!

يقال (عباس تعال) (انهض أبي) (شكرا تلفون) بإسقاط أداة النداء دائما.

في العربية القاعدة النداء بأدوات النداء، وجواز حذفها في حالات ولأسباب. وأصبحت القاعدة الثابتة الآن حذفها، وهذا يدل على استعمال غير عربي. في اللغة الانگليزية لا توجد أداة نداء، وهذه القاعدة انتقلت لنا فصرنا ننادي بلا أداة نداء. والجمل السابقة صدى لجمل انگليزية مماثلة:

عباس.. انهض = (Abbas come )

انهض أبي (Get up, my dad )

(شكراً تلفون عند الكلام مع تلفون عمومي كشركة = Thanks phone)

* تمَّ

يقال (تم عقد الاجتماع) (تمت المصادقة على القرار) (ستتم محاسبة المقصِّر) (لن يتم حفظ الصورة) بمعنى (عُقد الاجتماع، صُدِّق القرار، سيحاسب المقصِّر، لن تُحفظ الصورة). وانوه بأن الصواب (تصديق القرار وليس المصادقة عليه).

كلمة (تمَّ) عربية بذاتها، ولكنها هنا ليست عربية سياقاً؛ فالسياق العربي يقبل أن تعطي كلمة (تم) معنى أن يكون شيء ناقصا ثم أكمل عندها يقال: تم، كقوله تعالى (وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ) أي اكتملت بالإسلام. و(تمَّ تحميل البرنامج بنجاح) لان تحميله مرَّ بوقت حتى اكتمل. وكقول الشاعر:

تمَّ ذاك الجمالُ والحسنُ فيه   بخلالٍ لم تشكُ منها اختلالا

ي اكتمل حسنه بأخلاقه.

أما الجمل السابقة فلا تعطي معنى الاكتمال، فالاجتماع يعقد فور أن يقرر الرئيس، وتصديق القرار لا يمر بمراحل، بل يصدّقه شخص أو جهة عند تقديمه. وسبب استعمال (تم) و(يتم) هو التهرب من الفعل المبني للمجهول لصعوبته على المتكلم العربي المعاصر (المتراجع لغويا)، فيعوض بعبارة (تم) و(يتم) الأسهل عليه.

(تم عقد الاجتماع = عُقِد الاجتماع)

(تمَّ تصديق القرار = صُدّق القرار)

(ستتمّ محاسبة المقصّر = سيُحاسبُ المقصّر)

كما ان هذا الأسلوب روجته الترجمة. ومفردة (تم) ترجمة للمفردة الانگليزية (Done). والجمل السابقة ترجمة دقيقة لجمل انگليزية:

* بصراحة

يقال (تكلم بصراحة) (قبَّلها بشغف) (جلس بتواضع) (تحدث بهمس)، بـ(إضافة الباء لاسم الحال).

هذا النوع من تركيب الجمل تستعيض عنه العربية بالاسم المنصوب حالاً. فيقال: (تكلم مصارحاً) و(قبَّلها مشغوفاً) و(جلس متواضعاً) (حدَّثهم هامساً)، وأنوه بأنَّ (صراحة) بمعنى المصارحة خطأ (صرُحَ – صَراحة = خلص نسبه) والصحيح (صارحه – مصارحة – تصريحا = أظهر له ما في نفسه)، فيصحح إلى (تكلم بمصارحة، بمصارحة). والجمل الأولى في موضع الحال مجرورة بالباء والحال عربياً لا يجرّ بل هو (اسم منصوب دائماً).

وهذا التركيب انگليزي. ومن الأمثلة عندهم:

تكلم بمصارحة = (Said frankly)

قبَّلها بحب = (Kissed her lovely )

جلس بتواضع = (Sat humbly )

يتحادث بوديةCommune =  )

يحكي بعطف = (Narrate sympathy)

فاذا قلت: (تكلم بمصارحة) (قبلها بحب) (جلس بتواضع) (تحادث بودية) (حكى بعطف) فأنت لا تتكلم العربية، وتتكلم العربية اذا قلت (تكلم مصارحة) (قبلها حبا) (جلس متواضعاً) (تحادث ودياً) (حكى متعاطفاً). واذا قلت (في صراحة أو صراحةً أنا فعلتٌ ذلك) فهو كلام عربي بتقدير (أقول في صراحة)، أما إذا قلت (بصراحة أنا فعلت ذلك) فهو غير عربي كما قلنا.

وقد اشتهر أسلوب التعبير الغربي هذا في الحديث والكتابات. قال الزهاوي:

كم من حكيم يبتغي إنكاره       بصراحة لكنه لا يجسر

بينما في الكتابات والأدبيات العربية القديمة عبروا في مثل هذه الحالة بـ(مصرحا). أورد المقّري التلمساني:

أذلك أم هلّا منعت مُصرِّحاً       فأيأستني لكن خلقت من الصخر

* يا للجمال

يقال (يا لجمالها!!) و(ما هذا الجمال!!). (أسلوباً في التعجب).

اللغة العربية لها صيغتان للتعجب – كما يذكر ابن عقيل – هما (ما أفعله) و(أفعلْ به). وبهذا فالتعجب من الجمال سيكون عربياً اذا قلنا (ما أجملها!!) (أجملْ بها).

اذن الصيغتان في الجمل المتقدمة غير عربيتين، وقد جاءتا ترجمة لصيغتين انگليزيتين هما:

(يا للجمال = How beauty)

(ما هذا الجمال = What a beauty )

وقد استحوذت الصيغتان غير العربيتين على الاستعمال المعاصر وقل أو ندر استعمال الصيغتين العربيتين. واستعملت من الشعراء والأدباء والكتاب. ومن شواهد الشعر، قول صالح الشرنوبي في الصيغة الأولى:

تنامين يا للجمال الكسول!!       ويا لمفاتنه الآسره

وقول زكي مبارك في الصيغة الثانية:

يا أمير الحسن ما هذا الجمالْ!!   يا لطيف الروح ما هذا الدلالْ!!

* بالكاد

يقال (بالكاد عرفته) (بالكاد دخلتِ البيت) بمعنى (بشق النفس، بجهد جهيد، بصعوبة). والتركيب (بالكاد = ب + ال + كاد) غير مستعمل في اللغة العربية، فهو غير عربي.

وقد وضعه المترجمون إزاء اللفظة الإنگليزية (Barely) و(Hardly) = (بالكاد ). ولا علاقة بين (الكاد) و(الكأد = المشقة) كما يذهب البعض، فلم يتناول أحد المعجميين الجذر (كأد)، ولا سبيل لرده إلى (كؤود) فان (بالكاد) مركب من ( ب + ال + كاد).

وقد ذكر احمد مختار عمر في كتابه (معجم الصواب اللغوي) أن مجمع اللغة المصري أقره. وللأسف هذا الجانب المؤسس للخطأ في اللغة العربية الذي جاء من الترجمات والتصرف العابث باللغة قد تبنته كتب التصحيح اللغوي والمجامع اللغوية، وانشغلت عنه - وهو من كبائر الأخطاء – بصغائر الأخطاء. وكان مجمع اللغة في القاهرة وغيره من المجامع عاجزا عن إيقاف هذه الأخطاء التي قلبت اللغة العربية قلباً، بل صار متبنيا لها ليسهم في خلق هذه اللغة (الوريث المسخ) للغة الفصاحة والبلاغة.

* صباح الخير

يقال (صباح الخير) (أنا آسف) (عفواً) (وجهاً لوجه) وهي (التعبير بعبارات مختصرة).

في اللغة العربية لا نجد هذه العبارات. ففي الترحيب نقرأ (كيف أصبحت) (كيف أمسيت) (تصبح في سرور) و(تمسي في سرور). (قال رجل لآخر: كيف أصبحت؟ فقال: بخير. فقال: هلا قلت أحمد الله وأستغفره، فكان أوله  شكراً وآخره عبادة). ولم ترد عبارة (أنا آسف) لان (آسف) بمعنى (متأسف: متلهف، غضبان). ولم ترد (آية في الجمال) بل قالت العرب (وكانت من الجمال في نهايةٍ). و(الوداع) هو (المفارقة) ولكن لم يقل أحدهم للآخر (الوداع)، بل (استودعك الله) لان (الوداع من الوديعة وهي الأمانة). وعبارات (اسمح لي، من فضلك) لا تقال وحدها بل في جمل مفيدة (اسمح لي أن أدخل) (أسألك من فضلك هذا الامر) ولا يقولون (عيد سعيد) فالسعادة لا تكون للعيد قال صفي الدين الحلي:

لا زلت في كل عيدْ     تحظى بجَدٍّ سعيدْ

فالجد (الحظ) هو السعيد. بل يقولون (هنّيت بالعيد، أهنيك بالعيد). ولا يقولون (العفو) بل (أطلب منك العفو، أسألك العفو) ويكون على ذنب يستحق طلب العفو، وليس على غير ذنب بل على تأخير او انشغال عن شخص تكلمه فهذه المبالغة لم يعرفها العرب. ولم ترد (مع أطيب الأمنيات) فالأمنيات يبلغها الله سبحانه فقط لذا جاء (والله يبلغنا في الدارين غاية الأمنيات) (والله سبحانه كفيل بفضله وكرمه ببلوغ الأمنيات). والعرب تقول (حصلوا من القبضة، وفي قبضتنا) ولا تقول (تحت السيطرة). ولم ترد عن العرب (افتقدتك) بل (اشتقت اليك) وغيرها. واذا قلنا (اذهب اولا الى المتجر وثانيا الى السوق) فهذه ترجمة للعبارة الانگليزية:

(First go to the store, second to the market)

أما العرب بقولون (اذهبت المتجر ثم اذهب الى السوق). اورد ابن السكيت (يقال ذهبت في حاجة ثم أتيت فلاناً من فوري).

وواضح ان هذه العبارات المختصرة نقلت من الانگليزية:

(صباح الخير = Good morning)

(مساء الخير = Good evening)

(تصبح على خير = Good night)

(إلى اللقاء، مع السلامة = Goodbye)

(أراك لاحقا= See you later)

(أنا آسف= I am sorry)

(اسمح لي = Excuse me)

(من فضلك = Please)

(عفوا= Your pardon)

(عيد سعيد= Happy Eid)

(عيد ميلاد سعيد = Happy birthday)

(عيد ميلاد مجيد [رأس السنة] = Merry Christmas)

(في الأقل = At least)

(مع أجمل التمنيات = With best wishes)

(آية من الجمال = Real beauty)

(اغرب عن وجهي = Get out of my face)

(وجبة دسمة = Heavy meal)

(لماذا حظرتني = Why did you block me)

(هذه شخصيتك الحقيقية =This is your real personality)

(كلنا في الهوا سوا = We are in the same boat)

(سأجبره على التراجع عن رأيه =I will make him eat his words)

(هل عندك فكرة عن الموضوع = Do you have an idea about the topic)

(مسألة وقت = it's just a matter of time )

(أنت متسرع جداً = You're so impulsive)

(خطوة بخطوة = Step by step)

(يفقد أعصابه = To lose his cool)

(لا تغير الموضوع = Don't change the subject)

(كن ايجابياً = Be positive)

(افتقدتك أمس = I missed you  yesterday)

(تحت السيطرة = under control)

(عيد ميلاد سعيد = I don’t have time to waste)

(لا تكن انطوائياً = Don't be introverted)

(منتجات نباتية = Plant products)

(حان دورك = It is your turn)

(ما المشكلة= ًWhat is the problem)

(في خدمتك = At your service)

(من هنا = From here)

(أراك قريبا = See you soon)

(هل من جديد = What is new)

(مزاجي جيد اليوم= I am in good mood today)

(رائع = Awesome)

* أحبك أكثر

يقال (أحبك أكثر) (استفاد الطالب أكثر)، بـ(جعل لفظة (أكثر) نهاية الجملة وغير مضافة لاسم).

العبارة غير عربية من ناحيتين: الأولى إنَّ العرب تستعمل للتفضيل صيغة (أفعل من) وليس (أفعل) وحدها مثل: (أفضل من) و(أجمل من) فتوجب (من) بعد (أفعل) فلا يقال (هند أجمل) بل (هند أجمل من شيماء). والثانية لا يجعل العرب كلمة (أكثر) في نهاية الجملة، لان التفضيل لا يقع في هذه الحالة.

والثانية لا يستعملون مع الحب لفظ الكثرة فلا يقولون (أحبك أكثر) بل يستعملون الشدة مثل (أحبك أشد من أبي). قال تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ). ومن التعبير عن الحب أقوالهم: (أحبك حبا خالصا) (أحبك حبا شديدا) (أحبك حب النفس) (أحبك في الله).

وهذا الأسلوب في التعبير جاءنا من اللغة الإنگليزية:

(Very much )

( More )

(Too much)

(So much)

وقد ازدهرت هذه العبارة في الحديث اليومي والكتابة. قال نزار قباني من قصيدة:

(فحين أنا لا أقول أحبُّ …

فمعناه أني (أحبك أكثر))

أمثلة:

أحبك أكثر      I love you more

اعلمي أني أحبك أكثر          Know that I love you so much

في هذه الحالة ستستفيد أكثر   In this case, you will benefit more

الأمثلة صحيحة:

أحبك أشد مما تعرفين          I love you more

اعلمي أني أحبك حبا شديدا   Know that I love you so much

في هذه الحالة ستستفيد أكثر من قبل  In this case, you will benefit more

* هو أكثر من

يقال (هو أكثر مما يدعي) و(هي أكثر من مجرد شاعرة) بـ(جعل الكثرة في الشخص الواحد، وليس خارجه).

هذا الاسلوب تفتقده العربية؛ فقولنا اليوم (أبو تمام أكثر من شاعر) عبر عنه جيل العربية الفصيحة بـ(علمه بالشعر أكثر من شعره). فهذا الأسلوب التعبيري غير عربي. وهو منقول من اللغة الإنگليزية.

أمثلة صحيحة:

في الواقع، انه أكثر من مجرد مقهى. انه أيضاً مكتبة لبيع الكتب، ومطعم، ومسرح         Actually, it's more than coffee shop.  it's also bookstore a restaurant, and a theater

في الحقيقة، هو أكثر من صديق       Actually,  he is more than friend

أنت أكثر مما تدعيه   You more than you claim

في الواقع، زيادة عن كونه مقهى. هو مكتبة لبيع الكتب، ومطعم، ومسرح Actually, it's more than coffee shop.  it's also bookstore a restaurant, and a theater

في الحقيقة، هو صديق وأخ   Actually,  he is more than friend

ما تدعيه أقل مما يبدو عليك   You more than you claim

* على لا شيء

يقال: (تخاصم على لا شيء) و(يسعى من أجل لا شيء) بـ(جعل لا النافية للجنس في نهاية الجملة فقط ومع اسمها فقط).

هذه الصيغة غير موجود في العربية، لأنَّ (لا) النافية للجنس لا تأتي في نهاية الجملة بل في بدايتها مثل: (لا إله الا الله) (لاَ عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللّهِ). واذا جاءت في حالات في نهاية الجملة فلا تأتي (مع اسمها فقط) مثل (نقاتل على لا اله الا الله).

فهذا الأسلوب غير عربي، جاءنا عن طريق الترجمة من اللغة الانگليزية لعبارة (Nothing) مثل:

(Elisa's visit give me nothing)

فالترجمة انگليزيا (زيارة أليسا تعطيني لا شيء) وعربياً (زيارة أليسا لا تعطيني شيئا). والعبارات على هذه الشاكلة خاطئة ويجب تصحيحها إلى ما يناسب قواعد العربية.

أمثلة:

هم لا يسمونني البطل على لا شيء   They don’t call me a hero for nothing

مات على لا شيء      Dead for nothing

لغط كثير مقابل لا شيء        Much ado for nothing

الأمثلة صحيحة:

هم لا يسمونني البطل بلا استحقاق    They don’t call me a hero for nothing

لم يمت من اجل شيء مهم     Dead for nothing

لغط كثير بلا طائل تحته       Much ado for nothing

* سوف لن

يقال (سوف لن أذهب) (سوف لن تقام البطولة)، بـ(جعل لن بعد سوف).

هذه العبارة من الأخطاء الشائعة المؤشرة؛ لان اللغة العربية تقتضي أن يأتي بعد (سوف) جملة مثبتة وليس منفية، فيقال (سوف أذهب) (سوف تقام البطولة). أما إذا أردنا النفي فنقول (لن أذهب) (لن تقام البطولة).

وسبب شيوع (سوف لن) يعود إلى ترجمة العبارة الانگليزي:

(Will not)

(Won't)

أمثلة:

سوف لن تحتاجوا هذا الكتاب You won't be needing this book

سوف لن أسمح بحصول هذا الامر ثانية      I will not allow to happen again

قوارب مارة.. سوف لن يهتموا بنا    Passing boats will not care about us

سوف لن يعود الاحتلال إلى بلدي     The occupation will not return to my country

الأمثلة صحيحة:

لن تحتاجوا هذا الكتاب         You won't be needing this book

لن أسمح بحصول هذا الامر ثانية     I will not allow to happen again

قوارب مارة.. لن يهتموا بنا   Passing boats will not care about us

لن يعود الاحتلال إلى بلدي    The occupation will not return to my country

* ككل

يقال (لخدمة البشرية ككل) (أقصد المجتمع ككل) (الناس ككل) بمعنى (أجمع).

في اللغة العربية  لا يوجد هذا التركيب بهذا المعنى وهو معنى (بصفة الكل)، ويوجد بمعنى (مثل كل) أي تكون الكاف بمعنى مثل كقولهم (أنت ككل الناس لا تختلف عنهم) = (أنت مثل كل الناس). قال ابن الوردي (ت 749هـ):

بعضُكَ في الجودِ ككل الورى

فاعجبْ لبعضٍ يعدلُ الكلا

وهذا يقتضي التصحيح بوضع مكان (ككل) لفظة (أجمع) او كلمة مناسبة.

أما معنى الجمل السابقة فهي ترجمة للعبارات الانگليزية:

(As a whole)

(At large)

(Overall)

(Broader)

(Wider)

* ثاني أكبر

يقال (العراق ثالث أكبر مصدّر للنفط) (السياب ثاني أعظم شعراء العراق) (أنتِ خامسة أجمل نساء العالم) بـ(جعل عدد قبل اسم التفضيل لجعله متسلسلا).

في اللغة العربية لا يوجد مثل هذا التعبير. ولكن يوجد فيها تعبير لا يراعي التسلسل مثل (هو ثاني اثنين، أي أحد اثنين، وهو ثالث ثلاثة، إلى العشرة) ومنه قوله تعالى (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ) فلو راعى التسلسل لجعل الله الأول. والتفضيل في العربية صيغته مختلفة. كقول ناصح الدين الارّجاني:

أنا أشعَرُ الفُقهاء غيرَ مُدافَـعٍ       في العَصْرِ أو أنا أَفقَهُ الشعراء

ومثله:

إِنّ المَكارِمَ أَخلاقٌ مُطَهَرةٌ     فَالدّينُ أَوَلُّها وَالعَقلُ ثانيها

وَالعِلمُ ثالِثُها وَالحِلمُ رابِعَها       وَالجودُ خامِسُها وَالفَصلُ ساديها

وَالبِرُّ سابِعُها وَالصَبرُ ثامِنُها    وَالشُكرُ تاسِعُـها وَاللَينُ باقيهـا

وقال المتنبي:

الرَأيُ قَبلَ شَجاعَةِ الشُجعانِ      هُوَ أَوَّلٌ وَهِيَ المَحَلُّ الثاني

وورد بصيغة أخرى ولكنها مختلفة أيضا، مثل: (يا ثاني الموت الزؤام) و( يا رابع الشعراء).

وصيغة (ثاني أعظم) و(ثالث أكبر) جاءت من اللغة الانگليزية.

* مركز صحي

يقال (مركز صحي) (تدريب صيفي) (مخيم كشفي) (كتاب رسمي) (مستوى إبداعي) (رسالة ديوانية) (صورة شعرية) (كلام بديهي) (جهاد كفائي) (رسالة غرامية) (شعر صوفي) (نزول اضطراري) (صرف قانوني) (أمر ديواني) (حرب عالمية) (الدار الوطنية) (رجل قيادي) (الجمهورية العراقية) (القضية الفلسطينية) (نتيجة كارثية) (ميزانية انفجارية) (التعليم الكتروني) (سلك كهربائي) (مجال مغناطيسي) (عالم تكنولوجي)، بـ(جعل الاسم وصفا منسوبا بالياء وليس بين الاسمين انسجام معنوي، أو نسبة حقيقية).

النسب في اللغة العربية يكون إلى (صفة، مهنة، وطن، نوع). وما نستعمله الان هو النسب إلى كل شيء. وهذا لا عهد للعرب به لانهم ينسبون إلى ما ذكرنا فقط|. وقد وسع المولدون في العصر العباسي ذلك فقالوا (جارية ليلية الشعر = بنسبة شعرها الاسود إلى الليل) الا ان ما توسعوا فيه أضيق مما نستعمله اليوم بكثير. وبعض النسب نستعمله غير الاستعمال العربي مثل (نجومية) قال ابن الرومي (حكمة نجومية) يقصد سامية كالنجم، بينما نحن نقصد بـ(النجومية) الشهرة مثل (نجم سينمائي). والنسب في الجمل السابقة يخالف القواعد العربية.

من جهة أخرى كانت توجد بين الاسم وصفته المنسوبة نسبة حقيقية مثل (رجل بغدادي) (الرسالة الحاتمية) لان كاتبها الحاتمي، ولكنهم لم يقولوا (رسالة ديوانية) لانها لم يكتبها الديوان بل كتبت فيه فالأصح (رسائل الديوان). أو يكون بينهما انسجام معنوي مثل (نفحة نجدية). ومنه قول جرير : يا تَيمُ إِنَّ بُيوتَكُم تَيمِيَّةٌ      قُفدُ العِمادِ قَصيرَةُ الأَطناب

فالبيوت التيمية مشهورة بالصفات التي ذكرها، وكل بيوت تشبهها ممكن أن توصف بأنها تيمية.

في العصر العباسي وبتأثير الفهلوية وهي من اللغات الهندوأوربية كثر هذا الاستعمال للميل إلى الاختصار وتقليل الألفاظ. جاء في الأغاني ( أمر المأمون يوماً بالفرش الصيفي أن يخرج فأخرج فيما أخرج منه بساط طبري). فذُكر (فرش صيفي) و(بساط طبري) الفرش يوجد منه الصيفي والشتائي، والبسط الطبرية تنسج في طبرية فتوجد علائق مبررة. وقال الحريري (ت 516هـ) وهو متأخر، وهذا الأسلوب صار مألوفا ويزداد استمرارا في الزمن (اعْلَموا يا ذَوي الشّمائِلِ الأدبِيّةِ، والشَّمولِ الذّهبيّةِ، أنّ وضْعَ الأُحجِيّةِ لامتِحانِ الألمَعيّةِ واستِخْراجِ الخَبيّةِ الخفيّةِ. وشرْطُها أنْ تكونَ ذاتَ مماثلَةٍ حَقيقيّةٍ وألْفاظٍ معْنَويّةٍ. ولَطيفَةٍ أدَبيّةٍ) فأورد (الشّمائِلِ الأدبِيّةِ، الشَّمولِ الذّهبيّةِ،  الخَبيّةِ الخفيّةِ، مماثلَةٍ حَقيقيّةٍ، ألْفاظٍ معْنَويّةٍ، لَطيفَةٍ أدَبيّةٍ) وكلها بينها علائق وروابط؛ فالشمائل من الآداب، والشمول الخمرة ومن أوصافها الذهبية، والخبية التي تخبأ تكون خفية حتماً، والمماثلة: المشاكلة فهي حقيقية، والألفاظ معنوية لارتباط اللفظ بالمعنى، ولطائف الأدب  معروفة. فالعلاقة بين اللفظين علاقة ثابتة وليس متغيرة.

أما (مركز صحي) فلا توجد علاقة ثابتة بين مركز وصحي، فالمركز قد يكون لعشرات المسميات، مركز شرطة، مركز الكون، مركز القرار. والمخيم يرتبط بعشرات المسميات، مخيم لاجئين، مخيم للجيش. والشعر قد يكون في الغزل او الهجاء او المدح وليس هو للتصوف فقط، فالعلاقة بينهما متغيرة. وهكذا بقية الأمثلة. أما عنونة (التصريف الملوكي) لابن جني، فأراد بالنسبة التصريف (جواز النسبة إلى الجمع) والا قال (تصريف الملوك).

وهذا الانفتاح الذي جعل النسب إلى كل شيء على الإطلاق ثقافة جاءتنا من اللغة الانگليزية، ثم استشرى استعمالها وصارت اسلوبا سليقيا وعصريا في التعبير. وتوضح الجمال الاتية ذلك (حققنا اجتماعاً ايجابيا على الصعيد الرسمي والشعبي، لحسم قضايا مصيرية كإنشاء مراكز صحية ودور سكنية وورش هندسية وأقسام علمية وشعب مهنية. وخرجنا بتوصيات وقرارات سترتيجية) فأغلب العبارات بهذا الأسلوب.

ومن العبارات الشهيرة التي نتداولها على سبيل المثال لا الحصر:

(نتيجة كارثية Disastrous result =)

(موازنة انفجارية Explosive balance =)

(حلول ترقيعية Prosthetic solutions =)

(شخصية اعتدائية Aggressive personality =)

(كلامه ايجابي His speech is positive =)

(مؤسسة نفعية Utilitarian institution =)

(أموال خيالية Fictional money =)

(ظرف استثنائي Exceptional circumstance =)

(سنة بحثيةResearch year = )

(زمالة دراسيةFellowship = )

(خطأ مطبعي Typing error =)

والأقرب لروح العربية أن يقولوا (مركز صحة) (مركز تجارة) وكذلك بقية الجمل، لان الإضافة معرّفة في العربية، وقولك (مركز صحة) التعريف أوكد فيه من (مركز صحي).   جاء في الأغاني (طلب منه إجازة شعر فأجازه على البديهة) ولم يقل (إجازة شعرية).

* الحقيقة والواقع

يقال (في الحقيقة) (في الحقيقة والواقع) (في الواقع) (الحقيقة.. ) (حقيقةً ..) في (أول الجملة عندما يريد المتحدث تأكيد ما سيقوله).

في اللغة العربية تستعمل (في الحقيقة، والحقيقة، وحقيقةً) ولكن تكون في طي الكلام وليس بداية للكلام وللتأكيد. مثل: (هو في الحقيقة للجزاء) (لا يكون له أصل في الحقيقة). كما تستعمل لفظة (الواقع) بمعنى (الحادث) كقول ابي الفرج (الاختلاف الواقع في كتب الأغاني) ومثله (الخلاف الواقع) ويأتي بمعنى الكائن مثل (الواقع في ناحية) (الواقع في تشرين الأول). ولم يأت بمفهوم الشمولية الذي نستعمله للواقع، فلم يقولوا (واقعنا) (واقعهم).

وهذا الأسلوب جاءنا من اللغة الانگليزية:

(في الحقيقة = In fact)

(الحقيقة، حقيقة = As a matter of fact)

(في الواقع، واقعا = Actually, Reality)

* واقعياً

يقال (واقعياً غير ممكن) (ممكن نظريا وليس عمليا) (كن إنسانياً) (صحيح لغوياً) (مريض نفسياً)، بـ(نصب الاسم المنسوب غير العلم).

في اللغة العربية لا يمكن أن تأتي المنصوبات كخبر كان والتمييز والحال منسوبة ملحقة بياء النسب. وهذا الأسلوب جاءنا من اللغة الانگليزية فمثلا:

Present الان  Presently حاليا  Theory  نظرية   Theoretically نظريا

والصحيح ان تكتب الجمل السابقة (واقعاً غير ممكن) (ممكن تحقيقه قولا وليس عملا) (كن رحوماً) (صحيح لغة) (مريض نفساً).

* حتى

يقال (أنا لا اعرفه حتى) (هي لم توافق حتى) بجعل (حتى في آخر الجملة وبمعنى غير الظرفية).

في اللغة العربية تكثر استعمالات حتى، لذا قال سيبويه (أموت وفي نفسي شيء من حتى). فتأتي ظرفية بمعنى (انتهاء الغاية) مثل (سلام هي حتى مطلع الفجر = إلى حين طلوع الشمس) وتأتي عاطفة مثل (جاء الطلاب حتى خالد = جاء الطلاب وخالد). وتأتي للتعليل مثل (اتق الله حتى تفوز = لتفوز) وابتدائية مثل (النور يسطع حتى الضوء يلمع).

فواضح ان معنى الجمل السابقة لا ينطبق مع معاني (حتى العربية).

وهي مأخوذة من اللغة  الانگليزية ترجمة لـ(Even). والصحيح أن تغير (حتى) في هذه الجمل إلى ما يوافق معاني حتى العربية. أو تعاد صياغة الجمل بمعانيها وفق قواعد العربية بدون حتى.

* شاعر ما

يقال (تقاليد شعب ما) (قصيدة لشاعر ما) (في كتاب ما)، بجعل (ما) بمعنى (غير المعيَّن).

في اللغة العربية  لا نجد هذا التركيب، ولا تنتهي الجملة بـ(ما). وقد جاءت به الترجمة. وترجمت إلى (ما) كلمات انگليزية مضافة منها:

(A)

(Given)

(One)

(Some)

(Specific)

* نحن الاثنان

يقال (نحن الاثنان ناجحان) (سنذهب نحن الاثنان) بجمع (كلمتي نحن والاثنان معا في معنى).

لا يوجد هذا التعبير في العربية وهو غريب عليها، مع وجود علاقة بين التثنية والجمع لان التثنية والجمع كليهما غير مفرد. قال البغدادي (يقول الاثنان: نحن فعلنا، ونحن إنما هو ضميرٌ موضوعٌ للجماعة. وإنما استحسنوا ذلك لما بين التثنية والجمع من التقارب، من حيث كانت التثنية عدداً تركب من ضم واحدٍ إلى واحد. وأول الجمع وهو الثلاثة، تركب من ضم واحدٍ إلى اثنين، فلذلك قال: لأن الاثنين جميع). وكل لغات العالم عدا العربية لديها مفرد وجمع فقط.

وهذا التعبير والتركيب جاء من الانگليزية. ويعبر عنه بأكثر من طريقة منها:

(We both)

(Both of us)

(We two)

(The two of us)

(As two, As both)

(We are both)

ويجب تخطي هذا التعبير الغريب إلى التعبير العربي المناسب. فبدل (نحن الاثنان نحب الثرثرة) نقول (كلانا يعرف أني أحب الثرثرة)

* كم هي جميلة

يقال (كم هو طويل) (كم قاسية هذه السنين) (كم طويلة أيام الفراق) (كم هي جميلة) بـ(جعل (كم) وصفية).

في اللغة العربية تأتي (كم) للاستفهام أو الخبر. ولذا فهذه الجمل التي تبدأ بـ(كم) غير عربية. وهي ترجمة من الانگليزية لعبارات:

(كم أنت جميلة = How beautiful you are)

(كم أنت طويل = How tall you are)

(كم هو لطيف = How kind he is)

(كم هو حلو الطعم = How sweet it is)

(كم التمرين سهل = How easy it exercise )

والصحيح بدل (كم هي طويلة الحياة الأبدية) نقول (ما أطول الحياة الأبدية) وبدل (انظري كم أنت جميلة) نقول (انظري ما أجملك)

* وعليه

يقال (وعليه، سنعلن النتائج) (بناء عليه، قدمت التقرير) (بناء على ذلك، كانت الإجابة) بـ(جعل كلام المتحدث مستندا ونتيجة لكلام سابق).

في اللغة العربية لا يوجد اصطلاح (وعليه، وبناء على ذلك). وقد نقل الينا عن طريق الترجمة من الانگليزية لعبارات:

(Accordingly)

(therefore)

(Consequently)

(Thus)

(As such)

(Subsequently)

والصحيح ان يستعاض عنهما بلفظ (لهذا، ولهذا) لان العرب استعملته، أورد الامدي (ولهذا قال أبو هفان...) وقال أبو علي القالي (وطمح معناه ارتفع، ولهذا قيل للدابة: طموح). وكذلك استعمال (لأجل ذلك، من أجل ذلك) والأجل تأتي بمعنى (جرّاء) أو (جناية) (من أجل ذلك = من جناية ذلك، من جراء ذلك) قال تعالى (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا) أي (من جراء) كما ذكر ذلك الراغب الاصفهاني.

* على كلٍّ

يقال (على كلٍّ) (وعلى كلٍّ) (صيغة تأتي في بداية كلام تحسم ما قبله).

في اللغة العربية وأدبياتها لا نجد هذا التركيب، بل نجد (على كل حال) (على كل تقدير) ...الخ. وتأتي في بداية الكلام وتضاعيفه.

وقد تسيدت هذه في أحاديث العامة وكلام وكتابات المثقفين والأدباء والكتاب، ذكر محقق كتاب (الانتصار) للسيد المرتضى: (وعلى كلٍّ فليس في قول المرتضى ما يستفاد منه انكار الروح أصلا). وأولع الشاعر صلاح عبد الصبور بـ(على كُلّ) فكررها في أعماله الشعرية.

وهذه الصيغة غير مستعملة في العربية، وان كانت عربية في اللفظ أو أمكن اعتبار التنوين تعويضا عن كلمة (حال، أمر...) وقد جاء في النصوص العربية الصحيحة (على كل حال). بل هي مترجمة عن:

(After all)

(Anyway)

ولا تعد الصيغة خطأ وممكن استعمالها.

* ثلاجة

يقال (اشتريت ثلاجة) (عندي سماعة) (الحاسوب يعمل) يقصدون الأدوات المعروفة.

في اللغة العربية اسم الآلة (يشتق غالبا من الفعل الثلاثي المتعدي، وقد يشتق من اللازم. وله ثلاثة أوزان قياسية هي: (مِفعَل) و(مِفعَال) و(مِفعلة). وتوجد اوزان غير قياسية  مثل (قلم، سيف، رمح )

واضح أن الأمثلة السابقة ليست على أوزان اسم الالة العربي. بل هي محاكاة لطريقة الانگليز. وتماشيا مع طريقتهم التي تجعل الاضافة في نهاية الكلمة فـ(ثلاجة) مشتقة من (ثلج) فيقتضي أن تكون (مِثلَجة) ومنها قولهم (أثلجت صدري). و(سمَّاعة) من (سمع) فيقتضي أن تكون (مِسمعة). بينما اشتقاق اسم الآلة (ثلاجة) (سماعة) محاكاة لأسماء الآلة الانگليزية: (Refrigerator = ثلاجة) من (Refrigerate = يبرّد). و(earphone = ear/ phone = سماعة).

وقد استوعبت أوزان الآلة العربية بعض أسماء الآلة المستجدة وهي أوسع بكثير مما عرفه العرب. وهي:

مِفعَل: مثل:(مبرد، مجهر، مكبس، مقص، مصعد، مدفع).

مِفعَال (مصباح، مسبار، منظار، مثقاب، ملقاط، منشار).

مِفعَلة (مطرقة، مسطرة، مغسلة، مقلاة، محفظة، منشفة).

وأضاف مجمع اللغة العربية اوزانا جديدة هي:

فَعّالة (ثلاجة، غسالة، نظارة، دراجة، سيارة، قلاية، سماعة)

فعّال (خلاط، سخان، جوال، نقال، رقاص، براد، كشاف)

مُفعِّل (محرّك، مولد، منبه، مكيف)

فَاعِلة (رافعة، ساقية، حاسبة، طابعة، كاتبة، حاملة)

فاعُول (حاسوب، ساطور، ناقوس، صاروخ،

وأوزان غير قياسية شملت الكثير من اسماء الالة الجديدة مثل: (ساعة، فرجار، بندقية، كوب، بروش)

وإعادة أسماء الآلة الحديثة إلى قواعد العربية صعب للغاية، ويحتاج إلى جهود كبيرة قد لا يُنهض بها في الراهن الواهن، وربما في المستقبل يعاد النظر بها. لذا فلا بأس من استعمالها كما هي.

* بالتالي

يقال (بالتالي ستصلح الأمور) (وبالتالي ستتغير النتيجة) بمعنى (ما سيتلو من شيء بتأثير شيء سابق، بإضافة (الباء) إلى (التالي) الكلام السابق في الكلام التالي).

في اللغة العربية لا يوجد هذا التركيب (الباء + التالي) وهو من الأخطاء المؤشرة اللغة العربية، ولا يصح منه إلا إذا كانت الباء زائدة مثل (لست بالتالي = لست تاليا). قال الشاعر:

وللسابق البادي من الفضل رتبة         تقصّر بالتالي وإن بلغ العـذرا

وهذا التركيب الغريب جاءنا من الانگليزية:

(In turn)

(Therefore)

(Then)

(So)

(Thus)

(Thereby)

ويجب تصحيحه إلى (ثم) (من ثم) (فيما بعد) (بعدها) وحسب الجملة.

* سأذهب حالاً

يقال (سأخرج بعد لحظات) (سأعود فورا) (سوف أنام الآن) بـ(استعمال سوف والسين للحاضر والمستقبل القريب جدا).

في اللغة العربية تستعمل (السين وسوف) كما يذكر محمد الإنطاكي (حرفي استقبال). وتسمى السين (حرف تنفيس) وسوف (حرف تسويف) (لانها أبعد من السين زمانا)، فجائز أن تقول (سأخرج بعد قليل) و(سأزورك بعد ساعة او بعد شهر او بعد سنة)، ولكن لا يجوز (ساخرج فورا او الان) و(سوف اخرج فورا او الان) فتخرج السين وسوف من المستقبل إلى الحاضر.

الجمل (سأخرج بعد لحظات) (سأعود فورا) (سوف أنام الآن) غير عربية  لانها لا تعني المستقبل الذي تعمل فيه السين وسوف. واستعمال (السين وسوف) للحاضر أو المستقبل القريب جدا من القواعد التي نقلت الينا من اللغة الانگليزية بصيغتيها:

(Shall)

(Will)

وتوجد صيغة ثالثة هي (going to) وشعبيا (gonna). جاء في كتاب  (Getting  = on in Englishتقدم باللغة الانگليزية) (أن هذه الصيغة بديلة من (Shall) و(Will):

(I will wire = I am going to write )

ويعبر بها عن العزم والتأكيد، وتستعمل للدلالة على الإثبات أو جملاً إخبارية، وتدل على المستقبل.

* كان يا ما كان

يقال في سرد الحكايات (كان يا ما كان) (كان في قديم الزمان) (قبل...) وفي العامية (گبل أكو فد واحد) بمعنى (في زمن قديم).

لا ترد هذه العبارة لدى القصاصين القدماء، بدليل عدم ورودها في كتب الأدب والتاريخ. وقد عرفت في العصر الحديث. وتحاول العبارة (كان) (يا ما كان) إعطاء تصور بطول مدة الزمان، وكأنهم لم يجدوا العبارة التي تعطي هذا التصور بنفسها. وفضلا عن ضعف العبارة تعبيرا فإنها غير فصيحة. وقد تدل (يا ما) على الكثرة في اللهجة المصرية، أي طول الزمن الماضي. وهذا دليل آخر على عدم عربيتها، وان المصريين نقلوها من الانگليز، فهم أول من احتك بالانگليز وشكّل هذه اللغة الهجينةً.

وقد حاول بعض المثقفين الدفاع عن عروبة هذه العبارة، وصلتها بالحكايا العربية. وأرى جازما أن العبارة منقولة من اللغة الانگليزية ترجمة لـ:

(Once upon a time)

(upon a time)

(There once )

وهذه العبارة (Once upon a time  = كان يا ما كان) قدمت عنوانا لمسلسل أمريكي، ومسلسل فرنسي، ومسلسل فلبيني، كما قدمت عنوانا لمسلسل مصري. وهو دليل على ان العبارة انگليزية نقلت إلى اللغة العربية.

والصحيح ان نقول: (في قديم الزمان كان هناك مهندس) و(في القديم كانت امرأة تعيش في الغابات)

* سنوي

يقال (يذهب يوميا لعمله) (تسلم راتبه الشهري) (نحتفل سنويا بعيد الأم) بالنسب إلى اليوم والشهر والسنة.

لم تنسب اللغة العربية إلى اليوم والشهر والسنة، فلم يرد (يومي/ يوميا، شهري/ شهريا، سنوي/ سنويا). بل قالوا (كل يوم) و(كل شهر) و(كل سنة) بدل ذلك. قال تعالى (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ). وكرر المتنبي (كل يوم) خمس عشرة مرة في شعره ومن ذلك قوله:

أفي كُلِّ يَومٍ تَحتَ ضِبني شُوَيعِرٌ       ضَعيفٌ يُقاويني قَصيرٌ يُطاوِلُ

وجاء في نكت الهميان (راتبه في كل شهر ألف مَنّ). وعن الرسول () (ان الله قد وعد هذا البيت أن يحجَّه كل سنة ستمائة ألف، فإن نقصوا كملهم الله تعالى من الملائكة)، فلم يرد (يومي/ يوميا، شهري/ شهريا، سنوي/ سنويا). بل (كل يوم) و(كل شهر) و(كل سنة). وقد جاء هذا الاستعمال من الانگليزية:

يوم – يومي = (Day - Daily)

شهر – شهري = (Month - Monthly)

سنة – سنوي = (Year – Yearly, Annually)

* ابتداءً

يقال (في البدء) (بدايةً أقول لكم) (في البداية أشكركم) بـ(جعلها بداية ومنطلقا للكلام).

في اللغة العربية يأتي ذلك في طي الكلام. وهذه الابتداءات روجتها المؤتمرات والمهرجانات، فالمتكلم يقولها ليفتتح كلامه.

(First)

(Fist of all)

(Outset)

(At the outset)

فنقول بدل (بداية، أشكركم كثيرا لحضوركم مؤتمرنا) (أشكركم كثيرا في بداية  مؤتمرنا لحضوركم)

* من والى

يقال (السفر من والى بغداد) (الذهاب من والى العمل) (اختصاراً وتركاً للتكرار).

لا يوجد هذا الاستعمال في العربية لعدم ميلها إلى الاختصار الشديد. وهو من ميزات اللغة الإنگليزية، فهو منقول منها ترجمة لـ:

(From and to)

(to and From)

* يؤدلج

يقال (يؤدلج الموضوع) (يجند نفسه للقضية) (يؤرشف السجلات) باشتقاق مصطلح من اسم، ثم اشتقاق فعل من المصطلح.

لم تعرف العربية هذا الاسلوب. فلم يقولوا (يجنّد نفسه او غيره) بل (يعاني الجندية) (انتسب الى الجندية) وقالوا (نشر الاسلام بين العرب) ولم يقولوا (يؤسلم العرب) وغير ذلك.

وهذا الاسلوب جاءنا من الإنگليزية، لطبيعتها في التعبير المختصر وتوليد معان كثيرة من اللفظ. فمنهم جاء: (أرشفة/ يؤرشف ِArchive = ) (أدلجة/ يؤدلج=  Edify) (تجنيد/ يجنّد Recruit = ) (موسقة/ يموسق =  Music).

ثم انتقلت عدوى هذا الاسلوب الى مثقفينا بمختلف أصنافهم فصرنا نجاريهم في هذا الاسلوب الغريب على العربية الذي لا يقيم لفصاحة الكلمة اعتبارا. ومن المشهور المتداول من ذلك:

(أسلمة/ يُؤسلم = من الاسلام) (تهويد/ يُهوِّد = من اليهودية) (تنصير/ يُنصِّر = من النصرانية) (مسرحة/ يمسرح = من المسرح) (أمركة/ يُؤمرك = من أمريكا) (التشيوع/ يُشيوع = من الشيوعية) (التقيوم/ يُقيوم = من القومية) (الأسلبة/ يُؤسلب = من الاسلوب) (القولبة/ يُقولب = من القالب) (الأنسنة/ يُؤنسن = من الانسان) (الشخصنة/ يُشخصن = من الشخص) (المكننة/ يمكنن = من الماكنة).

* عمل حادثا

يقال (عمل حادثا) (عمل الواجب) (عمل بأصله) (عمل جدارا) (عمل مساجا) (عمل نسخة اخرى) (عمل تاجرا).  (أفعال مكررة واعتماد على الأسماء في التعبير).

اللغة العربية تضع لكل معنى لفظاً فعلا كان أو اسما. فلا تكرر ألفاظا بعينها لم توضع لها ويوجد غيرها في التعبير. مثال ذلك قول المعري: (فمثله مثل جارسة الكحلاء، تسمحُ بالمَسائب المِلاء. تطعم الغرَب، وتجود بالضرَب. وتجني مرّ الأنوار فيعود شُهداً عند الاشتيار). فاستعمل افعالا مستقلة وأسماء مستقلة. (الجارسة: النحلة اذا جرست أي طلبت الزهر. والكحلاء والغرَب: نوعان من النبت ترعاه النحل في جني العسل. والانوار: جمع نَور: وهو الزهر. والاشتيار: جني العسل خاصة. واستعمل من الافعال تطعم: تتناول، تجود: تعطي العسل، تجني: تتناول الرحيق). وهذا الغيض من فيض لا حدود له. وهذا النص عباسي، وان كان المعري يحب استعمال الغريب، الا انه يعطي صورة لاتساع اللغة، وان افعالها واسماءها مستقلة في المعنى والدلالة.

وفي نهاية العصر العباسي بسيادة اللغات الاجنبية ولاسيما الفارسية والتركية، وهي لغات تعبّر بالمعنى لقلة ألفاظها المستقلة، أصبحت العربية تنحو نحوها، في تكرار أفعال بعينها والاعتماد على الأسماء المسندة إليها في التعبير. وقد أحصى (دوزي) عشرات المعاني للفظة (أخذ) في استعمال المؤلفين العرب في حقبة (ما بعد الفصحى) ومن ذلك:

(أخذ جزاءه = نال عقابه)

(أخذ خاطره = عزاه)

(أخذ دربه = ذهب لطيته)

(أخذ روحه = قتله)

(أخذ عقله = أفقده الرشد)

(أخذ وجهاً = تدلل وتصرف كما يحلو له)

وبتأثير اللغة الانگليزية اتسع هذا الاستعمال، فأصبحت اللغة العربية به وكأنها عزيز ذل، وغني افتقر، واذا بها نسخة من هذه اللغة تعوض عن قلة الأفعال بتكرار أفعال بعينها.   فالفعل (Make) يعطي معاني عدة هي:

(صنع، عمل = Make )

(هرب = Make off)

(يحرر = Make out )

(رتبت، زوقت/ ماكياج = Make up )

(أصلح، عوَّض، جازى = Make up for )

(سالم، هادن = Make up with  )

(كسب = Make a bundle )

(أناخ = Make a camel )

(بدا كأنه يحاول أمراً ما = Make as )

(صاحبَ =Make be )

(رضي، تدبر أمره = Make do with )

(اتجه =  Make for )

(حوّل، صيَّر = Make into )

(مارس، نجح = Make it )

(أبصر، تمكن، حرَّر مقالة = Make out )

ولم تعانِ اللغة العربية هذا الأمر، فالأفعال قائمة بنفسها كثيرا في التعبير كما نجد ذلك في الكلمات العربية المقابلة لمعاني (Make). الا ان المترجمين منحوا العربية هذه الصفة التي لا تليق بكرم ألفاظها الواسعة، فقالوا: (عمل حادثا) (عمل الواجب) (عمل بأصله) (عمل جدارا) (عمل مساجا) (عمل نسخة اخرى) (عمل تاجرا). وهذا الامر شاركته فيه العامية فنجد أفعالا تكرر بعينها متكئة على الأسماء في التعبير مثل:

(يسوِّي أكل) بدل (يطبخ)

(يسوِّي طفل) بدل (تحبل، تنجب)

(يسوِّي عزيمة) بدل (يولم)

(يسوِّي نفسه ما يدري) بدل (يتجاهل)

(يسوِّي مشكلة) بدل (يشاكس)

(يسوِّي واهس) بدل (يرغّب)

(يسوِّي وشم) بدل (يستوشم، يشِم)

(يسوِّي مَسِح) بدل (يمسح)

(يسوِّي مراجعة) بدل (يراجع)

(تسوِّي سِحِر) بدل (تِسحَر)

(يسوِّي جريمة) بدل (يُجرم)

(يسوِّي چات) بدل (يحاور)

* راح أروح

يقال (راح أروح) (راح أنام) (راح أكمل العمل). وهي (صيغة عامية تعمل فيها لفظة (راح) عمل ليس).

وكان للعامية العراقية نصيب من تغلل الألفاظ والعبارات والصيغ الإنگليزية. وهنا نتناول بعض ذلك. ومنه صيغة (راح + فعل مضارع = راح أروح) وهي ترجمة للصيغة الإنگليزية (going to) وشعبيا (gonna) وهي تقابل (Shall) و(Will).

وهذه الصيغة لم تستعمل في العربية الفصحى، واستعملت بشكل مذهل في العامية العراقية والخليجية، وأصبح استعمالها سليقياً. فيقال: (راح اكتب) (راح نروح) (راح يشتري).

أمثلة:

آني راح أكتب          I am going to write

احنا راح انروح        We are gonna to go

هيّه راحت تنام         He is going to sleep

* واحد كل

يقال في الالعاب (النتيجة واحد كل) (انتهت اللعبة ثلاثة كل) بمعنى (أن النتيجة هدف لكل من الفريقين، أو ثلاثة لكل فريق).

تقتضي العربية أن تكون الجملة: (النتيجة واحد لكل منهما) أو (كلاهما واحد)ولكن هذا الاستعمال ليس وفق السياق العربي، بل هو تعبير انگليزي:

واحد كل = (one all )

* الواحد

يقال (الواحد شيسوّي) (الواحد وين يروح) (الواحد يريد مصلحته) (أكو فد واحد). يقصدون بـ(الواحد) (الشخص).

وهذا غير موجود في تعبير اللغة العربية، وانما جاء من الانگليزية لأنه مستعمل فيها.

 

الاستاذ الدكتور محمد تقي جون

............................

* الموضوع مستل من كتابي (اللغة العربية الخامسة – الفصحى الهجينة)

 

مجدي ابراهيميَغْلب على أكثر أقطاب الصوفية الكبار النزوع العملي والنزعة الإصلاحية، بمقدار ما يغلب عليهم هذا الطابع الخُلقي المعروف حقيقة في التصوف والدال عليه من أول وهلة، وحيث لا ينفصل الدين لديهم عن الأخلاق ما دامت الأخلاق تقويماً وتهذيباً في نقطة البدء، ومادام الدينُ في الأصل جاء ليتضمن هذا النزوع الخُلقي في أوامره ونواهيه.

وسِمِة التصوف بالقطع هى سمة خُلقية : تهذيبُ في الأساس، من شأنه أن تتقوَّم به الحياة الإنسانية، ثم بعد ذلك تتأتى التطلعات الإشراقية فيه، فالإشراق قبل التهذيب مستحيل، إذْ يلزم الصوفي في البداية أن يتطهر من لوثة النفس وعكارة الضمير؛ ولأنَّ الإشراقَ يبدو مع وجود هاتين الصفتين من أمحل المحالات ..! 

لم يكن الدين، ولم تكن الحياة الدينية عند المتصوفة نظرية تجريدية فقط، ولكنها كانت ولا زالت عملية سلوكية تطبيقية، هى حياة تُعَاش وتختبر في الواقع العملي، تأخذ جانب العبادات فتمضي به إلى آخر ما يستطاعه المرء من المضاء حتى لا يمكن لنا أن نفصل متعسفين في شئون التعبُّد الصوفي بين الدين والأخلاق، فلا تكاد تخلو حقيقة التديُّن - لا في التصوف فحسب بل في شئون التعبُّد ككل: من عنصر عملي يكون حلقة الاتصال بين الدين والأخلاق، ويتحقق ذلك على الأقل في الجانب الإلهي من الواجبات الذي نُسَمّيه عبادة.

لكن طبيعة الفكرة المجرَّدة النظرية أن تَفْصل بين الأخلاق والدين؛ لأن عَمَلَها هو الفصل والمُباعدة بين الأشياء، فإذا ما تناولتَ الأخلاق بعيدة عن الدين حَكمتَ عليها بالنظر فصلاً ومُفارقة، وإذا تناولتها في قلب الدين لم تعد أخلاقاً بمقدار ما يتبطنها الدين ضمنياً خلال أوامره ونواهيه، فالفضيلة الخلقية هى الخير الذي يحث الأمر الإلهي على امتثاله، والرذيلة هى الشر الذي يحث النهي الإلهي على اجتنابه، فالنزوع العملي في الدين يَتَضَمَّن الأخلاق ويتبطن الفضائل.

ليس مطلوباً في الدين - على مستوى العمل والسلوك - أن تقول ما لا ينبغي عليك أن تفعل، وأن تفعل ما لا ينبغي عليك أن تقول، ليس هذا مطلوباً في الدين، لكنه قد يكون مُسَوَّغاً في حكم العلم بالأخلاق، إذْ الأخلاق من حيث كونها علماً شيء، والخُلق من حيث كونه سلوكاً وتهذيباً شيء آخر.

ليست الأخلاقُ هى في الحقيقة تنظيراً فقط يقوم على قلة التوافق بين ما يقوله المرء وما يفعله، أو يقوم على التباين الظاهر بين النظر والتطبيق؛ وليست هى بالشطط البعيد البعيد عن صورة الخلق الحسن القويم؛ لأن الأخلاق إذا هى كانت علماً نَافِعاً يفيد الفرد ويقوِّم من جهود المجموع، فهى من باب أولى قيمة من القيم الفاضلة والباقية يستطيع المرء أن يتحراها وينتفع بها ولا ينفصل عنها بحال؛ لأنها في الأصل صورة الخلق النافع للفرد والباقي كذلك لصلاح المجموع.

إنما الأخلاق تنفصل عن الخُلق من جهة، وتتصل بالخُلق من جهة أخرى، وهى في اتصالها وانفصالها، ليست شيئاً سوى تلك القدرة الضابطة لحركة النفس من الداخل، أعني قدرة ضابطة لقوى النفس الباطنة في أعمق أعماقها .. لكن شيئاً يبقى في التفرقة بين الأخلاق من حيث كونها تنفصل عن الخلق وبين الأخلاق من حيث كونها تتصل بالخلق، تماماً كالتفرقة التي نقوم بها بين المعرفة من جهة وبين نظرية المعرفة من جهة أخرى؛ فحين تصبح الأخلاق نظرية يصبح الانفصال عن الخُلُق تباعاً هو المقصود، تماماً حين تصبح المعرفة نظرية يصبح الانفصال عن المعرفة طريقاً آخر غير طريق المعرفة المُرادة هنا : المعرفة شيء، ونظريّة المعرفة شيء آخر.

ففي حالة الانفصال تَعُدُّ الأخلاق علماً قائماً بذاته : يحلل، ويُرَكّب، وَيُنَظّر، ويُعْطي الرؤية الشاملة للإنسان كيما يستطيع أن يرى العلم ثم يُرْدفه بالعمل، وكيما يستطيع أن يتهذب ولا يرى إذْ ذَاكَ فَرْقَاً بين الإدراك النظري والتهذيب العملي حين يتعلق الأمر بالسلوك والتهذيب، أو فيما لو كان العلم بالفعل خَادماً للتطبيق.

أما من حيث الانعزال أو الانفصال فهاهنا قد تكون الأخلاق من حيث كونها علماً منعزلاً مُجرداً أو مُنْفَصِلاً  مختلفة متباينة عن الخُلُق الذي هو هيئة النفس الباطنة تصدر عنها الأفعال؛ فكما أن المعرفة شيء ونظرية المعرفة شيء آخر، كذلك علم الأخلاق شيء والخلق شيء آخر، وهذا هو معنى الانفصال المذكور، ولكن مع وجود مثل هذا الانفصال هنالك اتصال يشي برابطة قوية بين الأخلاق بوصفها علماً، والخُلُق بوصفه حالة للنفس وهيئة ثابتة تَرَسَّخَتْ عليها القيم التي اعتقدتها ومارستها فعلاً في الواقع المشهود : حركةً في الحياة العاملة، وحياةً في عالم التجريب.

فإذا نحن نظرنا إلى العلم سنَجده في البداية قائماً على "الخُلُق" لا ينفصل العلم عن الخلق بحال، فلولا وجود الخلق الحَسَنْ ووجود الخلق الشرير لما وُجِدَ العلم الذي ينظِّر للعملية الفكرية من حيث إنها تُوَضّح الفرق الفارق بين الرذيلة والفضيلة، أو بين الخير والشر، أو بين السلوك الطيب أو السلوك الخبيث. فالعلمُ لا يقوم إلا على أصل يتكئ عليه، وبالتالي فإنّ هذا العلم الذي يدرس الأخلاق ويهتم بتفاصيل مفرداتها وموضوعاتها هو في أول مقام يقوم على "الخلق" كمصدر لهذا العلم أو كمادة أوليَّة يستطيع من خلالها أن ينسج خيوط هذا العلم؛ وكما أن الهيئة الباطنة مَصْدَرُ الخلق الطيب وأصل الخلق الشرير، فهى كذلك مَصْدَرُ العلم بهذا وأصل العلم بذاك.

فما العلم إلا تأمل ذهني عقلي فيما عَسَاهُ أن يكون "الخُلُق" عليه من حركة سلوكية كانت قائمة فيما تقدم أو هى قائمة بالفعل، أعني هو تأمل في تلك السجايا التي عليها تكون النفس وعليها تصير : تأمل تنظيري للأخلاق فيما ينبغي أن تكون عليه.

يُجْمَلُ بالمرء إذن أن يتحرى مصدر الأخلاق وجذرها الأصيل في الطبع البشري، ومصدرها المتجذر في طبع الإنسان هو تلك "الهيئة" التي تصدر الخلق كما تُصْدُر العلم حين يقوم عليها، أعني تلك الهيئة الباطنة التي تُلهم علماء الأخلاق أن يقوموا بتوجيه المعارف التي يتكلمون فيها وبوجهة أخلاقية، ولولا وجود تلك القوة الباطنة لما صار للأخلاق علمٌ، بمقدار ما نقول أيضاً لولا وجود تلك القوة الباطنة لما عرف الفرق بين فعل الخلق الحسن وفعل الخلق الشرير.

وعليه؛ تصبح تلك الهيئة هى أكبر المنافع للعلم المجعول للنظر والبحث، وللعمل الهادف إلى التخلق والتهذيب.

إننا إذا رجعنا إلى تعريفات الجرجاني ونظرنا فيما عساه يكون مدعاة للتفرقة بين علم الأخلاق من ناحية والخلق من ناحية أخرى، وَجَدْنَاهُ يتكلم في نص عن الخلق باعتباره هيئةً نفسانيةً راسخةً تصدر عنها الأفعال، وكلمة "هيئة" تعني ما يكون عليه الإنسان فعلاً وطبعاً، هذه الهيئة هى التي يؤتمر من خلالها على الفعل، فيَنْصَاع لما عساه يؤتمر فيه، إنْ كان الفعل صادراً عن هذه الهيئة موافقاً لها عقلاً وشرعاً سُمىَ بالضرورة فعلاً حَسَناً، وإنْ كان الفعل غير موافق للعقل والشرع سُمىَ ما يصدر عن الهيئة فعلاً غير حسن.

وإذن؛ تأتي تفرقتنا بين علم الأخلاق من جهة، والخُلق الذي هو الهيئة الراسخة في النفس من جهة أخرى في إطار "تثوير القيمة" التي من خلالها يكون علم الأخلاق هذا، هو العلم الذي يدرس هذه الصفة الراسخة في النفس أو يدرس هذه الهيئة بتمامها وبكمالها؛ لأنه يدرس تلك الصفة حيث تصبح علماً قابلاً للدراسة ليقوم عليه العمل، ولا تصبح علماً غير مدروس ولا معمول به.

غير أن هذا العلم هو الذي يُبَصِّرنا بالضرورة بكيفية الوصول إلى حقائق الأخلاق، لكنه لا يَزالُ ناقصاً كأشدِّ ما يكون النقص ما لم يقترن بالعمل والتطبيق، فنحن لا نصل إلى الأخلاق بمفردنا تلقائياً بغير تَعَلُّم يدفعنا إلى التجربة والاختبار والممارسة، ولا نصل إليها ما لم نُدْرِكْ أن التعلم هو السبيل إلى إدراكها من طريق الوَعي أولاً فيما لو كان الوعي هو العملية الإدراكية لهذا العلم بالأخلاق، ثم يأتي دور الخُلُق ليَقُوم على الإدراك، وعلى الوعي، وعلى المجموع منهما؛ ليَتَرَسَّخَ في الباطن؛ ولتتكوَّن الهيئة راسخة لا تتزحزح عن الكينونة الآدمية قيد أنملة بل تلازمها كبياض الأبيض، وسواد الأسود، وطول الطويل، وقصر القصير.

نأتي إلى نَصِّ الجرجاني فَنَستدعيه كما استدعى هو نفس النص من الغزالي لنراه يقول في تعريف الخلق: " عبارة عن هيئة راسخة في النفس تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر من غير حاجة إلى فكر ورَوِيَّة، فإن كانت الهيئة بحيث تصدر عنها الأفعال الجميلة عقلاً وشرعاً بسهولة سُميت الهيئة خلقاً حسناً؛ وإنْ كان الصادر عنها الأفعال القبيحة سُميت الهيئة التي هى "المصدر" خُلقاً سيئاً..." (تعريفات الجرجاني : ص 9).

فالهيئة إذن هى المصدر للفعل سواء كان جميلاً أو كان قبيحاً. غير أن هذا التعريف ليس للجرجاني حقيقة ولكنه للغزالي، منقولاً بلفظه وحرفه ونصِّه من "الإحياء" حين شرح الغزالي الفرق بين لَفْظي : الخَلق والخُلق؛ فأورد نفس النص وزاد :" وإنما قلنا إنها هيئة راسخة؛ لأن مَنْ يصدر منه بذل المال على الندور بحالة عارضة لا يُقال خلقه السخاء، ما لم يثبت ذلك في نفسه ثبوت رسوخ. وإنما اشترطنا أن تصدر منه الأفعال بسهولة ويسر من غير رَويَّة؛ لأن مَنْ تَكلَّف بذل المال أو السكوت عند الغضب بجهد وَرَوِيَّة لا يُقال خلقه السخاء والحلم؛ وليس الخُلُق عِبَارة عن الفعل فرُبَّ شخص خلقه السخاء ولا يبذل؛ إمَّا لفقد المال أو لمانع، وربما يكون خلقه البخل وهو يبذل لباعث أو رياء ... ولكن الخُلُقَ في رأي الغزالي عبارة عن هيئة النَّفْس وصورتها الباطنة، تتشكل بالتكرار والتعود والمران وبذل الجهد في الممارسة، هذه الهيئة هى التي بها تستعد النفس لأنْ يُصْدُر منها الإمساك أو البذل " (الإحياء: جـ3، ص 8).

فإذا نحن عدنا إلى ما كنا بصدده، حكمنا بأن الأخلاق إذا هى كانت في رحَاب الدين تضمنتها بالضرورة أوامره ونواهيه. وإذا هى كانت نظرية فلسفية صارت بعيدةً في الغالب عن العمل والتطبيق، وكانت مُجَرَّد رأي ودراسة ليس إلا.

 

بقلم : د. مجدي إبراهيم

 

 

محمد بنيعيشأولا: بدء الوحي واندحار إبليس نحو تكريس الوسوسة والتلبيس

عندما سد الباب الغيبي على إبليس استراقا لم يعد حينئذ لديه من حيلة سوى التقمص والتلبس بالضعفاء روحيا ومن هم أقرب نفسيا وسلوكيا من حاله، وعلى إثر ذلك كثر التكبر ودب الحسد إلى الأمم وتنوعت مظاهر الدجل والشعوذة والكذب السياسي والاجتماعي كبديل عن الكهانة في الماضي، والتي قد كان فيها نصيب ضئيل بنسبة واحد في المائة من الحقيقة كمضمون ولكنها مكتسبة لغاية الإضلال وتحصيل التبعية لا غير.

فنجد في رواية ابن إسحاق عن النبي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وصفه للكهان بأنهم كانوا: "يصيبون بعضا ويخطئون بعضا، ثم إن الله عز وجل حجب الشياطين بهذه النجوم التي يقذفون بها، فانقطعت الكهانة اليوم، فلا كهانة"[1].

وأكثر ما يكون هذا الحجاب في شهر رمضان خصوصا، لأن فيه أنزل القرآن الكريم وكان بدء الوحي، حيث تُصفد الشياطين وتمنع حتى من مزاولة الدجل الأرضي وما يدخل تحته من سحر وشعوذة، وهو ما يمكن استنباطه كإشارة من خلال الحديث النبوي الشريف عن هذا الشهر وخصائصه بقوله (ص): "إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب السماء وغلقت أبواب جهنم وسلسلت الشياطين"[2].

ومن ظاهر الحديث فإنه يمكن إدراك المناسبة بين فتح أو إغلاق أبواب السماء وما كان عليه إبليس وجنوده من تطلع لاستراق الغيب واستعداد لتكراره ولو بعد حجبه عند أول ليلة من نزول الوحي. بحيث إنه في فتح أبواب السماء ستكون هناك فرصة للعودة إلى مرحلة الكهانة، ولكنها لن تتأتى لأن الله تعالى قد وضع القيود على هاته الكائنات المسماة بالشياطين وهم في الأرض فكيف بهم يرتقون إلى السماء، في حين فيلاحظ و يشاع بأن غالبية السحرة، ومن لهم تواصل بحسب زعمهم مع الجن، قد يعتبرون هذا الشهر شهرا حياديا وتوقفا مؤقتا عن مزاولة الدجل والكهانة الأرضية والشعوذة بكل أنواعها على اعتبار أن الشياطين مصفدة ومسلسلة ولا تستطيع حراكا !

لكن الأمر هنا، من الناحية الشرعية ومقتضى معاني الحديث، أوسع دلالة وأكثر أبعادا مما قد يتصوره البعض من سطحيي الرؤية والشرح، وذلك لما لهذا الشهر والصوم فيه كوظيفة من أثر روحي ونفسي وسلوكي على الصائم خاصة، قد يحول بينه وبين غواية الشياطين ومؤثرات الشهوات على توجهه وعقيدته وسلوكه، وأيضا، وهذا هو الأهم، لما للصيام من خصوصية لتحقيق التوحيد الخالص لله تعالى والمستخلص من سورة الإخلاص: " قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4) ".مما يقتضي منا تأملا ووعيا ذوقيا طويل النفس لفهم هذه المعاني التي فيها تبكيت ودحر لإبليس وجنوده عن قلوب العباد بأقسى قوة وأشدها.

إن سد هذه الآفاق على إبليس كتحليل نفسي افتراضي وقياسا على الإنسان طبعا هو- في نظرنا المتواضع- عبارة عن تضييق لتطلعاته وقطع لها بالكامل وإلى الأبد، إذ المعلومات التي كان يستقيها من الاستراق قد كانت ذات تنفيس نفسي وغذاء روحي له بالرغم من أنه مطرود ولعين، لأنها معرفة، والمعرفة هي لذة وسعادة، خاصة وهي مسترقة من مصدر قدسي وغيبي أعلى وأغلى، وما على وغلى حلى . وبهذا - والله أعلم - فلم يكن إبليس مطرودا طردا كليا من الرحمة إلا بعد أن اكتمل الأمر ببعثة الرحمة المهداة خاتم النبيين والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والتي على إثرها سدت الأبواب والمنافذ والطرق على كل دجال كاهن وشيطان ومتاجر بالدين من يهود ونصارى ومجوس وغيرهم، ولم يعد بعدئذ لإبليس أية يد أو وليجة لتلبيس حقيقة الغيب بحقيقة الشهادة وتضليل العباد بالسيطرة و تقزيم الإرادة.

وحينما تضيق النفس ستسعى إلى التنفيس عند أقرب متنفس لديها، وليس لإبليس في هذه المرحلة والحال إلا أن يفرغ مكبوتاته على الإنسان أو بني آدم الذين قد كان أبوهم سبب طرده ولعنته إلى الأبد.

وحيث إن خاتم النبيين والمرسلين (ص) قد كان هو آخر وأعظم سبب في سد هذا الباب على إبليس فإنه سيصبح هذا الرسول الكريم بالتأكيد من ألد أعدائه، ومعه ضرورة أصحابه وأتباعه من أمته (ص)، وهذا ما سيتشخص بأجلى مظاهره عند بدء الدعوة وانتشار الإسلام سرا، وسيزيد عند إعلانه جهرا، ثم سيتكثف من طرف قرابته وعشيرته وعلى رأسهم أبو لهب وأبو جهل عمرو بن هشام ثم البقية ...

فهؤلاء الصناديد المعارضون من كفار قريش سيكونون بمثابة صيد إبليس الثمين لتوظيفهم في إفراغ مكبوتاته والتعويض عن سقطه وسخطه وخسارته التي ما بعدها من خسارة، كان من أهمها أن أصبح مفضوحا عند هذه الأمة المحمدية التي نالت حظا وفضلا من الكشف والمعرفة أوفر من سائر الأمم قبلها .

هذا الكشف سيكون من أهم آلياته وغاياته تخليص الأعمال والأقوال والمعتقدات من تلبيس إبليس، وهو ما نجد دراسته وتفاصيله بشكل مكثف في كتب الصوفية وسائر المتنورين والصلحاء من هذه الأمة، كان من أبرز موضوعاتها مسألة الفراسة ومعانيها وسبل توظيفها والتي ورد فيها قول النبي (ص) : "اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله"[3] .

ثانيا: النموذج الواعي بتخليص الخطاب الديني من التشويش وصيد الأفاعي

وكنموذج ثابت في الموضوع أذكر من بين الصحابة، الذين كان لهم حظ وافر من هذا المعين المعرفي التمييزي، الفاروق عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي قال في حقه النبي (ص) : "إيهًا يا ابن الخطاب، والذي نفسي بيده ما لقيك الشيطان سالكا فجا قط إلا سلك فجا غيره"[4].

يذكر ابن هشام في السيرة وخاصة عند مسألة بدء الوحي والبعثة، موضوع دراستنا هاته، عن ابن إسحق قال: "وحدثني من لا أتهم، عن عبد الله بن كعب مولى عثمان بن عفان أنه حدث، أن عمر بن الخطاب بينما هو جالس في الناس في مسجد رسول الله (ص)، إذ أقبل رجل من العرب داخلا المسجد يريد عمر بن الخطاب، فلما نظر إليه عمر رضي الله عنه قال: إن هذا الرجل لعلى شركه ما فارقه بعد، أو لقد كان كاهنا في الجاهلية . فسلم عليه الرجل ثم جلس، فقال له عمر رضي الله عنه: هل أسلمت ؟قال: نعم يا أمير المؤمنين. قال له: فهل كنت كاهنا في الجاهلية؟ فقال الرجل: سبحان الله يا أمير المؤمنين !!! لقد خلت في واستقبلتني بأمر ما أراك قلته لأحد من رعيتك منذ وليت ما وليت، فقال عمر: اللهم غفرا، قد كنا في الجاهلية على شر من هذا نعبد الأصنام ونعتنق الأوثان، حتى أكرمنا الله برسوله وبالإسلام، قال: نعم والله يا أمير المؤمنين، لقد كنت كاهنا في الجاهلية .قال: فأخبرني ما جاءك به صاحبك، قال: جاءني قبل الإسلام بشهر أو شيعه، فقال: ألم تر إلى الجن وإبلاسها، وإياسها من دينها، ولحوقها بالقلاص وأحلاسها "[5].

هذه القصة تومئ إلى أن متعاطي الكهانة قد تبقى عليه آثارها إلى مدى بعيد، نظرا لتعلقه بها باعتبارها متنفسا كشفيا لديه ربما يحن إلى التلذذ به و يود لو يحتفظ به، هذا مع من مارسها وفي مدة وجيزة فما بالك بمن رافقته سنين وقرونا وعبر مراحل زمنية و مكانية قد تطول بطول الدنيا ومسيرتها، كما هو حال إبليس وكثير من الشياطين الذين يقال بأنهم يعمرون أكثر من الإنس بكثير !

لا شك أن صاحب هذا الحال سيبقى متشبثا به أضعاف غيره وسيسعى إلى الكيد والمكر والخداع على أشد وأعنف صورة من ذي قبل، والتي قد ازدادت إلى غايتها ومنتهاها عند إبليس ببعثة خاتم النبيين والمرسلين سيدنا محمد (ص)، حيث ابتدأت معها أصعب المحن والابتلاءات وزرع الفتن بين المسلمين وما زالت بشكل لم يسبق له نظير، فتسلطت عليهم الأمم وتداعت منذ البداية، ونال منهم الكفار والمشركون بكل تنكيل وإذاية وعن جهل ودراية، ودخل إبليس على الضعفاء من هذه الأمة فأزرى بهم كنكاية لإشعال نار الفتن بينهم وبين أمرائهم وتسفيه أحلام وأقلام وأفهام علمائهم، والنيل والقدح في صلحائهم وأوليائهم، وهكذا تتابع الحال في مسلسل لا يأتي زمان إلا والذي بعده شر منه !

إن هذا الأمر قد لا يتفطن له كثير من المسلمين، ولم يعدوا له عدة مناسبة للعداء الراسخ لإبليس نحو أهل التوحيد والدين الخالص لله تعالى، فتركوا الفجوات ومنافذ التسربات والترسبات لجراثيم إبليس وأعوانه، وغفلوا عن ذكر الله تعالى وإيتاء الزكاة وإقامة الصلوات والعدل بين الناس والذات، حتى تراكم عليهم التلبس واستوطن في مرابضهم إبليس وأعوانه ودخلوا في حال الشك والريبة والبغضاء والحسد وتبادل تهم الإفلاس والتيئيس...

هذه المحطة كان لا بد وأن نقف عندها لكي يسهل علينا تفسير ما سيأتي بعد من مظاهر ذات صور متنوعة ومقامات وأحوال، منها المتناسق والمتماهي مع مطلب الكمال والجمال، ومنها المتنافر والمتناثر عبر اضطراب الخيال وضيق وعقم الحال، قد يبدو عند النظرة الأولى كأنه نقص ما بعده من نقص لكنه عند التحقيق نجد أنه يمثل عين الصواب والكمال وضرورة وجودية سجالية بين أهل الحق والباطل ستبقى حاضرة إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها (ثم إنكم يوم القيامة عند ربكم تختصمون)[6].

ولهذا فمن الغلط كل الغلط، ومن اللغط كل اللغط، أن نفسر ما تعرض له المسلمون وما يتعرضون له في الحال والاستقبال بأنه نقص في دينهم أو ضلال في عقيدتهم وشريعتهم بمجرد التفسير المادي والنفسي أو الاجتماعي لحالهم، إذ هذا لا يكفي إلا إذا أضفنا العنصر الغيبي المتربص بهم على أشد ما يكون التربص والترصد، ومعه التنصت ! واستراق السمع والنوايا، الذي سيكون متعاونا مع العناصر الظاهرية المعادية للأمة الإسلامية ولنبيها ورسولها سيدنا محمد (ص)، وللأسباب والخلفيات التي سبق وأشرنا إليها، يؤكدها النص القرآني الكريم بكل دقة وقطعية في قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ)[7].

كما سنجد أحاديث نبوية واضحة في الموضوع تبين كيف أن الصحابة الكرام منهم من كان يشتكي من ضغوط نفسية ووسواس متسلط قاصد حتى أوقعهم في حيرة التعامل فلجأوا إلى الطبيب الخبير (ص) لكي يخلصهم من الظاهرة، فيما يروي أبو هريرة رضي الله عنه قال: "جاء ناس من أصحاب النبي (ص) فسألوه إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به.قال: وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم .قال: ذاك صريح الإيمان ! "[8].

وبالمناسبة يذكر حديث - إن صحت روايته مع أنه صحيح المعنى - في حاشية الرهوني على شرح الزرقاني بمختصر خليل"أنه جاء يهودي إلى النبي (ص) فقال: يا محمد، نحن نعبد بحضور القلب بلا وسواس الشيطان، ونسمع من أصحابك أنهم يصلون بالوسواس .فقال عليه الصلاة والسلام لأبي بكر رضي الله عنه أجبه . فقال: يا يهودي، بيتان: بيت مملوء بالذهب والدر والياقوت والأقمشة النفيسة، وبيت خراب خال ليس فيه شيء من المذكورات، أيقصد اللص إلى البيت المعمور المملوء من الأقمشة النفيسة أم يقصد إلى البيت الخراب؟ فقال اليهودي: يقصد إلى البيت المملوء بذلك، فقال أبو بكر رضي الله عنه: قلوبنا مملوءة بالتوحيد والمعرفة والإيمان واليقين والتقوى والإحسان وغيرها من الفضائل، وقلوبكم خالية من هذه فلا يقصد الخناس إليها .فأسلم اليهودي .فظهر أن الشيطان قاصد ولكنه غير واصل إلى مراده، فإن الله يحفظ أولياءه"[9].

يتبع.

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

.........................

[1] ابن هشام: سيرة النبي (ص) ج1ص225

[2] رواه البخاري في كتاب الصيام

[3] رواه الترمذي من حديث أبي سعيد الخدري

[4] رواه البخار في كتاب فضائل أصحاب النبي (ص)

[5] ابن هشام: سيرة النبي (ص) ج 1 ص230

[6] سورة الزمر آية 31

[7] سورة الأنعام آية 112

[8] رواه مسلم في كتاب الإيمان

[9] الرهوني: حاشية الإمام الرهوني على شرح الزرقاني بمختصر خليل ج1ص144

 

 

محمد بنيعيشأولا: بدء الوحي وتحقيق يأس إبليس

فلقد أسرعت العالمية إلى الرسالة المحمدية أو بادرت الرسالة بنورها إلى العالمية منذ بدء نزول الوحي على سيد المرسلين والنبيين محمد صلى الله عليه وسلم، لأنها في الأصل وفي الأزل قد كانت كذلك وتحققت وبقيت إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

وعلى عكس ذاك الرصد الإيجابي والقصد السليم في الانتظار والتطلع الذي مثله بوضوح الراهب بحيرى وورقة بن نوفل وغيرهما من أهل الكتاب وخاصة النصارى سيكون في الضفة من الخندق الآخر رصد سلبي وقصد ماكر وشرير كأشد ما يكون الشر وأظلمه ومتترس كأمكر ما يكون التترس وهو ما كان من توقعات إبليس اللعين وأعوانه من الشياطين وغيرهم من عالم الجن وكذا الإنس، حيث كانوا يسترقون السمع بشكل مكثف ويسعون إلى إضلال الخلق والإيقاع بهم في مهاوي الهلاك والخسران، أو من باب التطلع إلى معرفة ما وراء سمك السماء.

"فكان من رحمة الله وفضله ولطفه بخلقه أن حجبهم عن السماء، كما قال تعالى إخبارا عنهم في قوله: (وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (8) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآَنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (9) وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا (10)[1]) وقال تعالى: (وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (210) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (211) إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (212))[2].

فعن ابن عباس قال: "كان الجن يصعدون إلى السماء يستمعون الوحي فإذا حفظوا الكلمة زادوا فيها تسعا، فأما الكلمة فتكون حقا وأما ما زادوا فتكون باطلا.فلما بعث النبيsمنعوا مقاعدهم فذكروا ذلك لإبليس، ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك، فقال لهم إبليس: هذا الأمر قد حدث في الأرض، فبعث جنوده فوجدوا رسول اللهs قائما يصلي بين جبلين، فأتوه فأخبروه، فقال: هذا الأمر الذي حدث في الأرض..."[3].

وفي رواية الواقدي عن أبي هريرة قال: لما بعث رسول اللهs أصبح كل صنم منكسا، فأتت الشياطين فقالوا له - أي إبليس - ما على الأرض من صنم إلا وقد أصبح منكسا.قال: هذا نبي قد بعث فالتمسوه في قرى الأرياف، فالتمسوه فقالوا: لم نجده .فقال: أنا صاحبه .فخرج يلتمسه فنودي: عليك بجنبة الباب - يعني مكة – فالتمسه بها فوجده بها عند قرن الثعالب، فخرج إلى الشياطين فقال: إني قد وجدته معه جبريل فما عندكم؟ قالوا: نزين الشهوات في أعين أصحابه ونحببها لهم .فقال: فلا آسى إذا"[4].

عدد كثير من كتاب السيرة النبوية قد يغفل هذا الموضوع لأسباب منهجية أو تحفظات جدلية وعقدية على قضايا غيبية قصد تبسيط العرض، وذلك باعتبارها في نظرهم مسألة دينية اجتماعية في غالب سردها ينبغي أن تخضع للمقاييس المادية والصور الواقعية للتاريخ الإنساني العام.

ثانيا: أوجه الموضوعية عند طرح إبليس في السيرة النبوية

ومن هنا فطرح موضوع إبليس والشياطين عند سرد السيرة كعنصر مواكب ومعارض لمسارها قد يبدو لديهم كأنه فيه مس بالموضوعية وعدم الالتزام بالواقعية والعقلانية وذلك حتى يتسنى لهم إرضاء الآخر، أي غير المؤمن، وتقريب المسافات للحوار وتبادل الأفكار.

لكن الأمر في نظرنا يبدو فيه قصور الرؤية ونقص في فهم طبيعة الموضوع وخصوصيته، لأن السيرة هنا ليست حياة شخص عادي أو حكاية عن زعيم قبلي وحاكم لهذه الدولة والعشيرة أو تلك، وإنما هو الحديث عن نبي مرسل.وحينما نتعامل معه بهذه الصفة فإنه ينبغي لنا أن نسلم بكل ما يقتضيه مقامه سواء في تعامله مع عالم الغيب وما وراء المحسوس أو مع عالم الشهادة ومظهره الملموس، بل الغيب قد يكون هو المغلب عند الاعتبار في حاله ومجمل وتفصيل معارفه وقيمه.

والنبي معناه من النبوءة، والتي هي في الأصل إخبار عن الغيب في الحاضر والماضي والمستقبل عن المرئي وغيره، وبالتالي فهي تفيد إمكانية التواصل معه والتوسط عنه، ومن هنا كانت للنبي المرسل المعجزة والتحدي وإلزام الآخرين بالحجة والبرهان وإرغامهم على التسليم له في كل ما سيخبرهم فيما بعد من عوالم ومعالم.

وموضوع إبليس وواقعه يعد من أبرز العلوم والشخصيات الغيبية التي أخبر عنها الرسل والأنبياء وحذروا الخلق من شرها وكيدها، منذ آدم عليه السلام إلى بعثة نبينا ورسولنا سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم .فلقد جاء الحديث عنه دائما في سياق العداء والحسد والكبر والتخذيل والكيد والسعي الدؤوب إلى الوقيعة بالإنس والجن أو بينهم في مهاوي الضلال والهلاك كما هو مشخص في هذه الآيات نقطة البداية في هذا الصراع، يقول الله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآَدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (34) وَقُلْنَا يَا آَدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (35) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (36) فَتَلَقَّى آَدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (37) قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (39))[5].

إذن، فموضوع إبليس ثابت بالنص القطعي الدلالة والثبوت باعتباره كائنا حقيقيا مستقلا بخصوصيته وذا حيز وجوهر وقضية، ومن هنا فإلغاؤه أو إسقاطه من موضوع السيرة وعوارضها، عند السرد والتحليل، هو عبارة عن بتر واعتراض ضمني على مفهوم النبوة ومجمل ما جاءت به من إخبار عن المغيبات في تواصل أو تصادم مع كائنات، مثل الشياطين الذين يأتون دائما في مضادة للملائكة، وعلى رأسهم الملك جبريل عليه السلام الواسطة الرئيسية في تبليغ الوحي نصا وفصلا .

بحيث إن هذا التهميش من خلفية تحييد بعض الماورائيات مع التسليم ببعضها، باعتبارها عنصرا أساسيا في إثبات النبوة ومقتضياتها التواصلية الغيبية، قد يضع الباحث القصير النظر في مأزق وحيرة من تحليل عدة ظواهر وإجراءات نبوية، وحتى لدى بعض المعتقدين في صدق النبي، حينما يختلط عليهم العنصر المرئي باللامرئي، فيرونه من وجهة نظرهم المحصورة وزعمهم القصير على أن الخبر فيه تناقض ينبغي إلغاء أحد جانبيه على حساب الآخر وإقصائه من سجل السيرة حتى يتلاءم مع الواقعية في زعمه، وبهذا فقد تفقد السيرة النبوية أهم خصائصها الروحية وعنصرها الذوقي وخيطها الرفيع في إيصال عالم الغيب بالشهادة إيصالا متناسقا ومتكاملا، إن سلوكيا أو معرفيا وعرفانيا.

لا أريد أن أسترسل في تحليل هذا الموضوع لأنه سيجرنا إلى إشكاليات نفسية وفلسفية وعقدية جد عميقة ومعقدة قد لا نخلص منها سريعا وبسلامة، كما قد لا تصفو لنا السيرة بالإطناب فيه بصورتها الجمالية والواقعية بحللها الظاهرية والغيبية أو الباطنية، ولكن حسبنا أننا قد أشرنا ومهدنا لطرح قضية إبليس وحضوره منذ البداية ضمن العناصر المهمة طردا وسلبا والمشخصة لنصوص السيرة النبوية ومشهدها على سبيل المعارضة والكراهية الشديدة، شأنه في ذلك شأن صناديد كفار قريش بل أشد منهم غاية وإذاية: ( إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ)[6].

ولقد أثار انتباهي وزادني تأكيدا على المسألة هاته هو هذا التوجه الأدبي الذي سلكه الدكتور طه حسين في الموضوع، بالرغم من أنه قد كان خلدونيا وأمْيل إلى تحليل التاريخ والسير على أسس مادية وشبه واقعية، لكنه مع هذا لم تفته هذه الدقيقة من خلال الالتفات إلى موضوع الشياطين وعلى رأسهم إبليس الذي كان حاضرا عند بناء الكعبة في صورة شيخ نجدي، وأيضا سيتكرر حضوره بين مشركي قريش على عدة أشكال وتحت ذرائع وأقمصة متنوعة.

فلقد تناوله في الجزء الثاني من كتابه على هامش السيرة تحت عنوان "نادي الشياطين" وذلك في قراءة نفسية أدبية لما يمكن أن يسري بين أعداء بالأصالة والترصد نحو عدوهم اللدود المقصود، والذي سيسحب منهم كل الامتيازات التي كانوا يتمتعون بها على حساب المضلَّلين من بني آدم ومن الجن أنفسهم .

فلقد صاغ هذه المحاورة بين إبليس وجنوده عند فترة بدء الوحي حيث قال مستخذيا - أي إبليس -: " ما غمضت علي الأمور قط كما غمضت علي الآن، وما عميت علي الأنباء قط كما عميت علي الآن، وما عودتكم أن أسألكم عن شيء أو أستشيركم في شيء.ولولا أن الغيب قد حجب عني لأول مرة ما دعوتكم ولا استشرتكم .قالوا: تكبرت ! لئن حجب الغيب عنك لهو أحرى أن يحجب عنا، وإنا منذ الليلة لفي ظلمة دامسة لم نعهد مثلها قط، وإنا لنتحدث فما تكاد أصواتنا تبلغنا.ولولا أنك كبير في نفوسنا لأشفقنا ألا تبلغ أصواتنا.قال: لا تراعوا ولا يخرجكم الفزع عن أطواركم ! فإن أصواتكم تبلغني كما يبلغكم صوتي، وما هذه الظلمة الدامسة إلا من عملي وكيدي، فقد ألقي في روعي أن من الخطر كل الخطر أن نتشاور أو ندير أمرنا بيننا دون أن نقيم بيننا وبين السماء حجبا كثافا.

قالوا: تكبرت أن يرد عليك رأي أو يخالف لك عن أمر ! فقل نستمع، وادع نستجب، ومر ننفذ إلى طاعتك أسرع مما تنفذ السهام إلى رميتها..."[7].

...ثم يلتفت إلى جماعة أخرى، تشبه الكومندوس في اختراق المؤسسات والدول الأخرى وتنفيذ أقوى العمليات، قائلا: "وأما أنتم فارجعوا إلى حيث كنتم من هذا الوجه من العرب، وليأخذ كل منكم مكانه في جوف صنمه لا يفارقه حتى يأتيه أمري "ثم يوجه سربا آخر أكثر دقة وفتكا: "وأما أنتم فبيتوا قريشا من ليلتكم، وليلزم كل واحد منكم رجلا منهم نائما ويقظان، ساكنا ومضطربا في الأرض، وإياي أن يفلت منكم أحد من قريش ! واعلموا أن من أفلت منه صاحبه فلن يجد عندي إلا عذابا تعرفونه، وما تحتاجون إلى أن أذكركم به أو أدلكم عليه"[8].

فمعاني هذه المحاورات مأخوذة من مفهوم أو إشارات النص القرآني والحديثي الذي يصور لنا إبليس وجنوده ومستويات عدائهم للحقيقة والنبوة والسعادة البشرية، في حين ستكون مرحلة بدء الوحي هي الحد الفاصل بين استمتاع إبليس وجنوده بما قد يسترقونه من معارف غيبية عن طريق السماء وبين سد هذا الباب نفسه عليهم وإقصائهم من هذا الحضور الخاطف، والذي به كان يتم إضلال الناس والإزلاق بهم في أسوأ المهاوي وعلى رأسها مهاوي الشرك والكفر والإلحاد...يتبع

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

.....................

[1] سورة الجن آية 8 -10

[2] سورة الشعراء آية 210 - 212

[3] ابن هشام: سيرة النبيsج1 ص415

[4] ابن كثير: السيرة النبوية ج1ص 420

[5] سورة البقرة آية 34-39

[6] سورة فاطر آية 6

[7] طه حسين: إسلاميات، على هامش السيرة ج2ص424

[8] نفس ج2 ص431

 

محمد بنيعيشأولا: التفاعل مع الوحي والملك دليل واقعية العوالم

إن أطوار بدء الوحي ووقائعه مع التأمل والاستغراق في استخلاص العبر من هذه الفترة المفصلية من حياة الرسول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم الروحية قد تعد أهم وأعظم نقطة ومحطة في تاريخ النبوة وبدء الرسالة وتحقيق التواصل المباشر بين عالم الشهادة وعالم الغيب في سيرته ومسيرته (ص) .

يقول العلامة الشهيد محمد سعيد رمضان البوطي رحمه الله تعالى في هذه المسألة: " لقد فوجئ محمد عليه الصلاة والسلام وهو في غار حراء بجبريل أمامه يراه بعينه وهو يقول له: اقرأ.حتى يتبين أن ظاهرة الوحي ليست أمرا ذاتيا داخليا مرده إلى حديث النفس المجرد، وإنما هي استقبال وتلق لحقيقة خارجية لا علاقة لها بالنفس وداخل الذات ...ضم الملك إياه ثم إرساله ثلاث مرات قائلا في كل مرة اقرأ، يعتبر تأكيدا لهذا التلقي الخارجي ومبالغة في نفي ما قد يتصور من أن الأمر لا يعدو كونه خيالا داخليا فقط"[1].

بل إنه الواقع الناصع والحقيقة المباشرة، لا هي قابلة للتأويل والتحويل ولا هي منصاعة للتزيل والتبديل، وهذا ما قد يعرف عند العارفين بحق اليقين كأعلى درجات التحقيق المعرفي وشهوده.

فعلاقة النبي (ص) بالغيب هي جد معقدة وليست بالسهولة التي قد يتصورها البعض من مجرد تلق وإلقاء، وإنما هي قد كانت دائما في تفاعل روحي من التيار العالي، أو إن شئنا التقريب مع التحفظ في الوصف، عبارة عن كيمياء روحية تسري فيها ضغوطات وتفجيرات وتحولات عنصرية وذاتية قد تشمل الروح والجسد معا، وهو مما لم يتحقق بمجرد اللقاء الأول فقط وإنما بقي مستمرا ولو بعد تتابع الوحي وحميه.

في حين أن الذاتية والتصرف الشخصي للنبي (ص) قد كان معزولا عن هذا المشهد وافتعال الأحوال، وإنما هي مفروضة عليه من الحضرة الإلهية القدسية بجلالها وجمالها، وبحكم المقام، حتى يبقى العبد عبدا والرب ربا، وأنه مهما ترقى هذا العبد في التقرب إلى حضرة ربه إلا وازداد عبودية وهيبة وخشية في تناسق مع المحبة والأنس والرضا.

حتى إن مسألة استظهار الوحي لم تكن بالنسبة إلى النبي (ص) لتتم بسهولة مع أنه عليه قد أنزل، وذلك لأن العملية لم تكن لديه مجرد التسجيل في الحافظة والاستعراض في المخيلة وإنما هي انتقاش وتثبيت جوهري في أعماق أعماق سويداء قلبه (ص) .

وبهذا ورد الحديث "عن ابن عباس في قوله تعالى(لا تحرك به لسانك لتعجل به)قال: كان رسول الله (ص) يعالج من التنزيل شدة وكان مما يحرك شفتيه، فقال ابن عباس: فأنا أحركهما لكم كما كان رسول الله (ص) يحركهما، وقال سعيد: أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما، فحرك شفتيه فأنزل الله تعالى: ( لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (16) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآَنَهُ (17) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآَنَهُ (18) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (19)) قال: جمعه لك في صدرك وتقرأه (فإذا قرأناه فاتبع قرآنه) قال: فاستمع له وأنصت (ثم إن علينا بيانه) ثم إن علينا أن تقرأه، فكان رسول الله (ص) بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع، فإذا انطلق جبريل قرأه النبي (ص) كما قرأه"[2].

فرواية ابن عباس هاته تؤكد على أن الحال قد استمر مع النبي (ص) هكذا إلى فترة طويلة، خاصة وأن ابن عباس رضي الله عنه لم يلتحق به (ص) ولم يحضر مجالسه إلا بعد الهجرة لصغر سنه وارتباطه بأبيه العباس رضي الله عنهما إلى حين فتح مكة.

كل هذا الحال يعني أن مسألة الوحي قد كان يطبعها عنصر الواقعية والتحقيق الملموس، وأنه ليس من السهل التواصل مع العالم الآخر من دون تحول كيميائي وانتقال جوهري وعرضي من صورة إلى أخرى أو من هيئة إلى غيرها .

في حين، نرى أن المسألة بهذا الشكل قد تسد الأبواب والمنافذ أمام كل متطفل أو مزايد على عالم الغيب وحرماته بمجرد الآراء والأهواء، كما أن المنفذ الوحيد لاختراق العوالم قد لا يتم حتما إلا عبر مركبة قوية وذات دفع طاقي من التيار العالي، وليست تلك إلا مركبة أو مقام النبي والرسول لا غير، والتي ستكون بالضرورة هي الضامنة لسلوك الصراط المستقيم والمحجة البيضاء التي ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك.

كما أن كل مدعي للمعرفة عن المغيبات والكشوفات وعوالم ما وراء الحس إذا لم تكن لديه قاعدة نبوية ومدخل من بابها فدعواه مجرد دجل وشعوذة أو رمي في عماية، وأيضا فكل زاعم للمعرفة الغيبية ومتجرئ على الخوض فيما وراء المرئي لم يقاس نصيبا من المعاناة والمشقة المعبر عنها في المصطلح الإسلامي بالمجاهدة والرياضة والمراقبة والمحاسبة فإن معرفته تلك لا يعول عليها وليست بالصحيحة أو الثابتة .

وبهذا فمسالة بدء الوحي عند النبي (ص) قد مثلت الحلقة المفصلية للتحقيق المعرفي وضبطه والحسم في صدق مصدره، كما أنها ستؤسس لكل المعارف الإنسانية الجادة والنافعة والتي لا يتم اكتشافها والتوصل إلى جوهرها إلا بعد الجهد والتفاعل والتجربة والتحولات الكيميائية والفيزيائية والنفسية...

وهذه المعاناة ليست مجرد حادثة آنية وإنما هي ذات حضور مستمر راسخ في الوجدان والوعي، فمن جهة هناك الوحي الذي عبر عنه القرآن الكريم بقوله تعال: (إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا)[3] وهي الصفة الملازمة له إلى آخر كلمة أو حرف منه.وبقدر ثقل الجواهر تكون قيمتها أعلى وأعظم، ويكون صاحبها أغنى وأكرم، والكلام على قدر المتكلم والحامل له على قيمة المحمول، تماما كما سبق وذكرنا في مرقى: "فجر النور ومبادئ الخصوصية من السيرة النبوية" عبارة خالد بن الوليد رضي الله عنه حينما قال: "هو رسول الله والرسول على قدر المرسل".

ونظرا لمقام المحبوبية والرضا والأنس الذي حظي به رسول الله (ص) فإن ثقل الوحي هذا لم يزده إلا شوقا وذوقا وأخلاقا وعمقا معرفيا ما بعده من عمق، قد قابله بالشكر المطلق لله تعالى وتحقيق العبودية له والاعتراف الكلي بمنته تعالى عليه (ص) .

فهو (ص) بالرغم من مقاساته والأحوال التي كانت تعتريه عند نزول الوحي إلا أنه قد أصبح منجذبا نحوه لا يستطيع الاستغناء عنه أو الوصال بدونه ولو لحظة، لأنه صار هو قوت وجوده ومصدر صحوه ومحور سعادته (ص) .

وهذا التعلق لم يقتصر عليه (ص) وإنما قد تعدى إلى أصحابه وأصبح مصدر حياتهم ومنار طريقهم ومحور سعادتهم، إذ أنهم لما توفي (ص) واختار الرفيق الأعلى أنكروا أنفسهم وادلهمت عليهم الدنيا وأظلمت حتى وقعوا في معاناة كآبة الوجود وسدت عليهم أبواب الاتصال من كل جانب، ليس لأنه (ص) توفي فقط ولكن كما تذكر الروايات ومعبراتها لأن الوحي قد انقطع بغيابه ظاهرا عن شهودهم، فقد كانت أم أيمن رضي الله عنها تبكي بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانت تعلل ذلك بأنها تبكي لأن الوحي قد انقطع من السماء. وفي رواية أحمد قال أنس: لما كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء، وقال: ما نفضنا عن رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا.

فكانت حينئذ خسارتهم مضاعفة تجمع بين غياب وانقطاع الواسطة وبين توقف خطاب الوصال الذي يربطهم على صفة ممتازة جدا بالموسوط، والذي قد كان يمثل ويحقق ذلك الشعور القوي بالقرب من الله تعالى قربا مباشرا عن طريق الوحي الذي كان ينزل منجما ومتتاليا فيجدد قلوبهم ويرويها إرواء بأمطار نورانية حديثة العهد بربها.

ثانيا: ثقل الرسالة والمعاناة الشاملة دليل تحقيق العالمية

والمعاناة الأخرى التي ستضاف إلى الأولى بالنسبة إليه صلى الله عليه وسلم كثمن لهذا الاختصاص والاصطفاء هو ما سيعبر له به ورقة بن نوفل عن القانون العام اللازم لكل أولي العزم من الرسل بقوله: "هذا الناموس الذي نزل الله على موسى، ليتني فيها جذعا، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك، فقال (ص): "أو مخرجي هم؟"قال: نعم ! لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا ..."[4].

وهذا الإخبار المسبق فيه قبض وبسط، إذ القبض هو من طبيعة البشر حينما يتوقع الأسوأ في المستقبل بما يحمل من آلام ومضايقات غير محددة توقيتا ونوعا وقوة، وبالتالي فقد تسبب له توجسا وخيفة وقلقا و ربما أرقا، خاصة وأن المعاداة هنا ليست مجرد خصومة عابرة أو صراع متبادل ومحدود، وإنما هو أصعب وأخطر من ذلك وأشرس، ألا هو الطرد من المجموعة وسلب الهوية الوطنية عنوة والإلقاء به في المجهول وتعريضه للهلاك المحقق.أي أنه سيتعرض لمعاناة فوق معاناة ومعاداة تصب في معاداة، حتى قد يكون التصور، بحسب المقياس البشري العادي، هو أنه إذا طردني قومي وبنو جلدتي وعشيرتي فغيرهم سيكونون أكثر شرا وسوء وعداوة، وخاصة إذا جاء التحريض من الأولين ووافق هوى الآخرين.

هذا الشعور هو ما قد عبر عنه الرسول (ص) لما ذهب إلى الطائف حينما ضايقه قومه وحاصروه فقابله طرد أسوأ من الطرد الأول وحصار أضيق من المتوقع فخرج منه هذا الدعاء الحزين على أرقى صورة وأبلغ وصف للاضطرار وفناء الحبيب في حب حبيبه وثقته به وهو قوله (ص): " اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، إلى من تكلني، إلى عدو يتجهمني، أو إلى قريب ملكته أمري، إن لم يكن بك علي غضب فلا أبالي، غير أن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات، وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة، أن تنزل بي غضبك، أو يحل علي سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك"[5].

إن أول مظهر للرسالة المحمدية قد تميز بالعالمية وبعد الامتداد الجامع بين آفاق الأرض والسماء "وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين " والتي ستكون على صور مختلفة ومتناقضة من حيث الرفض والقبول على التوازي، وذلك في تواصل وتنافر بين عالم الإنس والجن أو الشياطين، إما الاستجابة أو المحاربة لهذا الأمر، وهذا له ارتباط بشكل المحن والنعم التي ستتناوب على مظاهر حياة الرسول (ص) قد كان من نتائجها هذا الدعاء السابق.

فورقة بن نوفل هنا لم يكن سوى نقطة البداية لنشر الإسلام، عبر العالم المعتقِد والمتدين من قبل، وتحقيق الميثاق الذي أخذه الله تعالى على كل نبي بعثه قبله، ومعه أمته أو أتباعه ضرورة، بالإيمان به والتصديق والنصرة له على من خالفه "وأخذ عليهم أن يؤدوا ذلك إلى كل من آمن بهم وصدقهم فأدوا من ذلك ما كان عليهم من الحق فيه، يقول الله تعالى لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آَتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي ) أي ثقل ما حملتكم من عهدي . (قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) فأخذ الله ميثاق النبيين جميعا بالتصديق له والنصر له ممن خالفه، وأدوا ذلك إلى من آمن بهم وصدقهم من أهل هذين الكتابين"[6].

وهذا ما يفسر لنا قوة الترقب التي كانت سائدة آنذاك لدى أهل الكتاب من اليهود والنصارى لبعثة خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد (ص) ، وذلك من خلال إقامة المراصد عبر الجزيرة العربية، وخاصة في نواحي الحجاز وطريق الشام كما كان الحال مع الراهب بحيرى.

لكن حظ ورقة قد كان الأوفر، لأنه وصل إلى العين مباشرة فرأى فيضها وارتوى منها وتحقق بوصالها، كما قد أصبح لزاما عليه الإخبار بها لكل من هو في عهدة الميثاق المأخوذ على الأنبياء من قبل، وخاصة أتباع موسى وعيسى عليهما السلام، بحيث قد جاْء الحديث حاصرا ومخصصا:

" وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لاَ يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلاَ نَصْرَانِيٌّ، ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ، إِلاَّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ"[7].

فكان ورقة أول من سمع ورأى فآمن ومن كان معه في مقام الرصد من النصارى، كنسطاس الرومي فيما يذكر بعض الرواة للسيرة نجد له هذا التشخيص الأدبي من طه حسين للحوار بين الرجلين حول تباشير البعثة وهما في مركز الإشعاع: "ثم قطع نسطاس الصمت قائلا: إنه الفجر يا ورقة .قال ورقة: نعم، إنه الفجر يا نسطاس ! و الفجر الصادق هذه المرة، فقد طالما كذبتنا نجوم الليل.قال نسطاس: فقد أخذ الليل ينجلي .قال ورقة: ولكنه ينجلي في بطء شديد.قال نسطاس: وقد آن لي أن أرحل بالخبر إلى أصحابنا قبل أن تشرق الشمس .قال ورقة: أو قبل أن يرتفع الضحى .قال نسطاس: بل قبل أن تشرق الشمس فالخير في البكور، وكان شاعركم يحب الغدو مع الطير، فلنكن عربا ونحن نودع أرض العرب"[8].

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

.......................

[1] الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي: فقه السيرة دار الفكر ط8ص85

[2]

[3] سورة المزمل آية 5

[4] رواه البخاري، كتاب بدء الوحيا

[5] رواه الطبراني في معجمه الكبير، وأصحاب السير

[6] ابن هشام: سيرة النبي (ص) دار الفكر ج 1ص252

[7] رواه مسلم

[8] طه حسين: إسلاميات، على هامش السيرة منشورات دار الآداب العربية بيروت ج3ص457

 

مجدي ابراهيمإذا كان الخضر عليه السلام رمزاً لعلم القدر كما جاء في سورة الكهف: الخضر العبد الصالح ذو العلم اللّدُّنيّ أم القَدَر؟ فهل توقفت يوماً لتتساءل عن سيدنا الخضر عليه السلام؟ هل هو نبيّ أم وليّ أم عالم أم من هو، وماذا تراه يكون؟ هل انتابتك الدهشة لهذا الذي جعله الله أكثر علماً وحكمة ورحمة من نبيِّ مُرسل؟ هل تساءلت يوماً لماذا كل هذا الإصرار أن يصل سيدنا موسى عليه السلام؛ لبلوغ المكان الذي سيلاقي فيه سيدنا الخضر عليه السلام ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُباً) (الكهف: 60).

ولماذا سيدنا موسى تحديداً الذي قُدّر له من بين جميع الأنبياء والرسل أن يقابل سيدنا الخضر الأكثر علماً ورحمة، وأنْ تدوّن هذه القصة في أخلد كتاب وأعظم قرآن يُتلى إلى يوم الدين؟

تحديداً، إنّ هذه القصة من المؤكد تختلف تماماً عن كل القصص، قصة موسى والعبد الصالح الذي أعطاه الله العلم اللَّدُّنيِّ، لم تكن كغيرها من القصص، ولابدّ من تعليل، إذا كان الفهم كيما يستقيم يلزمه التعليل.

لا شك أنّ القصة تتعلق بعلم ليس هو علمنا القائم على الوسائل والأسباب، وليس هو علم الأنبياء القائم على الوحي، إنما نحن في هذه القصة أمام علم من طبيعة أخرى غامضة أشدّ الغموض. هو علم القدر الأعلى، أو سرّ القدر كما يسميه ابن عربي، هو العلم اللَّدُنيِّ، علم أسدلت عليه الأستار الكثيفة، كما أُسدلت على مكان اللقاء وزمانه وحتى الاسم ﴿عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا﴾ وكفى. هذا اللقاء كان استثنائيا؛ لأنه يجيب على أصعب سؤال يدور في النفس البشرية منذ خلق الله آدم إلى أن يرث الله الأرض وما عليها ومن عليها.

السؤال الأزلي الدائم كما تدوم السرمديّة:  لماذا خلق الله الشر والفقر والمعاناة والحروب والأمراض؟ لماذا يموت الأطفال؟ كيف يعمل القدر تجاه هذا كله؟

يذهب البعض إلى أن العبد الصالح لم يكن إلا تجسيداً للقدر المتكلم لعلّه يرشدنا: ﴿فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آَتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً﴾ (الكهف: 65).

العبد الصالح صاحب "العلم اللَّدُنيِّ" هو الذي ينكشف سر القدر بواسطته، ولا ينكشف لغيره ما دام هذا لغير لم يؤمن تحقيقاً، ولم يتحقق بوَحْدَةِ قصد.

أهم مواصفات القدر المتكلم أنه (رحيم عليم) أي أن "الرحمة" سبقت "العلم". سبقته؛ لأن الرحمة وسعت العلم اللَّدنيِّ، لكن العلم الظاهر ضاق عنها، ولم يضق عنها إلا لأنه ظاهر ذو غرض عارض ومطلب نفس وقضاء حظوظ. وعلمٌ هذه صفته لا بدّ أن يتأخر عن الرحمة في حين تتقدّمه هى ولا يتقدّمها.

قال النبيُّ البشر (موسى): ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْداً؟﴾ (الكهف: 66).

يرد القدر المتكلم (الخضر): ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً، وَكَيْفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً؟﴾ (الكهف: 68).

تجيء دوماً فهم أقدار الله فوق إمكانيات العقل البشري المحدود بحدود ما يفكر فيه، المرهون تباعاً في حدود تفكيره دوماً بمقولاته، ولن تصبر على التناقضات التي تراها؛ لأن العلم المحدود يُقابلُ بعلم أوسع منه هو من معدن الرحمة التي وسعت العلم اللَّدنيّ كما وسعت كل شئ، وضاق عنها العلم الظاهر ذي العقل النظري الظاهر كما تضيق السّعة في عين المحجوب.

يرد موسى بكل فضول البشر: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِراً وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْراً﴾ (الكهف: 69).

هنا تبدأ أهم رحلة توضح لنا كيف يعمل القدر؟

يركبا في قارب المساكين؛ فيخرق الخضر القارب .. ولك أن تتخيل حجم المعاناة الرهيبة التي حدثت للمساكين في القارب المثقوب: فزع، ألم، رُعب، خوف، تضرع، ورجاء. جعل موسى البشري ذي العقل البشري الذي يأخذ بالوسائل والأسباب يقول: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً؟﴾ (الكهف:71).

عتابٌ للقدر كما نفعل نحن تماماً فنقول مثلاً: أخلقتني بلا ذريّة كي تشمّت بي الناس؟ أجرّدتني من منصبي لأصبح بلا قيمة؟ أفصلتني من عملي كي أظل فقيراً؟ أأزحتني عن الحكم، ليشمت بيّ الأراذل؟ لماذا أمت ابني وهو شاب تضحك له الدنيا؟ لمَ يا رب؟! لماذا كل هذه السنوات وأنا في السجن؟ يا ربّ: أنستحق هذه المهانة؟ لماذا كل هذا الفقر والبلاء والوباء والمعاناة والكوارث والغلاء والحروب والأمراض والأوجاع والأسقام البدنية والروحيّة؟

ــ تساؤلات العقل المحدود ذي الأفق المحدود لا تنفك عن دوام السؤال المحدود. ذلك فقر في الذخيرة الروحيّة وفقر لا شك فيه في فقه الوجود.

ــ ﴿أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً؟﴾ (الكهف: 72)، ألم أقل لك إنك أقل من أن تفهم سر الأقدار وتحيطها علماً؟ ثم يمضيا بعد تعهد جديد من موسى عليه السلام بالصبر. مضي الرجلان، ويقوم الخضر الذي وصفه ربنا بالرحمة قبل "العلم" بقتل الغلام ويمضي؛ فيزداد غضب موسى عليه السلام النبيّ الذي يأتيه الوحي، ويعاتبه بلهجة أشدّ:﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا؟!﴾ (الكهف: 74).

هنا تتصاعد حدّة التنكير! ففي الحالة الأولى كانت شيئاً عجباً غير أنه مُنكر، وفي الحالة الثانية جاءت شيئاً يتصاعد في الغرابة والتنكير.

والكلام صادر عن نبيِّ أوحىّ إليه، لكنه بشر مثلنا، ويعيش نفس حيرتنا، والخضر عليه السلام، يؤكد له مرة أخرى ﴿أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً؟﴾ (الكهف: 75). ثم يمضيا بعد تعهد أخير من موسى الكليم بأن يصمت ولا يسأل؛ فيذهبان إلى القرية، فيبني الخضر الجدار ليحمي كنز اليتامى.

وهنا ينفجر موسى غضباً؛ فيجيبه من سخّره ربّه؛ ليكشف قبل موسى سر القدر: ﴿قَالَ: هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْراً﴾ (الكهف: 78).

وتتجلى الحكمة الإلهية فيما يكشفه "التأويل"  من طريق العلم اللّدُّنيِّ، وهى التي لن نفهم بعضها حتى يوم القيامة:الشرُّ أمر عدمي، نسبيّ، عرضيّ، ليس بحقيقيّ. ومفهومنا كبشر عن الشر قاصر؛ لأننا لا نرى الصور الكاملة، والمعنى المعطى لنا على قدرنا لا على قدره، نحن محجوبون عن أصل الخير فينا؛ لأننا محجوبون عن علم القدر وعن سره؛ فلسنا نطيقه:

والقدر أنواع ثلاث:

ــ النوع الأول: شرٌ تراه فتحسبه شراً فيكشفه الله لك أنه كان خيراً؛ فما بدا شراً لأصحاب السفينة أتضح أنه خير لهم. وهذا النوع الأول هو ما نراه كثيراً في حياتنا اليوميّة وعندنا جميعاً عشرات الأمثلة عليه.

ــ النوع الثاني: إنّما هو شر تراه فتحسبه شراً، لكنه في الحقيقة خير .. مثل قتل الغلام، لكن لن يكشفه الله لك طوال حياتك، فتعيش عمرك وأنت تحسبه شراً. وهكذا يكون الحجاب بنفسك، وبوسائلك وأسبابك، عن علم الله. لكن خلف حجاب السبب وحجاب الوسيلة علم آخر هو علم الله.

هل عرَفتْ أم الغلام حقيقة ما حدث؟ هل أخبرها الخضر؟

الجواب: لا .. بالتأكيد قلبها انْفطر، وأمضت الليالي الطويلة حزناً على هذا الغلام الذي ربّته سنيناً في حجرها؛ ليأتي رجل غريب يقتله ويمضي. ومن المؤكد أنها لم تستطع أبداً أن تعرف أنّ الطفل الثاني كان تعويضاً عن الأول. وأنّ الأول حيثما عاش سيكون سيئاً: ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَاناً وَكُفْراً﴾ (الكهف: 80). وفي معاني القرآن للفرّاء (207هـ) " فخشينا أي فعلمنا، وهى في قراءة أبيِّ (فخاف ربك أن يرهقهما) على معنى: علم ربك. وهو مثل قوله (إلا أن يخافا) أي: إلا أن يعلما ويظنا. والخوف والظن يُذهب بهما مذهبّ العلم.

فهنا نحن أمام شر مستطير حدث للأم، ولم تستطع تفسيره أبداً. ولن تفهم أم الغلام أبداً حقيقة ما حدث إلى يوم القيامة. نحن الذين نمرُ على المشهد مرور الكرام؛ لأننا نعرف فقط لماذا فعل الخضر ذلك؟ أما هي فلم ولن تعرف.

ــ النوع الثالث من القدر وهو الأهم، وكل علوم القدر مهمّة: هو الشر الذي يصرفه الله عنك دون أن تدري لطف الله الخفيّ. وهل كانت هينة يسيرة كلمة العارفين: يا خفيِّ الألطاف نجّنا ممّا نخاف؟ الخير الذي يسوقه الله لك ما دمت في وحدة القصد، ولم تره، ولن تراه، ولن تعلمه.

هل اليتامى أبناء الرجل الصالح عرفوا أن الجدار كان سيهدم؟ لا.. هل عرفوا أن الله أرسل لهم من يبنيه؟ لا.. هل شاهدوا لطف الله الخفيّ .. الجواب: قطعاً لا.. هل فهم موسى السّر من بناء الجدار؟ الجواب أيضاً .. لا !

فلنعد إلى كلمة الخضر (القدر المتكلم) الأولى: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً﴾. الصبر مفتاح بوابة وحدة القصد، والاستطاعة عليه توفيق من يقين الإيمان.

لن تستطيع أيها الإنسان أن تفهم أقدار الله ما دمت لم تترقى لتعرف ربّك. الصورة أكبر من عقلك، وستظل أكبر منه إذا كانت أعمالك وسائل ليست بمقاصد حاضرة مع الحق، يجري أسرار الأقدار على العباد الذي أعطاهم من عنده وعلَّمهم.

استعن بلطف الله الخفيّ لتصبر على أقداره التي لا تفهمها. ثق في ربّك؛ فإنّ قدَرك كله خير. وقُل لنفسك: أنا لا أفهم أقدار الله، لكنني مؤمن بها، متسق مع ذاتي ومتصالح مع حقيقة أنني لا أفهمها. لكنني موقن كما الراسخون في العلم أنه كل من عند ربنا. إذا وصلت لهذه المرحلة، ستصل باليقين لأعلى مراحل الإيمان: (الطمأنينة القلبية). وهذه هي الحالة التي لا يهتز فيها الإنسان لأي من أقدار الله، خيراً بدت له أم شراً، ويحمد الله في كل حال. حينها فقط، سينطبق عليك كلام الله ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ﴾ إلى أن يقول: ﴿وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾. لاحظ هنا أنه لم يذكر للنفس المطمئنة لا حساباً ولا عذاباً؛ بل أدخلها الجنة راضية مرضيّة.

لنلحظ  مرة ثانية الفرق الفارق في قصة الخضر مع موسى الكليم بين توجّهات الأعمال: بين عمل وعمل، بين العمل إذا كان وسيلة، والعمل فيما لو كان مقصداً لا وسيلة. لم يكن عمل الخضر عليه السلام إلا مقصداً من علم الله وفي الله، منه وإليه، ومن أجله، أمّا عمل موسى عليه السلام، فهو عمل الوسائل القريبة والقرائن الحاضرة، يأخذ بالأسباب المتاحة التي يأخذ بها البشر جميعاً، ولكن فوق علوم البشر القاصرة يوجد علم الله وتقديره، هو علم القدر، أو سر القدر، يعطيه من يشاء حين يشاء كما أعطاه للخضر عليه السلام.

حقيقة؛ ما لم تكن أعمالنا مُوجّهة منذ البداية نحو المقاصد الإلهيّة، فلن نجد لها في حاضراتنا الواقعة تقديراً آدميّاً؛ إذ كانت "وسائل" لا "مقاصد". فإنّ عالم التقديرات الآدمية عالم حقير، يُبخس فيه الجزاء عنوة، ولا ينسب الفضل فيه إلا لغير لأهله. أمّا عالم التقديرات الإلهية؛ فلن يبخس عملاً ولا يهضم حقاً. الأصل في هذا العالم أن يكون "العمل" في فروعه المنوّعة المثمرة موجَّهاً إلى الله تعالى لا لأحد سواه، أي تصبح "وحدة القصد" حاضرة لا غائبة؛ فكل ما لله محفوظ دائم باق، بمقتضاها. ومن هنا كان العزاء؛ إذ صار العمل - فيما لو كان على الدوام موصولاً برحاب المعيّة الإلهية - مقصداً يسمو فوق الوسيلة الفانية والأغراض النفعية الزائلة لأنه موجّه إلى الله، وكفى بالله رعاية وكلائة أن تتوجه إليه مقاصد الأعمال خالصة ممّا سواه وهى على ديدن الحضور وهجير العرفان.

ومن هنا كان الشعور بالرضى فيما لو صحت الغاية وصح مقصدها تجاه كل عمل تقصد به وجه الله؛ فهو خير في ذاته من حيث يريد له الناس الشر والبطلان، وهو موفور الجزاء من حيث يعز الجزاء من الناس، وبين الناس.

أمّا الأعمال إذا هى كانت وسائل لمثل هذا المجد الدنيوي الكاذب؛ فإنها تجر على صاحبها أذيال الخيبة والخسران؛ فحقك إذا كانت أعمالك وسائل مهضوم، ومباح تقديره للآدميين، يبدون فيه آراء الانخفاض والارتفاع على ما يشتهون ولا يكادون - فيما لو اجتمعوا - بحسب تقديراتهم الهوائية ومنافعهم الساقطة التي ليست بالمنصفة أن يتفقوا على رأي فيه سديد.

ليس هذا فقط؛ بل إنّك في ذاتك فيما لو تأملتَ؛ لوجدتك ظالماً لنفسك بجعلك العمل "وسيلة" من وسائل الزيف الخدّاع: زيف الوجود المزيف لا الحقيقي، زيف القشرة اللامعة بغير شئ تحتها سوى الأعراض السطحية، زيف الدنيا المبهرجة الكاذبة إنْ دامت لك ما وصلت لغيرك، ممّا لا طائل فيها غير الزيف تقف عليه، ولا تجد لعملك رضى ولا قبولاً ولا عزاءً تستقر عليه طمأنينة القلب الطهور بغير تنغيص، ناهيك عن العذاب النفسي الشديد لأصحاء الضمائر من جرّاء عملية التزوير والتزييف.

(وللحديث بقيّة)

 

بقلم: د. مجدي إبراهيم

 

علي اسعد وطفةدور المنظمات الدولية في تأصيل التربية البيئة كقوة تنموية

"نحن نحمل المستقبل في أيدينا. معا، يجب أن نتأكد من أن أحفادنا لن يكون عليهم أن يتساءلوا، لماذا أخفقنا في القيام بالشيء الصحيح، وجعلناهم يتحملون العواقب". الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، 2007

1- مقدمة:

شكل التدهور البيئيّ الجارف والمتسارع في مختلف مظاهر الحياة البيئية في مختلف أنحاء العالم، منطلقا لاهتمام الباحثين والمفكرين بقضايا البيئة وتحدياتها. وفرضت هذه الوضعية البيئية المثقلة بالمخاطر، والمحملة بأكثر التحديات تهديدا للوجود الإنساني، ضرورة العمل على توليد وعي إنساني عالمي بقضايا البيئة وتحدياتها، وتنمية الإدراك الجماهيري  بالمخاطر الهائلة التي تتعرض لها البيئة ومواردها.

ومن منصة الخوف والقلق الناجم عن الحوداث البيئية المتردية، انطلقت الصيحات العلمية وعلت الصرخات الإنسانية مطالبة بوضع سياسات حمائية للبيئة والطبيعة من أجل تحقيق التوازن بين الإنسان والطبيعة درءا لعوامل الخطر والفناء.

وشكل هذا التدهور البيئي - الذي أصبح واضحا كالشمس -منصةً لطرح التساؤلات النقدية حول سياسات التعليم البيئي والممارسات التربوية في مجال التربية البيئية.  وأدى هذا الاهتمام العالمي بأوضاع التربية البيئة "إلى ولادة عدد كبير من البرامج والسياسات التربوية التنموية في مختلف أرجاء المعمورة، وذلك في محاولة لفهم ركائز التعليم البيئي وتطوير نظرياته ومناهجه وتطبيقاته. وفي خضم الاهتمام المشترك بالبيئة والاعتراف بالدور المركزي للتعليم في تعزيز العلاقات بين الإنسان والبيئة، تشهد الساحة التربوية نقاشات وحوارات وممارسات مختلفة على نطاق واسع تحت شعار التعليم البيئي" [1](SAUVÉ, 2005).

واستقطب هذا التدهور البيئي- بأزماته وتعقيداته ومخاطره الوجودية-  الرأي العام العالمي، وبات يقضّ مضاجع الهيئات والمؤسسات والمنظمات الدولية، التي بادرت إلى عقد المؤتمرات العالمية مؤكدة أهمية التربية البيئية بوصفها المنطلق الحيوي في مواجهة تحديات البيئة والمحافظة عليها وتنمية مواردها على نحو مستدام. وعلى الأثر تنادت هذه المؤسسات إلى عقد المؤتمرات وإقامة الندوات وإجراء الدراسات الأبحاث حول قضايا البيئة وتحدياتها المصيرية. واستطاعت في نهاية المطاف أن تضع منظومة من الاستراتيجيات وأن تبني عددا كبيرا من الخطط التربوية لمواجهة التحديات المتنامية للمشكلات البيئية.

ويُشار في هذا السياق إلى الجهود الكبيرة لهيئة الأمم المتحدة ومنظماتها، ولاسيما منظمة اليونسكو، وبرنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP)، التي تحركت بسرعة وفعاليّة لمعالجة الموقف المتردي للبيئة والعمل على بناء البرامج التربوية في اتجاه تحقيق التوازن الممكن بين الإنسان والطبيعة. ومن هذا المنطلق حشدت الأمم المتحدة (UN) جهودها الإنمائية ونشاطاتها السياسية والاجتماعية لخلق استجابة أممية فعالة في مواجهة هذه الوضعية الدرامية للعلاقة المتوترة بين البيئة والإنسان.

لقد أثارت الحوادث البيئية المرعبة، المتمثلة بعوامل التلوث البيئي الشامل، والاحتباس الحراري والذوبان الجليدي، والهدر العبثي لموارد الطبيعية، وتقاطر الكوارث البيئة، قلقا إنسانيا مصيريا حول النهاية المأساوية لمصادر الحياة على الأرض، الناجمة عن نضوب الموارد الطبيعية تحت تأثير العدوانية الإنسانية المستمرة ضد الطبيعية. وهي العوامل التي فرضت على المجتمعات الإنسانية الاهتمام المتزايد بقضايا البيئة سياسيا واجتماعيا وتربويا، وبلغ هذا الاهتمام ذروته لدى المنظمات الدولية، ولاسيما هيئة الأمم المتحدة التي سارعت إلى عقد المؤتمرات والندوات حول البيئة ومخاطر التلوث الذي تتعرض له بتأثير السلوك الإنساني الجائر ضد الطبيعية، والاستهلاك المدمر المستمر لمواردها.

وأدرك القائمون على هذه المنظمات الدولية والإنسانية والخبراء العاملون فيها بأن التشريعات القانونية والاتفاقيات الدولية، والإجراءات السياسية ليست كافية لمواجهة تحديات البيئة والحدّ من شرور الاعتداء الجائر على مواردها، ووقع بأيديهم أن بناء ثقافة بيئية عميقة وشاملة بأبعاد أخلاقية وإنسانية يشكل ضرورة تاريخية لازبة لحماية البيئة والمحافظة على مواردها. وأدركوا أيضا أن الوعي الثقافي العميق بأبعاد هذه القضية يشكل الحصن الحصين لحماية البيئة وتطوير مصادرها والمحافظة على استدامتها. ومن هنا، وعلى هذا الأساس، برزت الحاجة إلى التربية البيئية بوصفها وسيلةً عمليةً لبناء الوعي المطلوب والثقافة الفعالة القادرة على مؤازرة القوانين والتشريعات البيئية المتعلقة بالحفاظ على البيئة. واتضح للجميع أن تربية بيئية مثلى يمكنها أن تشكل قوة ثقافية هائلة، لا تتوقّف عند حدود الوعي بأبعاد هذه القضية، بل تشكّل قوة تدخّل هائلة يمكنها منع الهدر في مصادر البيئة، وإيقاف الاعتداء الوحشي على مواردها، ومقاومة كلّ الإجراءات المجحفة بحق البيئة. ومن الدفاع عن الطبيعة ومصادر الحياة سيكون لهذه القوة التربوية القدرة على تطوير مصادر البيئة وتنمية مواردها وتغذية طاقتها الحيوية عن طريق النشاطات البيئية التي تؤازر البيئة في عملية نمائها وتطورها وازدهارها. ويؤكد هذا كله أن التربية يمكنها أن تشكل قوة حضارية تنموية خلاّقة تضمن للإنسان حياة بيئة سليمة في سياق طبيعيّ دون هدر أو تعسف أو إجحاف.

وضمن هذه الفعاليات الأممية، نشأ مفهوم التربية البيئية بوصفه ممارسة حضارية تغذّي الوعي الإنساني بأهمية المحافظة على البيئة ورعاية مواردها وحماية مصادرها والدفاع عنها ضد غوائل الهدر والتدمير. وغني عن البيان أيضا أن التربية البيئية تشكل اليوم ضرورة تاريخية لمواجهة مظاهر الانتكاس والتلوث البيئي، وأن هذه التربية ولدت في معترك المواجهة الحضارية ضد التلوث وتحديات البيئة. وجاءت ولادتها على وقع الصيحات والصرخات الإنسانية التي نادت بالحدّ من عمليات التدمير الصناعيّ المستمر والهدر المتزايد لموارد للبيئة. ومما لا شك فيه أيضا أن الاهتمام الدولي بالبيئة والتربية البيئية جاء تحت تأثير الضغوط الكبيرة التي مارستها المنظمات الإنسانية والبيئية الداعية إلى المحافظة على البيئة، ووقف عمليات هدر الموارد الطبيعية التي تشكل إنذارا ببداية نهاية الحياة على الأرض.

ويعود فضل هذا الاهتمام بالبيئة ومشكلاتها إلى مساعي هيئة الأمم المتحدة (UN) ومنظماتها المختلفة التي ما انفكت، منذ لحظة تأسيسها في عام 1948 حتى اليوم، تناضل من أجل بيئة نظيفة متجدّدة صالحة للحياة الإنسانية، وقادرة في الوقت نفسه على تلبية الاحتياجات الإنسانية للأجيال الجديدة في المستقبلين القريب والبعيد. ويصعب اليوم على الباحثين رصد المؤتمرات والإجراءات والاتفاقيات الهائلة المعنية بالبيئة والتريبة على البيئة، كما يصعب عليهم إحصاء المؤسّسات والجمعيات والأحزاب الخضراء العاملة في مجال المحافظة على البيئة وحماية مصادرها.

وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أنّ الأمم المتحدة ومنظماتها المختلفة قد بدأت بالتأسيس لفعاليات التربية البيئة وتأصيل نشاطاتها وترسيخ مؤسّساتها مع إنشاء الاتحاد الدولي للحفاظ على الطبيعة (IUCN) في عام 1948، وهو أوّل منظمة غير حكومية كبيرة مكلّفة بالمساعدة في الحفاظ على الطبيعة[2].

ويبدو واضحا اليوم أنّ الهيئات الدولية والمؤسسات الأممية وأصحاب الفكر ورجال السياسة، يقرون دون ترددّ بأنّ التربية والتعليم البيئيين يشكلان الرافعة الأساسية التي يعوّل عليها فعليا في إحداث تغييرات في الإدراك البشري حول البيئة وأهمية المحافظة عليها، وأنّ مثل هذه التربية يمكنها أن تولّد أنماطا سلوكية جديدة من شأنها أن تسهم بقوة في مواجهة التحديات البيئة الخطيرة التي تهدد الحياة الإنسانية على الأرض.. ومن منطلق هذه الرؤية انتظمت المؤتمرات الدولية وعقدت المناظرات ونظمت المحاضرات ودبجت المقالات في مختلف أنحاء العالم ضمن صرخة دولية تنادي بإيقاف التغول البشري ضد الطبيعية، والعمل على تحقيق المصالحة بين الإنسان ومصادر حياته ووجوده في هذا الكوكب.

ولتأكيد ما تقدّم، يمكن استعراض بعض المؤتمرات العالمية والإقليمية التي اهتمت بالتربية البيئة ورسّخت الوعي بأهميتها الكبرى في مجال المحافظة على البيئة. وسنعتمد في هذا العرض على استكشاف المؤتمرات والنشاطات المميزة التي كرست لمناقشة قضايا البيئة والتربية على الاستدامة البيئية من منظور تربوي، وذلك بدءا من مؤتمر روشليكون عام 1971 حتى مؤتمر مراكش في عام 2013. وتجدر الإشارة إلى أن تتبع هذه المؤتمرات وما قدمته للفكر الإنساني يشكّل ضرورة فكرية مهمة في الكشف عن أبعاد التربية البيئية منذ لحظة نشأتها حتى اليوم، وذلك في سياق الفعاليات الدولية التي شهدت ولادة التربية البيئية في ظل الأوضاع المأساوية التي عرفتها البيئة فيما بعد الحرب العالمية الثانية حتى يومنا هذا.

2- مؤتمر روشليكون للتربية البيئية (سويسرا) 1971

قلما يشير الباحثون في مجال التربية البيئية والتنمية المستدامة إلى مؤتمر روشليكون 1971(Rushlike) وهو أوّل مؤتمر أوروبي حول التربية البيئية. وقد عقد بدعوة من (الاتحاد الدولي للحفاظ على الطبيعة والموارد الطبيعية) (IUCN) وحضره مفكرون ومربون من مختلف أنحاء العالم. وقد تمحور هذا المؤتمر حول قضايا التربية والتعليم في مجال الحفاظ على البيئة وحمايتها. وخرج المؤتمر بتوصيات محددة تتمركز حول برامج التربية البيئية والتعليم البيئي في المراحل التعليمية المختلفة. وتمّ تنظيم هذا المؤتمر بالتعاون بين الاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة والموارد الطبيعية (IUCN) والصندوق العالمي للحياة البرية (WWF) بدعم من السلطات الفيدرالية السويسرية، والرابطة السويسرية لحماية الطبيعة، والمؤسسة الوطنية السويسري والصندوق العالمي للطبيعة، واللجنة الوطنية السويسرية لليونسكو[3].

عقد المؤتمر في الفترة الممتدّة بين 15 و18 ديسمبر 1971 في معهد جوتليب دوتويلر (Gottlieb Duttweiler Institute) في روشليكون بسويسرا. وشارك في هذا المؤتمر 21 دولة أوروبية منها: (النمسا، بلجيكا، بلغاريا، تشيكوسلوفاكيا، الدنمارك، جمهورية ألمانيا الاتحادية، فنلندا، فرنسا، اليونان، إيطاليا، لوكسمبورغ، هولندا، النرويج، بولندا، رومانيا، إسبانيا، السويد، سويسرا، المملكة المتحدة، اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية، يوغوسلافيا)، وشهد المؤتمر أيضا مشاركة تسع منظمات دولية أممية أهمها: اليونسكو، منظمة الأغذية والزراعة، مجلس أوروبا، منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية ورابطة البحر الأبيض المتوسط ​​لعلم الأحياء البحرية وعلوم المحيطات) ومراقبون من ثلاثة بلدان (أستراليا، كندا، الولايات المتحدة الأمريكية) [4].

ويرى الخبراء التربويون أنّ هذا المؤتمر يشكل محطة تاريخية مفصليّة في مجال التربية البيئية، فهو الأول من نوعه الذي طرح هذه القضية من منظور تربوي محض تضمن المطالبة ببناء برامج عملية في مجال التعليم البيئي والتربية على البيئة.

أكّد المؤتمرون في روشليكون أهمية التربية البيئية في مجال الحفاظ على البيئة وحماية مواردها الطبيعية، في ظلّ الانتهاكات الحالية التي يمارسها البشر ضد البيئة الطبيعية. وركز المؤتمرون على أهمية تشكيل رأي عام لدى المواطنين، وتعزيز الشعور الكبير بمسؤوليتهم نحو حماية الطبيعية ومواردها من الأضرار الناجمة عن التلوث البيئي وأسبابه.

وأقرّ المجتمعون أهمية وضع برامج تعليمية وتربوية في مختلف المؤسسات التعليمية والتثقيفية للحفاظ على البيئة وحمايتها من غوائل السلوك البشري، وقد تضمّن هذا الإقرار ضرورة أن تكون هذه البرامج شاملة لمختلف المراحل ومختلف الفئات السكانية، وأن تشمل كل أشكال التعليم البيئي ومناهجه وأساليبه، وتمّ تأكيد أهمية إشراك الشباب والبالغين خارج المدرسة في الأنشطة العملية للحفاظ على البيئة؛ وألح المؤتمر على ضرورة تدريب المهنيين المعنيين بشؤون البيئة على أفضل الطرائق المنهجية في مجال تطوير الوعي البيئي، مثل: رجال الدولة والإداريين، وكذلك المخططون والمهندسون المعماريون والمهندسون والتقنيون. وأولى المؤتمر أهمية كبيرة لتثقيف الجمهور بشكل عام عن طريق استخدام وسائل الإعلام وغيرها من الأساليب الثقافية والإعلامية المتاحة.

وطالب المؤتمر الدول المشاركة بضرورة وضع برنامج للتثقيف في مجال الحفاظ على البيئة يشمل جميع قطاعات المجتمع مع مراعاة الظّروف الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والفيزيائية الحيوية لكلّ بلد. كما طالب الدول المشاركة بالتنسيق فيما بينها لتنمية الوعي بقضايا البيئية وتحدياتها، وتبادل المعلومات والبرامج، ومواصلة تطوير الأنشطة الفعالة في مجال التربية البيئية، وعقد المؤتمرات والاجتماعات الهادفة، وتنظيم الدورات والمعسكرات الدولية للطلاب والمهنيين الشباب، وإقامة ورش العمل والندوات للمتخصّصين في مختلف المجالات، وإعداد ونشر الكتب الدولية والكتيبات والدوريات والوسائل التعليمية وغيرها من أشكال التعاون الخلاق في مجال التربية البيئية بغرض المحافظة على البيئة وصون مواردها[5].

وباختصار، تناول مؤتمر روشليكون قضايا البيئة وأزماتها ومخاطرها، وركز بشكل واضح على قضية التربية البيئة ودورها المحتمل في تحقيق المصالحة بين الإنسان والأرض، وأكّد أهمية إدخال مفاهيم التربية البيئية ودمجها في مختلف المواد والمقررات المدرسية على اختلافها، كما شدّد على أهمية وضع مناهج تربوية فعالة في ميدان التربية البيئية في مختلف المستويات الدراسية وفي مختلف أنظمتها[6]. (الشراح، 1986، 87).

وفي العام نفسه (1971) اجتمع في (منتون) بفرنسا 2200 عالما من مختلف الدول، تناول فيه المؤتمرون مستقبل البيئة وبرامج التعليم العام للبحث في مشاكل البيئة، وقد وجه المؤتمرون رسالة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، بيّنوا فيها قلقهم من تنامي المشكلات البيئية، ونبّهوا إلى الخطر الكبير الذي تواجهه الكرة الأرضية مطالبين الأمم المتحدة بدقّ ناقوس الخطر، واتّخاذ إجراءات حقيقية في مواجهة التحديات البيئية المتفاقمة على سطح الكرة الأرضية.

3- مؤتمر ستوكهولم (Stockholm) 1972 (مؤتمر الأمم المتحدة عن البيئة البشرية)

حازت دولة السويد قصب السبق في الدعوة إلى مؤتمر دولي في عام 1968 لمناقشة قضايا البيئة والتلوّث البيئي في الكوكب، وتجلّى هذا الاهتمام عندما قدمت اقتراحا إلى المجلس الاقتصادي والاجتماعي التابع للأمم المتحدة (ECOSOC)، لعقد مؤتمر دولي حول قضايا البيئة والتحدّيات التي تفرضها على المجتمعات الإنسانية. ولم تتردّد منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) في تلبية هذه الدعوة، فدعت إلى عقد مؤتمر ستوكهولم (Stockholm) في الفترة الممتدة من 5 إلى 16 يونيو 1972. ويعدّ هذا المؤتمر المحاولة الدولية الأولى لدراسة أثر النشاط الإنساني على البيئة.

وقد جاء المؤتمر استجابة لعدد من المشكلات البيئية الخطيرة التي ظهرت في مختلف بلدان العالم، والتي أدّت إلى توليد الاهتمام العالمي بالبيئة وقضاياها، ولاسيما في المستويات الدولية. وجاء هذا الاهتمام أيضا تحت تأثير الكوارث البيئية والبشريّة الناجمة عن الحرب العالمية الثانية. ويندرج هذا المؤتمر ضمن سلسلة من الاهتمامات الدولية، ولاسيما في الميثاق الدولي لهيئة الأمم المتحدة ضمن مادته (55) التي أشارت بوضوح إلى أهمية البيئة وضرورة العناية بها. ومن ثمّ جاء الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي تضمّن أيضا اهتماما واضحا بالبيئة، وقد تجلّى هذا الاهتمام في المادة (25) الفقرة (01) التي تمحورت حول مسألة البيئة وضرورة حمايتها. وقد برز هذا الاهتمام أيضا في الإعلان الخاص بالتّقدم والإنماء في المجال الاجتماعي، من خلال المادة (13) تحت عنوان: حماية البيئة البشرية وتحسينها. وقد شكلت هذه الإشارات الإطار الدولي المؤسّس لمؤتمر ستوكهولم التاريخي.

ويتصدّر مؤتمر ستوكهولم المؤتمرات التي عقدتها هيئة الأمم المتحدة في مجال البيئة والتربية البيئية، ويُعدّ أوّل مؤتمر رسمي للأمم المتحدة يعقد حول البيئة والتلوث البيئي في العالم، وشارك في هذا المؤتمر 113 دولة، وعقد تحت شعار "عالم واحد فقط وأرض واحدة فقط "One Earth"، وهو إشارة قويّة إلى أن الإنسان نتاج للبيئة ومنتج لها، أي: صنيع للبيئة وصانع لها في آن واحد. وهذا الشعار جاء ليؤكد المسؤولية المشتركة بين البشر والدول تجاه مشاكل الأرض والبيئة الأرضية، فالبشر يعيشون على هذا الكوكب وطنا للبشر دون استثناء، وهو ما يحتّم عليهم جميعا المحافظة عليه وحمايته من التلوث. وتمّ تسليط الضوء في هذا المؤتمر على قضايا البيئة، وركز المؤتمرون على أهمية بناء تصور عالمي مشترك حول أوضاع البيئة وأحوالها، وضرورة وضع مبادئ مشتركة تحفز شعوب العالم وسياسيّيه ومنظماته على العمل من أجل بيئة حيّة ونظيفة، وتكريس الجهود لحماية البيئة والحفاظ على مواردها.

ويرى كثير من المراقبين أنّ هذا المؤتمر شكّل أكبر تظاهرة دولية انعقدت من أجل البيئة وحمايتها وذلك على الرغم من تعدّد مؤتمرات البيئة وتنوعها منذ عام 1972 حتى يومنا هذا. فقد تميز مؤتمر ستوكهولم بإطلاق الإعلان العالمي للبيئة الذي تضمن تصوّرا علميا شاملا لمختلف تفاعلات التلوث البيئي وعوامله، وتأثيراته الآنية والبعيدة المدى في حياة الإنسان والإنسانية على كوكب الأرض. وقد تضمن هذا الإعلان توصيات تاريخية بالغة الأهمية في مجال المحافظة على البيئة وحمايتها.

يبدأ الإعلان بشأن البيئة البشرية بديباجة تفيد بأن الإنسان هو الذي يصنع ويشكل بيئته التي تعطيه القوة، وتمنحه الفرصة لتحقيق النموّ الفكريّ والخلقيّ والاجتماعيّ والروحّي، وقد ورد في هذه الديباجة تأكيد على دور الإنسان التنموي في المحافظة على البيئة ومواردها، تقول الديباجة: "في عصرنا هذا يمكن لقدرة الإنسان على تحويل المحيط الذي يعيش فيه إذا ما استخدمت بحكمة أن تعود على جميع الشعوب بفوائد التنمية، وأن تتيح له فرصة تحسين نوعية العيش". مما يعني التوفيق بين البيئة والتنمية ومتطلباتها، حيث جاء في المبدأ 8 من الديباجة: "للتنمية الاقتصادية والاجتماعية أهمية أساسية لضمان بيئة مواتية لعيش الإنسان وعمله، وإيجاد ظروف على الأرض ضرورية لتحسين نوعية العيش "[7].

وتضمن هذا الإعلان أيضا نداءً تاريخيا إلى جميع دول العالم، وإلى الهيئات الدولية الحكومية وغير الحكومية يحثها فيه على اتخاذ الإجراءات اللازمة لمواجهة أخطار تلوث البيئة ونضوب الموارد الطبيعية فيها. ويرى كثير من المحلّلين والمراقبين أنّ مؤتمر ستوكهولم بنتائجه وبما تضمنه من فعاليات وتصورات استراتيجية يشكل ميثاقا عالميا يلزم دول العالم بالعمل على حماية البيئة ووضع البرامج الاقتصادية والتشريعات القانونية والسياسية لتحقيق أفضل ممارسة إنسانية ضدّ كل أشكال التلوث والتدهور الذي تشهده البيئة.

وقد تضمن إعلان المؤتمر على 27 مبدأً أساسيا، أغلبها غير ملزم قانوناً، وجاء في إعلان المبادئ أن البيئة الطبيعية تشكّل إرثاً إنسانياً مشتركاً يجب رعايته وحمايته على نحو مستدام، ويجب أن يكون الاستهلاك للموارد ضمن الحدود التي تسمح الطبيعة بتجديدها، حفاظاً على حقوق الأجيال المقبلة[8].

ويتضمن إعلان ستوكهولم 26 مبدأً، يؤكد المبدآن الأول الثاني حقّ الإنسان في الحرية والمساواة في ظروف عيش مناسبة، وفي بيئة تسمح نوعيتها بالحياة في ظلّ الكرامة وتحقيق الرفاه. وهو يتحمل مسؤولية رسمية تتمثل في حماية البيئة والنهوض بها من أجل الجيل الحاضر والأجيال المستقبلية[9].

وقد شكلت المبادئ الستة التالية (2-3-4-5-6-7) جوهر الإعلان. وهي تنادي بأنّ الموارد الطبيعية للكون لا تقتصر على النفط والمعادن، بل تشمل أيضا الهواء والماء والأرض والنبات والحيوانات، والتي لا بدّ من الحفاظ عليها لمصلحة الأجيال الحالية والمقبلة.

أما المبادئ ن 8 إلى 28، فقد ركّزت على مسألة تطوير قواعد القانون الدولي ولاسيما المادة 21 التي نصّت صراحة على مبدأ الوقاية للمحافظة على الموارد البيئية وتحقيق التنمية المستدامة.

وقد شكّلت هذه المبادئ بداية الميلاد الحقيقي للاهتمام بالبيئة، ومازالت تشكل الأساس والسند الذي انطلقت منه كافة البحوث والقوانين والتدابير لحماية البيئة[10].

أما عن توصيات هذا المؤتمر، فقد أصدر خطة للعمل الدولي تضمّنت 109 توصية، تدعو الحكومات ووكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية للتعاون في اتخاذ التّدابير الملائمة لمواجهة المشكلات البيئية. ومن أبرز هذه التوصيات: [11].

- استغلال الموارد الطبيعية بشكل يمنع نفادها.

- وقف إطلاق المواد السّامة، وعدم إطلاق الحرارة بكثافة تتجاوز قدرة البيئة.

- التوفيق بين حماية البيئة و متطلبات التنمية.

- حقّ الدول في استغلال مواردها شريطة عدم الإضرار بالبيئة لدى الآخرين.

وباختصار يمكن القول إن مؤتمر ستوكهولم يعتبر منعطفا تاريخيا أرسى دعائم فكر بيئيّ جديد، يدعو إلى التعايش مع البيئة والتوقّف عن سوء استغلالها.

3-1- البعد التربوي للمؤتمر:

استطاع المشاركون في هذا المؤتمر وضع تصور واضح وشامل للمخاطر البيئية الراهنة والمستقبلية التي تهدد الكوكب، ووضعوا أهم السبل الاقتصادية والسياسية والقانونية لمواجهة هذه التحدّيات، ولكنّهم أقرّوا جميعا بعدم قدرة التشريعات القانونية المحضة والاعتمادات المالية والإجراءات التكنولوجية والاقتصادية على تحقيق الأهداف الطموحة لحماية البيئة من التلوث والهدر من غير مباشرة عملية تربوية خلاقة وشاملة تعزّز هذه الفعاليات والأنشطة جميعها. وهذا يعني أهمية التركيز على الفعاليات التربوية التي يمكنها أن تتكامل فعليا مع مختلف الإجراءات الوقائية تكاملا وظيفيا في عملية حماية البيئة والمحافظة عليها[12].

ويعبّر هذا الاهتمام عن اعتراف بالحاجة إلى نظام تربوي نشط وفعال يتكامل مع هذه الترتيبات القانونية والاقتصادية لتحقيق الجدوى الحقيقية لعملية حماية البيئة ورعايتها وصون مواردها الطبيعية. وجرى التأكيد في سياق فعاليات هذا المؤتمر على أن حماية البيئة ترتبط جوهريا بعملية تشكيل وعي عالمي بالمخاطر التي تحيق بها والتحديات التي تواجهها الحياة على سطح الكوكب. وعلى هذا الأساس المتين من الإجراءات الاقتصادية والقانونية المعززة بوعي ثقافي تربوي يمكن للإنسانية أن تتجاوز محنتها البيئية وأن تتخطّى الأزمة البيئية الماثلة في التلوّث والهدر ونضوب الموارد.

وتأسيسا على هذه الرؤية، دعا المؤتمر إلى تأسيس نظام تربوي بيئي واستراتيجي فعال يمكنه أن يواكب التحديات الكبرى التي تواجهها الحياة الطبيعية على سطح الكوكب. كما دعا إلى "تبادل الأفكار والمعلومات والخبرات المتصلة بالتربية البيئية بين دول العالم وأقاليمه المختلفة، وتطوير نشاطات البحوث المؤدية إلى فهم أفضل لأهداف التربية البيئية ومادتها وأساليبها، وتنسيق هذه النشاطات، والعمل على تطوير مناهج تعليمية وبرامج في حقل التربية البيئية وتقويمها، وتدريب وإعادة تدريب القادة المسؤولين عن التربية البيئية، مثل المخططين والباحثين والإداريين التربويين، وتوفير المعونة الفنية للدولة الأعضاء، لتطوير برامج في التربية البيئية، ووضع إستراتيجية خاصة للتنمية، وتحسين البيئة وتخفيض التزايد السّكاني، والحاجة الماسة إلى حلّ المشكلات المتعلقة بالفقر وسوء التغذية، والتفاوت الطبقي بين الأغنياء والفقراء، وإجراء البحوث الدولية في مجال البيئة والقضاء على الأمية والجهل بنشر التعليم البيئي"[13].

لقد أبلى المشاركون في المؤتمر في التركيز على الجانب التربوي لمسألة البيئة والتربية البيئية، ويشار في هذا السياق إلى التوصية (96) من بين توصيات المؤتمر التي شكلت الأساس المنهجي لبناء الاستراتيجيات الفعالة للتربية البيئية على مستوى الكوكب، وقد طالب المؤتمر في توصيته هذه بأن تتولى المنظمات العالمية التابعة للأمم المتحدة ولا سيما "اليونسكو" القيام بوضع البرامج التربوية، وإعداد الاستراتيجيات القصيرة والبعيدة المدى في مجال تطوير التربية على قضايا البيئة لترسيخ رؤية عالمية فعالة في ميدان العمل التربوي في مجال التربية البيئية. وطالب المؤتمر المؤسسات الدولية المعنية بالتريبة والتثقيف بالتعاون المثمر فيما بينها، من أجل وضع برامج تربوية علمية وافية وفعالة للتربية البيئية في المدارس والمؤسسات التربوية، وفي مختلف المؤسسات التربوية الرديفة كالأسرة والإعلام. كما ركز المؤتمر في توصياته على تعميم التربية البيئة على كلّ مراحل التعليم واستحضارها في مختلف مظاهر الحياة الثقافية من منطلق أن الوعي البيئي سيشكّل صمام الأمان لحماية البيئة العالمية ورعايتها ووقف مشاهد تدهورها.

ويتّضح أن فكرة التريبة البيئية قد تبلورت إلى حدّ كبير في هذا المؤتمر الذي استطاع في الوقت نفسه أن يضع تصوّرا واضحا للمخاطر البيئية الراهنة والمستقبلية ودور التربية في مواجهتها. وقد ناشد المؤتمرون الهيئات الدولية والمنظمات العالمية المعنية بالتربية والبيئة، ولاسيما منظمة اليونيسكو، إلى وضع البرامج التربوية التي يمكنها أن تلبّي مختلف أوجه التربية البيئية وتفعيلها ضمن المؤسسات التعليمية في مختلف هيئاتها وتكويناتها وامتداداتها التّنظيمية.

ويتّضح أنّ فكرة التريبة البيئية قد تبلورت إلى حدّ كبير في هذا المؤتمر الذي استطاع في الوقت نفسه أن يضع تصورا واضحا للمخاطر البيئية الراهنة والمستقبلية ودور التربية في مواجهتها. وقد طالب المؤتمرون الهيئات الدولية والمنظمات العالمية المعنية بالتربية والبيئة، ولاسيما منظمة اليونيسكو، بوضع البرامج التربوية التي يمكنها أن تلبي مختلف أوجه التربية البيئية وتفعيلها ضمن المؤسسات التعليمية في مختلف هيئاتها وتكويناتها وامتداداتها النظمية. وما يتميز به هذا المؤتمر أنّه كان بداية فعليّة لاهتمام حكومات العالم بهذا الموضوع، حيث تمخضت عنه وثيقتان مهمّتان هما: إعلان ستوكهولم للمبادئ البيئية الأساسية التي ينبغي أن تحكم العمل في مجال البيئة والتريبة البيئية، وإنشاء برنامج الأمم المتحدة البيئي (يونيب) United Nations Environmental Program (UNEP) كأول وكالة بيئية دولية (كالفرت و كالفرت 2002: 424) [14].

4- ميثاق بلغراد للتربية البيئية (1975)

عقد مؤتمر بلغراد، يوغوسلافيا (الآن صربيا) في الفترة الممتدة من 13 إلى 22 أكتوبر 1975، بدعوة من اليونسكو، وبالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة 1975، أي بعد ثلاث سنوات من مؤتمر ستوكهولم، ويشكل هذا المؤتمر أحد أهم وأخطر المحطات التاريخية في عالم التربية البيئية، ويعدّ منطلقا رائدا في مجال التأسيس للتربية البيئة عالميا في أهم مراحلها التأسيسية[15].

ويعدّ مؤتمر بلغراد في مجال البيئة والتريبة البيئية امتداد طبيعيا لمؤتمر ستوكهولم واستكمالا لمسيرته. ويبدو واضحا أن ميثاق بلغراد (Charte de Belgrade) يستند إلى إعلان ستوكهولم سعيا إلى تطوير الرؤى والتصورات التي طرحها الأخير في ضوء بعض المستجدات العالمية في مجال البيئة والتريبة البيئية. وجاء هذا الميثاق ليؤكد من جديد أهمية التربية البيئية التي تهدف إلى تكوين جيل واع مهتمّ بالبيئة وبالمشكلات المرتبطة بها، كما أكّد دورها في بناء عالم متوازن ينهض فيه الوعي بالبيئة والمشكلات المرتبطة بها، ويمكّن الأفراد، عبر الوعي والممارسة الحية الواعية بالبيئة وقضاياها، من الوفاء بمتطلبات الحياة البيئية المتوازنة ومواجهة معظم التحديات البيئية القائمة المتنامية في الوسط الحيوي للوجود الإنساني[16].

وتضمن ميثاق بلغراد تأكيدا على دور التربية البيئية المنشودة في عملية تأصيل المعارف وتكوين المهارات وتوليد الاتجاهات الإيجابية والاستعدادات الخلاقة وتأصيلها كقوة حيوية في عملية حماية البيئة والذود عنها، واجتراح الحلول للمشكلات والتحديات القائمة، ومن ثم توظيف هذه القدرات عمليا في عملية تحقيق التوازن الخلاق ما بين الموارد الطبيعية الناضبة والاحتياجات الإنسانية المتزايدة. ويتضمّن هذا التوجه الجديد تمكين الأجيال تربويا من دافعية العمل على حماية البيئة ومن ثم العمل على تطوير الموارد الطبيعية وتنويع مصادرها دون أي إضرار بالطبيعية والإنسان.. ويشكل ميثاق بلغراد برنامجا استراتيجيّا فعالا عمليّا وعلميّا وأخلاقيّا للتربية البيئية وفقا لمبدأ الاستدامة، وهو في كل الأحوال يجسد منهجية شاملة لتربية بيئية نشطة وفاعلة في مجال التفاعل الخلاق المثمر بين الإنسان والبيئة، تربية قادرة على توليد ذهنية بيئية جديدة ضمن منظومة أخلاقية متجدّدة للحفاظ على البيئة وتطوير مصادرها، وهي في كل الأحوال يجب أن تشكل قوة ثقافية تسعى إلى بناء عالم متوازن ضمن فعالية خلاقة تحقق التوازن بين وعي متميز بالبيئة وممارسة فعالة في حمايتها وتنويع مصادرها وإيجاد الحلول لمشكلاتها. وباختصار يعدّ ميثاق بلغراد برنامج عمل عالمي يمتلك مشروعيته العلمية والعملية ويرتكز إلى أسس أخلاقية عالمية ليشكل بذلك أساسا لكل فعالية مستقبلية خلاقة ومجدية في مجال التربية البيئية، ويأخذ هذا البرنامج صورة ميثاق أخلاقي يؤكد أهمية التوازن الخلاق بين البشر فيما بينهم، وبينهم وبين موارد الطبيعة بمكوناتها وتجلياتها الحيوية[17].

وفي هذا المؤتمر تمّ تحديد الأهداف الأساسية للتربية البيئية التي تتمثّل في أهمية العمل على تكوين ثقافة عامة حيوية لحماية البيئة والمحافظة على مواردها وإيجاد الحلول الممكنة لمشكلاتها.. ويتضمّن ذلك تمكين الأفراد من فهم الطبيعة المعقّدة للبيئة كنتيجة للتفاعل الجدلي بين مختلف مكوناتها البيولوجية والفيزيائية والاجتماعية والثقافية. ومثل هذا التعقيد يتطلب بالضرورة تزويد الأفراد والجماعات بالوعي المتكامل لفهم هذا التفاعل البيئي في إطاري الزمان والمكان، ومن ثم توظيف هذا الوعي لتحقيق التفاعل العقلاني مع البيئية والمحافظة على استدامتها. وتجدر الإشارة إلى أن المؤتمر ركز أيضا على أهمية توليد وعي وطني واسع وشامل بأهمية الحفاظ على البيئة، وبضرورة المشاركة الفاعلة في المحافظة عليها وحمايتها من الممارسات الجائرة التي تتعرض لها، والمشاركة في اتّخاذ القرارات الوطنية والمحلية المناسبة للبيئة ومراقبة تنفيذها.

وعلى هذا الأساس تم تحديد ثمانية مبادئ للبرامج التربوية في مجال البيئة، هي[18]:

1- يجب صوغ القوانين الضرورية لحماية البيئة والمحافظة عليها مع الأخذ بعين الاعتبار مختلف جوانب البيئة وتنوعاتها السياسية والاقتصادية والتكنولوجية والاجتماعية، والتشريعية، والثقافية، والجمالية.

2- يجب أن تكون التربية البيئية عملية مستمرة مدى الحياة، سواء في المدرسة أو خارجها.

3- يجب أن تتخذ التربية البيئية نهجًا متعدد التخصّصات.

4- ينبغي أن تشدد التربية البيئية على أهمية المشاركة الفعالة للأفراد في منع المشاكل البيئية وحلها.

5- ينبغي أن تبحث التربية البيئية القضايا البيئية الرئيسية من منظور عالمي، مع احترام الاختلافات الإقليمية.

6- ينبغي أن تركز التربية البيئية على الأوضاع البيئية الحالية والمستقبلية.

7- ينبغي أن تأخذ التربية البيئية في الاعتبار قضايا التنمية والنمو من منظور بيئي.

8- ينبغي أن تؤكد التربية البيئية على قيمة وضرورة التعاون المحلي والوطني والدولي لحل المشاكل البيئية.

وقد ترك ميثاق بلغراد، أثرا كبير وواضحا في تفعيل السياسات التنموية لبعض الدول والحكومات، وأثمر في تنشيط الندوات والمؤتمرات حول التربية البيئية، ويشار في هذا الصدد إلى المؤتمر الإقليمي للتربية البيئية المنعقد في برازافيل في الكونغو الشعبية سنة 1976، وهو مؤتمر كرس جزءا من فعالياته لمناقشة توصيات مؤتمر بلغراد وميثاقه، وقام، في ضوء ذلك، بتناول المشكلات البيئة في الوسط المحلي، وبناء على ذلك تمّ البحث في وضع الاستراتيجيات الممكنة للتربية البيئية في إفريقيا، وقد أكّد في توصياته ضرورة إدخال التربية البيئية ونشر ثقافتها في المنظومة التعليمية داخل المدرسة وخارجها، وفي العام نفسه 1976 عقد مؤتمر بوغوتو في كولومبيا وتناول المناهج الدراسية للتربية البيئية مؤكدا أهمّية تبادل الخبرات بين الدول الإفريقية بصورة مستمرّة، والعمل على تطويرها يما ينسجم مع المتغيرات الحادثة في المستويين الدولي والمحلي[19]. (طويل، 2013، 48).

5- مؤتمر تبليسي -جورجيا المؤتمر الدولي الأول للتربية البيئية عام 1977:

انعقد مؤتمر تبليسي في الفترة من 14 إلى 26 أكتوبر 1977 في جورجيا في مدينة تبليسي (Tbilisi, Georgia)، بدعوة من منظمة اليونسكو وبالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للبيئة (UNEP). وقد شكل هذا المؤتمر تظاهرة عالمية في مجال التربية البيئية تجلت بمشاركة 265 عضوا من مختلف دول العالم ومنظماته وهيئاته الإنسانية والتربوية، وقد تميز هذا المؤتمر بمشاركة نخبة واسعة من العلماء والمفكرين والباحثين في مختلف العلوم والمعارف والاختصاصات، وشارك فيه عدد كبير من وزراء التربية والتعليم، وأساتذة الجامعات، ومهندسون وفيزيائيون وعلماء في مجال البيئة وبيولوجيين واقتصاديون ومحامون وقضاة وأطباء ونقابيون وإعلاميون. وقد أضاءت هذه النخبة العالمية، بما تمتلكه من طاقة علمية ومعرفية في مختلف مظاهر الحياة البيئية ومتطلباتها التربوية، وقد طرح المشاركون أفكارا وتصورات واستراتيجيات تدعو كلّها إلى تنمية خلق بيئي وضمير بيئي ينقذ الجنس البشري من ويلات الممارسات الخاطئة في البيئة البشرية[20].

وقد تناول هذا المؤتمر مشكلات البيئة وتحدياتها ودور التربية في مواجهتها، كما ناقش أهمية العمل على بناء استراتيجيات تربوية تنموية وترسيخ ثقافة بيئية فعالة قادرة على حماية المجتمعات الإنسانية من ويلات الممارسات الخاطئة ضد البيئة الطبيعية ومكوّناتها. واقترح المؤتمر بناء خطط واستراتيجيات لتطوير التربية البيئية وتخصيبها بالخبرات والإمكانيات الدولية المتاحة لتلبية احتياجات التنمية المتوازنة وخلق الوعي البيئي المطلوب، والعمل على دمج القيم النمائية للبيئة والطبيعة في مختلف المستويات التعليمية في المستويين النظامي وغير النظامي، كما أكد أهمية التربية البيئية بوصفها عملية تربوية مستمرة تهدف إلى تحقيق التفاعل والترابط بين القيم التنموية وبين المواقف الحياتية المستجدّة.

واستطاع المؤتمرون تحديد ثلاثة أطر للعمل في مجال التثقيف والتربية البيئية على النحو الآتي[21]:

– الوعي والمعرفة: العمل على توليد حالة من الوعي البيئي الفائق لدى الأفراد في المجتمع، ولدى مختلف الفئات الاجتماعية، ومساعدتهم على تطوير هذا الوعي بالبيئة وتنميته وصقله بالخبرات والتجارب المتنوعة في مجال العناية بالبيئة وحمايتها وصون مواردها.

- الاتجاهات والمواقف : تكوين مجموعة من الاتجاهات الاجتماعية والقيم السلوكية البيئية، بغية تطوير القيم والشعور بالاهتمام بالبيئة الطبيعية، وتحفيز الأفراد على المشاركة بفعالية في حمايتها وتنميتها.

- المهارات : تهدف التربية البيئية إلى إكساب أفراد المجتمع مهارات فنية ومعرفية، قصد التعرف على المشكلات البيئية، والتعامل معها بطريقة عقلانية لحلّها أو التخفيف من حدتها.

المشاركة: لا يجب التوقف عند حدود الوعي بل يجب تحويل هذا الوعي إلى قوة وجدانية تترجم بالعمل والنشاط والسلوك في مجال المحافظة على البيئة وصون مواردها.

ويلاحظ ضمن هذا التوجه الغائي للتريبة البيئية أن المؤتمربن عملوا على تحقيق التكامل بين العمل والنظر، بين الوعي والسلوك العلمي، بين النظرية والتطبيق، في تكوين الإنسان القادر على وعي المشكلات البيئية ومن ثم العمل على حمايتها ومؤازرتها بصورة مستمرة ودائمة.

وقد صدر عن المؤتمر ما سُمّي بإعلان تبليسي الذي أعطى معنى أوسع للبيئة شمل الجوانب الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والأخلاقية والجمالية، وقد عُرّفت التربية البيئة في هذا المؤتمر بأنها عملية تفاعل بين مختلف مكونات العملية المعرفية والخبرات التربوية لتشكيل وعي متكامل بالمشكلات البيئية يمكّن الأفراد من المشاركة في مواجهة هذه المشكلات والارتقاء بعملية التفاعل على مبدأ التوازن الخلاق بين البيئة والإنسان. وأكد إعلان تبليسي على التربية البيئية ترمي بشكل أساسي إلى تعريف الأفراد والجماعات بطبيعة البيئة ومكوناتها البيولوجية والطبيعية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وشدّد على أهمية بناء الوعي والمعارف والقيم والاتجاهات والمهارات التي تساعد الفرد على المشاركة الفعّالة في إيجاد الحلول الخلاقة للمشكلات البيئية والاجتماعية.

وخرج هذا المؤتمر بـ 40 توصية تناولت مجالات التربية البيئية المختلفة على مستوى العالم ككل. وقد ركّزت هذه التوصيات على دور التربية البيئية في مواجهة تحديات البيئة على الصعد الوطنية والإقليمية والعالمية. ومن أهم التوصيات التي خرج بها المؤتمر في مجال التربية البيئية [22]:

1- تدرس البيئة وقضاياها على نحو شمولي يشمل جوانب البيئة الطبيعية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية، والتاريخية، والأخلاقية، والجمالية.

2- النظر إلى التربية البيئية بوصفها عملية مستمرة مدى الحياة، بحيث تبدأ من الحضانة حتى الجامعة.

3- العمل على دمج التربية البيئية وقيمها في مختلف التخصصات العلمية والمقررات الدراسية.

4-يجب على التريبة البيئية أن تتميز بطابعها الشمولي، وأن تحقّق التكامل بين القضايا البيئية المحلية والقومية والإقليمية والدولية، وأن تمكّن الطالب من إدراك معمّق لمختلف القضايا البيئية في سياقها الشمولي في مختلف أنحاء العالم.

5- يجب على التربية البيئية أن تعنى بالمواقف البيئية الراهنة والمتوقّعة، والتجاوب معها بفعالية وشعور بالمسؤولية.

6- يجب على التربية البيئية أن تنطلق من أهمية التعاون المحلى والقومي والدولي، وضرورته في مجال مواجهة المشكلات البيئية والعمل على إيجاد الحلول المناسبة لها.

7- التأكيد على دور المتعلمين بالمشاركة في التخطيط واتخاذ القرارات البيئية.

8- توجيه العمل في مجال التربية البيئية على اكتشاف المشكلات البيئية والبحث عن أسبابها العلمية.

9- تستخدم التربية البيئية مختلف المنهجيات العلمية لفهم القضايا البيئية والاهتمام بالنشاطات الموازية لها.

وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن المؤتمرين في تبليسي قاموا بتطوير مبادئ إعلان ستوكهولم وميثاق بلغراد من خلال إضافة أهداف وغايات وميزات ومبادئ توجيهية جديدة. وأعلن المشاركون في المؤتمر عن "اتفاقهم بالإجماع على الدور الهام للتربية البيئة في الحفاظ على البيئة وتحسينها".

واستطاع مؤتمر تلبيسي أن يترك أثرا كبيرا في الممارسات التربوية الدولية وأن يولد الاهتمام الكبير بالبيئة والتربية البيئية، ومن ثم الإيمان بدورها في المساهمة في حل المشكلات البيئية، ومن هذا المنطلق، تمّ إدراك التربية البيئية في المناهج التربوية في كثير من دول العالم. وإثر مؤتمر تلبيسه ونتائجه المميزة عقدت اليونسكو بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، عددا كبيرا من المؤتمرات الإقليمية والمحلية التي أخذت بتوصيات تبليسي حول التربية البيئية واتجاهاتها ونادت بإدماج هذه التربية في برامج إعداد وتدريب المعلمين، وفي المناهج الدراسية ليتمّ وضع إستراتيجية عالمية للتربية البيئية[23].

6- مؤتمر موسكو للتربية والتدريب البيئي (1987)

بعد عشر سنوات من مؤتمر تبليسي عقد مؤتمر موسكو الأممي حول البيئة والتدريب البيئي في عام 1987 وتناول هذا المؤتمر مختلف قضايا البيئة ودور التربية البيئة في تكوين الوعي الإنساني الضروري لحمايتها والمحافظة على مواردها. وقد كرّس المؤتمرون جهودهم في مجال التأسيس الاستراتيجي للتربية البيئية والتدريب على حماية البيئة والمحافظة على مواردها.

وانطلق المؤتمر من التأكيد على التصورات التي خرج بها مؤتمر تبليسي وأهمية القرارات التي اتخذها بشأن التربية البيئية. ومع ذلك رأى المؤتمرون أن الفعاليات والممارسات الدولية لم ترق إلى المستوى المطلوب في تنفيذ مقررات تبليسي، وأن هذه المقررات ليست كافية فعليا للحدّ من التدهور الكبير المتسارع في الأوضاع البيئية كنتيجة طبيعية للممارسات غير المسؤولة في استنزاف موارد البيئة وزيادة مستوى التلوث والتدمير العبثي لمصادر الحياة في البيئة. وقد بين المؤتمر أيضا أنّ القرارات السياسية والتشريعات القانونية، لا تكفي وحدها لإيقاف هذا التدهور في البيئة وفي عناصر الحياة فيها، وأن التطور التكنولوجيا لا يستطيع بمفرده أن يحقق الغاية المطلوبة في مجال حماية البيئة، وأن التربية شريك ضروريّ يفرض نفسه بقوة في تشكيل ثقافة بيئية فاعلة تحضّ على احترام البيئة والمحافظة عليها وصون قدراتها وتطوير إمكانياتها والدفاع عنها. وأن مثل هذه التربية معنية بعملية تعديل الذهنيات البشرية وتوليد اتّجاهات سلوكية جديدة إيجابية تجاه البيئة ومواردها الطبيعية. وهذا يعني أنّ التربية يجب أن تحثّ نوعا من التغيير الثوري في المفاهيم والتصورات والقيم السائدة، وأن تعمل على تعديلها لصالح بيئة حيوية نظيفة قادرة على تلبية احتياجات الأجيال الحاضرة دون المساس بموارد الحياة للأجيال المستقبلية. ونظرا لأهمية التربية البيئية في هذا الميدان يجب على مختلف دول العالم أن تقوم بدمج هذا النّمط الجديد من التربية البيئية في أنساقها التربويّة، وفي مختلف المؤسسات التعليمية بدءا من الحضانة حتى المراحل الجامعية، وذلك من أجل بناء ثقافة تنموية خلاقة قادرة على التجاوب مع التصرّف الرّشيد في استغلال البيئة.

7- قمة الأرض ريو دو جانيرو (Rio de Janeiro) 1992 "(مؤتمر الأمم المتحدة عن البيئة والتنمية):

بعد عشرين سنة من انعقاد مؤتمر ستوكهولم، وما تمخّض عنه من قرارات أممية داعية إلى التوافق بين الإنسان والبيئة وتحقيق التوازن الخلاق بين الإنسان والطبيعية، لاحظ الخبراء أنّ القرارات التي صدرت عن مؤتمر ستوكهولم لم تستطع أن توقف التدهور البيئي المتواتر صعودا في مختلف أنحاء العالم: شماله وجنوبه. ونظرا لوضعية التدهور البيئي الملحوظة وجد المجتمع الإنساني نفسه من جديد مدعوا إلى مواجهة هذا التحدي الوجودي الكبير المتمثل في تدهور البيئة وتداعي أركانها، فكان لا بدّ من دعوة أممية جديدة لعقد مؤتمر جديد حول البيئة والتنمية، وأخذت هيئة الأمم المتحدة على عاتقها القيام بهذه المبادة، فنادت إلى عقد ما أطلق عليه لاحقا قمة الأرض (Earth Summit) في 14 حزيران عام1992 في ريو دو جانيرو في البرازيل. وهو المؤتمر الذي استطاع أن يتحرك بالوعي البيئي العالمي من مرحلة التركيز على الظواهر البيئية، إلى مرحلة البحث عن ديناميات "العوامل الاقتصادية والسياسية والاجتماعية المسؤولة عن خلق الأزمات البيئية، واستمرار التلوث والاستنزاف المتزايد الذي تتعرض له البيئة، بهدف وضع أسس بيئية عالمية للتعاون بين الدول النامية والدول المتقدمة، من منطلق المصالح المشتركة لحماية مستقبل الأرض والإنسان الذي يعيش في أحضانها" (الطويل ص 87)[24].

وعقد هذا المؤتمر الأممي بحضور 108 من زعماء العالم، وممثّلي 178 دولة، وعدد كبير من العلماء والمفكرين والباحثين من مختلف أصقاع العالم، وشهد هذا المؤتمر أيضا حضور 2400 مشارك من ممثلي المنظمات غير الحكومية، وساهم في فعالياته أكثر من 17000 شخصا. وشكلت المشكلات البيئية والموارد الطبيعية في العالم الموضوع الأساسي لهذا المؤتمر. وهدف المؤتمر إلى تعزيز الجهود الدولية في مجال حماية البيئة والطبيعة والمحافظة على مواردها، كما أنّه حثّ الحكومات والمؤسّسات والهيئات الدولية على إعادة التفكير في مبدأ التنمية الاقتصادية وفقا لشروط المحافظة على البيئة والبحث عن أفضل الوسائل العلمية والسياسية المطلوبة لوقف تدمير الموارد الطبيعية وتخفيض التلوث وحماية البيئة.

ودعا المؤتمر الى تعزيز التربية البيئية وترسيخها وتكييفها لغاية تحقيق التنمية المستدامة، وأكّد أيضا أهمية زيادة الوعي العام وتمكين الثقافة البيئية من أجل المحافظة على أمن الحياة واستدامة مواردها[25]. وألحّ المؤتمرون على إعادة تكييف التربية البيئية بروح جديدة، وتوجيه التّعليم نحو التنمية المستدامة، وتطوير البرامج التدريسية وتنشيطها، وزيادة الوعي العام في مختلف الفئات الاجتماعية.

وقد شمل الإعلان الصادر عن هذا المؤتمر 12 بنداً يؤكّد جميعها أهمية العمل المستقبلي لتحقيق التربية والتنمية المستدامة، ونادى، علاوة على ذلك، بأهمية تحقيق العدل والأمن والرخاء لجميع مواطني الكوكب. والمهم، في هذا السياق، أنّ المؤتمر أكد على ضرورة توجيه التعليم نحو التنمية المستديمة وتطوير البرامج التدريسية وتنشيطها، وزيادة الوعي العام لمختلف القطاعات لتوجيه سلوك الإنسان محلياً وعالمياً. كما دعا إلى تضمين الأهداف التنموية في المناهج الدراسية بطريقة الدمج والتخصيص كليهما في آن واحد [26].

وانتهى المؤتمر إلى وضع جدول عملي لمواجهة التحديات البيئية أطلق عليه تسمية: "جدول أعمال القرن 2"، وهو أشبه بخطة استراتيجية تدعو الدول والأمم والشعوب إلى نهج تربوي سياسي اجتماعي لحماية البيئة ومواجهة المشكلات البيئية الكبيرة. ويلاحظ الباحثون في هذا السياق أن كلمة التعليم قد تواترت في هذا الجدول أكثر من 500 مرة (AQPERE, 2007)[27]. ويرى كثير من الخبراء أن جدول أعمال القرن يمثل خطة عمل عالمية لم يسبق لها مثيل في مجال التنمية المستدامة. وهو يشكل إنجازا تاريخيا مهمّا، إذ تضمن أكثر من 2500 توصية، موزعة على أربعين فصلا خصصت للبحث فيما ينبغي الاسترشاد به في مجالات التنمية الاقتصادية (الزراعة، الصناعة، الموارد الطبيعية، والتنمية الاجتماعية الصحة، التعليم...)، وفي مشاركة قطاعات المجتمع في مساعي التنمية وفي الحصول على نصيب عادل من ثمارها. واشتمل أيضا على مقترحات مفصلة لكيفية الحد من أنماط الاستهلاك المفرط، ومكافحة الفقر، وحماية الغلاف الجوي والمحيطات والتنوع البيولوجي، وتشجيع الزراعة المستدامة، وتأكيد أهمية التربية البيئية المستدامة[28].

8- مؤتمر جوهانسبورغ (2002) مؤتمر الأمم المتحدة عن التنمية المستدامة

احتضنت مدينة جوهانسبورغ الألمانية (Johannesburg) المؤتمر العالمي للتنمية المستدامة الذي سمّي باسمها (Johannesburg SUMIT) بحضور 182 دولة في الفترة ما بين 26- آب و4- أيلول عام 2002، وتمّ عقده تحت شعار (القمة العالمية للتنمية المستديمة) وهو الشعار الذي عبر عن طبيعة هذا المؤتمر الذي كرس عمليا على تناول العلاقة ما بين والبيئة والتنمية ضمن رؤية استراتيجية تؤكد وجود علاقات جوهرية حضارية فيما بين الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والبيئية للحياة الإنسانية والاجتماعية في مختلف أصقاع المعمورة.

وانطلق المؤتمر ضمن رؤية نقدية لمقررات مؤتمر قمة الأرض لعام 1992 التي لم تستطع أن تحقّق الإنجازات المطلوبة، ولم تستطع أن توقف عملية الهدر البيئي للكوكب، ولا سيما مع ظهور مستجدات حضارية وتنموية جديدة لم تكن في الحسبان في المرحلة الماضية. وشهدت أعمال المؤتمر تقييما علميا ونقديا لمختلف الإنجازات التي حققتها المؤتمرات العالمية في مجال البيئة منذ مؤتمر ستوكهلم حتى لحظة انعقاده. وقد تبين أن هذه الجهود ما زالت تحتاج إلى مزيد من العمل والتوجيه كي تحقق الغاية المنشودة منها في مجال المحافظة على البيئة وتحقيق استدامتها. وقد تبنى المؤتمر التزامه بمبادئ مؤتمر ريو دو جانيرو السبع والعشرين وبجدول أعمال القرن 21. كما تضمن إقرارا بأهمية القرارات والتوصيات التي خرجت بها معظم المؤتمرات التنموية السابقة في مجال البيئة وقضاياها الوجودية.

وقد جاء في ديباجة المؤتمر ما يعبر عن ظروف انعقاد هذا المؤتمر وأهدافه:

"منذ ثلاثين عاما اتفقنا في ستوكهولم على ضرورة التصدّي لمشكلة تدهور البيئة، ومنذ عشرة أعوام، اتفقنا في مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة والتنمية المعقود في ريو دو جانيرو على أن حماية البيئة والتنمية الاجتماعية والاقتصادية أمور لا بد منها للتنمية المستدامة استنادا إلى مبادئ ريو. ولتحقيق هذه التنمية، اعتمدنا البرنامج العالمي المعروف باسم جدول أعمال القرن 21، وإعلان ريو بشأن البيئة والتنمية، اللذين نعيد اليوم تأكيد التزامنا بهما. وقد كان مؤتمر ريو حدثا بارزا انبثقت عنه خطة جديدة للتنمية المستدامة" [29].

" في مؤتمر قمة جوهانسبرغ، حققنا إنجازا كبيرا، إذ كان لقاء مجموعة شديدة التنوع من الأشخاص ووجهات النظر من أجل البحث البنّاء عن سبيل مشترك يؤدي إلى عالم يحترم رؤية التنمية المستدامة وينفّذها. ومؤتمر قمة جوهانسبرغ أكّد أيضا أنه تمّ إحراز تقدم هامّ صوب تحقيق توافق عالمي في الآراء وشراكة بين جميع شعوب كوكبنا [30]. ولا تزال البيئة العالمية تعاني من التدهور. فتناقص التنوع البيولوجي مستمرّ، وكذلك استنفاذ الأرصدة السمكيّة، والتصحّر يتلف مساحات متزايدة من الأراضي الخصبة، والآثار الضارة لتغير المناخ باتت واضحة، وتزايد حدوث الكوارث الطبيعية وما يترتب عليها من دمار، وأضحت البلدان النامية أضعف حالا، ولا يزال تلوث الهواء والمياه والبحار يحرم ملايين الأشخاص من العيش الكريم"[31].

وقد أكّد المؤتمر ترحيبه بكل أشكال التعاون الدولي والإقليمي في مجال حماية البيئة واستحضار التنمية المستدامة بكل أبعادها الإنسانية والاجتماعية. ولم يتوان المؤتمر عن إعطاء اهتمام خاص للاحتياجات الإنمائية للبلدان النامية الجزرية الصغيرة، ولاسيما البلدان الأقل نموا، وأكد من جديد الدور الحيوي للسكان الأصليين في التنمية المستدامة. وأقر المؤتمرون بأنّ التنمية المستدامة تستوجب منظورا بعيد المدى ومشاركة عريضة في صياغة السياسات، وصنع القرارات، وعملية التنفيذ على جميع المستويات.

ويتّضح أنّ المؤتمر قد أقرّ أيضا خطة جوهانسبرج للتنمية التي شملت خمس مجالات أساسية، هي: المياه، والطاقة، والصحة، والزراعة، والتنوع البيولوجي. وعلى هذا الأساس تبنى المؤتمر أيضا عددا من الأمور أهمّها: الدعوة إلى استئصال الفقر وتغيير الأنماط السلوكية غير المستدامة للاستهلاك والإنتاج. وطالب أيضا بالعمل على حماية الموارد الطبيعية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، ووضع هذه التصورات جميعها ضمن إطار الخطة الإنمائية المستدامة. ودعا إلى التأكيد على حماية البيئة المائية والبحرية من الهدر والتلوث، مطالبا بتشجيع البرامج الرامية إلى زيادة كفاءة استخدام موارد المياه.

ومن الأهمية بمكان، في هذا السياق، أنّ قمة جوهانسبورغ أكدت بوضوح أهمية تعزيز الوعي الشّامل بالتنمية المستدامة في مختلف المستويات الاجتماعية ولاسيما في المستويات السياسية العليا.

ومن المؤكد أن عقد جوهانسبورغ قد وسّع وعزّز مفهوم التنمية المستدامة، وأكّد على ضرورتها التاريخية، والأكثر أهمية أن المؤتمر قد طرح أهمية التنمية المستدامة هذه المرة في قاعة الاجتماعات العالمية، وفي مستوى أرفع طبقة سياسية وفكرية في العالم.

ومن الأمور المهمة جدا أن المؤتمر دعا إلى تأسيس صندوق تضامن عالمي لاستئصال الفقر ومكافحته في مختلف أنحاء العالم. كما دعا إلى توفير الماء والصحة العامة والاستهلاك المستدام في إطار مشروع كوني للتنمية المستدامة على مستوى الكوكب ولاسيما في البلدان النامية.

ومن أهم النتائج التي خرج بها المؤتمر في توصياته:

1- حماية الموارد البيئية.

2- اعتماد مبدأ الاستدامة البيئية بوصفها جزءاً رئيسياً في العملية التنموية.

3- تأكيد المسؤولية المشتركة لجميع الدول في مواجهة التحديات البيئية.

4- التأكيد على أهمية التربية البيئة المستدامة، وتشجيع جميع مواطني العالم على المشاركة في عملية نشر الوعي البيئي،

ومن الأمور المهمّة جدا أن المؤتمر قد مهّد لـ "عقد الأمم المتحدة للتعليم من أجل التنمية المستدامة"، وهو نسق جديد من الفعاليات الأممية التي تسعى إلى تعزيز التعليم البيئي المستدام لمواجهة التحديات البيئة وتطوير الإمكانيات البشرية فكريا وثقافيا وتربويا في عملية المحافظة على البيئة والدفاع عنها.

9- عقد التعليم من أجل التنمية المستدامة 2005-2015

في أعقاب مؤتمر قمة جوهانسبرغ للأرض (Johannesburg) (2002)، أطلقت الأمم المتحدة وثيقة: "عقد الأمم المتحدة للتعليم من أجل التنمية المستدامة 2005-2014 (UNDESD) من أجل إعادة النظر في المناهج التربوية وتعديلها لتكون أكثر قدرة على تكوين الوعي الفعال لدى الأفراد وتشكيل الاتجاهات الضرورية لمواجهة التحديات البيئية الجديدة. وهدفت هذه الوثيقة إلى تشكيل هيكل أساسي للتعليم من أجل التنمية المستدامة ينطلق من المبادئ التربوية الأربعة التالية: "تخيل مستقبل أفضل"، و "التفكير النقدي والتفكير"، و "المشاركة في صنع القرار"، و "الشراكات والتفكير المنهجي".

10- مؤتمر مراكش للتربية البيئية 2013

في الفترة من 9 إلى 14 يونيو 2013، انعقد المؤتمر العالمي السابع للتربية البيئية في مراكش بالمغرب. وكان الموضوع العام للمؤتمر هو "التعليم وقضايا البيئة في المدن والمناطق الريفية: بحثًا عن تناغم أكبر"، وشمل 11 مجالًا مختلفًا من مجالات الاهتمام. وضمّ المؤتمر العالمي للتربية البيئية ي 2400 عضو يمثلون أكثر من 150 دولة. وتمّ تنظيم هذا الاجتماع، الذي عقد لأول مرة في دولة عربية، من قبل منظّمتين مختلفتين: مؤسسة محمد السادس لحماية البيئة، والأمانة الدائمة للمؤتمر العالمي للتعليم في البيئة في إيطاليا. وشملت الموضوعات التي تمت مناقشتها في المؤتمر أهمية التعليم البيئي ودوره التمكيني، وإقامة شراكات لتعزيز التعليم البيئي، وكيفية دمج البيئة والاستدامة، وحتى كيفية جعل الجامعات "أكثر خضرة".

11-خطة التنمية المستدامة 2015:

في 25 سبتمبر 2015، اعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة خطة التنمية المستدامة لعام 2030 (الأمم المتحدة، 2015). تم تطوير هذا الإطار العالمي الجديد لإعادة البشرية إلى طريق الاستدامة في أعقاب مؤتمر الأمم المتّحدة للتنمية المستدامة (ريو +20)، الذي عقد في ريو دو جانيرو، البرازيل، في يونيو 2012، على مدى ثلاث سنوات من التفكير في التي ساهمت بها الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، واستجوب ملايين الأشخاص في إطار الدراسات الاستقصائية الوطنية وآلاف الجهات الفاعلة من جميع أنحاء العالم.

ومن المهم في هذا السياق الإشارة أيضا إلى في تقرير الأمم المتحدة لسنة 2017 الذي حدد 17 هدفا للتنمية المستدامة منها: 1- القضاء التام على الجوع والفقر/الأمن الغذائي/، 2- الصحة الجيدة والرفاه/صحة الطفل والأم/، 3- التعليم الجيد، 4- المساواة بين الجنسين، 5 النظافة الصحية والمياه النظيفة، 6 طاقة نظيفة بأسعار معقولة، 7- العمل اللائق ونمو الاقتصاد، 8- الصناعة والابتكار والبنية التحتية، 9- الحد من أوجه عدم المساواة، 10 - مدن ومجتمعات محلية مستدامة، 11- الاستهلاك والإنتاج، 12- العمل المناخي، 13- الحياة تحت الماء، 14- الحياة في البر، 16- التنوع الإيكولوجي، 17السلام والعدالة، 18عقد الشراكة لتحقيق الأهداف[32].

12- دور اليونيسكو في تأصيل التربية البيئية

وتجدر الإشارة في هذا السياق الأممي أن منظمة اليونيسكو كانت تشكل المحرّك الفاعل في عقد هذه المؤتمرات، وفي تفعيل النشاطات الأممية المتعلقة بالتربية البيئية والتربية على الاستدامة بصورة مؤكدة. واستطاعت هذه المنظمة أن تأخذ مكانها في قلب هذه الفعاليات بصورة علنية أحيانا، وبصورة خفيّة في أغلب الأحيان. كما أنها شكلت البوتقة الحقيقية التي تتشكل في أعماقها مختلف الاتفاقيات والممارسات الفكرية والثقافية المتعلقة بالبيئة والتريبة البيئية المستدامة. وهنا علينا القول إنّ عددا لا متناهيا من الاتفاقيات والندوات والدراسات التربوية قد عقدت في أعقاب هذه المؤتمرات وفي أثنائها وفيما بعدها حول التربية البيئية المستدامة. ولا غرو في القول بأن النشاطات التي قدمتها منظمة اليونيسكو في مجال البيئة والتربية على البيئة تشكل خزانا يضمّ أسفارا من الأعمال الفكرية في هذا الميدان.

ومن الطبيعي ألا يكون في المستطاع سرد نشاطات اليونيسكو في مجال التربية البيئية والتربية على التنمية المستدامة، ولكن يمكننا الإشارة إلى ملمح من ملامح هذه الأنشطة المتميزة والمهمة جدا، يتمثل فيما أشارت إليه المديرة العامة لليونسكو أودري أزولاي التي أكدت "أن اليونسكو وضعت هدفاً جديداً يتمثل في تحويل التربية البيئية إلى مكون أساسي في المناهج الدراسية لجميع البلدان بحلول عام 2025، وأن المنظمة تعمل مع الدول المائة والثلاث والتسعين الأعضاء فيها بغية دعم عملية إصلاح المناهج الدراسية، وتعقُّب التقدم المحرز في هذا المجال، من أجل ضمان اكتساب الجميع للمعارف والمهارات والقيم والسلوكيات اللازمة لإحداث تغيير إيجابي في مجال التربية البيئية وحماية مستقبل الكوكب".[33].

وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى أن اليونسكو أشرفت على برنامج الأمم المتحدة للبيئة برنامج التعليم البيئي الدولي (IEEP) الذي بدأ في عام 1975، وهو البرنامج الذي ينطوي على رؤية تربوية حول ركائز التربية البيئية ويقدم للمعنيّين من الدول والمؤسسات التربوية نصائح عملية حول كيفية تعبئة التعليم من أجل الوعي البيئي. ودون إطالة في سرد النشاطات التربوية التي قمتها اليونيسكو في مجال التربية البيئية المستدامة نستطيع القول إنّ نشاطات هذه المؤسسة في هذا الميدان تشكل تراثا فكريا وتربويا عالميا لا ينضب في مستوى الفكر والممارسة التربوية في هذا المجال الخطير من مجالات الحياة القائمة على أساس التفاعل الحيوي بين الإنسان ومحيطه.

13- قائمة بأهم النشاطات والمؤتمرات والندوات الأممية  حول البيئة والتربية البيئية:

سبقت الإشارة إلى التعدد الكبير في النشاطات الأممية حول البيئة والتربية البيئة، وقد ذكرنا أنه يصعب حصر هذه النشاطات والمؤتمرات والفعاليات المستمرة في هذا الميدان. وقد وجدنا أيضا أن الحديث عن هذه المؤتمرات والنشاطات جميعها يحتاج إلى مجلدات ضخمة، ولذا فقد اكتفينا بعرض المؤتمرات البيئة التأسيسية التي ركزت على التربية البيئة. ومع ذلك ولا تكتمل صورة هذه النشاطات الدولية الأممية في مجال التربية البيئية ما لم نأخذ بعين الاعتبار الصورة البانورامية لتعاقب هذه المؤتمرات عبر الزمن. وقد وجدنا لزاما علينا أن نستعرض قائمة شاملة بأهم النشاطات الدولية والمؤتمرات الأممية التي شهدتها المجتمعات الإنسانية منذ عام 1971 حتى يومنا هذا في مجال التربية البيئية تحديدا. وتجدر الإشارة، في هذا السياق، إلى أنّ هذا العرض يقدم تصوّرا واضحا مهمّا وضروريا للتعرف على طبيعة الفعل التربوي الأممي في مواجهة التحديات البيئية. وهذه هي القائمة التي تتضمن أهم المؤتمرات والنشاطات العالمية في مجال التربية البيئية:

1971- مؤتمر روشليكون الأوروبي حول البيئة والتربية البيئية

1972 - مؤتمر الأمم المتحدة حول البيئة البشرية، ستوكهولم.

1973 - إنشاء برنامج التربية البيئية الدولية PIEA.

1975 - ندوة التربية البيئية الدولية في بلغراد

1977 - المؤتمر الدولي الأول للتربية البيئية، تبليسي (جورجيا)

1987 - المؤتمر الدولي الثاني "الإستراتيجية الدولية للعمل في مجال التربية البيئية والتدريب للتسعينيات"، موسكو.

1992 - مؤتمر الأمم المتحدة للبيئة والتنمية أو Sommet de Rio - جدول أعمال القرن 21.

1997 - المؤتمر الدولي الثالث "البيئة والمجتمع": التعليم والوعي العام بالاستدامة "في تسالونيكي (اليونان)

2003 - المؤتمر العالمي للتربية البيئية. البرتغال.

2004 - المؤتمر العالمي للتربية البيئية. البرازيل.

2007 -المؤتمر العالمي للتربية البيئية. إيطاليا.

2007 - المؤتمر العالمي الرابع للتعليم البيئي. إفريقيا الجنوبية

2007 - المؤتمر الدولي الرابع للتعليم البيئي من أجل مستقبل مستدام. أحمد أباد (الهند)

2009 - المؤتمر العالمي للتربية البيئية. كندا.

2011 - المؤتمر العالمي للتربية البيئية. أستراليا.

2013 - المؤتمر العالمي للتربية البيئية. "التعليم والقضايا البيئية في المدن والمناطق الريفية: بحثا عن تناغم أكبر". المملكة المغربية.

2015 - المؤتمر العالمي الثامن للتربية البيئية. السويد.

2017 - المؤتمر العالمي التاسع للتربية البيئية. كندا.

2019 - المؤتمر العالمي العاشر للتربية البيئية. تايلاند.

2021 - المؤتمر العالمي الحادي عشر للتربية البيئية. جمهورية التشيك.

14- خاتمة:

ما زالت مسيرة العمل الأممي في مجال البيئة والتربية المستدامة عن البيئة على أشدها، ولن تتوقف ما دامت قضية البيئة تطرح نفسها كإشكالية وجودية تهدد مصير الحياة على الأرض، ويرصد الباحثون عددا لا متناهيا من النشاطات والفعاليات الأممية ويقدر المراقبون أن قضية البيئة قد حظيت بأكثر من ألف نشاط واتفاقية دولية تتناول قضايا بيئية محددة منذ مؤتمر روشليكون حول البيئة البشرية عام 1971، وما زال المجتمع الإنساني يعقد المؤتمرات ويبرم الاتفاقيات في مجال البيئة والتربية البيئة المستدامة. وتشكل هذه النشاطات والاتفاقيات منصة عالمية للتعامل مع القضايا البيئية المشتركة العابرة للحدود "كالتلوث والتنوُّع البيولوجي والتصحُّر وحماية البحار والمحيطات، وصولاً إلى حماية طبقة الأوزون وتغيُّر المناخ "[34].

ولم يعد اليوم خافيا على أهل العلم توقد الاهتمام العالمي بالبيئة، وتنامي التركيز على التربية البيئية بوصفها منطلقا حيويا للمحافظة على الحياة الإنسانية، والتنوع الحيوي على امتداد الكوكب. وقد بدا واضحا أيضا أنّ النشاطات الأممية قد تركت بصماتها العميقة في مجال تنمية الوعي العام العالمي بقضايا البيئة والحياة البيئة في مختلف أنحاء المعمورة. ومن المؤكّد اليوم أن هذا الاهتمام الدولي كان له الأثر الكبير في دفع الدول عبر العالم إلى اعتماد التربية البيئية ودمج عناصرها في مختلف المؤسسات التربوية. وغنيّ عن البيان أيضا أن الفعاليات الدولية المستمرة منذ مؤتمر روشليكون في عام 1971 حتى اليوم استطاعت أن ترسّخ أهمية التربية البيئة من منظور فكري فلسفيّ، يقوم على إدراك عميق لطبيعة التفاعل التنظيمي الخلاق بين مكونات البيئة في مختلف تجلياتها الإحيائية والاقتصادية. ومن الواضح أيضا أنّ هذا المنظور الفلسفي يركز على أهمية الوعي بمصادر البيئة الحيوية منطلقا أساسيا في التربية البيئية، داعيا إلى عقلنة السلوك الإنساني البيئي وتحويله إلى فعالية مستدامة لتحقيق التوازن الخلاق بين الإنسان والإنسان من جهة، وبين الإنسان والطبيعة من جهة أخرى (UNESCO ,1978,27)[35].

ومن المؤكد أيضا أنه قد كان لهذه المؤتمرات الفضل الكبير في إثارة الرأي العام العالمي بالتربية البيئية وأهميتها في تشكيل الوعي العالمي بمخاطر التغول على الطبيعة، وقد أثمرت في النهاية في الدفع إلى دمج التربية البيئية في التعليم العام في مختلف البلدان، وهي التربية التي تعمل على تأصيل وعي عالمي بالمشكلات البيئية وتوليد مختلف الاتجاهات والقيم والمهارات في مجال المحافظة على البيئة وصون مواردها.

وباختصار يمكن أن نلخّص أهم الإنجازات التربوية لهذه المؤتمرات في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين استكمالا للصورة البانورامية التي سبق لنا تقديمها آنفا. وهنا يمكن الإشارة إلى مؤتمر جوهانسبورغ 2002 الذي أكّد على أهمية العلم في المجال البيئي. وإلى المؤتمر العالمي الأول للتربية البيئية للألفية الجديدة سنة 2003 بمدينة أسبينهو (Espinho) في البرتغال الذي شدّد على أهمية التربية البيئية المستدامة. ويمكن الإشارة أيضا إلى المؤتمر العالمي الثاني للتربية البيئية عام 2004 بمدينة ريو دو جانيرو (Rio de Janeiro) بالبرازيل الذي ركز على موضوع تحديات التربية البيئية في العالم المعاصر. أما المؤتمر العالمي الثالث للتربية البيئية عام 2005 بمدينة تورينو الإيطالية فقد تمرز حول التطبيق الفعلي للتربية البيئية في مجال التنمية المستدامة. ولم يتخلّف المؤتمر العالمي الرابع للتربية البيئية عام 2007 بمدينة ديربان (Durban) بجنوب إفريقيا عن الاهتمام بالعلاقة الحيوية بين التعليم والعلم والتربية البيئية. وهنا تجدر الإشارة أيضا إلى المؤتمر العالمي الخامس للتربية البيئية عام 2009 بمدينة مونتريال (Montréal) بكندا الذي اهتم بدور أو مساهمة التربية البيئية في حل المشاكل الاجتماعية والبيئية. وعلى هذا المنوال اهتم المؤتمر السادس للتربية البيئية عام 2011 بمدينة بريسبان (Brisbane) بـ أستراليا، بدور التربية البيئية في المجتمعات الإنسانية المعاصرة، وضمن هذا المسار اهتم المؤتمر العالمي السابع للتربية البيئية 2013 بمدينة مراكش ــ بقضايا التربية البيئية ودورها في تحقيق الحياة الخضراء.

وهذه الفعاليات الأممية التربوية في هذه المؤتمرات تدل بوضوح على تزايد الاهتمام العالمي بقضايا التربية البيئية ودورها الخطير في مواجهة تحديات الحياة البيئية على سطح الكوكب.

ويضاف إلى ما تقدم أنّ الفعاليات الأممية في مجال التربية البيئة استطاعت في حقيقة الأمر أن تحدث تطورا كبيرا في مفهوم البيئة والتربية البيئية والتنمية، ويمكننا من خلال السيناريو الفكري الذي قدمناه أن نلاحظ أنّ هذه المؤتمرات المتواترة - ما بين مؤتمر روشليكون في سويسرا عام 1971 ومؤتمر مراكش 2013عام - استطاعت أن تطور مفهوم البيئة في علاقته مع التنمية إلى صيغ فكرية جديدة ومتناغمة مع أفضل التصورات التنموية الممكنة في ظل الحادثات المستجدة. وانتقلت هذه المؤتمرات من رؤية أولية تتمركز حول بيئة الإنسان في "روشليكون 1971" الى فكرة البيئة والتنمية في مؤتمري بلغراد وتبليسي 1992. ومن هذه الى فكرة التنمية المستدامة في مؤتمر جوهانسبرغ 2002[36]. وهذا يدلّ على الدور المتعاظم الذي أدته هذه المؤتمرات في تأصيل رؤية فلسفية متقدمة لقضية البيئة والتنمية البيئية والتربية على البيئة، وأن هذه الرؤية قد اختمرت في بوتقة التفاعلات الفكرية لهذه المؤتمرات ضمن ساق التطورات الحادثة في هذا الميدان ما بين عقد وآخر من الزمن[37].

ولا بد لنا في هذه الخاتمة من القول إنّ الجهود الدولية المبذولة (القمم واللقاءات والمؤتمرات) على مدى الستة الماضية لم تستطع أن تحقّق جدواها لحماية البيئة، وأنه على الرغم من هذه الجهود المتمثلة في النقاشات والخطابات الدولية والإقليمية والوطنية حول البيئة والتريبة على البيئة، ما زالت البيئة تتعرّض للتّخريب البشري، وما زالت المنظومة الرأسمالية تعيث فساد وتلوثا في أرجاء المعمورة[38]. ومن الواضح أن التربية على البيئة ما زالت في بداية تفاعلاتها، ولاسيما في البلدان الفقيرة والنامية، التي ما زالت وتائر التنمية فيها ضعيفة ومحدودة. وما يدعو اليوم إلى المزيد من القلق العالمي أنّ النشاطات الأممية لم تستطع أن تحقّق ما يجب عليها أن تفعله في مجال تحقيق التوازن بين التنمية والبيئة. ويبدو أن تحقيق هذه الغاية ما زال حتى اليوم بعيد المنال. وما زالت البيئة تواجه تهديدات متزايدة ومستمرة وتنبئ بأنّ المعمورة تواجه أعظم الخطر، وأن مستقبل الإنسانية مهدّد كليا ما لم تتخذ إجراءات جذرية لحماية البيئة والطبيعية من غوائل البشر.

 

ا. د. علي أسعد وطفة

.........................

هوامش المقالة ومراجعها :

[1] - SAUVÉ, L. Currents in environmental education: Mapping a complex and evolving pedagogical field. Canadian Journal of Environmental Education, vol.10, n.1, p.11-37, 2005.

[2]- Disinger, J.F. (1983). «Environmental Education's definitional problem». Journal of Environmental Education, (2), 17-32

[3] - Jan Carnovsky and David Withrington, Final Report, European Working Conference on Environmental Conservation Education, 15—18 December 1971, IUCN (International Union for Conservation of Nature and Natural Resources) Rüschlikon, Morges, Switzerland 1972.

[4] - Jan Čeřovský and David Withrington, Final Report, European Working , Ov.cit.

[5] - Jan Čeřovský and David Withrington, Final Report, European Working  , Ov.cit.

[6] - الشراح، يعقوب أحمد، وآخرون. (1986 ). التربية البيئية. برنامج كاتب وكتاب ،  الكويت: مؤسسة الكويت التقدم العلمي.

[7] - الموسوعة السياسية، مؤتمر ستوكهولم للبيئة 1972. http://bitly.ws/fTwW

[8] - نجيب صعب، هل نحتاج إلى شرعة عالمية للبيئة؟ الشرق الأوسط، رقم العدد [15195]، 5/7/2020. http://bitly.ws/fTu7

[9] - الموسوعة السياسية، مؤتمر ستوكهولم للبيئة 1972. http://bitly.ws/fTwW

[10] - الموسوعة السياسية، مؤتمر ستوكهولم للبيئة ، المرجع السابق.

[11] - الموسوعة السياسية، مؤتمر ستوكهولم للبيئة ، المرجع السابق.

[12] - رشيد الحمد ومحمد سعيد صباريني، البيئة ومشكلاتها، الكويت: المجلس الوطني للعلوم والثقافة والفنون، عالم المعرفة العدد 22، أكتوبر، 1979 ص 180.

[13] - طويل، فتيحة (2013). التربية البيئية ودورها فيي التنمية المستدامة: دراسة ميدانية بمؤسسات التعليم المتوسط بمدينة بسكرة - أطروحة دكتوراه، شعبة علم الاجتماع، قسم العلوم الاجتماعية، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، جامعة محمد خيضر، بسكرة، السنة الجامعية: 2012- 2013.

[14] - كالفرت، بيتر وسوزان كالفرت، السياسة والمجتمع في العالم الثالث: مقدمة، ترجمة عبد الله جمعان الغامدي، مطابع جامعة الملك سعود، الرياض، 2002 .

[15] - UNESCO-PNUE, (1975). La Charte de Belgrade. Un cadre mondial pour l'éducation relative à

L'environnement. [En ligne]. Disponible sur: https://institut-eco-pedagogie.be/spip/IMG/pdf_CharteBelgrade.pdf

[16] - PALMER, J. Environmental education in the 21st century, theory, practice, progress and promise. New York: Routledge, 1998.

[17] - PALMER, J. Environmental education in the 21st century, theory, practice, progress and promise. New York: Routledge, 1998.

[18] - UNESCO-PNUE, (1975). La Charte de Belgrade. , Ov.cit.

[19] - طويل، فتيحة (2013). التربية البيئية ودورها فيي التنمية المستدامة ، مرجع سابق ، ص 48.

[20] - رشيد الحمد ومحمد سعيد صباريني، البيئة ومشكلاتها، الكويت: المجلس الوطني للعلوم والثقافة والفنون، عالم المعرفة العدد 22، أكتوبر، 1979 ص 185.

[21] - UNESCO(1977). Intergovernmental Conference on Environmental Education organlied by UNESCO in cooperation with UNEP Tbilisi (USSR) 74 - 26 October 1977.

[22] - Tbilisi Declaration (1977). Available online: https://www.gdrc.org/uem/ee/tbilisi.html.

[23] - طويل، فتيحة (2013). التربية البيئية ودورها فيي التنمية المستدامة: مرجع سابق ،  ص 50.

[24] - طويل، فتيحة (2013). التربية البيئية ودورها فيي التنمية المستدامة ، مرجع سابق .

[25] - الأمم المتحدة، تقرير مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة والتنمية ريو دو جانيرو، 3-14 حزيران يونيو 1992.

[26] - أحمد زهير، التلوث وحماية البيئة ونشاط حركات الخضر، الحوار المتمدن، المحور الطبيعية، عدد 1360، 2005. منشور في الأنترنيت على الرابط: http://www.ahewar.org/debat/show.art.asp?aid=48965

[27] - AQPERE, (Association Québécoise pour la promotion de l’éducation relative à l’environnement) (2007). Un environnement gagnant ! Les facteurs de succès à l’intégration de l’environnement dans les écoles primaires et secondaires: le cas de huit écoles québécoises. Montréal: AQPERE.

[28] - محمد عبد الفتاح القصاص، أبعد من جوهانسبورغ مجلة البيئة والتنمية، عدد 52-53، تموز-آب (يوليو-أوغسطس) 2002. http://bitly.ws/fXkC

[29] - الأمم المتحدة، تقرير مؤتمر القمة العالمي للتنمية المستدامة، جوهانسبرغ، جنوب أفريقيا، 26 آب/أغسطس إلى 4/أيلول/سبتمبر 2002، نيويورك، 2002. ص 3

[30] - الأمم المتحدة، تقرير مؤتمر القمة العالمي للتنمية المستدامة، جوهانسبرغ، المرجع السابق.

[31] - الأمم المتحدة، تقرير مؤتمر القمة العالمي للتنمية المستدامة، المرجع السابق. ص3 .

[32] - سعدي، عائشة (2021). الوعي البيئي والتنمية المستدامة، المجلة الجزائرية للحقوق والعلوم السياسية المجلد (6)، العدد 1، يناير 20121، صص 64-82.

[33] - اليونيسكو، اليونسكو تحثّ على تحويل التربية البيئية إلى مكون أساسي في المناهج الدراسية لجميع البلدان بحلول عام 2025، 12/05/2021. http://bitly.ws/fJr3

[34] - نجيب صعب، هل نحتاج إلى شرعة عالمية للبيئة؟ الشرق الأوسط، رقم العدد [15195]، 5/7/2020. http://bitly.ws/fTu7

[35] - UNESCO UNEP. (1978). Intergovermental Conference on Environmental. Unesco. Education.Final Report.Tiblissi 1977.

[36] - سعدي، عائشة (2021). الوعي البيئي والتنمية المستدامة، مرجع سابق .

[37] - محمد عبد الفتاح القصاص، أبعد من جوهانسبورغ مجلة البيئة والتنمية، عدد 52-53، تموز-آب (يوليو-أوغسطس) 2002. http://bitly.ws/fXkC

[38] - برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، «محاربة تغير المناخ: التضامن الإنساني في عالم منقسم»، تقرير التنمية الإنسانية 2007/2008، نيويورك ولبنان: شركة الكركري للنشر، 2007.

 

محمد بنيعيشأولا: الأمية النبوية وإشكال التعريف والتوظيف

مفهوم الأمية لدى النبي سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم قد يعرف إشكالا واستغلالا وتخاذلا عند شرحه ما بين مطلِق ومقيِّد ومعمِّم ومخصِّص وما بين مخلص ولص. وذلك حينما يريد البعض أن يجعل من أمية النبي أمية مجازية ومحدودة في الكتابة فقط دون القراءة.. في حين قد يذهب البعض إلى اعتبار الأمية من خصائص الأمة وأنها قد تنتج علما وفهما وقراءة للنصوص أجود من قراءة العالم المتبحر والأديب الأريب والنحوي والبلاغي الفصيح . ومن هنا فقد يركب البعض على هذه الأمية لتصدير الأوهام وادعاء الإلهام في فهم معاني القرآن، بل الأدهى من ذلك في قراءة قلوب العباد ورصد تفاعلها مع النصوص وتوجيهها نحو عالم المعرفة والإشراق والباطن وباطن الباطن، مع العلم والواضح للعيان أن الكثير من هؤلاء لا يكاد يصوغ جملة مفيدة وصحيحة لا من جانب النحو واللغة وهذا هو الأفضع، وأيضا من جانب البيان وتوظيف المعاني بحسب المقتضى والمكان، فياليتهم سكتوا وأنصتوا بدل أن يصوتوا ويشوشوا!.

وهذه كلها مزاعم لا تليق بمفهوم الأمية النبوية ولا بمقتضى الخطاب الديني القرآني المعجز ومعه الحديث النبوي الشريف. وحينما تنتقد أو تعارض من يقول هذا يرد عليك بأن النبي قد كان أميا وأننا على نهجه في هذا الباب وأن علم الأذواق أولى من علم الأوراق . وصاحب هذا الرأي لا يدري بأنه يعارض النبي نفسه ويحارب خصوصية أميته التي هي من أهم معجزاته ودلائل صدقه. بل يعارض قوله الصريح: "العلماء ورثة الأنبياء". إذ لا باطن بغير ظاهر ولا ظاهر بغير حكم باطن ولا معنى بغير عبارة كما لا عبارة إلا وهي ذات معنى. فإذا كان القرآن هو قوت القلوب وربيعها فكيف سيسكنها وهي لا تعرف معانيه ودلالاته وإشاراته بحسب ما يحمله النص؟.

فلقد كان النبي (ص)أميا كيوم ولدته أمه، إذ مفهوم الأمية فيه نسبة إلى الأم، وهو يقتضي التجريد المطلق والفطرة الكاملة التي لم يتخللها أي تشكيل أو تعديل، والمولود الجديد كما وصف حاله الروحي نبينا ورسولنا سيدنا محمد (ص)ب: "هذا مولود حديث العهد بربه"أو كما يروى في معنى قريب وصيغة شبيهة بحديث المطر الذي وصف حاله النبي (ص) بأنه "حديث العهد بربه "الوارد في صحيح مسلم.

قال أبو إسحق: معنى الأمي المنسوب إليه جبلة أمه أي لا يكتب، وهو في أنه لا يكتب أمي لأن الكتابة مكتسبة فكأنه نسب إلى ما يولد عليه، أي على ما ولدته أمه عليه. وكانت الكتابة في العرب من أهل الطائف، تعلموها من رجل من أهل الحيرة وأخذها أهل الحيرة عن أهل الأنبار، وفي الحديث: "إنا أمة أمية لا نكتب ولا نحسب " أراد على أصل ولادة أمهم لم يتعلموا الكتابة والحساب فهم على جبلتهم الأولى، وفي الحديث: "بعثت إلى أمة أمية "قيل للعرب أميون لأن الكتابة كانت فيهم عزيزة، هذا معنى كلمة "أمي" في اللغة العربية وهكذا كان يفهمها العرب .

قال تعالى في سورة الأعراف: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ) [1]وقال تعالى: (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (48) بَلْ هُوَ آَيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَمَا يَجْحَدُ بِآَيَاتِنَا إِلَّا الظَّالِمُونَ (49))[2]. قال الفخر الرازي في تفسيره: "فالعرب أكثرهم ما كانوا يكتبون ولا يقرأون والنبي (ص) كان كذلك، فلهذا السبب وصفه بكونه أميا. قال أهل التحقيق: وكونه أميا بهذا التفسير من جملة معجزاته"[3].

لا أريد الدخول في تفاصيل مسألة الأمية عند رسول الله  (ص) وهل كان يستطيع أن يقرأ كسبا، أي هل تعلم الصناعة أو حالها في مناقشة ما يثيره بعض المغرضين والمتنطعين، فكل هذه تساؤلات مشبوهة ويائسة وبائسة كمن يسعى إلى خدش الرخام بأظافره فلا يجد عندئذ إلا الصلابة والانزلاق، ولم لا تكسر ها وتشوهها حتما ولزما؟.

ويكفينا هنا، وبكل سرعة وبلغة الإيجاز والإعجاز، أن نرد بما ورد في الآية السابقة التي سدت الباب وأدلت بفصل الخطاب في المسألة وذلك بوصفها للنبي (ص)بأنه لم يكن يتلو كتابا من قبل القرآن، أي أنه لم يكن يقرأ حتى يكرر ما طلب منه قراءته ولم يكن يخط بيمينه فيراجع ما كتبه، وهذا دليل عدم الكتابة، فإذن هو  (ص) لم يكن يقرأ ولم يكن يكتب معا، وهذا بالنص قطعي الثبوت والدلالة ولله الحمد والمنة.

وهكذا جاءت المناسبة بالنقيض، وهي أبلغ في الإعجاز والدلالة على علو المقام، أي أن الذي لا يقرأ ولا يكتب سيؤمر بالقراءة، ولكن أي قراءة هذه ؟ إنها ليست ذاتية ولا إرادية أو اختيارية وإنما هي وحي من وحي، أي أن النبي (ص)قد أوحي إليه من باطنه ليقرأ من ظاهره، وماذا سيقرأ إذن؟

إنه الكلام القدسي الأزلي الذي هو ليس بحرف ولا كلمة ولا صوت ولا تموج، بل هو في الأصل كلام الله تعالى القديم القائم بالذات، والذي سيصرفه إلى لسان عربي مبين باسمه تعالى، فقرأه (ص)بالواسطة التي هي عينها الصفة، أي منه وبه تعالى، حيث تأسست قاعدة: "عرفت ربي بربي ولولا ربي ما عرفت ربي".

ثانيا: الأمية النبوية وبدء الوحي بين واسطة الحق وواسطة الخلق

فالنبي  (ص) قد عرف في هذه اللحظة المجيدة الحاسمة في تأسيس مقام النبوة والرسالة واسطتين متراتبتين ومنتهيتين إلى أصل وغاية واحدة وهما: واسطة الخلق وواسطة الحق.

فأما الأولى فهي ممثلة في جبريل عليه السلام باعتباره أداة تبليغ، والتي ستأخذ هذا الطابع الحسي ذي الرمزية العالية في ترسيخ العلم والمعرفة والتربية، من ضم إلى الصدر لِحد الاندماج والاتحاد الروحي، أو الذهني كتقريب نفسي للمعنى، وهو ما قد تشخص بالتقارب إلى حد بلوغ الجهد وغاية التشابك والتواصل، هذا مع تكرار الإجراء لثلاث مرات كتأكيد منهجي وتربوي على الطريقة المثلى في تلقين المعرفة وتثبيت التجربة حتى تدخل في دائرة الإقرار والقانون والحتمية مما قد يتطلب صبرا وجهدا ومثابرة. هذا إذا علمنا بأن هذه الواسطة لم تأت بنفسها وإنما هي بإذن وأمر من الله تعالى، فما ثم إذن إلا الله تعالى وتجلياته في تحقيق هذه الرسالة والنبوة.

وأما الواسطة الثانية، والتي هي في الحقيقة الأوْلى والأصل الذي لا ثاني له، فهي المهيمنة ابتداء وانتهاء على المشهد والتحقيق، وهي المتحكمة في الواسطة الأولى والموسوط معا والمتجلية: (باسم ربك الذي خلق)، أي أن الحقيقة في التبليغ والوصول إلى عمق الفؤاد والانبساط على القلب، معرفة وشعاعا نورانيا، ولذة قدسية لا توصف، هي الذات الإلهية المتجلية بصفات الكمال والجلال والإكرام .

إذ أن الوحي قد سكن في قلب النبي (ص) ووعاه أيما وعي بالله ومن الله وإلى الله الذي هو رب العالمين وربه خاصة في هذا المقام، وبهذا فقد جاء الأمر بصيغة وكاف المخاطب والإضافة كذلك وهي: (باسم ربك) أنت يا محمد خاصة، إذ أنك الوحيد الذي سيفهمه جملة وتفصيلا و سيقرأه فلا ينساه أبدا، وسيعيه بالمعنى الحقيقي الذي صدر به عن الحضرة القدسية حضرة الله المتكلم العليم الخبير عز وجل.

وهنا قد تجلت الخصوصية بكل معانيها، وتلاشت الأمية إلى الأبد بكل مبانيها، وتحدت المعرفة الربانية بالوحي كل المعارف الإنسانية المكتسبة بالقلم وسبيله إلى تعليم الإنسان ما لم يعلم، الذي هو أيضا كرم من الله تعالى وتكريم للإنسان في طلب ما لم يعلم.

فكان الفتح الأعظم والرسالة العظمى إلى سيد المرسلين والخلق أجمعين والذي سيصبح به هو الوسيط الأرضى والأزكى والأرحم إلى الناس كافة باختلاف لغاتهم وألوانهم وأجناسهم وإدراكاتهم (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين).

فكان جبريل عليه السلام هو نفسه من ضمن من نالته هذه الرحمة بسبب وساطته المجيدة هاته في تبليغ الوحي للنبي  (ص) كما يذكرها القاضي عياض في كتاب الشفا: "وقال السمرقندي (رحمة للعالمين) يعني الجن والإنس، قيل لجميع الخلق، للمؤمن رحمة بالهداية، ورحمة للمنافق بالأمان من القتل، ورحمة للكافر بتأخير العذاب . قال ابن عباس رضي الله عنهما: هو رحمة للمؤمنين والكافرين، إذ عوفوا مما أصاب غيرهم من الأمم المكذبة. وحكي أن النبي (ص) قال لجبريل عليه السلام: "هل أصابك من هذه الرحمة شيء؟"قال: نعم، كنت أخشى العاقبة فأمنت لثناء الله عز وجل علي بقوله: (ذي قوة عند ذي العرش مكين مطاع ثم أمين)... "[4].

بعد أن تم الاتصال وتحققت النبوة على أساس العلم والمعرفة، وفيما اكتمل علم الظاهر والباطن والشريعة والحقيقة، فتح الباب على مصراعيه لنيل العلوم الربانية بالوحي بالنسبة إلى النبي والرسول سيدنا محمد (ص)، والذي سيتم معه تقرير العلوم المكتسبة بالنسبة إلى سائر البشر التي قد تكون مؤسسة على قواعد ومنهج سليم، وأدوات معرفية غير متقطعة أو باهتة، وذلك بتوظيف القلم كرمز وضابط لها...

إذ القلم هنا قد يعرف تناسبا في التدوين بين عالم الغيب وعالم الشهادة، أي أن الذي في الغيب هو ما اصطلح عليه القرآن الكريم باللوح المحفوظ كسجل عام وشامل للوجود بصوره الزمنية والمكانية أو هو خاص بكلام الله تعالى كما دلت عليه الآية الكريمة: (بَلْ هُوَ قُرْآَنٌ مَجِيدٌ (21) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (22))[5]، (وَالطُّورِ (1) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (2) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (3))[6].

كما سيخصص الله تعالى لهذا المعنى والبعد المعرفي والسلوكي سورتي اقرأ ثم سورة القلم والتي سيبين فيها أعلى وأدق وأجمل وصف للحال والمقام الظاهري والباطني للنبي (ص)وذلك عند قوله جل وعلا: (ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجرا غير ممنون وإنك لعلى خلق عظيم). نافيا هنا عن رسوله ونبيه وحبيبه الكريم كل مظاهر الاختلال والتخبط الذي قد ينتاب جل البشر في الرؤية والتمثل المعرفي والسلوكي، ورابطا بالتلازم مسألة كماله (ص) بالمنهج العلمي وضوابطه وتوظيفه على وجهه الصحيح لإدراك هذا الجمال المحمدي الذي ما بعده من جمال !

فالقلم واللوح المحفوظ هو من اختصاص تصريف وتسجيل الحق سبحانه وتعالى الذي لا يبدل القول لديه ولا يمحى ما فيه ولا يثبت إلا به، في حين أن قلب النبي (ص) هو مما يسجل ويثبت فيه من هذا اللوح ما شاء إلى ما شاء، فلا يغفل ولا يزيغ ولا يطغى و لا يتيه . وبهذا فقد انطبعت في قلبه (ص)علوم اللوح انطباعا فعلمها كما هي من غير زيادة و لا نقصان ولا ثلم أو نسيان .

وفي هذا المعنى جاء قول الله تعالى: (سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (6) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (7))[7] وأيضا كما أخرج البخاري "حدثنا سعيد بن جبير عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله تعالى: (لا تحرك به لسانك لتعجل به)قال: كان رسول الله (ص)يعالج من التنزيل شدة وكان مما يحرك شفتيه فقال ابن عباس: فأنا أحركهما لكم كما كان رسول الله (ص)يحركهما، وقال سعيد: أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما، فحرك شفتيه، فأنزل الله تعالى: (لا تحرك به لسانك لتعجل به إن علينا جمعه وقرآنه) قال: فاستمع له وأنصت (ثم إن علينا بيانه) ثم إن علينا أن تقرأه، فكان رسول الله (ص) بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع . فإذا انطلق جبريل قرأه النبي (ص) كما قرأه"[8].

ويمكننا أن نستشف المعنى من هذا الأمر بأن الرسول (ص) في تلقيه للوحي قد كان فطرياأميا من غير أي تدخل ذاتي، لا على مستوى التمثل أو التثبيت أو الاستذكار والتوظيف... (وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى)[9]، فكانت المطابقة بين ما هو في اللوح المحفوظ وما هو واقر في صدره (ص)بصورة تامة وكاملة، وتلك هي الحقيقة المحمدية المعبر عنها بمرآة الوجود، معرفيا وسلوكيا، وهي حقيقة الحقائق وواسطة الوسائط"إذ لولا الواسطة لذهب كما قيل الموسوط".

وهذه المناسبة بين حقيقة اللوح المحفوظ وحقيقة الحفظ في قلب الرسول (ص)قد تلازمها أيضا مناسبة زمنية هي ذات ارتباط بموضوع الأمية في نسبتها إلى الأم والولادة المنتجة للمولود حديث العهد بربه كما دل عليه الحديث النبوي الشريف فيما يروى وذلك كإشارة إلى آية الذر وإشهاد العدالة (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آَدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آَبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (173) وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآَيَاتِ وَلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (174)).

فلقد ولد النبي (ص) يوم الاثنين وأوحي إليه في نفس اليوم المطابق، وهذا ثابت في صحيح مسلم "عن أبي قتادة أن رسول الله (ص)سئل عن صوم يوم الاثنين فقال: "ذاك يوم ولدت فيه ويوم أنزل علي فيه".

وقال ابن عباس: ولد نبيكم محمد (ص)يوم الاثنين ونبئ يوم الاثنين ... و يقال بأنه عرج به في نفس اليوم أو الشهر . والمشهور أنه بعث عليه الصلاة والسلام في شهر رمضان، كما نص على ذلك عبيد بن عمير ومحمد بن إسحاق وغيرهما.

وقال ابن إسحاق مستدلا على هذا بقول الله تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآَنُ هُدًى لِلنَّاسِ)فقيل في عشره. وروى الواقدي بسنده عن أبي جعفر الباقر أنه قال: كان ابتداء الوحي إلى رسول الله (ص) يوم الاثنين، لسبع عشرة ليلة خلت من رمضان، وقيل في الرابع والعشرين منه"[10].

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

.................................

[1] سورة الأعراف آية 157

[2] سورة العنكبوت آية 48

[3] محمد رضا: محمد (ص) دار الحديث القاهرة ص67

[4] القاضي عياض: الشفا بتعريف المصطفى، دار الفكر ج1ص17

[5] سورة البروج آية 21

[6] سورة الطور آية 1- 2

[7] سورة الأعلى آية 6-7

[8] رواه البخاري، كتاب بدء الوحي

[9] سورة النجم آية 3-4

[10] ابن كثير: السيرة النبوية ج1ص 392

 

حاتم السرويمقدمة: ظلت ظاهرة التصوف الإسلامي على مدار قرون عديدة محتفظةً بحضورها البارز باعتبارها إحدى أكبر الظواهر الثقافية في بلاد العرب والمسلمين، وبين الرفض الحاد والتماهي البالغ عاشت هذه الظاهر دون نظرة بحثية موضوعية في الأغلب الأعم، على أن بعض المصلحين – وعلى رأسهم الإمام محمد عبده- حاولوا أن يضعوا إطارًا عامًّا للفكر الإسلامي، يجمعون فيه بين التمسك بالتراث والترحيب بالمعاصرة، وذلك على نحوٍ سعوا أن يكون عقلانيًا معتدلاً بحيث لا يطغى جانبٌ على آخر، وبحيث يصبح فيه للتصوف مجاله في تهذيب النفوس وإصلاح أمراض القلوب، مع إزالة الشوائب التي عطلت مسيرة التقدم في بلاد العرب والمسلمين، والتي ساهم فيها متأخرو الصوفية بنصيبٍ وافر لا تخطئه عين البصير.

 ثم خبا وهج ظاهرة التصوف – مؤقتًا- وانشغل الناس بمشكلاتهم الآنية المُلِحَّة، كما انشغلت النخبة بدراسة الفلسفة الحديثة وروادها من الغربيين، وبعد عقود من تراجع الاهتمام بالتصوف، رأيناه يعاود الظهور على أيدي بعض المهتمين بالتراث، وظهر في المقابل تيار تراثي موازٍ ومُضَاد جعل من التصوف كله إثمًا كبيرًا وخطأً عظيما، وفلسفة دخيلة على الدين الإسلامي، وقد أيَّد أتباع هذا التيار آرائهم بسيلٍ من الأدلة تنبئ كلها بأثر غير المسلمين من الفلاسفة الإغريق وأهل الكتاب بل وسكان الهند والصين وبلاد فارس على التصوف الإسلامي.

وكلامهم عن هذا الأثر – للأمانة العلمية- فيه جانبٌ من الصحة، على أن الذي استقر عليه رأي الباحثين الثِّقَات – على نحو ما سنبين لاحقًا- أن التصوف ظاهرة فكرية بدأت إسلاميةً خالصة، ثم تأثرت بالتصوف الهندي والحكمة الفارسية والطقوس المسيحية، ومع كل هؤلاء وبشكلٍ ملحوظ تأثر التصوف الإسلامي بالأفلاطونية المُحْدَثَة، والفلسفة اليونانية عمومًا.

هذا ما يدلنا عليه ويوضحه لنا ثلاثةٌ من أهم رواد الدراسات الفلسفية في مصر، وهم: الدكتور "عبد الرحمن بدوي" في كتابه "تاريخ التصوف الإسلامي" والدكتور "إبراهيم مدكور" في كتاب "في الفلسفة الإسلامية..منهجٌ وتطبيقه" والدكتور "أحمد فؤاد الإهواني" في كتابه "في عالم الفلسفة".

ونبدأ بالدكتور "عبد الرحمن بدوي" والذي قدَّمَ للمكتبة العربية الكثير من الانتاج العلمي الرصين في حقل الفلسفة، وقوله وإن لم يحتمل الصواب دائمًا؛ إلا أنه دون شك يعتبر قرينةً مُرَجِّحَة في بعض الأحيان، وضوءًا كاشفًا يستهدي به الباحثون للوصول إلى نتائج لها نصيب من القوة والعمق.

وفي كتابه "تاريخ التصوف الإسلامي" والذي طبعته دار الشعاع للنشر أكثر من مرة، ونستند في النقل منه إلى الطبعة الثالثة وكانت عام 2008، نراه يقول في صـ49 ما نصه: "وآخر الاتجاهات في بيان التأثيرات في التصوف الإسلامي، القول بتأثيرٍ يوناني، وبخاصةٍ (هيلنستي) أي يوناني تالٍ لفتح الإسكندر للشرق سنة 331 ق.م حتى القرن السادس بعد الميلاد، ويندرج فيه الجانب السحري والصنعوي إلى جانب الأفكار الميتافيزيقية والغُنُوصِيَّة، والأفلاطونية المحدثة، مما يُجْمَعُ أحيانًا تحت اسم "التوفيق الهلينستي" أو "التوفيق الشرقي" كما يسميه "ماسينيون".

وهنا يتسع المجال للحديث عن الأشباه والنظائر، والتأثير والتأثر، خصوصًا لأن لدينا النصوص اليونانية نفسها مُتَرجَمَةً إلى العربية منذ نهاية القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي)".

ويوضح لنا "بدوي" أهم النصوص اليونانية المؤثرة في مسار التصوف الإسلامي، وأهمها كتاب "إيثولوجيا أرسطوطاليس" والذي هو في حقيقة أمره فصولٌ ومقتطفات منتزعة من التاسوعات الأفلوطينية، وفيه نظريات الفيض والواحد، التي لها دورٌ محقق في التصوف؛ وبالأخص عند "السهروردي المقتول" وفيه أيضًا نظرية الكلمة أو "اللوجوس" التي لها تأثيرٌ ظاهر على "ابن عربي" لا سيما في نظريته عن "الحقيقة المحمدية".

والذي عليه الباحثون وفقًا للدكتور بدوي، أن صوفية المسلمين ابتداءً من القرن الخامس الهجري حتى القرن العاشر، تأثروا بما في "إيثولوجيا" من آراء. وإنما الخلاف بينهم في: (هل وصل تأثير إيثولوجيا أرسطوطاليس إلى التصوف مباشرةً؟ أم أنه وصل عن طريق كتب الإسماعيلية التي تحفل جميعها بالتأثر به؟).

ويتلو كتاب الإيثولوجيا في الأهمية من حيث التأثير الواضح على التصوف، تلك الكتب المنسوبة إلى "هِرْمِس" والذي عقد له الدكتور بدوي فصلاً عن صورته في الكتب العربية، وذلك في كتابه "الإنسانية والوجودية في الفكر العربي" كما نشر بعض النصوص المنسوبة إليه مع ترجمةٍ له في تعليقه على كتاب "مختار الحِكَم" لمؤلفه "مُبَشِّر بن فاتِك". وشخصية هرمس تبرز أمامنا في تأثيرها غلى السهروردي المقتول؛ خصوصًا في فكرة "الطباع التام" أو "النوس" وهي الفكرة التي تأثر بها كل الإشراقيين بعد السهروردي، ويسمى "النوس" أيضًا بالروحانية والطبيعة الكريمة، كما تأثر ابن عربي أيضًا وبشكلٍ واضح بكتب هِرْمِس، ويتصل بهذه الكتب ما يَرِد من علم الصنعة السحري أو "الخيمياء" عند صوفية المسلمين.

ويُضاف إلى ما سبق نصٌ مهمٌ تمت نسبته إلى هرمس، وهو رسالته في "مُعَاذَلَة النفس" وتعني كلمة المعاذلة: المحاسبة والتأنيب، وقد نشرها بدوي ضمن كتاب "الأفلاطونية المحدثة عند العرب" وهي تحليل للنفس ومناجيات لها، وتأنيب للنفس الأمَّارة بالسوء ودعوة لها إلى التطهر، ومن اليسير على الباحث أن يجد أصداءً لها في مناجيات صوفية المسلمين.

كما لا يمكن إغفال بعض النصوص المنسوبة إلى "سقراط" و"أفلاطون" وغيرهما من فلاسفة الإغريق، ومعظمها أقوالٌ وآداب، وفيها تشابه واضح أحيانًا مع أقوال تُنْسَب إلى كبار صوفية المسلمين، كما نجد في كتب طبقات الصوفية المختلفة عند (القشيري- السُّلَمِي- الشعراني- الهَرَوِي- طبقات الأولياء للعطار- نفحات الأنس للجامي...إلخ.). (انظر صـ 50 من كتاب "تاريخ التصوف الإسلامي/ عبد الرحمن بدوي/ دار الشعاع/ طـ 3/ 2008).

- وينتهي بدوي إلى أربع نتائج على النحو التالي:

1- نشأ التصوف الإسلامي من التأمل المتواصل للقرآن والأحاديث النبوية، وبهذا تكون نشأته إسلامية خالصة، ومن داخل الإسلام نفسه.

2- ومع تطور التصوف والاتصال بالأفكار الأجنبية، أضيفت إلى التصوف الأول قسمات من أصولٍ أجنبية كانت بمثابة زخارف وتنويعات.

3- وإلى جانب الأصول الإسلامية العقائدية (القرآن والحديث) أثَّرَت في إيجاد النزعات الصوفية عوامل اجتماعية أو فردية، من أزمات سياسية أو أزمات نفسية.

4- وإن أبرز هذه السمات أجنبية الأصل، هذه المستمدة من التراث الفلسفي اليوناني، ومعظمها مصطلحات رأيناها في الانتاج النظري للصوفية،  وتلك المستمدة من الرهبانية المسيحية، وهي عادات في التقوى. (صـ 56 من المصدر السابق).

* ويوضح لنا الدكتور "إبراهيم مدكور" أثر الفلسفة اليونانية على التصوف الإسلامي في إطار دراسته لموقف الصوفية من مشكلة "الأوهية" والتي يظهر لنا أنها وثيقة الصلة عندهم بنظريتهم في المعرفة أو "الإبستمولوجيا" وذلك في الفصل الرابع من الجزء الثاني من كتاب "في الفلسفة الإسلامية..منهجٌ وتطبيقه" والذي طبعته مكتبة الأسرة منذ ثلاثة أعوام أي سنة 2019.

ويخبرنا "مدكور" بدايةً إن الصوفية ينشدون الوصول إلى الله عن طريق الذوق والعرفان، لا عن طريق الاستدلال والبرهان، وهي النظرية التي ناقشها "أبو الوليد بن رشد" الفقيه والفيلسوف، والمعروف بالحفيد الغرناطي، في كتابه " الكشف عن مناهج الأدلة في عقائد الملة" وردَّ عليها، وقد فرَّق الصوفية تبعًا لقولهم بالذوق والعرفان بين توحيد الاعتقاد وتوحيد الشهود، وانتهوا إلى آراء لا تزال تجلب عليهم النقد والمعارضة عند بعض الباحثين، أو الحرب العوان عند بعض المتدينين والفقهاء، مثل الاتحاد والحلول والقول بوحدة الوجود.

وبحسب "مدكور" فنحن لكي نفهم موقف الصوفية من الحرية الإنسانية و(المسئولية) ونظرتهم في قضية (القدر) ومفهوم الإرادة، ورؤيتهم للتكاليف الشرعية؛ خصوصًا أنهم يقولون بالسُّكْر والصحو، والغيْبة والحضور؛ بحيث يدفعنا هذا إلى التساؤل عن التكاليف هل تبقى أيضًا في ساعات السكر والغيبة أو تفنى؟ وسؤالٌ آخر يطرحه "مدكور": هل أفعال العباد عند الصوفية سبيل الهداية، أو أن الهداية فضلٌ ومِنَّة من الله؟ وحتى نفهم آراء الصوفية حِيَال هذه القضايا والمسائل على وجهها الأمثل، لم يكن بُد من إلقاء النظرة على المؤثرات التي امتدت إليهم، والظروف التي أحاطت بهم. (انظر صـ131 من كتاب "في الفلسفة الإسلامية منهجٌ وتطبيقه. جـ 2/طـ مكتبة الأسرة/2019).

وقد دارت مناقشاتٌ عميقة وأخذٌ ورد حول العوامل المؤثرة في التصوف الإسلامي منذ أُخْرَيَات القرن التاسع عشر، وقَوِيَت المناقشة واحتَدَّت في الثلث الأول من القرن العشرين؛ فقال جماعةٌ من الباحثين إن التصوف ليس إلا ثمرة لظروف ومؤثرات خارجية، وذهبوا في هذا الرأي كل مذهب؛ فمنهم من قال بالتأثير الهندي، ومنهم من رد التصوف إلى الحكمة الفارسية، ومنهم من حاول تفسير بعض ظواهر التصوف في ضوء الشعائر المسيحية (ومن ذلك هذه الشروط الصعبة لقبول دخول المريد في الطريقة؛ فهي شبيهة بالاختبارات التي يُوَاجَه بها طالب الرهبنة، ويمتنع بعض الصوفية لفتراتٍ معينة من تناول اللحوم حتى تصفو الروح، ويعتقد البعض أن التصوف رهبانية الإسلام) وبعض الباحثين رد الآراء الصوفية الدقيقة إلى الأفلاطونية المُحدَثَة.

ويقابل هؤلاء جماعةٌ أخرى ذهبت إلى أن التصوف ثمرة إسلامية خالصة نشأت وتطورت بمعزلٍ عن أية مؤثرات خارجية، وينبغي أن توضح في ضوء تعاليم القرآن وأعمال النبي وصحابته فقط لا غير.

ويعتقد "مدكور" أن كلا الطرفين مُغَالٍ، وأن اختلافهما لا طائل من وراءه، وقد استقر الرأي الأكاديمي على أن التصوف ظاهرة روحية وثقافية، تخضع لما تخضع له الظواهر الاجتماعية من عواملٍ ومؤثرات. (انظر صـ 132 من المصدر السابق).

والتصوف وإن كان قد نشأ نشأةً إسلامية، غير أنه يمكن القول بانقسام العوامل التي أثرت فيه إلى قسمين كبيرين؛ فهي إما داخلية أو خارجية؛ فلو تحدثنا عن المؤثرات الداخلية فسيبدو أمامنا بجلاء ما في الإسلام من ترغيب وترهيب، ودعوة إلى الطاعة والعبادة، وتحقير لشأن الدنيا، وتذكير بالآخرة، والصلاة وأساسها الخشوع والضراعة، وهي صلة بين العبد وربه ووقوف بين يَدَيِ الله، والصوم وما فيه من حرمان النفس وكبح جماحها لتتطهر، والحج وما فيه من جهاد وتجرد من الدنيا، وتفرغ للتهليل والتكبير، والاعتكاف وهو سنة محببة وضربٌ من الخلوة لمناجاة النفس ومحاسبتها، ويمتلئ القرآن الكريم بالآيات التي تدعو إلى الذكر والعبادة، وذم الدنيا والتحبيب في الآخرة.

وإذا تأملنا سيرة الرسول الكريم وجدناه قبل البعثة يعتكف زمنًا في غار حراء زاهدًا متأملاً متعبدا. وبعدها كان يقوم الليل حتى تتورم قدماه، وسار من بعده صحابته على نهجه، وفي السنة أحاديث كثيرة صدر عنها أهل الزهد والعبادة، وعَوَّلَ عليها الصوفية في شرح المقامات والأحوال، ودعموا بها رؤاهم ونظرياتهم، ويأخذ عليهم البعض استشسهادهم بالأحاديث الضعيفة غير الثابتة في أحيان، وربما استشهدوا بأحاديث موضوعة، وكان هذا أحد أهم المآخذ على كتب الصوفية، ومن أبرزها "إحياء علوم الدين للغزالي" على أنهم في الجملة حاولوا دائمًا تأييد ما ذهبوا إليه بنصوص قرآنية وأحاديث نبوية.

وإلى جانب ما سبق يؤكد "مدكور" تأثر الصوفية بالفقهاء، وعلاقتهم مع هذا القسم الكبير من علماء الدين كان فيها غير قليل من الجدل والحوار، ولم تخلُ من عنفٍ أحيانا، وفي ثنايا ذلك تعرض الصوفية لبعض قضايا الفقه؛ إذ بحثوا في الحلال والحرام، الفرض والنافلة، وماهية العبادة وجوهرها.

كما عالجوا بعض المشاكل الكلامية؛ فتحدثوا عن وجود الخالق ورؤيته، وبحثو في الوحدانية، وأخذوا بشيءٍ من تعاليم السلفية والمعتزلة والأشاعرة، والعجيب أن بعضهم كان سلفيًا مثل: "أبي إسماعيل الهروي" صاحب كتاب "منازل السائرين" و"عبد القادر الجيلاني" وهذا واضح لمن تأمل سيرته وقرأ كتابه (الغُنْيَة لطالبي طريق الحق) الذي دافع فيه عن تعاليم السلفية، وهو الوحيد الذي يستثنيه دعاة التيار السلفي من هجومهم على مشايخ الطرق! بل قد يتفاجأ البعض حين يعرف أن "ابن تيمية" كان صوفيًا له أوراد يتلوها كل يوم، وحين مات دفنه أصحابه في مقبرة الصوفية بدمشق! والحق أن غرائب وعجائب التراث العربي كثيرة، وهذه الحقائق ليست إلا نزرًا يسيرًا في تاريخ طويل يُعَدُّ من أعجب ما خلق الله.

كما انتمى بعض الصوفية إلى المعتزلة، وكثيرٌ منهم كانوا أشاعرة، ومنهم "أبو القاسم القشيري" مؤلف "الرسالة القشيرية" وقصته في "فتنة الكُنْدَري" بخراسان معروفة؛ حيث تم سجنه مدة من الزمان بسبب غضب الوزير وقتها على الأشاعرة، وألَّف كتابًا بعنوان "شكاية أهل السنة بحكاية ما نالهم من المحنة".

ومع كل ما سبق فإن الصوفيين في جملتهم لا يقرون المتكلمين على بحثهم، ويرون أن الدليل العقلي الذي جعلوه مسلكًا لهم يخطئ ويصيب، وقد ينقض دليلٌ عقلي دليلاً آخر؛ مما قد يورث الحيرة، بينما الطريق الحق لمعرفة الله وفق رؤيتهم هو الذوق والإدراك المباشر بعد الانغماس في العبادة والرياضات الروحية.

- ويثبت مدكور تأثيرًا للفلاسفة على الصوفية، فنحن نرى عند الصوفية أبحاثًا تقربهم من أصحاب الفلسفة، وفيها تعرضوا لأحوال ومقامات النفس؛ حيث تكلموا بإسهاب عن الشوق والمحبة، الحضور والعينية، الخوف والرجاء، والبقاء والفناء. ومن الصوفية من نحى منحىً فلسفيًا واضحًا، وكانوا أقرب إلى الفلسفة منهم إلى التصوف، وهؤلاء النفر من فلاسفة الصوفية تأثروا بفلاسفة إسلاميين وغير إسلاميين، وعالجوا مشاكل فلسفية خالصة، كجوهرية النفس وخلودها، والوجود والمعرفة. وتأرجحوا بين الذوق والعقل، وإن كانوا إلى الذوق أقرب، لأن البحوث العقلية وفق رؤيتهم لا تخلو من حيرةٍ وبلبلة.

 وأخيرًا امتدت إلى الصوفية آراء بعض الفرق الإسلامية، وعلى رأسها "الشيعة" وصلة التصوف بالتشيع كانت ولا تزال موضع درسٍ وبحث، وهما معًا يقومان على شيءٍ من السِرِّيَّة والتفرقة بين عالم الظاهر والباطن، وقد جارى الصوفية الشيعة في الرمز والتأويل، وأخذوا عنهم – غالبًا- فكرة الأوتاد والأقطاب، كما حظي التصوف الفلسفي بنجاحٍ كبير في البيئات الشيعية. (انظر صـ134 من "في الفلسفة الإسلامية.. منهج وتطبيقه" د. إبراهيم مدكور/ جـ 2/ مكتبة الأسرة/2019).

وقد نقل "مدكور" هذا القول بتأثير التشيع في التصوف عن كتاب "الصلة بين التصوف والتشيع" وهو من تأليف الباحث "مصطفى كامل الشبيبي" والمطبوع في بغداد سنة 1964، وعن هذا الكتاب أيضًا نقل الدكتور "عامر النجار" في كتابه "الطرق الصوفية في مصر" الذي طبعته دار المعارف، وفيه غير قليل من المقارنات وإلقاء الضوء على الأشباه والنظائر في كلٍ من التصوف والتشيع، وهو تشابه كبير نلحظه دائمًا بين الصوفية والشيعة، وبخاصة عند أتباع الفرقة الإسماعيلية التي تأثرت بالأفلاطونية المحدثة.

* وخلافًا للدكتور "عبد الرحمن بدوي" يعتقد "مدكور" بتأثير خاص للثقافة الهندية والصينية على التصوف الإسلامي؛ فيوضح لنا: أن موقع مدينة "البصرة" في جنوب العراق، كان من قديم نقطة التقاء بين الشرقين الأقصى والأدنى. وبلاد فارس بابٌ مفتوح على الهند والصين، وقد تأثرت بهما ثم أثرت في العراق، والثقافة الفارسية - كما نعرف- تحمل كثيرًا من معتقدات الهند والصين وتعاليمهما، وعن طريقها انتقل الفكر الهندي أولاً إلى العالم الإسلامي. وكانت مدينة "بَلَخْ" الفارسية – وتقع حاليًا في أفغانستان- بوجهٍ خاص مركزًا للتصوف البوذي قبل الإسلام بعدة قرون، وفي "بلخ" نشأ عددٌ غير قليل من أوائل الصوفية، وفي مقدمتهم "إبراهيم بن أدهم".

وفي "البصرة" بدأت مدرسة صوفية مبكرة في أواخر القرن الأول الهجري، ويعتقد "مدكور" بأنها تأثرت بما سرى إليها من أفكار الشرق الأقصى، ومن ذلك مثلاً أن صوفية البصرة كانوا يأخذون أنفسهم بمبدأ "تعذيب البدن" بالجوع والسهر والاقتصار في الملبس على ما يستر العورة، وذلك من أجل تطهير النفس وتخليصها من آفاتها والصعود بها إلى العالم العلوي، وفي هذا ما مَهَّد لفكرة "الفناء" التي قال بها "أبو يزيد البسطامي" وهي شبيهة بالنرفانا الهندية. (انظر صـ135 من المصدر السابق).

ويوضح "مدكور" أن الحكمة الإشراقية عند "السهروردي" وأقرانه كانت أوسع الفلسفات صدرًا لتقبل مختلف الآراء، وقد أخذ السهروردي المقتول المتوفى سنة 585هـ عن حكماء الهند وفارس وبلاد بابل، كما أخذ عن حكماء مصر وبلاد اليونان.

ويرفض "مدكور" القول بنزعات عنصرية عند المتصوفين الفرس – وهم كُثُر بين صوفية الإسلام- جعلتهم يبتدعون ظاهرة التصوف لتكون رد فعل (آري) ضد ديانة (سامِيَّة) حيث يرى أن هذا القول فيه خلط وجهل بالتاريخ، ومتصوفة الفرس كانوا مسلمين قبل أي اعتبارٍ آخر، وإذا كان للعصبية العنصرية دخلٌ في شئون السياسة والحياة الاجتماعية؛ فإن أثرها في ميدان التقرب والعبادة الروحية ضئيلٌ جدًا. (انظر صـ 135-136 من المصدر السابق).

ويواصل "مدكور" حديثه عن العوامل الخارجية المؤثرة في التصوف الإسلامي؛ فيؤكد أن تصوف اليونان وبخاصة عند "أفلاطون" و"أفلوطين" وصل إلى العالم الإسلامي دون شك؛ فقد انتقل شيءٌ منه إلى المدارس الشرقية في مدن (حران- نصيبين- جنديسابور) وبقيت منه مخلفات في مدرسة الإسكندرية حتى جاء الإسلام. وتصوف "أفلوطين" له مصدر ثابت معروف، وهو كتاب "إيثولوجيا" أو "الربوبية" والمنسوب خطأً إلى أرسطو، مع أنه ليس إلا أجزاء من تاسوعات أفلوطين. ومن الثابت أن هذا الكتاب عُرِفَ أولاً في "اللغة السُريانية" وعنها نُقِلَ إلى اللغة العربية. ويضيف "مدكور" إلى هذا المصدر مصدرًا آخر من الممكن أن يكون له أثر، وهو كتاب "الخير المحض" أو "العلل" كما سُمِّيَ في ترجمته اللاتينية، وهو كتاب غامض التاريخ ينسبه البعض خطأً إلى أرسطو أيضًا، وحقيقته أنه تلخيص مُشَوَّه لكتاب "المبادئ الإلهية" الذي وضعه "بروقلِس" المتوفى سنة 485 م وهو رئيس الفرع الثاني للأفلاطونية المحدثة في مدرسة "أثينا". وللكتابين معاً "إيثولوجيا" و"الخير المحض" شأنٌ في تاريخ الفكر الإسلامي، وفي تاريخ التصوف بوجهٍ خاص، ولا يستبعد "مدكور" أن يكون "ذون النون المصري" - وهو أحد أكبر مؤسسي التصوف الإسلامي بل يجعله البعض واضع هذا العلم، وكان مغرمًا بالعلوم القديمة- لا يستبعد أن يكون هذا العالِم قد وقف على شيءٍ من آراء الأفلاطونية المحدثة. (صـ 136 من المصدر السابق).

- ونخلص من هذا العرض إلى أن "إبراهيم مدكور" يدفع القول الذي مؤداه أن ظاهرة التصوف الإسلامي تندرج ضمن عاملٍ واحد من التأثير الأجنبي، فهذا – كما يرى- افتراض لا تؤيده أدلة واضحة ولا يخلو من التعسف، والتوسع فيه يقترب من الظن والتخمين. والأولى بنا أن نبدأ أولاً بتفسير التصوف على أساس من الظروف المحلية التي نشأ فيها ضمن بيئات العالم الإسلامي التي شهدت ظهورًا لمبادئ الصوفية، وإن عَزَّ علينا ذلك فلنبحث عن الأشباه والنظائر في الثقافات الأجنبية. ويرجح أن التيارات الأجنبية إنما بدا أثرها واضحًا في التصوف بعد القرن الثاني للهجرة؛ حيث أخذ التصوف حينها يتجه إلى "التنظير" بعد أن كان مسلكًا في العبادة.

- ويعتقد "مدكور" أن الإسلام في دعائمه الكبرى ليس دينًا صوفيًا، ولكنه لا يمنع التصوف، بل على العكس يدعو إلى شيءٍ منه، وغلو بعض المتصوفة هو الذي دفع أهل السنة إلى أن ينكروا عليهم جذبهم وشطحاتهم. والتصوف في النهاية ظاهرة إسلامية نبتت في جو الإسلام وبيئته، وتأثرت أساسًا بفعل النبي وصحابته، واعتمدت على ما جاء في الكتاب والسنة من الحكمة والموعظة الحسنة؛ على أن تلك الظاهرة مثل بقية الظواهر الإسلامية الأخرى تأثرت بعوامل خارجية سرت إلى العالم العربي.

 

* وغير بعيدٍ عن هذا ما وصل إليه الدكتور "أحمد فؤاد الأهواني" في كتابه "في عالم الفلسفة" والذي صدرت طبعته الثانية عن الهيئة المصرية العامة للكتاب سنة 2019؛ حيث قال في صـ39 ما نصه: "والمهم عندنا أن نبين رأي الغزالي في تحصيل العلوم، ومنه نستخلص رأيه في نظرية المعرفة. والطريق إلى تحصيل العلوم عنده على وجهين:

1- التعليم الإنساني: وهو التحصيل بالتعليم من الخارج.

2- التعليم الرباني: وهو الاشتغال بالتفكر من الداخل.

والتعليم الإنساني واضحٌ لا إشكال فيه؛ أما التفكير فهو استفادة النفس من "النفس الكلية" والتي هي أشد تأثيرًا وأقوى تعليمًا من جميع العلماء والفضلاء". وهذا الرأي عند "الغزالي" ينقله "الأهواني" من كتابه "الرسالة اللدنية" وفيها يقول أيضًا: " والعلوم مركوزة في أصل النفوس بالقوة كالبذر في الأرض، والتعلم هو إخراجها من القوة إلى الفعل" وهذا المذهب في غاية الأهمية لأنه يوضح لنا أن المعرفة فطرية مركوزة في النفوس. وليس ما يقوله الغزالي من ذلك مبتكرًا؛ فهذا مذهب ابن سينا أخذه عن الأفلاطونية المحدثة.

وقد مزج الغزالي هذه الآراء الفلسفية بما يقوله المتصوفة، أو بما لا يخرج عن قولهم وإنما بأسلوبٍ آخر؛ فنراه يقول في "الرسالة اللدنية": "وقال قومٌ من المتصوفة إن للقب عينًا كما للجسد، فيرى الظواهر بالعين الظاهرة، ويرى الحقائق بعين العقل" مع ملاحظة أن (العقل والقلب) في اصطلاح الغزالي والصوفية هما شيءٌ واحد في أكثر الأحيان.

ثم يقول الغزالي: "والإنسان لا يقدر أن يتعلم جميع الأشياء، الجزئيات والكليات وجميع العلوم، بل يتعلم شيئًا ويستخرج بالتفكر شيئًا. وإذا انفتح باب الفكر على النفس علمت كيفية طرق التفكير، وكيفية الرجوع بالحدس إلى المطلوب".

- ويعقب "الأهواني" على هذا بقوله: "وهذا المذهب في اكتساب المعرفة عن طريق الحس أولاً، ثم بالفكر والقياس والحدس، هو مذهب "ابن سينا" كما هو موجود في "الشفاء" و"النجاة" وغيرهما من الكتب." (صـ 94 من "في عالم الفلسفة").

- ومن هذا العرض الذي ساقه "الأهواني" نعرف أن الغزالي - وهو الممثل الأبرز للطائفة الصوفية، والقائم بالمصالحة التاريخية بينهم وبين الفقهاء التقليديين- وإن كان قد حارب الفلسفة إلا أنها قد أثرت فيه بشكلٍ كبير، ونحن لا نعدم في الوصول إلى هذه الحقيقة آراءً كثيرة بثها في كتبه حتى ما كان منها متأخرًا جاء بعد ركونه إلى التصوف واعتقاده "الولاية" في نفسه، ورأيه في المعرفة وكونها مركوزة في النفس بالقوة، والتعلم هو إخراجها إلى الفعل، ليس إلا تنويعًا لفظيًا على قول بعض فلاسفة اليونان "الجهل نسيان والعلم تذكر".

* خاتمة البحث:

أ‌- من خلال هذا العرض المقارن بين ثلاثة كتب من أهم المصادر في مجال "الفلسفة الإسلامية" يبدو للباحث أن القول بـ "أجنبية التصوف الإسلامي" بمعنى كونه دخيلاً ولا صلة له بالثقافة الإسلامية؛ وإنما هو نتاج تأثيرات خارجية محضة، قولٌ تعوزه الدقة العلمية والبراهين اليقينية، ويماثله في المقابل ذلك القول الذي درج عليه كثيرٌ من الصوفية – والمتأخرون منهم خاصة- والذي يعزو كل نظرية أو مبدأ قال به المتصوفة إلى القرآن والحديث حتى لو اضطرهم ذلك إلى إخراج بعض الآيات عن ظاهرها بتأويلٍ لم يُسْبَقُوا إليه، أو الاستدلال بما لا يثبت من الأحاديث، على نحو استدلالهم على الحقيقة المحمدية بحديث "أول ما خلق الله نور نبيك يا جابر"! وهذا قولٌ لا يقل في تطرفه عن القول السابق.

والذي تطمئن إليه النفس أن التصوف بدأ إسلاميًا، ثم طرأت عليه تأثيرات خارجية، من أبرزها:

1- فلسفة اليونان؛ لا سيما ما كان منها أفلاطونيًا أو أفلاطونيًا محدثا.

2- حكمة الهند وبلاد فارس.

ب‌-  ويعتقد الباحث أن التصوف ظاهرة فكرية لها ميزاتها الوجدانية وعليها مآخذها العقلية، ويجب علينا بالتالي أن نتعامل معها بأسلوب نقدي لا يراها صوابًا مطلقًا أو حقيقةً كبرى ليس ورائها حقيقة، بل هي نتاج وثمرة لفكر بشري محض حاول أن يفهم الوجود الإنساني والوجود عامةً بشكلٍ مختلف؛ وبالتالي يؤخذ منها ويُرَدُّ عليها وفق نظرة مُمَحِّصة ومنطقية ولها من التفكير العلمي نصيب.

 

حاتم السروي

......................

تنويه:

* آثرنا في هذه الدراسة أن نجعل التوثيق المرجعي ضمن المتن؛ حتى يُسَهِّل ذلك على القارئ أن يرجع إلى المصادر المذكورة دون البحث في الهامش بعد انتهاء صفحات الدراسة. وهي طريقة معترف بها في الأبحاث الأكاديمية، وميزتها التيسير على القارئ، والتأكيد على نزاهة البحث وقيامه على التوثيق العلمي.

* للقارئ أن يستزيد من البحث في موضوع "تأثير الفلسفة اليونانية على التصوف الإسلامي" من خلال الاطلاع المقارن بين (مبادئ الصوفية) و(نظرية المُثُل عند أفلاطون، ومبادئ الأفلاطونية المحدثة عند أفلوطين) فبينهما تشابه كبير في قضايا كثيرة، وهو تشابه يؤيد القول بتأثير الفلسفة اليونانية على الفكر الصوفي عند المسلمين، بالإضافة إلى قيام أدلة فصلناها في هذا البحث تثبت وجود هذا التأثير. وقد آثرنا عدم إغفال المراجع التي استندت إليها مصادر هذا البحث فذكرناها أيضًا كما ذكرها مؤلفوها.

* آثرنا في هذه الدراسة الاقتصار على "تصوف أهل السنة" دون تصوف الفلاسفة كما هو عند "الفارابي" و"ابن سينا" ومن نافلة القول أن تصوفهما أوضح وأصرح في تأثره بفلسفة اليونان من تصوف أهل السنة.

((وانتهيت من هذه الدراسة في الثامن من أغسطس لعام 2021م))

 

 

محمد سيف الاسلاممُعالجة تحليليّة لرؤى علميّة عربيّة متميّزة

يجتهد هذا البحث الموسوم ب: «اللّسانيات الحاسوبيّة وإشكالات المنهج والأنظمة- مُعالجة تحليليّة لرؤى علميّة عربيّة متميزة- »، في أن يرصد مجموعة من الرؤى العلمية المتميزة التي قدمها ثلة من علماء اللغة العربية الأفذاذ، حيث يُقدم مجموعة من المُعالجات التحليلية لرؤى علمية عربية دقيقة وعميقة، والتي تنضوي تحت لواء اللسانيات الرتابيّة، أو الحاسوبية، التي أُريد لها أن تكون صورة متميزة من صور استخدام اللغة آلياً، وانطلاقاً من التعريف الذي وضعه العالم اللغوي(دافيد كريستال) ، فاللسانيات الرتابيّة «فرع من الدراسات اللغوية الذي تُوظف فيه التقنيات والمفاهيم الحسابية، بغرض إيضاح وتوضيح المشكلات اللغوية والصوتية، فهناك جملة من الميادين، وكثير من المجالات التي تطورت، بما فيها إنتاج أصوات كلامية بوسائل اصطناعية من خلال توليد الموجات الصوتية ذات الترددات اللازمة، وتمييز الكلام والترجمة الآلية، وفهرسة الأبجديات وإجراء الاختبارات القواعدية»، إضافة إلى أن هناك مجالات أخرى تقتضي وتفرض التعمق معها وتستدعي التحليل، والحساب والإحصاء. وقد دفع الباحث إلى دراسة هذا الموضوع، وتسليط الضوء عليه أسباب مختلفة، ومتعددة، من بينها ما لاحظه من دراسات عربية جادة، ومتميزة، ولذلك فهو يتوقف معها بالعرض والدراسة والتحليل.

الدراسات السابقة:

حين عزمتُ على إعداد هذا البحث، انصرفتُ إلى الانكباب على مجموعة من الدراسات، والكتب والمراجع التي أحتاجها، وأستعين بها، حيث أجريت بعض الأبحاث العربية المتميزة فيما يتصل باللغة العربية والحاسوب، وحوسبة المعجم العربي ، وشتى القضايا المتصلة باللسانيات الحاسوبية، ومن أبرز الدراسات التي توقفت عندها:

1- دراسة الباحث الدكتور عايد حمدان سليمان الهرش، الموسومة ب: (الحاسوب وتعلم اللغة العربية) ، منشورة في مجلة العلوم الإنسانية، مجلة تصدر عن جامعة منتوري بقسنطينة، الجزائر، العدد: 12، في شهر ديسمبر1999م. ومن أبرز ما أشار إليه في دراسته وجود مجموعة من البرامج الحاسوبية التعليمية المتعلقة باللغة العربية ذكر منها: أ- برامج التدريب والتدريس الخصوصي: وتهدف هذه البرامج إلى قيام الطلبة بتدريبات وممارسات تمت دراستها مسبقاً، مثل: تعلم المفردات اللغوية للغة الأم، حيث يقوم الحاسوب بتقديم السؤال للطالب، والطالب بعد ذلك يُعطي الإجابة، ويقوم البرنامج بمقارنة إجابة الطالب مع الإجابة المخزنة فيه، ومن مميزات برامج التدريب والتدريس الخصوصي أنها تسمح بتقديم أسئلة متنوعة للطالب في مواضيع لغوية شتى، مثل: أسئلة الاختيار من متعدد، والتي تتم بعد قراءة الجملة، واختيار رمز الإجابة الصحيحة، وأسئلة ملأ الفراغ التي تقوم بتعليم الطلبة قضايا لغوية، من خلال حذف بعض الأحرف التي يكون لها تأثير على الجملة، وتكليف الطالب بتعويضها، مثل القول: أدخل حرف الشرط المناسب في الجملة التالية.وتهدف تمارين المزاوجة إلى تزويد الطالب بثروة لغوية كبيرة، وذلك من خلال التركيز على تعليم الطلبة معاني المفردات اللغوية من خلال عرضها في عمودين توضع الكلمات في العمود الأول، ومعانيها في العمود المقابل، ويقوم المتعلم بانتقاء المعنى المناسب لكل كلمة.

ب- برامج القراءة والاستيعاب: وهي برامج يتم استخدامها من قبل بعض معلمي اللغة العربية في تعليم القراءة والاستيعاب، حيث يقوم برنامج الحاسوب بعرض مجموعة من الحروف، أو الكلمات، أو الجمل، وتكون مصممة بطريقة تسمح بزيادة سرعة القراءة، وحساب معدلها، وضبط مدى استيعاب الطالب لما قام بقراءته، والهدف من هذه البرامج قياس تحصيل أداء الطالب، ومن بين الأمثلة على هذا النوع: برنامج كشف النص المخفي، وهو برنامج يسمح للطالب بأن يتنبأ بالنص اللغوي المضمر، من خلال إظهار بعض الحروف في النص، ويكمل الطالب ما تبقى منها، وقد تكون هذه النصوص عبارة عن قطع أدبية شائقة نثرية، وشعرية، وأحياناً يكون تصميم هذه البرامج التربوية التعليمية على شكل لعبة، وكلما تنبأ الطالب حصل على نقاط أكثر، وكلما طلب المساعدة من الحاسوب خسر مجموعة من النقاط، وذلك إلى غاية الكشف على النص المخفي.

2- دراسة الباحث الدكتور عبد الله أبو هيف المعنونة ب: (مستقبل اللغة العربية: حوسبة المعجم ومشكلاته اللغوية والتقنية أنموذجاً) ، نُشرت في مجلة التراث العربي، مجلة فصلية محكمة تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق، سوريا، العدد: 93- 94، المحرم- ربيع الثاني1425هـ/آذار- حزيران2004م، وقد نبه في هذه الدراسة إلى علاقة اللغة بهندسة الحاسوب حيث يرى أنها علاقة متبادلة، حيث يستخدم الحاسوب لإقامة النماذج اللغوية، وتحليل فروعها المتنوعة، وهناك قائمة من تطبيقاتها في مجال اللسانيات على سبيل المثال، منها: الصرف الحاسوبي، والنحو الحاسوبي، والدلالة الحاسوبية، والمعجمية الحاسوبية، وعلم النفس اللغوي الحاسوبي، وتظهر أهمية الحاسوب في صناعة المعجم فيما يلي: تعرف الحروف والكلمات آلياً، وتخزين المادة، و ترتيبها طبقاً للنظام المطلوب، واسترجاع المادة، أو بعضها، وتعديل مختلف المعطيات، وحذف ما لا يحتاج له، والحصول على أجزاء محددة من داخل المادة المخزنة لبحثها، وتعديل بعض المعطيات وحذفها، والنقل المباشر إلى المطبعة، وتجديد المعاجم بسهولة، وإمكانية الحصول على أجزاء محددة من داخل المادة المخزونة لبحثها وإثرائها، وتخزين النصوص كاملة، وتحديد السياقات التي ورد فيها المدخل لتحديد المعنى وإثراء الاستعمال الحقيقي للغة، ودراسة الأبنية الصرفية والتفريعات والعلاقات النحوية بين المفردات، وتحديد مستويات الاستخدام اللغوي للمداخل المعجمية(علمي، صحفي، رسمي، ودي...) ، وتصنيف المصطلحات طبقاً للتخصصات العامة والدقيقة، وذكر المصطلح العربي ومقابله في اللغات الأخرى، والتعريف بالمصطلح محلّ الاستخدام، ويُمكِّن من صناعة معاجم المصطلحات وتجديدها وطبعها بسهولة، وييسر عمل المترجمين بتقديم المفردات والمصطلحات المطلوبة.

ومن أبرز النتائج التي توصل إليها في هذه الدراسة الثمينة:

تطوير عمل المجامع اللغوية لمواجهة هذه التحديات والشروع في البرمجيات لوضع إطار تقانة المعلومات من منظور اللغة العربية وإقامة النماذج اللغوية وتحليل فروعها المختلفة في ميادين الصرف الحاسوبي والنحو الحاسوبي والدلالة الحاسوبية والمعجمية الحاسوبية وعلم النفس اللغوي الحاسوبي والتاريخ اللغوي الحاسوبي للمواءمة بين المنظومات البرمجية وطبيعة اللغة العربية.

مجاوزة الحال السائدة التي تُفرق بين الحاسوبيين واللغويين العرب، فلا يُمكن وضع البرمجيات المنشودة دون الاستناد لمعرفة لغوية صرفية وصوتية ونحوية ودلالية وتركيبية، وقبل ذلك معرفة لغوية تاريخية للإحاطة بجوانب الاشتقاق والنحت والمجاز وما يندرج في مكونات التمثيل الثقافي من جهة، وبجوانب الأصيل والدخيل والثنائيات المتعددة.

مجاوزة الأطر النظرية لحوسبة المعجم التي ما زالت متوقفة عند الجمع المعجمي الذي يراعي عمليات تفعيل النظم الإشارية والرمزية والدلالية للكلمة في نسيجها التركيبي والمجازي والتاريخي التي تنفع في تثمير معطيات الحوسبة في النص الممنهل أو النص المرفل من أجل الاستعمال المعجمي المتعدد.

تطوير آليات الاشتغال المعجمي في مجالاته المختلفة مما يستدعي تشكيل فرق عمل من اللغويين والحاسوبيين من أجل معجم عربي جديد يقوم على توسيع فروع المعجم لئلا تقتصر على شرح المفردة في حال معينة والعناية بمجالات التوليد المصطلحي.

الاشتغال اللغوي في مجالات تيسير النحو العربي نحو تقعيده وقوننته وذكر ما يخرج عن هذه القواعد والقوانين أو ما يختلف عنها في جانب فرع المعجم التاريخي إزاء أصل الوضع وأصل القاعدة والأخذ بموقف النحاة من القراءات القرآنية والاستشهاد بالشعراء أو الحديث النبوي، ولابد من التواضع على هذه القواعد والقوانين تفعيلاً لحوسبة المعجم العربي وتوظيفاً لخصوصيات اللغة العربية التي تتدعم بالنحو وبسيرورة تقانات حوسبته للإجابة على نماذجه دون عسر مثل: النحو التوليدي التحويلي ونحو الحالات الإعرابية، ولا تنطبق هذه النماذج على نحو اللغة العربية، لأن نحوها يعتمد أساساً على خصوصيات قواعد الاستصحاب وامتدادها إلى العلاقات البلاغية والصرفية مما يُشكل النحو العلائقي في مثل هذا الجانب.

العناية بالفروق الدلالية التي تسعف هندسة اللغة وإثراء حوسبتها بمستويات الدلالة وسياقات تعبيرها المجازية وسواها.

أخذ اللغويين والحاسوبيين المشتغلين بوضع معجم لغوي عربي جديد بعلم اللسانيات أو علم الدراسات اللغوية الحديثة لدى وضع البرمجيات، وأن تستند إلى معرفة لغوية بالنظرية اللسانية الحديثة لدى تحليل بنية اللغة العربية، وأن تتحالف هذه المعرفة مع كفاية لغوية نافعة في ميادين الاشتغال على التوليد اللغوي.

3- دراسة الباحث الدكتور صادق عبد الله أبو سليمان: (نحو استثمار أفضل للحاسوب في مجالات خدمة اللغة العربية وعلومها) ، نُشرت في مجلة المجمع الجزائري للغة العربية، العدد السادس، (ذو الحجة1428هـ/ديسمبر2007م) ، وقد اقترح الباحث أن تُعنى المجامع اللغوية العربية بحوسبة اللغة العربية، وتشجيع المتخصصين إلى التوجه في مباحثهم إلى تلمس الجوانب الحاسوبية في اللغة العربية وعلومها، وتعميق إفادتها من إمكانات الحاسوب وسرعة تطوره الأمر الذي يُسهم في تأمين دخول اللغة العربية إلى ميدان الحوسبة، ويُمكِّن من إعادة صياغة علوم اللغة العربية وطرائق تدريسها بما يُواكب الحياة الحاسوبية الحديثة، كما اقترح إنشاء لجان الحوسبة والتي يكون من أبرز أغراضها: إعداد برامج الحوسبة التي تنفذ مطالب العمل المجمعي، وتصميم مواقع التراسل أو التواصل الإلكتروني مع علماء العربية وجماهيرها، وتخصيص موقع خاص لكل عمل مجمعي ضخم يحتوي على كل ما يختص به، فالأعمال المجمعية بحاجة إلى تضافر الجهود، وإنشاء بنوك المصطلحات ومعجماتها المحوسبة المتخصصة بحسب حاجة مستويات الفئات المستهدفة بحيث تصبح المرجع المأمون، مع تعريب برامج الحاسوب المتنوعة تهيئة لمتن قاموس الحوسبة والتقنيات في لغة العرب، وتصميم برامج الترجمة الآلية المدققة التي تُحقق سلامة الترجمة إلى العربية إفراداً وتركيباً وأسلوباً، إضافة إلى تحسين أداء برامج التدقيق النحوي والأسلوبي والإملائي، وجعلها قادرة على تمثيل خصائص الخطوط العربية ومراعاة مميزاتها الجمالية.

4- دراسة الباحث الدكتور أحمد زياد محبك: (الحاسوب وتنمية المقدرة اللغوية عند الطفل) ، نُشرت في مجلة المجمع الجزائري للغة العربية، العدد: 07، جمادى الثاني1429هـ- جوان2008م، أكد فيه الباحث على أن الحاسوب يُسهم في تنمية المقدرة اللغوية عند الطفل، إذ يستطيع التعامل مع الحاسوب قبل السنة الرابعة من العمر، وينمي وعيه، ويقوي مداركه، ويزيد من حدة نشاطه، كما يوفر الحرية، وعدم الخضوع لنظام المدرسة، ويُساهم في اختياره للموضوع، ويطور الطفل بوساطة الحاسوب مهارته في القراءة، والكتابة، والفهم، والاستيعاب، والرسم، وإعداد البرامج، كم يعزز ذخيرته من خلال سماع العربية الفصيحة، وهي تؤدي إلى الأداء السليم، والجميل عن طريق برامج تلاوة القرآن الكريم، وإلقاء الشعر، ويُساعد الحاسوب الطفل على التخلص من كثير من مشكلات النطق، والسلوك، كالتلعثم، والتردد، والارتباك، ويُقدم له مساعدة كبيرة على النطق الصحيح للأحرف اللثوية، والحروف القمرية، وخاصة الجيم، والحروف الشمسية، ويُمكنه من قراءة الأعداد المكتوبة بالكلمات، وتطبيق كثير من القواعد، كما يعلمه فن الإلقاء، والخطابة، والمحادثة، وإجراء المقابلات، والحوار، ويوفر له قراءة سهلة، وواضحة ممتعة.

كما اطلعت على مجموعة كبيرة من الدراسات التي ناقشت قضايا اللسانيات الحاسوبية من وجهات نظر مختلفة، وركزت على إشكالات تعزيز المحتوى الرقمي ، وطرائقه ، ومن أبرز الدراسات التي تستحق الإشادة والتنويه:

1- دراسة د.نبيل علي: المحتوى الثقافي العربي- رؤية مستقبلية لغوية- ، نُشرت في مجلة العربي، مجلة ثقافية شهرية تصدرها وزارة الإعلام بدولة الكويت، العدد: 623ذو القعدة1431هـ/أكتوبر(تشرين الأول) 2010م.

2- دراسة د.نبيل علي: صناعة المحتوى الثقافي العربي: أهميتها وتحدياتها، منشورة في مجلة العربي، مجلة ثقافية شهرية تصدرها وزارة الإعلام بدولة الكويت، العدد: 625، المحرم1432هـ/ديسمبر(كانون الأول) 2010م، وقد أكد في هذه الدراسة على أن صناعة وتقوية المحتوى الرقمي الثقافي العربي في شتى المجالات ، أضحى ضرورة في مختلف الجوانب، فالمحتوى هو الملك على حد تعبير الباحث المعروف في البرمجيات نبيل علي، حيث إنه أضحى المحرك الرئيس لاقتصاد المعرفة، وهو الذي يُوفر «معظم الوسائل الخاصة بزيادة إنتاجية عمالة المصانع، والمكاتب، والفصول، وصناعة الثقافة، ومن ثم، صناعة المحتوى الثقافي، الذي هو من أهم صناعات اقتصاد المعرفة، ومن أكثر تطبيقات المعلوماتية عائداً، وإن كان التركيز قد انصب حتى الآن على إرساء البنى التحتية الأساسية لمجتمع المعرفة، فقد أيقن الجميع أن المحتوى هو التحدي الحقيقي، فهو أهم مقومات هذا المجتمع بلا منازع، وهو ساحة السباق الساخنة التي تشهد- من جانب- تنافساً شرساً بين الكبار للهيمنة على السوق العالمية لاقتصاد المعرفة، ومن جانب آخر نضالاً مريراًً من قبل الدول النامية سعياً للحاق بركب مجتمع المعرفة الذي أصبح شعاره: (لحاق أو انسحاق) » و من أبرز الرهانات المطروحة الآن أمام المجتمعات العربية، هو: رهان التنمية اللغوية، وما هي الطرائق التي ستتحقق بها، فمن منظور عربي، يمثل المحتوى الثقافي أهم فروع صناعة المحتوى، إذ أنه يشتمل على مجالات رئيسة متعددة: محتوى التعلم الإلكتروني، ومحتوى الإعلام الإلكتروني، ومحتوى التراث الثقافي الإلكتروني، ومحتوى الفنون الإلكترونية، ومحتوى دعم الحوار الثقافي، ومحتوى المنزل الإلكتروني، ومحتوى الجماعات المحلية الإلكترونية، ومحتوى الاحتواء الإلكتروني، ويتسم المحتوى الثقافي العربي- كما يرى الباحث نبيل علي- بعدة خصائص تُميزه عن غيره، ومن أبرزها: وفرة مصادر المعلومات وشدة تنوعها، وتنوع فئات المستفيدين من حيث السن ومستوى التعليم واختلاف غايات البحث عن المعلومات الثقافية، وحاجة المعلومات الثقافية إلى طرحها في سياق حضاري أشمل، حتى تظهر جوانبه المعرفية، والإنسانية، وشدة الطلب على التقانات المتقدمة من أجل رقمنة مصادر المعلومات، ومعالجتها، وعرضها، ومعظم التطبيقات، وأدوات معالجة المحتوى، ووسائل توزيعه تتسم جميعها بكونها كثيفة اللغة، مما يقتضي معه اعتبار اللغة ، وحوسبتها مدخلاً رئيساً في وضع استراتيجيات إرساء صناعة المحتوى الثقافي العربي، ولعل أبرز العوامل التي تُواجه مسيرة تطور المحتوى الثقافي، واللغوي العربي هي التطور المتسارع للإنترنت، وذلك بصفتها الوسيلة والأداة المثلى للتواصل الثقافي دون منازع، ومدى التقدم في تطوير أساليب معالجة مواد المحتوى عموماً، وأساليب معالجة اللغات الإنسانية حاسوبياً على وجه الخصوص ، ذلك أن اللغة- في رأي الكثيرين- هي أساس، ومحور منظومة الثقافة.

3- دراسة الدكتور محمد مراياتي: (المحتوى الرقمي العربي) ، منشورة في مجلة العربي، العدد: 564، شوال1426هـ/نوفمبر2005م، نبه فيها إلى أن أهمية وجود اللغة العربية تزداد على الشبكات الحاسوبية مع توجه المجتمع نحو مجتمع المعلومات، ونحو الاقتصاد الذي أساسه المعرفة، وهناك مؤشرات توضح المحتوى في لغة من اللغات، إذ ينتشر المحتوى الرقمي العربي على الانترنت كانتشار أي لغة أخرى على مختلف المجالات، ومن بين المجالات التي يتوجب أن يزداد فيها المحتوى الرقمي العربي:

- الأعمال بما فيها مواقع الشركات، ودليلها، ودليل المصانع، والبنوك.

- النشر: وتندرج تحت إطاره المجلات، والدوريات العلمية، والإذاعات، والتلفزيونات.

- الحكومة الإلكترونية: وفيها مواقع الوزارات، والمؤسسات العامة، والبوابة الحكومية.

- العلم والتكنولوجيا: الجامعات، ومراكز البحوث.

- المكتبات مثل: الكتاب الإلكتروني، والصحة ، والسياحة، والتسلية، وغيرها .

4- دراسة الدكتور حسني عبد الحافظ: خدمات التقنية الرقمية باللغة العربية أفادت الناطقين بها ، نُشرت في مجلة الحرس الوطني، مجلة عسكرية ثقافية شهرية تصدر عن وزارة الحرس الوطني السعودي بالرياض في المملكة العربية السعودية ، العدد: 368، ربيع الأول1439هـ- نوفمبر2017م ، أكد فيها على أن المعجم اللغوي(المعجم الحاسوبي التفاعلي)  يُشكل ركيزة أساسة للتقدم المعرفي لدى الأمم، فقد غدا إحدى الأدوات المهمة في التعليم، والبحث العلمي، والتأليف، والترجمة، واكتساب المعرفة، ومن بين أهم الأسس والقواعد التي يُقام عليها المحتوى الرقمي العربي: تجميع المكتبات الوطنية، وتخزينها، حتى تصبح متداولة على نطاق واسع، وتدوين كل ما له علاقة باللغة العربية، وتسجيله، بما في ذلك النصوص الأساسية للأدب العربي قديمه، وحديثه، والصور، والفيديوهات، ومختلف الوسائط المتعددة، والبرمجيات التفاعلية، والمعاجم العامة، والمتخصصة، وثنائية اللغة، وتسجيل الوثائق، والملفات العامة، والخاصة، وتسجيل مختلف المقتنيات في المتاحف العربية، وتسجيل الدوريات، والمجلات، والصحف القيمة على اختلاف أنواعها.

اللسانيات الحاسوبية و إشكالات المنهج والأنظمة في ميزان البحث:

إن اللسانيات الحاسوبية تنطلق بشكل رئيس من استخدام الحواسيب في تحويل النصوص، وشتى المعلومات اللغوية إلى لغات الحاسب الرقمية من أجل تحليلها، وترجمتها إلى مختلف اللغات الأخرى، ولا ريب في أن دراسة اللغة العربية من خلال استثمار اللسانيات الحاسوبية تعد من أحدث الاتجاهات اللغوية في اللسانيات العربية المعاصرة، فقد شكلت نظرية الحوسبة والمعلوماتية تحدياً معرفياً بالنسبة إلى اللغة منذ بداية نضج هذه النظرية، وقد سعى بعض العلماء إلى تقسيم اللسانيات الحاسوبية إلى شقين يكتسيان أهمية كبيرة، وهما: الجانب النظري الذي يبث في الإطار النظري العميق الذي يفترض كيفية عمل الدماغ الإلكتروني من أجل حل شتى المشكلات اللغوية، والجانب التطبيقي الذي يُعنى بالناتج العلمي من أجل نمذجة الاستعمال الإنساني للغة، وإنتاج برامج ذات معرفة باللغة الإنسانية، ولا ريب في أن الشق التطبيقي هو الذي يكتسي أهمية بالغة في علم اللغة الحاسوبي كونه يتمثل في تسخير العقل البشري من أجل معالجة وحل مختلف القضايا اللغوية، وكثيراً ما يعتمد الجانب التطبيقي على الذكاء الاصطناعي الذي يُركز على خصائص معينة تتسم بها البرامج الحاسوبية، وتجعلها تقلد وتحاكي القدرات الذهنية البشرية، وأنماط عملها، ومن أبرز هذه الخصائص القدرة على الاستنباط والفهم والاستنتاج والتعلم ورد الفعل على مختلف الأوضاع التي لم تبرمج في الآلة(1) .ولقد تنبه اللغويون العرب إلى ضرورة تركيز الاهتمام على التحديات المعاصرة، والانسجام مع ما يفرضه العصر من تحديات، فقد ذكر مراياتي مع بداية الجهود العربية في هذا الميدان أن ثمة إشكالية تقتضي مضاعفة الجهود لوضع تعامل الحرف العربي مع الأجهزة والمعدات مثل: ترميز الحرف المكتوب وتقييسه، وترميز الحرف المنطوق، وتوزيع الحروف العربية على لوحة الملامس، و تقييس الأقلام العربية وإظهارها على الشاشات والطابعات، وتحرير النصوص وتنضيدها، ومعاملة الحرف العربي على شبكات الاتصال من حيث نقل المعلومات أو أمنها، وضغط النصوص العربية بغية خزنها في ذاكرة الحاسوب اقتصادياً، وتحاور المعوقين مع الآلة باللغة العربية(2) . ويذهب الدكتور عبد الرحمن الحاج صالح إلى أن اللسانيات الحاسوبية أو الرتابية هي علم متعدد التخصصات، إذ تتلاقى فيه علوم كثيرة الحاسوب(أو المعلوميات)  و علوم اللسان، وهو ميدان علمي تطبيقي يتسم بالاتساع فهو يشمل تطبيقات كثيرة كالترجمة الآلية والإصلاح الآلي للأخطاء المطبعية وتعليم اللغات بالحاسوب والعمل الوثائقي الآلي، وتطبيق الآلات بالتركيب الاصطناعي للأصوات اللغوية، وهذا الميدان- كما يرى- يحتاج إلى أن يشترك فيه اختصاصيون ينتمون إلى آفاق علمية مختلفة، ويرى أن النظريات اللغوية الحديثة التي تنبثق من اللسانيات غير كافية خصوصاً وأنها استنبطت أهمها من التأمل في اللغات الأوروبية بشكل خاص، إضافة إلى أن ما تركه النحاة العرب الأوائل شيء عظيم، وجدُّ مفيد لاسيما بالنسبة إلى اللسانيات الحاسوبية التي تعتمد على الرياضيات والمنطق الرياضي(3) . وفي دراسة للعلاّمة الأستاذ الدكتور عبد الرحمن الحاج صالح عرضها في مؤتمر مجمع اللغة العربية بدمشق سنة: 2006م، وكان موضوعه اللغة العربية والحاسوب، وهو موجه بالأخص لكل من له اهتمام بالعلاج الآلي للنصوص ومن له استئناس بمشاكل البحث اللساني الحديث، ونشرت لاحقاً في مجلة المجمع الجزائري للغة العربية، أكد على أن الصياغة المنطقية الرياضية للنظريات اللغوية أمر ضروري ولامناص منه، و هذا لا يرجع إلى إيتاء الفرصة للباحثين اللسانيين منهم والمهندسين من استثمارها في العلاج الآلي للنصوص وغيرها من البحوث الحاسوبية اللغوية، بل الغرض منه أيضاً الاختبار العلمي الدقيق لقيمتها العلمية عامة وتقدير قدرتها على تفسير أكبر عدد ممكن من الظواهر اللغوية، وقد لاحظ الحاج صالح في مستهل هذا البحث أن الذي يعرفه أهل الاختصاص في ميدان اللسانيات الحاسوبية في مختلف جوانبها تقريباً أن«هذه الصياغة بالذات ثم البحوث الخاصة بالتعرف الآلي للنصوص المنطوقة وغيرها قد ارتبك أصحابها في السنوات الأخيرة حيث حصل لبحوثهم شيء من الحصر والتوقف وفي بعض الأحيان التراجع الصريح والعودة إلى النظريات التي كانت في النصف الثاني من القرن الماضي موضع ردود شديدة...، وقد بدأ الاهتمام من أهل الاختصاص في اللسانيات والعلاج الآلي للمعلومات بشكل الصياغة المنطقية الرياضية الذي ينبغي أن تُصاغ به النظريات اللسانية يوم ظهرت أول محاولة في صياغة نظرية المكوّنات القربية المنتمية إلى المذهب البنوي الأمريكي في اللسانيات، وكان صاحب هذه المحاولة الأمريكي نوام تشومسكي واستطاع أن يقوم بذلك بفضل معرفته المتينة بالمنطق الرياضي، وسمي هذا الميدان بالبحث في الأنحاء الصورية ويندمج هذا فيما وضعه في ميدان اللسانيات مما سماه بالنحو التوليدي، ويسمى بالنمط الخاص بالصياغة ومعناه النحو البنائي وهنا معناه التركيب والبناء في أكثر من مورفيم، وعالج هذا بصفة خاصة في كتابه المشهور الملقب(البنى التركيبية) ، ومن المعروف أنه أضاف إلى هذا النمط من الصياغة نمطاً آخر مغايراً تماماً للأول وسماه بالنحو التحويلي، وهو محاولة جديدة كان يريد أن يكمل بها النحو التوليدي ، هذا مع الملاحظة أن ما أصدره تشومسكي من أفكار لم تكن له أية علاقة بالعلاج الآلي للنصوص اللغوية، فقد كان عمله هذا في الحقيقة رداً على النزعة الوصفية المتطرفة التي كانت تنفي من دراسة اللغة جانب الضبط(القواعد العلمية) ، وتكتفي بالوصف والتصنيف لعناصر اللغة كما هو معروف»(4) . وفي دراسة أخرى وسمها ب: (أدوات البحث العلمي في علم المصطلح الحديث) ألقيت في ندوة مجمع اللغة العربية بدمشق في شهر أكتوبر2014م، ونشرها في مجلة المجمع الجزائري للغة العربية يذهب العلاّمة عبد الرحمن الحاج صالح إلى أنه لابد للعمل الخاص بتنمية المصطلح العلمي والتقني أن يطور وتطويره لا ينحصر فقط في استعمال الأجهزة الحديثة، بل يجب أن يبنى على مبادئ عامة ومنهجية خاصة يقتضيها اللجوء إلى هذه الأجهزة، وأهم هذه المبادئ هي الرجوع المستمر والدائم إلى الاستعمال لا الاستعمال الضيق المتمثل في استعمال المؤسسة الواحدة أو البلد الواحد، بل ما يجري بالفعل في كل المؤسسات من البلد الواحد ومن كل البلدان العربية، وأخطر الوضع للمصطلحات هو الذي يعمل أصحابه في عزلة عن الواضعين الآخرين الموجودين في داخل البلد أو في خارجه، ولا نتصور أن تكون الإفادة من الأجهزة لغير ما وُضع لها وهو مضاعفة إمكانات الباحث للمسح الشامل الكامل الدقيق المنظم المخطط للاستعمال الفعلي للغة، وللمسح لكل ما يضعه العلماء في جميع البلدان، فقد اخترعت هذه الأجهزة لهذا السبب، وهو تمكين الباحث من الاطلاع على كل المعطيات بجعل كل الوسائل التقنية تحت تصرفه لتجميعها وترتيبها واستحضارها ورصدها وإحصائها ومعرفة مدى شيوعها وترددها وتحليلها وغير ذلك، وليس الغرض منها أن تسجل في قرص مغناطيسي ما وضعته مؤسسة واحدة، وهي بذلك تتجاهل ما صار من ذلك في خارجها، ولا أن تسجل مؤسسة أخرى ما حاولت توحيده من ذلك، فالبحث في اللغة ينبغي أن يكون شاملاً لا يختص به بلد دون البلدان الأخرى التي تنطق كلها بنفس اللغة(5) . إن التقدم التكنولوجي في ميدان المعلوماتية، والتطور المذهل الذي عرفته الدراسات اللسانية المعاصرة، قلّص الهوة الشاسعة بين العلماء في مختلف التخصصات العلمية، والميادين المعرفية، فأصبحت هناك صلات وثيقة، وروابط وطيدة بين علماء اللسانيات وعلماء الحوسبة، وتجدر الإشارة في هذا الشأن إلى أن المعجمية أو علم المعاجم يكتسي أهمية بالغة، وهذا العلم ركز العلاّمة الحاج صالح جهوده عليه، وسيظل هذا العلم أحد الفروع اللسانية المهمة التي ستزود الحاسوب بأبرز المعطيات التي يُمكن استثمارها أحسن استثمار في الدراسات اللغوية والأدبية، حيث إن الحاسوب والشابكة يعتمدان اعتماداً كبيراً على مختلف المعطيات المعجمية التي استثمرت في هذين المجالين استثماراً هائلاً، وكانت ومازالت مجالاً يتسم بالرحابة في جميع الدراسات التطبيقية، فمن جانب النظرية الحاسوبية وما يتعلق بها من اتصال بالميدان المعجمي يُمكن التركيز والاعتماد على الجذور الأولى للمداخل المعجمية، وهذا ما نبه إليه ثلة من صنّاع الحاسوب للنهوض بإنجاز المعاجم الإلكترونية، لذلك فمن الضروري الاعتماد على المداخل المعجمية الثرية، حيث إنها متنوعة حسب الموضوع والترتيب، ومنها: الترتيب الصرفي والترتيب النحوي والترتيب الدلالي، وهذا ما يُساعد الحاسوبي على توظيف واستثمار شتى المعلومات، ثم يقوم ببرمجتها لتستغل في ميدان الترجمة الفورية مثلاً، أو تحديد الدلالات المختلفة للكلمة المدخل، وهناك جهود ودراسات متعددة تتصل بحوسبة المعجم العربي، من بينها جهود مكتب تنسيق التعريب الذي نظم ندوة سنة: 1983م عن: (الطاقة التصريفية في اللغة العربية) ، حيث وقع الإجماع على أن اللغة العربية هي الأنسب للحاسوب من بعض اللغات الأخرى، ودرست ندوة متميزة بعنوان: (استخدام اللغة العربية في الحاسب الآلي) سنة: 1985م في دولة الكويت شتى القضايا المتصلة بتمثيل النظام الصوتي لمعالجة الكلام العربي في نظام الحاسوب، وهناك مجموعة من الندوات التي ناقشت مسائل متعلقة باستخدام الحاسوب في برمجة اللغة العربية، ودراسة موضوعات النحو والصرف والإملاء وأساليب الكلام ليؤدي مهمات الخبير اللغوي في ضبط النص العربي، وقد طرح الأستاذ الباحث عبد الرحمن الحاج صالح مسألة أنواع المعاجم الحديثة ومنهج وضعها في دراسة نشرها في مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق، المجلد: 78 في شهر أكتوبر2003م، حيث نبه من خلال هذه الدراسة الثمينة إلى أن المعاجم تختلف بحسب الأغراض التي حدّدت لكل نوع منها، وذلك من حيث بنيتها وأساليب وضعها، ولكل نوع طريقة خاصة في الضبط والتحرير وهناك قواعد معترف بها عالمياً، أما المعاجم العربية الحديثة- فهو يرى- أنا سارت على النهج التليد، وبعضها حاول انتهاج الطرائق الحديثة التي برزت في العالم الغربي، وقد تناسى أكثرهم أن لوضع المعاجم شروطاً أهمها أن يعكس المعجم الاستعمال الحقيقي للغة لا ما يعرفه مؤلفه من اللغة، أو ما ينقله من مختلف المعاجم الموجودة في زمانه، وهذا لا يمكن أن يتحقق إلاّ بحصر هذا الاستعمال الحقيقي في مدونة كبيرة تكون هي المرجع الرئيس الذي لا مناص منه في تأليف المعجم بطريقة علمية، وهذا لا يمكن تحققه إلا باللجوء إلى الوسائل الحاسوبية، والحق أن المعاجم تتنوع وتتعدد في ثقافتنا العربية وفي كل عصر من العصور ، أو حقبة من الأحقاب التاريخية التي مرّت بها الحضارة العربية، ومنها: الرسائل اللغوية المتميزة بالاقتضاب والإيجاز والتي يذهب بعض العلماء إلى أنها شكلت اللبنة الأولى في وضع المعجم العربي، وهناك المعاجم الموضوعية التي مثّلت التفكير المعجمي الموسَّع أو الشامل انطلاقاً من الرسائل اللغوية الأولى، كما أنها تعد صورة من صور الصناعة المعجمية العربية العظيمة، إضافة إلى المعاجم العربية الضخمة وهي المؤلفات المتميزة والفذة التي حملت فلسفة الصناعة المعجمية العربية التي بُنيت على الفكر الرياضي(6) . وتجدر الإشارة إلى مشروع الذخيرة اللغوية ، حيث يُنبه الباحث عبد الرحمن الحاج صالح إلى مزايا الذخيرة وفوائدها من حيث إنها تمثل الاستعمال الحقيقي للغة العربية لا ما تأتي به بعض القواميس من أمثلة مصطنعة، إضافة إلى استفاضتها وشموليتها بتغطية هذا الاستعمال لجميع البلدان العربية وامتدادها من عهد الشعر الجاهلي إلى عصرنا الحاضر، وتمثليها لهذا الاستعمال بوجود كل النصوص ذات الأهمية فيها المحررة منها والمنطوقة الفصيحة في الأدب والحضارة والدين والعلوم والثقافة العامة والفنون، وكذا الحياة اليومية، وهي كذلك تعتمد على أجهزة الكترونية في أحدث صورها وهي الحواسيب وما إليها من الوسائل السمعية البصرية، وهي –كما يرى الحاج صالح- الوسيلة الوحيدة التي يُمكن أن تجمع وتسع هذه الكمية الكبيرة والهائلة من النصوص(الملايير من الجمل والألفاظ)  والوسيلة الوحيدة التي تستطيع أن تجيب عن مختلف الأسئلة بسرعة ككبيرة يصفها الحاج صالح بسرعة النور، أي في بضع توان أو دقائق، وكذا هي الوسيلة الوحيدة التي تستطيع أن تقوم بعمليات تعالج بها النصوص وذلك مثل الترتيب الآلي الأبجدي للكلمات والصيغ والجذور وغيرها، والترتيب التنازلي الترددي لهذه العناصر، والترتيب الآلي لمجالات المفاهيم هذا زيادة عن الاستخراج الآلي لجذور الكلم أو أوزانها الواردة في نص من النصوص، وهناك إمكانية طرح الآلاف من الأسئلة على الذخيرة عن بعد، وفي نفس الوقت عبر العالم بعرضها على الشاشة وإمكانية طبعها بالطابعات بالليزر وغيرها في وقت قصير جداً ، والحصول عليها في أي مكان بفضل شبكة الاتصالات التي سيتم تخصيصها للذخيرة، وبالنسبة إلى الدراسات التي يُمكن النهوض بها انطلاقاً من الذخيرة، وبالنظر إلى محتواها فيمكن أن تخص اللغة العربية في ذاتها، كون الذخيرة هي بمنزلة ما دوّن من كلام العرب في عهد اللغويين العرب الأولين ؛فقد جمعوا عدداً هائلاً من النصوص الشعرية والنثرية وأمثال العرب وكلامهم العفوي، بالإضافة إلى النص القرآني، وانطلقوا من هذه المدونة اللغوية العظيمة لاستنباط قوانين اللغة العربية وأوصافها من الاستعمال الحقيقي لها، كما استخرجوا منه المعجم العربي، وعلى هذا فإن أنواع الدراسات اللغوية التي يمكن أن تقام على الذخيرة كثيرة جداً، ومن بين الأمثلة المقدمة من قبل الحاج صالح: دراسة تطور معاني الكلمات عبر العصور، ودراسة ترددها بالنسبة إلى عصر واحد أو مؤلف واحد ودراسة تردد المواد الأصلية وأوزانها في كتاب واحد ، أو عدة كتب، ودراسة صيغ الجمل وفقاً للأغراض و الموضوعات ودراسة أساليب الكتاب في كل عصر ودراسة اتساع رقعة الاستعمال للمصطلحات في عصرنا هذا، ودراسة الأصوات العربية(من خلال الذخيرة الآلية الصائتة) ودراسة مجالات المفاهيم الحضارية أو العلمية خاصة ودراسة المترادف والمشترك من الألفاظ في الاستعمال في وقت معين ودراسة الغريب والشواذ إفراداً وتركيباً كيفاً وكماً، وبالنسبة إلى كل مؤلف أو نص وكل عصر، ودراسة صيغ الجمل وظواهر الفصل والوصل في الخطاب، ودراسات في المجاز والاستعارة والكناية وغيرها من الصور البيانية، ودراسة تطور كل هذا وغير ذلك مما يخص اللغة كلغة قديماً أو حديثاً وعبر العصور والبلدان، وفيما يتعلق بالميادين الأخرى غير اللغوية فهي متعددة وكثيرة جداًَ، ومنها: الدراسات التاريخية وخاصة تاريخ الحضارة العربية وتاريخ الفكر العربي الاجتماعي والعلمي والديني وغيرها، وكذلك الدراسات الاجتماعية والنفسية من خلال حصر مجالات التصورات الخاصة بكل فئة باستعمال الأساليب والألفاظ في كل قطر، أو إقليم وعبر العصور ودراسة تفاعلها ومدى تأثيرها (7) . ومن المفيد أن نشير إلى أن الذخيرة اللغوية هي مشروع عربي كبير يرمي بشكل أساس إلى تجميع كل التراث العربي من مرحلة ظهور اللغة العربية في صوّرها الأولى، من أرومة اللّغات الحامية السامية وكيف تطوّرت الألفاظ والمسكوكات والأمثال والحكم، وذلك على مستوى الاستعمال؛لأن اللغة وضع ثمّ استعمال.وهذا المشروع هو شابكة عربية يهدف إلى أن ينتفع به كل باحث متقص حيث يفيده سريعاً بكلّ ما يخطر على بال المستعمل للغة العربية، ومهما كان مستواه، بل إن الذكاء الصناعي يُجيبه عن كلّ ما يخطر في البال من أسئلة بخصوص العربية في شتى حقولها، ومجالاتها، وهذا المشروع ليس من السهل والهيّن إنجازه؛فهو عمل قومي جبّار يحتاج إلى أرمادة من الوسائل والإمكانات المادية، وإلى المنطق المعاصر الذي يعمل على حوسبة التراث العربي الكبير، و الذي يتوزع في كثير من اللغات (8) . فالذخيرة العربية أو الأنترنت العربي توفر جملة من الإمكانات التقنية والفضائل العلمية التي تعود على كل العلوم الإنسانية والاجتماعية بالمنفعة، وهي تطمح إلى توفير مختلف أسباب البحث العلمي ودمج المحيط الاجتماعي والثقافي في الوسط الحضاري، كما أنها تهتم في جل ّ هذه الاتجاهات باللغة العربية، وإشكالات تعليمها، لتضعها في صورة تليق بها، ووفقاً للمكانة العلمية والعالمية المنوطة بها، وقد تُشكل طفرة حضارية لا سابق لها في العصر الحديث، وذلك على اعتبار أن ما تنهض به الذخيرة العربية من جمع للغة العربية، وإبراز تعدد مجالاتها العلمية والأدبية، وبالانصراف إلى المعجم الذي أولته الذخيرة أهمية استثنائية فهو الوعاء اللغوي لحضارة المجتمع الإنساني، و فهرس معرفه وخبراته، كم أنه يُشكل خط التقاء اللغة، من حيث قواعدها وأنماطها وقيودها مع العالم على اتساعه؛مدركاته وظواهره وخيالاته ووضعياته ، وقد شاع بين الناس أنك(إذا أردت أن تعرف حضارة أمة فانظر في معجمها) ، فالمعجم الذي ركز عليه العلاّمة عبد الرحمن الحاج صالح جهوده هو الوعاء اللغوي الذي تلتقي فيه مختلف أنماط الحضارة لأي مجتمع بشري، ودليل معارفه، وخبراته وتجاربه التي مرّ بها، وهو يعد مركز التقاء كل المعطيات اللغوية ومبادئها وهياكلها، وأساليبها وقيودها مع المحيط الخارجي، أو مع العالم المحيط به، فهو سجل الحضارات ولغاتها بشتى أشكالها من ظواهر ومدركات، وما وصلت إليه مستوياتها من تطور وتغيير وتحديث، إذ أنه الشاهد الفصل على سائر تقلّباتها، وقد عرفت صناعة الحاسوب وملحقاته، والتقنيات المتعلقة به في العقود الأخيرة من القرن المنصرم جملة من التطورات التي فاقت جميع التوقعات، وأضحت هذه الأداة العصرية المسماة(الحاسوب) جزءاً لا يتجزأ من الحياة العلمية والعملية، وباتت أداة تثقيفية وتعليمية لا يمكن الاستغناء عنها، ولسنا في هذا الصدد في حاجة إلى التأكيد على دور الحاسوب والخدمات الجليلة التي يُقدمها، ولاسيما أهميته في وصف أنظمة اللغات الطبيعية، فذلك غدا من بديهيات الأمور العلمية في زمننا الراهن، إضافة إلى أن المجال الواسع والرحب الذي وجدت فيه النظريات اللسانية المتعددة والمختلفة استثماراً وتطوراً أضحى محكوماً بزمام المعلوميات وما تقدمه أو تنجزه في صياغة البرامج القادرة على محاكاة دماغ الإنسان، وبذلك فقد أصبح الحاسوب قادراً على صياغة قوانين صورية تؤدي دوراً مزدوجاً يتصل بوصف النظام اللغوي في سائر مستوياته باستعمال لغة عقلانية، والتوليد اللامتناهي لبنيات اللغة وفق قوانين الاستعمال العادي لها، فمن المسلم به أن الحاسوب يتعامل أساساً مع الأرقام، أو النظام الرقمي، ولذلك من الطبيعي أن يرتكز الاتجاه الذي يجب أن يتوفر له على شرطين رئيسين هما: توفر إطار نظري ومنهجي واضح المعالم، ويُركز على أساليب صورية ذات طبيعة رياضية في تعامله مع النظام اللغوي، وتوفر مجموعة من الحاسوبيين الذين لهم خبرة لسانية، أو تركيز على علوم اللسان حتى يتمكنوا من صناعة برامج تعالج بها أنظمة اللغة الطبيعية، ويجب أن يكون عالم اللسانيات متمكناً من القواعد الأساسية لأنظمة المعلوميات المعاصرة، كونها الأداة الفعالة التي تدفع اللساني إلى تكييف عمله واقتراحاته لغاية المعالجة الآلية لنظام اللغة، ولذلك يجب تجنب الحشو في القواعد الذي كان يعتري مختلف النظريات اللسانية التقليدية، ويبدو أن المعجم كان من أسهل الميادين التي سارعت علوم الحاسوب إلى معالجته، وذلك بفضل أنه جاء أصلاً ليكون مجالاً واسعاً لاستثمار واستغلال التطبيقات الحاسوبية، إذ أنه يتمتع ببعض الخصائص التي يصبو إلى بسطها وتوظيفها علماء الحاسوب، وهي لا تخرج عن البيانات والمعلومات والمعارف، فالبيانات تتمثل في قوائم مفرداته الثرية والغنية، والمعلومات تتسم بالتنوع من خلال تلك العلاقة الكثيفة التي تجمع بين هذه المفردات والكم الوفير والهائل من الشروحات والتحليلات، والمؤشرات الإحصائية التي تكبر وتتسع باتساع مختلف العلاقات وتعددها وتنوعها، والمعارف تتبدى وظهر من خلال الحصيلة المفاهيمية سواء كانت بسيطة أو مركبة أو معقدة، وهي جميع ما يضمه النص المعجمي من مشارب دلالية، ومناح ثقافية ولغوية، أو معلومات موسوعية، ولا ريب في أن المعجم هو حصيلة التفاعل بين ما يُنجز من قبل الجماعة اللغوية، وما تقرّه مختلف المجامع اللغوية العربية من جهود بغرض المحافظة على أصول اللغة وتحديثها وتطويرها، والمضي بشتى قضاياها المعرفية قدما، فضلاً عن العمل على تقييسها وتنميط حدودها واستخدامها، وهو ينتمي(المعجم) إلى بهذه الصفة إلى المنظومة الغوية التي تتشكل من طرفين: نظام التقعيد والحصيلة اللغوية، والمعجم وفقاً للرؤى العلمية الدقيقة التي قدمها(أندرسون)  هو المحل الهندسي لكل ما لا يُمكن رصده عن طريق القواعد، واكتشافه على ضوء العلاقات المطردة والقرائن المنطقية التي تتضمنها التعبيرات اللغوية، حيث إن مفردات المعجم ليست أسماء نطلقها لتمييز الأشياء والمفاهيم، بل هي رموز تجتمع وتلتقي دلالاتها ومختلف المعاني المشكلة منها بطرائق شتى، ومن خلال تشابك وتداخل السياقات بالكلمات والمفاهيم التي تكون أصل المعجم ونواته التي ينشطر عنها هذا التشجير الكثيف في تحديد مجالات توظيف الوحدات المفرداتية بشتى أنواعها، ومختلف أشكالها فهي بسيطة ومركّبة ومعقّدة وتعابير مسكوكة، أو مأثورات أدبية وتعبيرات لغوية (9) . ومن بين الجهود المتميزة: (المكنز العربي وبرمجياته الرقمية) ، وهو واحد من الجهود العربية البارزة جداً على مستوى التقنيات الرقمية، فقد كانت غايته منذ البداية، تقتصر على دعم الُحلل النحوي، وتجهيزه، واختباره، فيما يتعلق بتصنيف المفردات، إلى شتى الأقسام المكونة لها: (اسم، فعل، صفة، حرف) ، وما له صلة بتقييس الجمل بأنواعها المتعددة(جملة بسيطة، مركبة، خبرية، وجملة إنشائية) ، أي: فهم خصائص النحو العربي، من أجل التمكن من إبراز المطالب الرئيسة للمعالجة الآلية، وذلك بالتركيز في العلاقة العضوية بين النحو، والصرف، ورتبة المفردات داخل الجملة العربية، وما تتسم به في موقع النحو العربي، بيد أن التطور المستمر الذي عرفه المكنز وسّع من مستوى مهامه، ونطاق ما يتوفر عليه من برامج إلى ما هو أعم، وأشمل، وأوسع، بما يتضمن تجهيز كل البرامج العربية، واختبارها، المتعلقة بتطبيقات معالجة اللغات الطبيعية، وفي نقاط، يُمكن تحديد أبرز، وأهم الإنجازات البرمجية الرقمية، التي يرتكز عليها المكنز العربي، وهي:

- برنامج المحلل الصرفي الآلي، وهو من الآليات الأساسية، والرئيسة للتعامل مع طبيعة الكلمات، سواء أكانت مجردة، أم مرتبطة بزوائد، ولواحق، وذلك باستنتاج العناصر الأولية لبنية الكلمة، وتحديد سماتها الصرفية.

- قاعدة أساسيات المعطيات المُعجمية، والتي تظهر أهميتها في كونها مهيأة، ومجهزة لتحليل الأنماط المعجمية، ومدى قدرتها على الإجابة عن التساؤلات المتصلة بالمفردات داخل سياقاتها، دلالة، وتركيباً.

- التشكيل، والإعراب الآلي، وهو برنامج يتيح للمستخدم تحديد نوع التشكيل المطلوب، سواء تشكيلاً كاملاً، أم جزئياً، لازماً لفك البس الصرفي، سواء تعلق الأمر باللغة العربية في نصوصها التليدة، أو الحديثة، ويعود الفضل الأكبر في بلورة، وتجسيد هذه التقنية إلى العالم التقني الدكتور نبيل علي، الذي استعمل فيها أنظمة متقدمة، ومتطورة جداً في الذكاء الاصطناعي، والاعتماد على المعاجم اللغوية الضخمة، ما كلفه سنوات طويلة من البحث الدقيق (10) . وقد أجريت مجموعة من الدراسات العربية المتميزة والتي تندرج في إطار الجانب التطبيقي للسانيات الحاسوبية، وكان غرضها تطوير مجالات علم اللغة الحاسوبي، ومن بين الأبحاث المتميزة التي اطلعنا عليها بحث الدكتور محمد صبري بن شهرير بالاشتراك مع الدكتور أحمد راغب أحمد محمود والدكتور محمد فوزي يوسف، وقد جاء البحث بعنوان: (تصميم برنامج مدقق صرفي لتطوير مهارة الكتابة لدى الطلبة الناطقين بغير العربية في الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا نموذجاً) ، وقد انطلق من مشكلة عدم توافر استخدام التقنية الحاسوبية في اللغة العربية داخل الحجرة الدراسية، ونهض هذا البحث على التركيز على إنتاج التقنية الخاصة في تعليم اللغة العربية وتعلمها، ولاسيما أن البرنامج يمتلك إمكانية تطوير الأداء في مهارة الكتابة وتحسينها من خلال:

1- استطلاع مشكلات الدارسين الناطقين بغير العربية في تعلم اللغة العربية بحيث يتم التركيز على مهارة الكتابة.

2- هناك حاجة ملموسة نحو بناء برنامج حاسوبي تعليمي خاص وتصميمه من أجل تحسين أداء الدارسين الناطقين بغير العربية، ولاسيما في مهارة الكتابة.

3- الحاجة إلى تزويد الدارسين الناطقين بغير العربية الراغبين في تعلم اللغة العربية، وخاصة في مهارة الكتابة بهذا البرنامج الحاسوبي التفاعلي النموذجي.

وبالنسبة إلى الأهداف التي يصبو إليها البحث، فهي:

1- تصميم برنامج حاسوبي تعليمي تفاعلي نموذجي يقوم على تحسين وتعزيز أداء الدارسين الناطقين بغير العربية في تقويمهم الذاتي من أجل تطوير مهارتهم في الكتابة بالعربية.

2- إنتاج برنامج حاسوبي تعليمي تفاعلي خاص وفعال يتم من خلاله تحسين وتعزيز أداء الدارسين الناطقين بغير العربية في تعلمهم لمهارة الكتابة بالعربية.

3- تقويم برنامج حاسوبي تعلمي تفاعلي خاص يُمكِّن الدارسين الناطقين بغير العربية من فهم العلاقة بين أدائهم في الكتابة والأخطاء اللغوية والتصحيحات المناسبة مع توضيح أسبابها (11) .

لقد قام هذا البحث على إجراءات تحليل الاحتياجات ومنهجية اللغويات الحاسوبية في نظام التعرف على نظام الكتابة الحاسوبية على النحو الآتي:

1- استطلاع مشكلات الدارسين الناطقين بغير العربية في تعلم اللغة العربية مع التركيز على مهارة الكتابة.

2- تصميم نظريات مبدئية ومنهجية لغوية حاسوبية خاصة في تصميم نظام الكتابة العربية.

3- تصميم وبناء برنامج حاسوبي تعليمي تفاعلي خاص يمكّن الدارسين الناطقين بغير العربية من فهم العلاقة بين أدائهم في الكتابة والأخطاء اللغوية والتصحيحات المناسبة مع إعطاء المبررات لها.

4- إجراء عملية تجريبية لهذا البرنامج الحاسوبي التعليمي التفاعلي الخاص من أجل تحسين تطويره والتأكد من فعاليته في تطوير مهارة الطالب الكتابية.

وقد استند هذا البحث في التصميم والتطوير إلى نظرية: ADDIE في البناء والتصميم كما هو مبين في الشكل التالي(التحليل- التصميم- التطوير- التنفيذ(التجربة العملية) - التقويم) ، وقد اشتهر نموذج أدي ADDIE للتصميم التعليمي لدى معدِّي البرامج في العصر الحديث، حيث إنه يعد نموذجاً أساسياً تشتق منه النماذج الأخرى من نماذج التصميم التعليمي، وقد تشكل مجتمع الدراسة من الطلبة المتخصصين في اللغة العربية، وهم يدرسون مادة التطبيقات الحاسوبية في اللغة والأدب بالجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا في الفصلين الدراسيين للعام الدراسي: 2013/2014م، وقد تم انتقاء هذه العينة نظراً لانسجامها مع طبيعة المادة الدراسية التي تنهض على تطوير أداء الدارسين من جانب المهارتين اللغوية والحاسوبية في آن واحد، وقد جاءت مراحل الإجراءات البحثية على النحو الآتي:

أ- التحليل: فقد قام الباحثون في هذه المحطة بتحليل احتياجات تصميم هذا البرنامج من الدراسات السابقة، وتحليل الأخطاء الكتابية لدى الدارسين الناطقين بغير العربية من خلال الإنشاء الكتابي الذي طلب منهم الكتابة فيه.

ب- التصميم والتطوير: انقسم تصميم البرنامج إلى التصميم النظري و التطوير التطبيقي ، بحيث تم الانطلاق في البداية بوضع الأسس النظرية في تصميم البرنامج من خلال تحليل نتائج تحليل أخطاء الدارسين في الكتابة، وبعده جاء التطوير التطبيقي للبرنامج وهو عبارة عن نوعية الخط المبتكر المسمى بالمدقق الصرفي.

ج- التنفيذ والتقويم: قام الباحثون في هذه المحطة بتجربة البرنامج لدى الدارسين المتخصصين في برنامج اللغة العربية وهم من الناطقين بغيرها في عملية التقويم المستمر لهذا البرنامج بعد تصميمه، ومن خلاله طلب منهم كتابة بعض الجمل القصيرة .

وقد تبين من خلال نتائج البحث التي عرضها الأساتذة أن هناك حاجة ماسة إلى تصميم مثل هذا البرنامج من أجل مساعدة الدارسين على تعلم اللغة العربية ولاسيما عند الناطقين بغيرها، فهم بحاجة إلى وسائل معينة مساعدة في تعلم العربية ولاسيما في تطوير مهارة الكتابة من الناحية الصرفية، وقد أكد البرنامج نتائجه تنمية الحصيلة اللغوية، ونبه الأساتذة الذين أعدوا البرنامج إلى ضرورة تصميم برامج أخرى في التحليل النحوي ، والأسلوبي، كما اقترحوا إجراء دراسة تطويرية لهذا البرنامج بناءً على الآراء والمقترحات التي أبداها الدارسون الذين قاموا بتجربة هذا البرنامج التعليمي، وأشاروا إلى ضرورة الإفادة من التقنيات الحديثة والمستجدة بوصفها وسيلة منعشة ومعززة في تعليم اللغة العربية، وإيجاد سبل التعاون بين المؤسسات التعليمية والشركات الممولة في دعم مشاريع تطوير الوسائل المعينة المتقدمة في التعليم والتعلم(12) . ومن بين الدراسات المتميزة في مجال التعليم الحاسوبي والإلكتروني دراسة الباحث الدكتور عبد الرحمن إبراهيم سليمان الموسومة ب: (التعليم الإلكتروني ابتكار الحاضر وضرورة المستقبل...ماليزيا نموذجاً- دراسة وصفية تجريبية في أثر التعليم الإلكتروني على تعلم اللغة العربية لغير الناطقين بها- ) ، وقد سعى الباحث في دراسته الثمينة إلى إيضاح مدى فاعلية التعليم الإلكتروني في العملية التعليمية في ماليزيا، وبيان التقنيات المستخدمة في مجال التعليم الإلكتروني في ماليزيا، وبيان أثر التعليم الإلكتروني على تحصيل الطلبة في المرحلة الثانوية في مادة اللغة العربية نموذجاً ، وقد أوصى الباحث في دراسته بإلزام المعلمين بدورات تكنولوجيا التعليم والاستديو التعليمي على غرار دبلوم التربية الذي لا يُسمح للمعلم بممارسة عملية التعليم من غيره، بحيث يتوجب على المعلم دراسة دورات في الحاسوب بشكل عام وتكنولوجيا التعليم بشكل خاص حتى يتمكن من إدارة الفصل تكنولوجياً، مع الاستعانة ببعض خبراء المناهج من العرب بحيث يكون فريق إعداد المناهج من أصحاب اللغة الأصليين ومن الخبراء حتى تكتمل الفائدة للطلاب، وكذا استثمار مهارات الطلبة الحاسوبية وإتقانهم لاستخدامات الحاسوب من خلال تكليف الطلاب بعمل العروض التعليمية من خلال الحاسوب وعرضها تكنولوجياً سواء من خلال أجهزة العرض في الاستديو التعليمي أم من خلال الحواسيب العادية، مما يزيد من إبداع المعلم في الحصة الدراسية واستمتاع الطلاب بالمادة العلمية(13) . وقد قامت الدكتورة ماجدة الخزرجي من جامعة بغداد في العراق بدراسة وسمتها ب: (التقنيات الإلكترونية التفاعلية الاتصالية في تعليم اللغة العربية) ، قدمت من خلالها مجموعة من التوصيات جلها يتصل بتوظيف المؤسسات التعليمية الإمكانات المتوافرة في بيئة التعلم الإلكتروني التفاعلي وعدم حصرها في مجال محدد، فالمنظومة تضم من الأدوات الإلكترونية المتزامنة وغير المتزامنة المتمثلة ب(البريد الإلكتروني، والمحادثة، والحوار، ومنتديات المناقشة) ، التي من شأنها أن تُساعد في تطوير مهارات اللغة العربية والتواصل بين كافة الفئات المستهدفة: المعلم والطالب وولي الأمر والمشرف التربوي ومدير المؤسسة التعليمية، والمسؤول في مركز الوزارة ، كما أوصت الباحثة بتوظيف إستراتيجيات تدريسية للمحتوى الإلكتروني التفاعلي بحيث تركز على العمليات التي يتم بها إنتاج المعرفة وبنائها، إضافة إلى إستراتيجيات تساعد الطلبة على ممارسة الاكتشاف والاستقصاء والبحث عن المعلومة، وكذا العمل على توفير مزيد من الوقت الحر للمدرسين الذي يستخدمون التكنولوجيا مع طلبتهم، لأنها تحتاج إلى وقت وجهد كبيرين من أجل الإعداد والتصميم والتأمل والمتابعة والاستمرارية، مع إعطاء أدوار جديدة للأساتذة والمدرسين والباحثين الأكاديميين ، فالشابكة توفر فرص التطوير المهني والأكاديمي للأساتذة والمدرسين، كما توفر بيئة تعليمية لا تقتصر على التعلم الصفي، مما يُشجع على التواصل مع الآخرين للإفادة من معلوماتهم، والإفادة من مصادر متعددة ومتنوعة(14) .

خاتمة:

تظل الأسئلة التي تطرحها اللسانيات الحاسوبية بلا أجوبة نهائية، فقضايا علم اللغة الحاسوبي ومنهجه وأنظمته متعددة ومتنوعة وشائكة، فالحاسوب من حيث إنه وسيلة تعليمية يُسهم في تحقيق مجموعة كبيرة من أهداف تدريس اللغات على سبيل المثال، وقد أضحى بسبب محاكاة صناعته للعقل الإنساني علامة متميزة جداً من علامات مجتمع المعرفة، و لا ريب في أنه قد حدثت طفرة تقنية كبيرة على مدى الخمسة عقود المنصرمة، حيث أدت هذه الطفرة إلى ظهور وسائط للتواصل اللغوي بين البشر بطرائق غير معهودة من قبل، فشبكة الاتصالات الحديثة أدت إلى ثورة في المعلومات، وانسيابها بحرية لم تعرف لها البشرية مثيلاً، إذ تدخلت في معدلات تسارع أرباح البنوك، والشركات، نظراً لسرعة الاتصالات، ومن ثمة سرعة اتخاذ القرارات، وبفضلها أيضاً تبدت جملة من المظاهر في السلوك، والأنشطة التي يُمارسها الأفراد في المجتمعات كافة، والتي يؤدي فيها جهاز الحاسوب دور البطولة، وهذه الثورة قلبت المفاهيم، وفي مقدمتها مفهوم الثقافة بدلالاتها الواسعة جداً بما فيها النشر الإلكتروني، فقد أضحت المدونات الإلكترونية ظاهرة مستحدثة تدخل عالم النشر، واكتشاف المواهب الجديدة في شتى العلوم، ومن بينها الأدب، إضافة إلى دورها في تمكين الإنسان من الاطلاع على المجلات، والصحف بإتاحتها على الشبكة العالمية للمعلومات، فالوسائط الحديثة- كما يرى الباحث سليمان العسكري- أسهمت في إحداث ثورة في توفير الاتصال العولمي، وأذابت الحدود بين البشر، باختلاف ثقافاتهم، فقد أحدثت هذه الوسائط كذلك ثورة في مجال سرعة متابعة الإنتاج الفني، الذي ينتج في أي مكان من أرجاء العالم، بحيث أضحى بإمكان أي فرد مشاهدته في حدود ساعات قليلة على مواقع البث، وهذه الأمور كلها، سيكون لها جملة من الأدوار الكبيرة في تطور، وتغير المفاهيم المتصلة بحقوق الملكية الفكرية من جهة، كما أن من شأنها أيضاً أن تحدث لوناً من ألوان تلاقح الأفكار، والإبداعات، وتأثيرها المتبادل على المبدعين في أرجاء العالم، إضافة إلى انفتاح العالم على مختلف الرؤى، والأفكار، والمدارس الفنية، والتساؤل الذي يُطرح في هذا الصدد: ما هو مصير الثقافة العربية في ظل هذه الوسائط، وكيف يُمكن أن نطور لغتنا العربية لتتلاءم معها، وتغدو صالحة لاستيعاب الثقافة العلمية المتطورة، وللتواصل مع شتى الثقافات الأخرى، وهل تكون هذه الوسائط وبالاً علينا، من حيث إنها ستكشف عجزنا، وتخلفنا؟ أن أنها ستكون فرصة حقيقية ، ومواتية للتطور ، والوصول بالثقافة العربية إلى آفاق جديدة؟

والحاسوب هو الوسيلة الرئيسة لحفظ العلوم والمعارف وتحليلها ونشرها وتوظيفها، ومنذ ابتكاره مافتئ المرء يكد من أجل تحقيق مزيد من الإنجازات والنتائج المتميزة، وقد تقاطعت اللسانيات مع هذه المعرفة وشكلت حقلاً يكاد يصبح موحداً فأصبحنا نعرف(اللسانيات الحاسوبية) ، أو(اللسانيات الآلية) ، أو(علم اللغة الحاسوبي)  الذي نهض على تصورات نظرية، وإجراءات تطبيقية حيث يصبو هذا العلم إلى تهيئة كفاية لغوية تُحاكي ما يكون للإنسان حين يستقبل اللغة ويفهمها، ويدركها، ثم يعيد إنتاجها وفقاً لمتطلباته، فهذا العلم يؤكد أن علوم اللغة لم تكتف بالتعاون مع العلوم الإنسانية فحسب، بل إنها امتدت إلى مجال العلوم التقنية بدراسة الظاهرة اللغوية، بل يُمكن القول إنها أضحت مهيمنة عليها قصد كشف النقاب عن خفاياها ، فهناك رؤية واضحة ومحددة للسانيات الحاسوبية تتمثل في أن تصبح مرجعاً في تمييز الخطأ من الصحيح، وتحقيق كفاية تواصلية تتصل بشتى العناصر الخارجية التي تتدخل في الموقف الكلامي، إضافة إلى إنتاج نسبة غير محدودة من المنجزات اللغوية الصحيحة، وإدخال قواعد اللغة في نظامها الصوتي وأنساقها الصرفية، وقد أفضى التلاحم بين اللسانيات والحاسوب إلى معالجة شتى القضايا اللسانية المعقدة، والتي كانت تصعب على الدارسين والباحثين في هذا الميدان بمساعدة الدماغ الإلكتروني مثل: الترجمة الآلية التي سهلت المهمة، وقد أكدت اللسانيات الحاسوبية ما ذكره ثلة من علماء اللسانيات من أنها الدراسة العلمية للغة البشرية، وهي تركز أبحاثها على اللغة، وتتخذها موضوعاً رئيساً لها، وتنظر إليها على اعتبار أنها غاية وليست وسيلة، وقد اشتهرت دعوة سوسير إلى دراسة اللغة لذاتها وفي ذاتها، وهذا ما اعتبره الكثير من الدارسين فتحاً علمياً جديداً، حيث يقول الدكتور عبد السلام المسدي في هذا الصدد: «...ومن المعلوم أن اللسانيات قد أصبحت في حقل البحوث الإنسانية مركز الاستقطاب بلا منازع، فكل تلك العلوم أصبحت تلتجئ- سواء في مناهج بحثها أو في تقدير حصيلتها العلمية- إلى اللسانيات وإلى ما تفرزه من تقريرات علمية وطرائق في البحث والاستخلاص.ومرد كل هذه الظواهر أن علوم الإنسان تسعى اليوم جاهدة إلى إدراك مرتبة الموضوعية بموجب تسلط التيار العلماني على الإنسان الحديث، ولما كان للسانيات فضل السبق في هذا الصراع فقد غذت جسراً أمام بقية العلوم الإنسانية من تاريخ وأدب وعلم اجتماع، يعبُره جميعها لاكتساب القدر الأدنى من العلمانية في البحث، فاللسانيات اليوم موكول لها مقود الحركة التأسيسية في المعرفة الإنسانية لا من حيث تأصيل المناهج وتنظير طرق إخصابها فحسب، ولكن أيضاً من حيث إنها تعكف على دراسة اللسان فتتخذ اللغة مادة لها وموضوعاً».

لقد أفرغ هذا البحث جهده في دراسة جملة من قضايا اللسانيات الحاسوبية في ميزان البحث، وما يمكن قوله في الختام إن اللغة العربية تنسجم مع الحاسوب ، فهي أكثر اللغات ملاءمة لنظام الحاسوب ذلك أن حروفها قابلة للتربيع ، وهي الأكثر انسجاماً مع طبيعة الحاسوب من أي لغة أخرى في العالم، فهي قريبة جداً من قوانين المنطق في قواعدها الإعرابية، وأنساقها الصرفية، ومن المعلوم أن الحاسوب يُستفاد منه في النشاط اللغوي بوجوه متعددة، حيث تتركز دراسة حوسبة اللغة في شكلين رئيسين محاكاة التفكير الإنساني، ومحاكاة الأداء البشري كما يذكر الباحث شحدة الفارع، إذ تشكل العلاقة بين اللغة والحاسوب إحدى الموضوعات الرئيسة في اللغويات الحاسوبية، وهي فرع من فروع العلوم الإدراكية، وتشغل فرعاً متوسطاً بين علم الحاسوب وعلم اللغة، ومن أهم موضوعاتها دراسة الجوانب الحاسوبية لمقدرة الإنسان اللغوية، وتنقسم إلى قسمين رئيسين الأول نظري، والثاني تطبيقي.وتدرس اللغويات الحاسوبية النظرية النظريات التي تصاغ حول المعرفة الكلية التي يحتاجها الإنسان لإنتاج اللغة وفهمها، و لا يختلف اثنان في أن هناك صلات وشيجة، وروابط وثيقة بين علوم اللغة، وعلوم الحاسوب، وهذا التخصص يندرج في إطار اللسانيات التطبيقية، فهي(اللسانيات الحاسوبية)  الدراسة العلمية للنظام اللغوي في مختلف مستوياته بمنظار حاسوبي، ويتجلى هدفها في تطبيق النماذج الحاسوبية على الملكة اللغوية، وهي تقوم على البرمجة والتنظيم والتخطيط كما يرى نهاد الموسى في كتابه: (اللغة العربية نحو توصيف جديد في ضوء اللسانيات الحاسوبية ) . وكما يرى الباحث الأردني المتميز وليد أحمد العناتي فاللسانيات الحاسوبية تقوم على تصور نظري يتخيل الحاسوب عقلاً بشرياً، وهي تحاول استكناه مختلف العمليات العقلية والنفسية التي ينهض بها العقل البشري عندما ينتج اللغة ويستقبلها ، ومن ثم يفهمها، ويدركها، بيد أنها تستدرك على الحاسوب أنه جهاز أصم لا يستعمل إلا وفقاً للبرنامج الذي وضعه وصممه الإنسان، وهذا الأمر يفرض تقديم توصيف للحاسوب فيما يتعلق بالمواد اللغوية التي يجب توصيفها توصيفاً دقيقاً يستنفذ شتى الإشكالات اللغوية التي يدركها الإنسان بالحدس، وهو(علم اللسانيات الحاسوبية)  يرمي إلى إنتاج برامج ذات معرفة باللغة الإنسانية، وهذه البرامج مما يحتاجه الإنسان إلى درجة قصوى بهدف الرقي بالتفاعل بين الإنسان والآلة، حيث إن العقبة الرئيسة في سبيل قيام هذا التفاعل بين الإنسان والحاسوب هي عقبة التواصل. كما يختص بتسليط الضوء على النظريات الصورية المتصلة بالمعرفة اللغوية التي يحتاج إليها الإنسان بهدف توليد اللغة وفهمها.و لقد أُنتجت جملة من برامج الحاسوب التعليمية، والتي تعود بالفائدة على تعلم اللغة الأم، كما يمكن أن تُسهم في تطوير، وتنمية اللغة لدى الطالب، وتُقدم تسهيلات تعين على سرعة التأليف، حيث يمكن تزويد الحاسوب ببرامج لاكتشاف الأخطاء المطبعية، والإملائية ، وقد تكون هناك برامج لتصحيح الأخطاء تصحيحاً فورياً. ويرى بعض الخبراء أن للحاسوب قدرة كبيرة على تنمية اللغة عند الطفل، ويمكن أن يُقدم خدمة كبيرة للغة العربية الفصيحة.

 

الدكتور محمد سيف الإسلام بـوفـلاقـــــة

قسم اللُّغة العربية بجامعة عنابة ، الجزائر

..........................

الهوامش:

(1)  د.راضية بن عريبة: محاضرات في اللسانيات الحاسوبية، منشورات مؤسسة ألفا للوثائق للنشر والطباعة والتوزيع، قسنطينة، الجزائر، 2017م، ص: 23.

(2)  د.محمد مراياتي: تعامل الأجهزة والمعدات مع الحرف العربي، دراسة منشورة ضمن كتاب: استخدام اللغة العربية في مجال المعلوماتية، منشورات المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس، 1996م، ص: 79.

(3) د.عبد الرحمن الحاج صالح: بحوث ودراسات في اللسانيات العربية، ج: 01، منشورات موفم للنشر في إطار احتفالية الجزائر عاصمة للثقافة العربية، الجزائر، 2007م، ص: 231.

(4) د.عبد الرحمن الحاج صالح: أنماط الصياغة اللغوية الحاسوبية والنظرية الخليلية الحديثة، مجلة المجمع الجزائري للغة العربية، مجلة لغوية علمية تصدر عن المجمع الجزائري للغة العربية، العدد السادس، السنة الثالثة، ذو الحجة1428هـ- ديسمبر2007م، ص: 9 وما بعدها.

(5) د.عبد الرحمن الحاج صالح: أدوات البحث العلمي في علم المصطلح الحديث، مجلة المجمع الجزائري للغة العربية، مجلة لغوية علمية تصدر عن المجمع الجزائري للغة العربية، العدد السابع، السنة الثالثة، جمادى الثاني1429هـ- جوان2008م، ص: 29.

(6) أحمد حابس: حوسبة المعجم العربي: ضرورة علمية وثقافية –رؤية تحليلية من خلال مشروع الذخيرة العربية، المرجع نفسه، ص: 56 وما بعدها، و ينظر: الحاج عبد الرحمن صالح: أنواع المعاجم الحديثة ومنهجها ووضعها، مجلة مجمع اللغة العربية بدمشق مج: 78، عدد خاص بندوة المعجم العربي، 2003م، ص: 673.

(7)  د. عبد الرحمن الحاج صالح: مشروع الذخيرة اللغوية العربية وأبعاده العلمية والتطبيقية، دراسة منشورة في مجلة الآداب، مجلة أدبية فكرية تصدر عن معهد الآداب واللغة العربية، جامعة قسنطينة، الجزائر، العدد: 03، السنة: 1417هـ/1996م، ص: 9 وما بعدها.

(8) د.صالح بلعيد: مناسبة وكلمة، ج: 01، منشورات المجلس الأعلى للغة العربية، رئاسة الجمهورية الجزائرية، الجزائر، 2018م، ص: 394 .

(9) أحمد حابس: حوسبة المعجم العربي: ضرورة علمية وثقافية –رؤية تحليلية من خلال مشروع الذخيرة العربية، مجلة المجمع الجزائري للغة العربية، مجلة لغوية علمية تصدر عن المجمع الجزائري للغة العربية، الجزائر، العدد: 04، السنة الثانية، ذو القعدة1426هـ/ديسمبر2006م، ص: 51 وما بعدها.

وينظر: نبيل علي: اللغة العربية والحاسوب، منشورات مؤسسة تعريب للطباعة والنشر والتوزيع، دولة الكويت، 1988م، ص: 216 وما بعدها.

(10) نقلاً عن: حسني عبد الحافظ: خدمات التقنية الرقمية باللغة العربية أفادت الناطقين بها ، مجلة الحرس الوطني، مجلة عسكرية ثقافية شهرية تصدر عن وزارة الحرس الوطني السعودي بالرياض في المملكة العربية السعودية ، العدد: 368، ربيع الأول1439هـ- نوفمبر2017م، ص: 85.

(11) د.محمد صبري بن شهرير ود. أحمد راغب أحمد محمود ود.محمد فوزي يوسف: تصميم برنامج مدقق صرفي لتطوير مهارة الكتابة لدى الطلبة الناطقين بغير العربية في الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا نموذجاً، دراسة منشورة ضمن كتاب: الأنساق اللغوية والسياقات الثقافية في تعليم اللغة العربية، أعمال المؤتمر الدولي الأول لتعليم العربية22- 24- 4- 2014م، ج: 01، منشورات مركز اللغات بالجامعة الأردنية، ودار كنوز المعرفة العلمية للنشر والتوزيع، عمّان، الأردن، 2014م ، ص: 345.

(12) د.محمد صبري بن شهرير ود. أحمد راغب أحمد محمود ود.محمد فوزي يوسف: تصميم برنامج مدقق صرفي لتطوير مهارة الكتابة لدى الطلبة الناطقين بغير العربية في الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا نموذجاً، المرجع نفسه، ص: 344 وما بعدها.

(13) د.عبد الرحمن إبراهيم سليمان: التعليم الإلكتروني ابتكار الحاضر وضرورة المستقبل...ماليزيا نموذجاً- دراسة وصفية تجريبية في أثر التعليم الإلكتروني على تعلم اللغة العربية لغير الناطقين بها- ، دراسة منشورة ضمن كتاب: الأنساق اللغوية والسياقات الثقافية في تعليم اللغة العربية، أعمال المؤتمر الدولي الأول لتعليم العربية22- 24- 4- 2014م، ج: 01، منشورات مركز اللغات بالجامعة الأردنية، ودار كنوز المعرفة العلمية للنشر والتوزيع، عمّان، الأردن، 2014م ، ص: 444 وما بعدها.

(14) د.ماجدة الخزرجي: التقنيات الإلكترونية التفاعلية الاتصالية في تعليم اللغة العربية، دراسة منشورة ضمن كتاب: الأنساق اللغوية والسياقات الثقافية في تعليم اللغة العربية، أعمال المؤتمر الدولي الأول لتعليم العربية22- 24- 4- 2014م، ج: 02، منشورات مركز اللغات بالجامعة الأردنية، ودار كنوز المعرفة العلمية للنشر والتوزيع، عمّان، الأردن، 2014م ، ص: 771 وما بعدها.

قائمة المراجع:

أولاً: الكتب:

1- بلعيد (صالح):  دروس في اللسانيات التطبيقية، دار هومة للطباعة والنشر، الجزائر، الطبعة الثانية، 2000م.

2- بلعيد (صالح): مقاربات منهاجية، منشورات دار هومة للطباعة والنشر والتوزيع، الجزائر، 2010م.

3- بلعيد (صالح): مناسبة وكلمة، ج: 01، منشورات المجلس الأعلى للغة العربية، رئاسة الجمهورية الجزائرية، الجزائر، 2018م.

4- الحاج صالح (عبد الرحمن): بحوث ودراسات في اللسانيات العربية، ج: 01، منشورات موفم للنشر في إطار احتفالية الجزائر عاصمة للثقافة العربية، الجزائر، 2007م.

5- رشراش (أنيس عبد الخالق): تكنولوجيا التعليم وتقنياته الحديثة، دار النهضة العربية، بيروت، لبنان، ط: 01 ، 2008م.

6- بن عريبة (راضية): محاضرات في اللسانيات الحاسوبية، منشورات مؤسسة ألفا للوثائق للنشر والطباعة والتوزيع، قسنطينة، الجزائر، 2017م.

7- علي(نبيل): اللغة العربية والحاسوب، منشورات مؤسسة تعريب للطباعة والنشر والتوزيع، دولة الكويت، 1988م.

8- غلفان(مصطفى): اللسانيات في الثقافة العربية الحديثة- حفريات النشأة والتكوين- ، شركة النشر والتوزيع المدارس، الدر البيضاء، المغرب الأقصى، ط: 01 ، 2006 م.

9- الفارع(شحدة): مقدمة في اللغويات المعاصرة، منشورات دار وائل للنشر والتوزيع، عمّان، المملكة الأردنية، ط: 05 ، 2012م.

10- المسدي (عبد السلام): التفكير اللساني في الحضارة العربية، الدار العربية للكتاب، ليبيا، ط: 02، 1986 م.

ثانياً: الدوريات وأعمال الملتقيات:

1- حابس (أحمد): حوسبة المعجم العربي: ضرورة علمية وثقافية –رؤية تحليلية من خلال مشروع الذخيرة العربية، مجلة المجمع الجزائري للغة العربية، مجلة لغوية علمية تصدر عن المجمع الجزائري للغة العربية، الجزائر، العدد: 04، السنة الثانية، ذو القعدة1426هـ/ديسمبر2006م.

2- الحاج (صالح عبد الرحمن): أدوات البحث العلمي في علم المصطلح الحديث، مجلة المجمع الجزائري للغة العربية، العدد السابع، السنة الثالثة، جمادى الثاني1429هـ- جوان2008م.

3- الحاج (صالح عبد الرحمن): أنماط الصياغة اللغوية الحاسوبية والنظرية الخليلية الحديثة، مجلة المجمع الجزائري للغة العربية، مجلة لغوية علمية تصدر عن المجمع الجزائري للغة العربية، العدد السادس، السنة الثالثة، ذو الحجة1428هـ- ديسمبر2007م.

4- الحاج (صالح عبد الرحمن): مشروع الذخيرة اللغوية العربية وأبعاده العلمية والتطبيقية، دراسة منشورة في مجلة الآداب، مجلة أدبية فكرية تصدر عن معهد الآداب واللغة العربية، جامعة قسنطينة، الجزائر ، العدد: 03، السنة: 1417هـ/1996م.

5- حجازي(محمود فهمي): المعجمات العربية وموقعها بين المعجمات العالمية، مجلة الحرس الوطني ، العدد: 357، ذو الحجة1436هـ- سبتمبر2015م.

6- حسني(عبد الحافظ): خدمات التقنية الرقمية باللغة العربية أفادت الناطقين بها ، مجلة الحرس الوطني، مجلة عسكرية ثقافية شهرية تصدر عن وزارة الحرس الوطني السعودي بالرياض في المملكة العربية السعودية ، العدد: 368، ربيع الأول1439هـ- نوفمبر2017م.

7- الخزرجي(ماجدة): التقنيات الإلكترونية التفاعلية الاتصالية في تعليم اللغة العربية، دراسة منشورة ضمن كتاب: الأنساق اللغوية والسياقات الثقافية في تعليم اللغة العربية، أعمال المؤتمر الدولي الأول لتعليم العربية22- 24- 4- 2014م، ج: 02، منشورات مركز اللغات بالجامعة الأردنية، ودار كنوز المعرفة العلمية للنشر والتوزيع، عمّان، الأردن، 2014م.

8- سليمان(عبد الرحمن إبراهيم): التعليم الإلكتروني ابتكار الحاضر وضرورة المستقبل...ماليزيا نموذجاً- دراسة وصفية تجريبية في أثر التعليم الإلكتروني على تعلم اللغة العربية لغير الناطقين بها- ، دراسة منشورة ضمن كتاب: الأنساق اللغوية والسياقات الثقافية في تعليم اللغة العربية، أعمال المؤتمر الدولي الأول لتعليم العربية22- 24- 4- 2014م، ج: 01، منشورات مركز اللغات بالجامعة الأردنية، ودار كنوز المعرفة العلمية للنشر والتوزيع، عمّان، الأردن، 2014م.

9- بن شهرير(محمد صبري): تصميم برنامج مدقق صرفي لتطوير مهارة الكتابة لدى الطلبة الناطقين بغير العربية في الجامعة الإسلامية العالمية بماليزيا نموذجاً، دراسة منشورة ضمن كتاب: الأنساق اللغوية والسياقات الثقافية في تعليم اللغة العربية، أعمال المؤتمر الدولي الأول لتعليم العربية22- 24- 4- 2014م، ج: 01، منشورات مركز اللغات بالجامعة الأردنية، ودار كنوز المعرفة العلمية للنشر والتوزيع، عمّان، الأردن، 2014م.

10- العسكري(سليمان إبراهيم):  الوسائط الجديدة في نقل الثقافة، مجلة العربي، مجلة ثقافية شهرية تصدرها وزارة الإعلام بدولة الكويت، العدد: 616، ربيع الآخر1431هـ/مارس(آذار) 2010م.

11- علي (نبيل): أهمية اللغة العربية: رؤية معلوماتية، مجلة العربي، مجلة ثقافية شهرية تصدرها وزارة الإعلام بدولة الكويت، العدد: 559، ربيع الآخر1426هـ/يونيو2005م.

12- علي (نبيل): صناعة المحتوى الثقافي العربي: أهميتها وتحدياتها، مجلة العربي، مجلة ثقافية شهرية تصدرها وزارة الإعلام بدولة الكويت، العدد: 625، المحرم1432هـ/ديسمبر(كانون الأول) 2010م.

13- علي (نبيل): المحتوى الثقافي العربي- رؤية مستقبلية لغوية- ، مجلة العربي، مجلة ثقافية شهرية تصدرها وزارة الإعلام بدولة الكويت، العدد: 623ذو القعدة1431هـ/أكتوبر(تشرين الأول) 2010م.

14- مراياتي(محمد ): تعامل الأجهزة والمعدات مع الحرف العربي، دراسة منشورة ضمن كتاب: استخدام اللغة العربية في مجال المعلوماتية- أعمال ملتقى- ، منشورات المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، تونس، 1996م.

15- الهرش(عايد حمدان سليمان ): الحاسوب وتعلم اللغة العربية، مجلة العلوم الإنسانية، مجلة تصدر عن جامعة منتوري بقسنطينة، الجزائر، العدد: 12، ديسمبر1999م.

16- أبو هيف (عبد الله ): مستقبل اللغة العربية: حوسبة المعجم ومشكلاته اللغوية والتقنية أنموذجاً، مجلة التراث العربي، مجلة فصلية محكمة تصدر عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق، العدد: 93- 94، المحرم- ربيع الثاني1425هـ/آذار- حزيران2004م.

 

 

محمد بنيعيشأولا: بدء الوحي وخصوصية المفاجأة عند النبي صلى الله عليه وسلم

لكل حركة هيئة وحال، ولكل متحرك محرك، وكل متحرك فحركته بحسب قوة محركه ومنقّله ودافعه وباعثه.كما أن لكل مقام مقال، وكل مقال قد يكتسي بكسوة قائله وصائغه وناظمه ومُضمِّنه .فهناك القائل والمقول والمقول له والمقال عنه وفحوى ومقتضى المقال، ثم حال القائل والمقول له والمنقول إليه... وهذه معاني وأبعاد قد تمتزج فيها اللغة بالمعنى ويتولد عنها حال من الفهم والوعي والاستيعاب والنهل وذوق الخطاب وسيماه بحسب تناسب المقال مع مصدر القول ومقصد العبارة والإشارة والوحي والإيماءة.

عن عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها أن: "الحارث بن هشام رضي الله عنه سأل رسول الله (ص) فقال: يا رسول الله كيف يأتيك الوحي؟فقال رسول الله (ص): "أحيانا يأتيني مثل صلصلة الجرس وهو أشده علي فيفصم عني وقد وعيت عنه ما قال:وأحيانا يتمثل لي الملك رجلا فيكلمني فأعي ما يقول" قالت عائشة رضي الله عنها:ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقا"[1].

يصف أبو أروى الدوسي ما شاهده من حال النبي -صلى الله عليه وسلم- عند نزول الوحي عليه فيقول: "رأيت الوحي ينزل على رسول الله، وإنه على راحلته، فترغو وتفتل يديها، حتى أظن أن ذراعها ينقصم، فربما بركت، وربما قامت موتدة يديها حتى يُسرَّى عنه من ثقل الوحي، وإنه ليتحدّر منه مثل الجمان"(3). ويصف عمر بن الخطاب رضي الله عنه ما كان يعرفه من حال النبي -صلى الله عليه وسلم- عند نزول الوحي، فيقول:"كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا نزل عليه الوحي يُسمَعُ عند وجهه دويٌّ كدويِّ النحل".

ويقول عبادة بن الصامت رضي الله عنه: "كان نبي الله -صلى الله عليه وسلم- إذا أنزل عليه كُرب لذلك"أي أصابه الكرب.

هذا المعنى والحال المواكب لنزول الوحي على رسول الله (ص) كما وصفه بنفسه هو الذي يفسر لنا ظاهرة الرجفة أو الرعدة التي حصلت له في أول لقائه مع جبريل عليه السلام عند نقطة البداية في إيصال الوحي إلى سويداء قلبه (ص) . بحيث لا ينبغي أن نفسرها بمعنى الخوف أو الرعب من صورة الملك أو من الحركة التي قام بها حينما ضمه إليه وغطه أو غته حتى بلغ منه الجهد، وذلك لأنه (ص) قد كان أشجع الناس وأثبتهم وأرزنهم في كل المواقف ولم يكن ممن تفل فيهم المفاجأة اختلالا في الحركة أو اضطرابا في التعبير والشخصية لحد الغشي.فهذا مستبعد في نظرنا والله أعلم.

فإذا كان الملك قد جاءه صلى الله عليه وسلم في صورة رجل آدمي عادي فإنه بطبيعة الحال، وكرد فعل بشري، سيكون من الضروري أن يدافع عن نفسه ويصد عنه هذا الذي يريد أن يصرعه أو يخنقه بهذا النوع من الضم والتضييق المضني.وهو ما كان قد حصل لسيدنا موسى عليه السلام حينما جاءه الملك يريد قبض روحه كما في رواية البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه قال:"أرسل ملك الموت إلى موسى عليهما السلام، فلما جاءه صكه فرجع إلى ربه، فقال: أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت، فرد الله عليه عينه وقال:ارجع فقل له :يضع يده على متن ثور فله بكل ما غطت به يده بكل شعرة سنة .قال :أي رب ثم ماذا ؟.قال:ثم الموت، قال:فالآن، فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر، قال رسول الله (ص) :فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر"[2].

فمن لم يدرك المغزى والبعد العقدي و المعرفي من الحديث فسيذهب إلى إنكاره أو تضعيفه بزعم أنه غير واقعي ويتنافى مع حقيقة الملائكة وصلة الأنبياء بهم، غافلين عن السياق الذي ورد فيه وهو أن الملك قد جاء في صورة رجل، تماما كما جاء جبريل عليه السلام في حديث أركان الإسلام إلى النبي (ص) في صورة دحية الكلبي حتى قد اعتبره الصحابة هو نفسه أو رجل من العرب لا فرق.

ثانيا: الحال المحمدي وكماله عند نزول الوحي و التلقين المعرفي

لكن حال سيدنا محمد (ص) قد كان أكمل من سيدنا موسى عليه السلام، لتفاوت المقام، ومن هنا فكل الروايات تشير إلى أنه (ص) لم يبد أية مقاومة تذكر وإنما كان في كامل الاطمئنان والتسليم، ولم تظهر عليه أعراض العملية إلا بعد أن تم الأمر وأودع قلبه كلام الله تعالى إيداعا ملأ أركانه وأنار زواياه وجدرانه، فانتفض حينئذ وفاض وارتجف وارتعد، شأنه في بداية الأمر كمسألة شق الصدر الأولى واستسلامه فيها للعملية الجراحية الروحية بكل هدوء وفطرة إلا أنه قد بقي على إثرها أثر المخيط ومخلفاتها بادية على وجهه الشريف وفي نسيج صدره المنيف .

وحيث إن القلب هو مركز الوحي كما قال تعالى: "وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (192) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (193) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (194) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (195) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (196) "[3]، فإن صدمة الدواء المباشر له وفي عمق بطينيه وأذينيه ستكون أشد قوة وإثارة لحركته في ضخ قوي للدماء وسرعة جريانها وتأثيرها على سائر الأعضاء، وهذا ما يعرفه المختصون في علاج القلب وتقويته بما يلزم من مواد مناسبة لغذائه وتنبيهه.إذ لا علاقة للارتجاف أو الارتعاد بمسألة الخوف أو الدهشة ولكن قد يدخل الأمر في مدى استيعاب الحيز والمكان للمتمكن فيه والمسكن لساكنه، حيث لا حيز هنا ولا مكان ولا تقريب أو معادلة لما يحتويه من بيان، خاصة وأن هذا الساكن قد جاء بصفتي الرحمة والحب المناسبتين لحال ومقام النبي (ص) الذي هو عين الرحمة المهداة والتي شملت العالمين دعوة وهداية، حيث نجد هذا التناسب قائما بين قوله تعالى :"وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك فلا تكونن ظهيرا للكافرين "[4]وقوله" وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ " و" لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (128) فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (129) "[5] والتي صاغها (ص) بقوله:"إنما أنا رحمة مهداة" [6]سبق وفصلنا القول عنها في المرقى الأول من فجر النور.

إذن فالمسألة هنا، والحال معها، هي مباشرة القلب بالنور الإلهي في جلاله وجماله، ظاهره وباطنه، شريعته وحقيقته:" لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآَنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ "[7].

فلم يكن الخوف إذن من جبريل أو أي كان، وإنما هو الانفعال الروحي الصرف بالحضرة الإلهية المقدسة على أعلى درجات القرب والشهود، التي كان الملك جبريل عليه السلام هو الواسطة الظاهرية في توصيلها وترتيب مراحلها، حتى إذا تم الإيداع والتفريغ في القلب اهتزت أركانه وارتعدت بوادر شغافه وجواهره، ونادى من أعماق أعماقه صاحب الحال والمقام بزملوني زملوني ودثروني دثروني ! حتى أنفرد وأختلي في حالي الداخلي بخليلي وحبيبي من غير ملاحظة أو التفات إلى ما بخارجي !.

فلكأنه صلى الله عليه وسلم قد كان في مرحلة استكمال تمثل الدواء أو الغذاء والنور الذي اخترق فؤاده، حتى يتكيف معه ويصير فيما بعد مؤهلا لتلقيه في المستقبل من غير ارتعاش أو ارتعاد.

وفي تصور قريب، ولكنه سلوكي أكثر منه بعد روحي بالمعنى الذي صبونا استشرافه أو إيصاله إلى الفهم، يقول أبو سليمان الخطابي فيما نقله عنه ابن كثير:"وإنما فعل ذلك ليبلو صبره ويحسن تأديبه، فيرتاض لاحتمال ما كلف به من أعباء النبوة، ولذلك كان يعتريه مثل حال المحموم، وتأخذه الرحضاء أي :البهر والعرق .

وقال غيره :إنما فعل ذلك لأمور :منها أن يستيقظ لعظمة ما يلقى إليه بعد هذا الصنيع الشاق على النفوس كما قال تعالى:" إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا " ولهذا كان عليه الصلاة والسلام إذا جاءه الوحي يحمر وجهه، ويغط كما يغط البكر من الإبل، ويتفصد جبينه عرقا في اليوم الشديد البرد"[8].

فكان أول الأمر يبدو وكأنه مفاجأة ولكنها ليست كذلك وهو ما قد عبر عنه الرواة في وصف اللحظة وربطها بالآية التي سبق ذكرها: (وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك)[9] فقالوا :"حتى فجأه الحق وهو بغار حراء" فكان الرجاء لديه (ص) هو طلب الحقيقة فجاءه الجواب بالشريعة والحقيقة معا، وكان السؤال والتحنث لغذاء القلب وتلبية حاجته في الفقر والعبودية لله تعالى حالا فجاءه الوصف والوصل مقالا ومقاما، هو بذاته سينتج الحال ويضيء الطريق استقبالا ومآلا .

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

...........................

[1] رواه البخاري، كتاب بدء الوحي.

[2] رواه البخاري، كتاب الجنائز

[3] سورة الشعراء آية192- 195

[4] سورة القصص آية 86

[5] سورة التوبة آية 128

[6] رواه الديلمي والبيهقي في شعب الإيمان

[7] سورة الحشر آية 21

[8] ابن كثير:السيرة النبوية، ج1ص393

[9] سورة القصص آية 86