 دراسات وبحوث

جعفر نجم نصرلعل العنوان أو المصطلح المركب يبدو متناقضاً بين العرفان الذي هو تجربة ذوقية روحية باطنية فردية خارج دائرة المجتمع وانشغالاته ومصطلح السياسة الذي يشير إلى عملية بشرية اداتية لأدارة السلطة وشؤون الدولة عموماً، وهو أمرٌ دنيوي صرف ولا شأن له بعالم الباطن أو عالم الاخرويات.

ان سبب هذه الصدمة أو التناقض الظاهري بين العرفان والسياسة هو السياق التاريخي الثقافي لكلا المسارين العرفان والسياسة في العالم الاسلامي، فلقد ترسخ على مدى قرون خلت أن هنالك انفصالا كليا بين التجربة الصوفية والعرفانية وبين شؤون الدولة أو العمل السياسي، ولعل هذا الامر يعزى إلى اعتقاد الكثير من الباحثين ان العرفاء والمتصوفة هم مشغولون بعالم الباطن الروحي وبالتالي فهم منصرفون كلياً عن الشأن السياسي، أو بعبارة أخرى ان العارف أو المتصوف هو زاهد في الدنيا برمتها وبذلك فهو غير معنى بالسياسة ومفاتنها وشهواتها وسياقاتها السلطوية على الناس.

وهذا الأمر مناف لكثير من الحقائق التاريخية والاصول الثقافية التي تبين لنا أن ظهور المتصوفة والعرفاء في داخل الاسلام انما جاء بوصفه رد فعل ضد السياسة واهلها من الخلفاء والامراء والوزراء وقادة جيشهم، بل ان فعل المعارضة بحد ذاته هو فعل المتصوفة والعرفاء على طول الخط إلّا بحالات شاذة هنا وهناك، إذ قال الكاتب هادي العلوي عن تلك المعارضة عندهم لم يستعمل مشايخنا (يقصد المتصوفة والعرفاء) هذا المصطلح الذي هو من مستحدثات جيلنا لكنهم مارسوه بوصف انه مسلك للخروج من قيد الاغيار، وتعني المعارضة قطع العلاقة مع الدولة وأربابها والدعوة إلى - أو العمل على تغييرها، والدولة شيطان تتألف من شياطين وفعلها شيطاني وسلوك أربابها شيطاني، وشيطان من يعاملها ويتعامل معها، وتتألف منهم جملة الاغيار المقيمين في دار الضد والحس والشهوة، وهم عماد الظلم ومنشأ الظلمة والخلق منهم في بوار (1).

وهذهِ المعارضة تجسدت بمظاهر اجتماعية وثقافية بل وسياسية متعددة على مدى العصور، ولهذا وجدنا كبار العرفاء من اوائل المقتولين على ايدي السلطة(الحلاج، السهروردي، عين القضاة الهمذاني) وغيرهم الكثير، وإذ كان هؤلاء يناؤون السلاطين في العالم الاسلامي، فإن الكثير من المتصوفة في عصور لاحقة دخلوا في صراع مع السلطات السياسية الاستعمارية في عدد من البلدان لاسيما في شمال افريقيا.

وفي هذا السياق ينبغي التذكير بما قاله الكثير من الباحثين حول عصر ظهور التصوف والعرفان، والذي ظهر بوصفه أتجاه معارضة صامتة للوهلة الاولى ازاء عالم الاسراف والبذخ ومظاهر الفسق والفجور التي سادت العالم الاسلامي بعد تزاحم  الفتوحات وتضخم بنية الدولة الاسلامية من جهة مواردها المالية (الخراج) الذي بلغ حد التخمة.

إذ يذهب الباحث علي سامي النشار إلى ان الزهد ومظاهر التقوى كانت موجودة في القرن الاول الهجري، وان الكثير من هؤلاء الزهاد ظهروا معارضين لبعض الخلفاء أمثال ابو ذر الغفاري والحسن البصري وغيرهم الكثير، ولكن لم تظهر اللغة الاصطلاحية وتقعيد القواعد الصوفية والعرفانية إلّا في القرن الثاني الهجري، والامر الجوهري هو ان هنالك روحا للمعارضة كانت تسري في هذين القرنين ازاء ترف السلطة ومفاسدها (2).

ولا يخرج كامل مصطفى الشيبي عن ذلك الامر كثيراً ويزيد عليه بالحديث المفصل عن خصوصية المجتمع الكوفي وبداية تشكل حركة للزهد على نطاق واسع، أذ يقول: أما ميادين الزهد الكوفي فقد تعددت، فقد وجدنا فيها الزهد الاسلامي الاصيل القائم على التواضع في الملبس والمأكل والتزام تلاوة القرآن والخوف من عذاب الاخرة، ووجدنا في الكوفة الزهد المنبعث من عذاب الاخرة ، والزهد الاتي من الاحداث التي تناوبت عليها من قتل ذريع ومن خيانة ومن نصرة للباطل ومن حسرة على العجز عن رد الظلم. وسنرى أن الكوفة ستكون مثابة للبس الصوف في العالم الاسلامي كله وسيتبين لنا ان ذلك كان مقصوراً عليها، وكان تعبيراً عن معارضة سلبية، وفوق هذا كان في الكوفة أول من تسمى صوفياً وأول من قال بالولاية الصوفية (3).

يعلل الشيبي هذا السلوك ويربطه بما جرى في عصر الفتنة أبان الخليفة الثالث وثم تصارع معاوية بن أبي سفيان والامام علي بن ابي طالب وثورة الامام الحسين ونكص اهل الكوفة على عقبيهما، ومن ثم شعورهم بالندم الشديد ومحاسبة النفس، مما دفعهم إلى ذلك، ولكنهُ رغم ذلك يعد هذا الامر معارضة سلبية لأنهم لم ينصروا الحق وأهله آنذاك.

وتأسيساً على هذا العصر واعتماداً على أنموذج سعد بن أبي وقاص يرى الباحث السنغالي الاصل الفرنسي الجنسية سليمان بشير ديان ان المتصوفة كانوا انسحابيين من الحياة السياسية من جهة، وغير مدركين لتمامية وجود دولة اسلامية يوالونها أو يسعون دائماً لأقامتها من جهة اخرى!؟.

إذ يقول: يقف سعد بوصفه نموذجا مثاليا في عيون المسلمين لما يعنيه (القتال في سبيل الله بالأموال والانفس) خاصة الصوفيين منهم، عندما أصبح في نهاية حياته رمز التوجه الواضح الذي يقف أمام الدولة وجهاً لوجه. وخلال الفتنة والحروب الطاحنة التي شقت المجتمع المسلم، بدءاً من السنوات الاخيرة من حكم الخليفة الثالث عثمان (ت656م) إلى ان بلغت ذروتها في المعارك بين علي الخليفة الرابع، ومعاوية الذي تمرد عليه (بدءاً من عام 656م وحتى وفاة علي عام 661م) انسحب سعد بن أبي وقاص، ببساطة من المجال العام، رافضاً الانحياز وتأييد احد الطرفين في مسألة الخلافة السياسية - الدينية وعندما تم الضغط عليه ليفعل ذلك، نقل عنه انه قال : لن اشارك في القتال حتى تأتوني بسيف له عينان ولسان يقول هذا مؤمن وهذا كافر. يستدعي هذا الموقف ملاحظتين أثنتين، الأولى وثيقة الصلة بما يسمى الدولة الاسلامية، والثانية معنية بما يمكن تسميته بالنزعة الصوفية للانسحاب(4).

ثم يستمر ليقول: كان للطريقة التي انحسب بها سعد بن أبي وقاص من الميدان العام، حيث كان وجوده قد يعني الاجابة عن السؤال الصعب حول من يجب ان يكون الخليفة، إرث غني، وقد تبناها عدد من الفلاسفة والصوفيين ونظروا لها، وكان ابو نصر الفارابي (874-905م) الذي يمكن اعتباره مؤسس التراث الاسلامي للفلسفة السياسية المتجذرة في تعليمات أفلاطون احد هؤلاء، وتبعه في ذلك فيلسوف مثل ابن باجة (1085-1138م)، الذي اعتبر ان الدرس الرئيس الذي يمكن أخذه من فلسفة افلاطون هو أن: (المدينة الفاضلة) يوتوبيا مستحيلة، ولذلك فقد رفض مجرد فكرة تدخل (محب الحكمة Lover of Wisdom) في شؤون الدولة (5).

ان الباحث ديان هنا يمظهر مديات الانسحاب الصوفي من المجال السياسي ويجعله يأخذ منطقاً فلسفياً كذلك عاداً تجربة ابي وقاص انموذجاً متكرراً احتذى بهِ الفلاسفة والمتصوفة على حدٍ سواء، على اعتبار ان اليوتوبيا السياسية أمر مستحيل ومن ثم الانخراط في أي ممارسة سياسية هي أمرٌ عبثي، بل ليسهم في تلويث صاحبه واعاقته عن القيام بالعمل المثمر الخادم لشؤون المجتمع واعضائه.

ثم يستمر قائلاً: تقليد تقدير الانسحاب بالطريقة التي قام بها سعد بن أبي وقاص بوصفها رد فعل على حالة الشؤون العامة تم استحضارها كثيراً من فلاسفة حديثين، اعتبر محمد إقبال ان واحداً من الاسباب المبكرة لحالة التحجر التي وجد فيها الفكر الديني للإسلام نفسه بعد القرن الثالث عشر هو حقيقة أن أفضل العقول المسلمة انسحبت من حالة الوهن التي انتابت الشؤون العامة واختاروا مسار الانسحاب في تصور نيو- أفلاطوني يقدر الحياة التأميلة ''Viata Contempativa'' قبل كل شيء. يقول إقبال إن: الروح الغيبية الكلية في الصوفية المتأخرة حجبت رؤية الناس عن مفهوم مهم جداً في الاسلام كأدب اجتماعي، وبتقديمه امكانية التفكير المتحرر بجانبه التأملي، فقد جذب وأخيراً امتص أفضل العقول في الاسلام ولذلك، فقد تُركت الدولة المسلمة بشكل عام بأيدي متوسطي القدرة فكرياً، والاغلبية غير المفكرة في الاسلام، بلا شخصيات ذات معايير عليا لتقودهم، ووجدوا الامن فقط بالاتباع الاعمى للمدارس (6).

لا أعتقد ان اختيار شخصية مثل ابن ابي وقاص كان أمراً دقيقاً وملائماً بالنسبة لذلك العصر، وكان الاولى اختيار شخصية اكثر ورعاً وزهداً من قبل الاستاذ ديان، وكان جيل وعصر بن ابي وقاص يضم شخصيات مشهورة بالميل الصوفي والعرفاني الواضح امثال: عمار بن ياسر وابي ذر الغفاري وأضرابهم، إذ كان الانموذج هذا من كبار اصحاب الاقطاعيات والثروات بعد فتح العراق وعاش حياة ترف كبيرة (7).

ولربما كان الكاتب نفسه (ديان) لا يعرف الحق وأهله في ذلك العصر، فوجد ان ابي وقاص يمثل ذاته، أي انه اختاره، كأسقاط نفسي وذلك لعدم اتضاح الرؤية أمامه، ان انسحاب المتصوفة والكثير من الفلاسفة يرتبط بأمر جوهري لم يلتفت له (ديان) مطلقاً وهو (شرعية السلطة) هل كانت موجودة أم ان الحاكم والنظام هو منطق المغالبة المسند إلى (العصبية) بالمعنى الخلدوني؟ ان هذا الامر هو ما استشعره هؤلاء وليست مسألة علمانية الدولة آنذاك التي وجدوا فيها مبرراً للأنسحاب ولعدم نصرة طرف على آخر!؟.

ولعل محمد اقبال ادرك هذا الامر وزاد عليه ان الاسلام الطرقي هو الخطر الماحق لتجارب المتصوفة والعرفاء، لأن التنظيمات الصوفية أياً كانت (أخوانيات أو هياكل طرقية) أو نحو ذلك ستكون مبعثاً للبحث عن مصالحها المادية ومن ثم تدخل في هدنة مع الوضع السياسي القائم، وهذا ما جرى في المشرق والمغرب على مدى قرون إلّا حالات محدودة دخلت في صراع سياسي.

يقول الباحث بومدين بوزيد بهذا السياق: ظلت ظاهرة التحالف مع السلطة أو التمرد عليها ملازمة للطرقية الصوفية التي هي شبيهة ما ننعته اليوم بالإسلام السياسي، ولعل الصورة تتضح حين نعلم ان بعض الطرقيين كانوا مباركين للمستعمر الفرنسي، وهذا لا يطعن فيها كطريقة صوفية ولكن علينا ان ندرك التفاوت والاختلاف بين مرحلة وأخرى... (8).

وقد تزامنت مواقف بعض المتصوفة وأحكامهم الفقهية-الباطنية مع قيام بعض الانتفاضات وأستغلها المستعمر، كمنشور محمد الموسوم (3 فيفري 1883) الذي يحرم على أتباعه الثورة ويلغي من يتدخل في السياسة، كما استعمل الفرنسيون سمعة الشاذلية وطلبوا تأييدها في حربهم سنة 1914 فقد اصدر شيخ زاوية قصر البخاري فتوى مضمونها طاعة الفرنسيين لأنهم (أولو الامر) وهنا فسر أولي الامر بأنهم الحكام الفرنسيون، وقد كان اول الخارجين عن ثورة بوعمامة عام 1881 أتباع الزيانيين والتيجانية (9).

فلهذا كان المتصوفة والعرفاء الاوائل كأفراد هم أكثر مواجهة للأمر السياسي من التنظيمات أو الاسلام الطرقي، ولهذا الامر دلالة واضحة من جهة ان نفي المصالح بوجود الجماعة صعب بالنسبة للطرق ولزعمائها وليس لجميعها لأن بعضهم دخل في مواجهة مع المد الاستعماري كما نعلم أمثال (السنوسية) وغيرهم، هذا من جهة، ومن جهة اخرى فأن صلة تجربة الباطن بالنسبة للعارف مع عالم الظاهر (الدنيا وشؤونها) ستكون تجربة فردية ذوقية خاصة، لا تؤثر فيها الضغوط الحياتية التي ممكن مصادفتها في الطرق التي اصبحت مرتبطة اقتصادياً بحسب اتساع عدد أسر المريدين والذين لم تكتمل لديهم عملية السير والسلوك كما لدى كبار العرفاء، فلهذا كانوا يتأثرون سريعاً بالضغوط السياسية ويخضعون لها إلّا بعضا منهم وهم عدد ضئيل بطبيعة الحال.

ان المسألة معقدة للغاية، ولا يمكن اختزالها بسببين أو علتين وينتهي الامر، وذلك لأن الكثير من الامور متداخلة ضمن سياقات اجتماعية وسياسية واقتصادية فرضت نفسها على الكثير من الطرق الصوفية والعرفاء، ونحن هنا ليس بصدد الدفاع بقدر ما نبحث عن مشهدية سياسية متعددة الاوجه لممارسة العرفاء والمتصوفة في عصور متفاوتة.

في قبالة ذلك كله نجد ان هنالك دولة أو سلطة روحية تسيّر شؤونهم ان كان ضمن مديات علاقة العرفاء ببعضهم البعض أو من خلال علاقة المريدين المخلصين بوليهم أو شيخهم الروحي (شيخ الطريقة) ولقد تحدث الباحث حسن محمد الشرقاوي عن هذا الامر والذي أطلق عن عالم السياسة الباطنية هذا ومتعلقاته اسم (الحكومة الباطنية).

إذ قال لهؤلاء الصالحين، دولة وحكومة، ونظام رئاسة، وطاعة واخلاص، واحكام، واتصالات، ومجالس واجتماعات، وأوامر وتعليمات، وسلطات واختصاصات، وليس كما نراها في الحكومات المدنية، أو في القوانين الوضعية، أو في الدساتير والقواعد القانونية، وانما دستورهم لم يضعه من البشر أحد، وقانونهم لم يضعه احد من الناس، وانما خصهُ رب الناس، وخالق الموجودات، الحق تعالى إله العباد (10).

والاولياء يتصل بعضهم ببعض عن طريق المبشرات، وهي رؤى يراها المؤمن فتتحقق له، ويتقابلون بطريق التوجه رغم بعد الزمان والمكان ويلهمون الهاماً بالمغيبات، وحلول المشكلات، ودولتهم تقوم على مصادر ثلاثة: الرؤيا، والطاعة، والاخلاص،...، ويتأكد للدولة الباطنية وجودها بما يفيض الله على اعضائها من كشوفات وانتصارات وفتوحات، وفيوضات، وما يمن عليهم من نعم، ومنن وعطايا ومشاهدات، وتجليات، وما يتولاهم الله برعايته من رحمات، فيفتح عليهم، فيصبحون في عباده المخلصين، إذا قالوا صدقوا، وإذا وعدوا انجزوا، لهم فراسات وتوسمات ، ورؤى وكرامات، وحكم ومعارف ،وعلوم اشراقية عجز عنها الوصف ويقف امامها العقل حائراً (11).

بطبيعة الحال ان الحديث هنا عن حكومة روحية خاصة لا تسري سلطاتها الروحية على افراد المجتمع كافة، إذ هي مخصوصة بأبناء الطرق الصوفية وجملة العرفاء الموجودين، ولكن السؤال المحوري الذي يطرح هنا هو: هل لهذهِ الحكومة الباطنية تأثير على الدولة وسلطتها السياسية وسائر المؤسسات المرتبطة بها؟: وهل هؤلاء اعضاء هذهِ الحكومة الباطنية لهم أدوار أو وظائف سياسية، ومن ثم لديهم مواقف سياسية واضحة؟.

لا يمكن ان يكون لها اثر سياسي أو نشاط سياسي مباشر وواضح ولكن انعزالها وانسحابها عن المشهد السياسي بالضرورة سيكون ذا صيغة معارضة بطبيعة الحال، ولعل السلطات السياسية في الكثير من البلاد تسعى إلى ارضائها، لما لها من دور كبير في العملية الانتخابية كما في مصر والمغرب والجزائر على وجه الخصوص، ومن ثم فإن دورهم سلبي بنحوٍ ما، ولكن احدى ايجابياتهم هي ترشيد سلوك اعضائها أو مريديها الذين ينتشرون بين المدن والارياف بنحوٍ كبير، ولعل السلبية السياسية هي الطاغية عليهم عموماً.

ولكن المعوّل دائماً منذُ القرن الثالث الهجري إلى القرن المعاصر على العرفاء المتفرقين هنا وهناك في العالم الاسلامي، وهذا الامر هو الذي أشار اليه وأكده العارف الاكبر الشيخ محي الدين بن عربي، من خلال حديثه الدائم عن الولاية المطلقة لـ(الولي) العارف. وهذا ما فصلَ في وظائفه ومن جملته الوظائف السياسية في كتابه المبرّز في هذا الشأن (التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية) والذي يقابل فيه بين العوالم المادية والاجتماعية والباطنية، وقال عنه ابن العربي واصفاً: وهو مشتمل على مقدمة وتمهيد وأحدٍ وعشرين باباً من دقائق التوحيد في تدبير الملك الذي لا يبيد على الترتيب الحكمي والنظام الالهي، وجاء غريباً في شأنه ممزوجاً رمزه ببيانه، يقرأه الخاص والعام ومن كان في الحضيض الاوهد ومستوى الجلال والاكرام. (قد علم كل اناس مشربهم) ففيه للخواص اشارة لائحة وللعوام طريقة واضحة، وهو لباب التصوف، وسبيل التعرف بحضرة الترؤف والتعطف، يلهج به الواصل والسالك، ويأخذ منه حظه منه المملوك والمالك، يُعرب عن حقيقة الانسان وعُلو منصبه على سائر الحيوان، وانه مختصر من العالم المحيط مركب من كثيف وبسيط لم يبق في الأماكن شيء إلّا أودع فيه اول منشئه ومبانيه، حتى برز على غاية الكمال وظهر في البرازخ بين الجلال والجمال (12).

وهو يقابل بين الممالك الثلاث عالم الافلاك والاجرام وعالم الطبيعة (النبات والحيوان) وعالم الانسان كيما يصل بين تداخلهن وتمازجهن وتشابهن، ولكنه يولي لعالم الانسان أو المملكة الانسانية الحصة الاوفر لمقام الانسان (خليفة الله) وهنا تظهر ملامح الرؤية السياسية لديه والتي تتمظهر بحسب المنطق العرفاني والعالم الباطني للإنسان الكامل أو الساعي للكمال ضمن كافة شؤونه ومن ضمنها (الشأن السياسي) الذي لا يغيب عن أبن عربي.

إذ يقول: ولما أردنا ان نأخذ في مقابلة النسختين العالم الاكبر والاصغر على الاطلاق في جميع الاسرار العامة والخاصة، رأينا ان ذلك يطول وغرضنا من العلوم ما يوصل إلى النجاة في الآخرة، إذ الدنيا فانية داثرة، فعدلنا إلى امرٍ يكون فيه النجاة ويتمشى معهُ المراد الذي بنينا عليه كتابنا وهو: أنا نظرنا الانسان فوجدناه مكلفاً مسخراً بين وعدٍ ووعيدٍ، فسعينا في نجاته مما توعد بهِ وتخليصه لما وعد الله فأضطرنا الحال في اقامة القسطاس عليه من العالم الاكبر، فقلنا: أين ظهرت الحكمة من الخطاب والوعد والوعيد من العالم الاكبر؟ فرأنيا ذلك في حضرة الامر والنهي وحضرة الامامة ومقر الخلافة، فوجدنا الخليفة شاهداً، فيه ظهرت الحكمة وأثر الاسماء وعلى يديه تنفعل أكثر المكونات المخلوقة للباري تعالى. فتقصينا الاثر وأمعنا النظر في حظ الانسان من هذه الحضرة الامامية، فوجدنا في الانسان خليفة ووزيراً وقاضياً وكاتباً، وقابض خراجٍ وجبايات، وأعواناً ومقابلة اعداء، وقتلاً وأسراً  إلى إمثال هذا مما يليق بحضرة الخلافة التي هي محل الارث، وفي الانبياء انتشرت راياتها ولاحت علامتها، وأذعن الكل لسلطانها (13).

هي مقابلة تامة بين الدولة بالمعنى الخاص بأدواتها أو مؤسساتها باختلاف العصور وبين الانسان الحاوي لذات تلك الادوات، فالخليفة عنده هو الروح، والذي يضع لها واجبات ومشاغل خاصة، والوزير عنده هو العقل، والقاضي هو العدل، وهكذا يستمر ابن العربي في بيان معالم تلك الدولة أو الحكومة الباطنية التي تقابل عالم الظاهر والحس في الدنيا، وما مراده إلّا ليبين ان اصلاح الباطن كفيل بأصلاح الظاهر والتي في مقدمتها ( السلطة) ومؤسساتها الراعية لها، ونحيل القارئ إلى الكتاب للمراجعة والبحث عن المماثلة والمطابقة بين ما قاله ابن العربي وبين الدولة في صيغتها الواقعية.

لعل أحدهم يتساءل: هل ان المتصوفة مشغولون ومنهمون بمدوناتهم بحكومة الباطن اكثر من حكومة الظاهر؟ ام ان للأمر وجهة نظر أخرى؟ او توجد مواقف اخرى عن مواجهة العرفاء أو التصدي للشؤون السياسية وتحولاتها ان كانت لحاكم من أبناء البلد أو كان غازياً؟ بطبيعة الحال نحن نوهنا عن ألوان وصيغ التعاطي مع الشأن السياسي وعلى عدة مراحل تاريخية متباينة، ولعلنا سنجعل من سيرة ومواقف وتنظيرات العارف التركي سعيد النورسي (1877-1960) الملقب بـ(بديع الزمان) خير انموذج واجه أعتى وأبشع اشكال إنهاء الحياة الروحية واقصاء الدين عن الدولة والمجتمع إلّا وهي سياسات (العلمنة) التي أعتمدها كمال أتاتورك وأسلافه (  1881-1938 )، لأجل الوقوف عن معاني ودلالات (عرفان سياسي) مارسهُ الاستاذ النورسي إلى ساعة رحيله، وهو يتحدى ويقارع تلك السياسات التي أستدعت منهُ نهضة روحية بثها في مشروعه الفكري والروحي والاخلاقي (رسائل النور).

لعل في حدود المواجهة المباشرة كان النورسي ضد علمنة الدولة العثمانية بعد سقوط الخلافة وتولي أتاتورك الحكم كرئيس جمهورية، ولكن في حقيقة الامر ان المواجهة التي أقامها النورسي ازاء العلمانية كانت تنتمي إلى حدود وفضاءات أوسع لأنه جعل من مركزية القرآن الكريم مواجهة للمركزية الغربية وفي شتى القضايا، وهذا الامر ظل يعمل عليه إلى حين وفاته، وهذا ما أكدته (رسائل النور).

وذلك أنه لجدير بالاهمية والتأمل، ان مؤلف رسائل النور قد حدث له انقلاب مهم في حوالي سنة 1899م (1316ه) إذ كان يهعتم بالعلوم المتنوعة إلى هذا التاريخ لأجل استيعاب العلوم والاستنارة بها، أما بعده فقد علم من الوالي المرحوم (طاهر باشا) ان أوروبا تحيك مؤامرة خبيثة حول القرآن الكريم، إذ سمع منهُ ان وزير المستعمرات البريطاني قد قال: (ما دام هذا القرآن بيد المسلمين فلن نحكمهم حكماً حقيقياً، فلنسع إلى نزعه منهم)، فثارت ثائرته واحتد وغضب... وغير اهتمامه من جراء هذا الانقلاب الفكري فيه... جاعلاً جميع العلوم المتنوعة المخزونة في ذهنه مدارج للوصول إلى ادراك معاني القرآن الكريم واثبات حقائقه، ولم يعرف بعد ذلك سوى القرآن هدفاً لعلمه وغاية لحياته، واصبحت المعجزة المعنوية للقرآن الكريم دليلاً ومرشداً واستاذاً له حتى انه اعلن لمن حوله: (لأبرهنن للعالم بأن القرآن شمس معنوية لا يخبو سناها ولا يمكن اطفاء نورها) (14).

والنشاط السياسي للنورسي مر بأطوار مختلفة ينبغي الاشارة اليها، لأنها تبين لنا كيف تحول من رجل كان على المحك بالشؤون السياسية بنحوٍ مباشر، وكيف تحول النشاط السياسي لديه عبر انتقاله الى (العرفان السياسي) وبطريقة مغايرة ولما أسماه هو في مذكراته بين (سعيد القديم) و(سعيد الجديد)، ولهذا الامر مغزى جوهري من جهة أن تركيزه على القرآن الكريم وتلمذة اتباعه في اجواء الفهم الجديد للقرآن أو استخراج جواهره المتنوعة، استدعى منه فهماً جديداً لمعنى ان يكون مواجهاً السلطات آنذاك.

مرحلة (سعيد القديم) تبدأ من السنوات المبكرة لشبابه حتى نفيه إلى (بارلا) سنة (1926م) وخلال هذهِ المرحلة حاول النورسي خدمة الاسلام عبر الانخراط في الحياة السياسية ومحاولة التأثير فيها، وعبر دعوته للإصلاح السياسي والتعليمي في عهد السلطان عبد الحميد، والقائه الخطب في الجوامع والساحات، ونشره للمقالات السياسية العنيفة في جريدة (وولقان) ومحاولته استمالة رجال الاتحاد والترقي وتسخيرهم لخدمة الاسلام، وتصديه للتيارات المُعادية للدين(15).

فلقد كان ينظر بعين الريبة والشك في رجال الاتحاد والترقي وكان يتهمهم بالتغريب وسحق الهوية الاسلامية، وهذا ما عبرت عنه مواقفه ابان أعلان المشروطية التي أيد دلالاتها وأهميتها في ادارة الدولة، ولكن كان يخشى من سطوة الحرية المنفلتة، التي يتزعمها رجال الاتحاد والترقي، ولهذا قال: ان اصحاب الافكار الفاسدة يريدون الاستبداد والمظالم تحت شعار الحرية، فلأجل إلّا نشاهد مرة اخرى تلك الاستبدادات التي دفنت في حفر الماضي ولا تلك المظالم التي جرت في سيل الزمان،...، إن هذا الانقلاب لو أعطى الحرية التي ولدّها لأحضان الشورى الشرعية لتربيها فتُبعث أمجاد الماضي لهذهِ الامة قوية حاكمة، بينما لو صادفت تلك الحرية الاغراض الشخصية، فستنقلب إلى استبداد مطلق، فتموت تلك المولودة في مهدها، يا أبناء الوطن، لا تفسروا الحرية تفسيراً سيئاً، كي لا تفلت من أيديكم، ولا تخنقونا بسقي الاستعباد السابق الفاسد في إناء آخر. وذلك لأن الحرية إنما تزدهر بمراعاة الاحكام الشرعية وآدابها والتخلق بالأخلاق الفاضلة(16).

والمركزية الغربية لا تغيب ناظريه حتى لو كان الشأن داخليا وخاصا للغاية، إذ ينوه عنها قائلاً: ان اوروبا تظن ان الشريعة هي التي تمد الاستبداد بالقوة وتعينه، حاش وكلا.. ان الجهل والتعصب المتفشيين فينا قد ساعدا أوروبا لتحمل ظناً خاطئاً من أن الشريعة تعني الاستبداد، لذا تألمتُ كثيراً من أعماق قلبي على ظنهم السيء هذا بالشريعة.... (17).

النورسي بعد ذلك اتخذ موقفا مغايرا من السياسة، ولعل الامر يبدو كمفارقة للوهلة الاولى، ولكن من يتمعن يدرك ان ممارسة الموقف من السياسة والسياسيين بطريقة جديدة نلاحظها بوضوح شديد بعد مجيء أتاتورك لسدة الحكم، ولعل هذهِ المفارقة تظهر لمن يرى جوابه عن السؤال الآتي: لم انسحبت من ميدان السياسة ولا تتقرب إليها قط؟ قال مجيباً: لقد خاض سعيد القديم غمار السياسة ما يقارب عشر سنوات علّه يخدم الدين والعلم عن طريقها، فذهبت محاولته ادراج الرياح، إذ رأى ان تلك الطريق ذات مشاكل، ومشكوك فيها، وان التدخل فيها فضول- بالنسبة إليَّ، فهي تحول بيني وبين القيام بأهم واجب، وهي ذات خطورة، وأن أغلبها خداع واكاذيب. وهناك احتمال ان يكون الشخص آلة بيد الاجنبي دون ان يشعر، وكذا فالذي يخوض غمار السياسة إما ان يكون موافقاً لسياسة الدولة أو معارضاً لها، فإن كنت موافقاً فالتدخل فيها بالنسبة إليّ فضول ولا يغنيني بشيء، حيث إنني لست موظفاً في الدولة ولا نائباً في برلمانها، فلا معنى -عندئذٍ- لممارستي الأمور السياسية وهم ليسوا بحاجة إليّ لأتدخل فيها، وإذا دخلت ضمن المعارضة أو السياسة المخالفة للدولة، فلابد ان أتدخل إما عن طريق الفكر أو عن طريق القوة، فإن كان التدخل فكرياً فليس هنالك حاجة إليَّ أيضاً، لأن الأمور واضحة جداً، والجميع يعرفون المسائل مثلي، فلا داعي إلى الثرثرة. وان كان التدخل بالقوة، أي بأن أظهر المعارضة بإحداث المشاكل لأجل الوصول إلى هدف مشكوك فيه، فهناك احتمال الولوج في آلاف من الآثام والأوزار، حيث يُبتلى الكثيرون بجريرة شخص واحد، فلا يرضى وجداني الولوج في الآثام وإلقاء الأبرياء فيها بناء على احتمال أو احتمالين من بين عشرة احتمالات، لأجل هذا فقد ترك سعيد القديم السياسة ومجالسها الدنيوية وقراءة الجرائد... (18).

ان الهاجس الدائم عند النورسي ليس اسقاط النظام السياسي، بل كل اعماله قبل موقفه انف الذكر وبعده، انما يقوم على ضرورة الاصلاح الدائم وبذل النصح، لكنه كان يدرك ببصريته الثاقبة ان المعارضة المسلحة وتغيير النظام بالقوة يقود إلى الفوضى وأسالة الدماء، وهذا ما رفضه بشكل قاطع، ولهذا لم يشارك بالثورة التي تزعمها سعيد بيران 13/2/1925(19)، فعرفانهُ السياسي كان يدور في فلك اصلاح الباطن كمقدمة لأصلاح الظاهر عبر انشاء واعداد جيل كامل تحت تربيته على المعاني الكلية في القرآن الكريم.

ان التحولات الهائلة التي حدثت بعد انهاء الخلافة وتأسيس الجمهورية التركية الحديثة، دفعت النورسي إلى اتخاذ مواقف سياسية متعددة، لاسيما بعد القرارات التي أقصت الدين من الدولة والمجتمع على حدٍ سواء، إذ قام أتاتورك إلى حين وفاته عام 1938 بكل ما ملكت يداه وما من شأنه انهاء الحضور الاسلامي في مختلف مجالات الحياة، ألغى الخلافة والمحاكم الشرعية، وعدل الدستور لإلغاء الدين من نصوصه، وحظر نشاط كل الفرق والطرق الدينية، وقام بتغييرات تطمس حتى بعض المظاهر الدالّة على ماضي إسلامي، مثل إلغاء الطربوش والحجاب، والابجدية العربية، والتقويم الهجري، وعطلة يوم الجمعة... مقراً، بدلاً منها، مظاهر غربية مثل: القبعة والحرف اللاتيني والتقويم الميلادي والتعطيل يومي السبت والاحد، ومضى أتاتورك أبعد من ذلك عندما فرض مبدأ العلمانية في الدستور وانشأ مؤسسات تابعة للدولة تشرف على الشؤون الدينية و(تضبط) حركة الائمة والوعاظ الذين تحولوا موظفين عند الدولة، كما ألغى الدروس الدينية من المدارس بموجب قانون (توحيد التدريس) أي بأختصار، وضع أتاتورك تركيا على سكة (العلمنة والتغريب) (20).

بوجهٍ عام حاربت السلطة الجديدة الدين، وطال اضطهادها كل من رأت منه عدم الامتثال لها، فأعدمت عدداً كبيراً من علماء الاسلام، وأصدرت بحقهم قانون الخيانة الوطنية، وهو القانون نفسه الذي تم بموجبه اعدام (الشيخ سعيد بيران) وسجنت أربعين عالماً من أصحابه بحجة قيامهم بحركة مقاومة كردية مدعومة من قبل الانجليز، على حين كانت في حقيقتها حركة إسلامية ضد النظام العلماني، كما أُعدم كثيرون غيرهم، وسجن وعذب آخر في محاكم الاستقلال التي أنشئت لتصفية الخصوم(21).

ان الاستبداد السياسي العلماني الجديد ذو القبضة الحديدة والعنيفة فرض على الاستاذ النورسي ممارسة تقية سياسية لأجل تمرير خطابه الروحي والنقدي ضمن سياقات خاصة، إذ بعد فشل ثورة الشيخ بيران اتهم النورسي بدعمها مما دفع السلطات إلى نفيه إلى قرية نائية في غربي الاناضول من أعمال (إسبارطة) أسمها (بارلا)، وكان تحت المراقبة الدائمة والمستمر’، وكما قال كاتب السيرة :كانت عيون السلطة تترصد الاستاذ وتراقب حركاته وسكناته لذا كان الاهالي يتجنبون الاقتراب منه والتحدث إليه، فكان يقضي اكثر قوته في البيت أو يخرج في فصلي الربيع والصيف إلى جبل وجام، ويختلي هناك بنفسه في قمة الجبل وبين الاشجار متأملاً ومتعبداً(22).

ولكن رويداً رويداً بدأت الناس تتجمع حوله بعدما بنى مسجداً في هذهِ القرية وبدأ في مشروعه العاكف على تجريد فهم آيات القرآن واستخراج المعاني والدلالات الكونية والروحية والاخلاقية والاجتماعية منها، وعن ذلك الامر قال النورسي: أخذتني الاقدار نفياً من مدينة إلى اخرى... وفي هذهِ الاثناء تولدت من صميم قلبي معانٍ جليلة نابعة من فيوضات القرآن الكريم... أمليتها على من حولي من الاشخاص، تلك الرسائل التي أطلقت عليها اسم (رسائل النور) إنها انبعثت حقاً من نور القرآن الكريم لذا نبع هذا الاسم من صميم وجداني، فأنا على قناعة تامة ويقين جازم بأن هذهِ الرسائل ليست مما مضغته أفكاري وانما هي إلهام إلهي (23).

ولكن هذهِ الرسائل لا يمكن ان تستمر دون هذهِ التقية السياسية التي مارسها الاستاذ وعبّر عنها بمبادئ معينة قائلاً: في زمن عجيب كزماننا هذا، لا بد من تطبيق خمسة أسس ثابتة، حتى يمكن انقاذ البلاد وانقاذ الحياة الاجتماعية بأبنائها من الفوضى والانقسام، وهذه المبادئ هي: 1- الاحترام المتبادل 2- الشفقة والرحمة

3- الابتعاد عن الحرام  4-الحفاظ على الامن 5- نبذ الفوضى والغوغائية، والدخدول في الطاعة (24).

وهو كان يتوخى نشر فكره وكسب الاتباع والمريدين عبر هذه الرسائل التي لا يمكن نشرها على نطاق واسع من دون الاعتماد على هذهِ المبادئ، ولهذا قال: والدليل على ان رسائل النور في نظرتها إلى الحياة الاجتماعية قد ظلت تُبث وتُحكم هذهِ الأسس الخمسة وتحترمها احتراماً جاداً محافظة بذلك على الحجر الاساس لأمن البلاد، وهو ان رسائل النور قد استطاعت في مدى عشرين عاماً ان تجعل اكثر من مائة الف رجل اعضاء نافعين للبلاد والعباد دون ان يتأذى أو يتضرر بهم احد من الناس، ولعل محافظتي إسبارطة وقسطموني خير شاهد وأبرز دليل على صدق ما نقول (25).

من يتمعن جيداً برسائل النور وبجملة المواضيع التي غطتها منذُ انطلاقها واهتمام الناس بها ومن كل الفئات والطبقات، انما يؤكد لنا ان الاستاذ النورسي أراد لتلك الرسائل ان تعبر عن مضامين القرآن الكريم المتعددة والتي تغطي كافة شؤون الحياة والوجود بشكلٍ عام كيما تكون هي (المعادل الموضوعي) لسياسات العلمنة وثقافتها التي ابتلعت كل جوانب الحياة آنذاك في تركيا.

ولعل الامر اللافت للنظر هنا أن علمنة الدولة التركية أسست جيلا واسعا من الشباب اللادينيين الذين كانوا يناصبون الاستاذ النورسي العداء، قبالة جيل روحي/ أخلاقي عمل الاستاذ على أعداده وتهذيبه، ولهذا كانت هنالك حرب مجتمعية خفية بني هذين الجيلين، جيل (العلمنة) وجيل (رسائل النور).

ولهذا قدم الجيل العلماني ومن خلفه السلطات السياسية والامنية المراقبة لنشاطات الاستاذ وجليه (القرآني الجديد) تهمة تشكيل جمعية سرية، والقيام بأعمال ضد النظام الحاكم وما يهدم أسسه... وأمثالها من التهم. وعلى إثر هذا أخذ الاستاذ النورسي وطلابه في 25/4/1935 وسيقوا مكبلي الايدي إلى (أسكي شهر) لمحاكمتهم، وكانت هنالك خشية من السلطات لحدوث ثورة واسعة فلهذا كانت الاجهزة الامنية وبرئاسة رئيس الوزراء آنذاك (عصمت إينونو) تراقب خطورة الموقف(26).

وهكذا اقتيد الاستاذ النورسي ومائة وعشرون من طلابه إلى سجن أسكي شهر ووضعوا في السجن الانفرادي والتجريد المطلق، وبدأت عمليات التعذيب الرهيب تنهال عليهم، لكن الاستاذ رغم الظروف الشاقة استمر في الارشاد والتوجيه، فتحول كثير من المسجونين إلى ذوي صلاح وتقوى (27).

لاشك في ان النورسي قد وجه جزءاً كبيراً من عنايته إلى مسألة (التربية الروحية) أو بالأحرى (التزكية)، كيف لا؟ وهي مفتاح الفهم لكل عملية تربوية تتغيا اخراج جيل قرآني رباني يُساهم من خلال (العمل الايجابي البناء) في خلافة الارض وعمارتها، والقيام بمسؤوليات الأمانة الملقاة على عاتقه بحكم اختياره وحمله لها (28)، وانطلاقات من القرآن الكريم الذي حث في الكثير من آياته على ضرورة التزكية، واتساقا مع تركيز النورسي على الجانب العملي في التربية الروحية، أكد بديع الزمان ان الطرائق إلى الخالق عز وجل كثيرة ومتعددة، لكن مردّها جميعاً إلى القرآن الكريم(29).

وبعد ان قضى مدة محكوميته في سجن (أسكي شهر) تم نفيه إلى مدينة قسطموني وقد بقي فيها ثماني سنوات، وهو يكتب رسائل النور ويرشد المجتمع، ويستمر في تهذيب الافراد آنذاك كيما ينظموا إلى الجيل القرآني/النوراني الذي عكف على تهذيبه قبالة جيل اللادينيين، ثم يستمر مسلسل الاتهامات له ولتلاميذه واتباعه بأنهم يألفون (جمعية سرية) تحرض الشعب على الحكومة العلمانية، ومحاولة قلب نظام الحكم، ثم تسمية مصطفى اتاتورك بـ(الدجال و(السفياني)(30).

ولقد حاولوا مراراً وتكراراً تسميم طعامه، ولكن بعض تلاميذه ينقذوه ويستمر النفي تلو النفي والسجن تلو السجن، تحت دعاوى الاتهام ذاتها التي تتكرر، وما خشيتهم منه ومن رسائل النور ومن تلاميذه، إلّا لأنهم جيل قرآني يمارس العرفان السياسي بنحوٍ من التقية المكثفة تحت مظلة نشر معارف القرآن الكريم المتعددة.

ما نريد ان نختم بهِ هو القول بأن الاستاذ النورسي على سيرة الاولياء والعرفاء وفي مقدمتهم أبن العربي، ذهبَ نحو أن اصلاح الباطن مقدمة جوهرية لا مهرب منها لإصلاح الظاهر، فإصلاح الدولة لا يتم من دون أفراد صالحين يقودون هذا الامر ويولونه اهميته، ومن دون هذهِ المعادلة لا طائل من الاندكاك بالعمل السياسي.

 

جعفر نجم نصر

.......................

المراجع:

(1) هادي العلوي، مدارات صوفية: تراث الثورة المشاعية في الشرق، دار المدى للثقافة والنشر، دمشق - بغداد، ط2، 2007، ص49.

(2) ينظر: علي سامي النشار، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، الجزء الثاني، دار المعارف، القاهرة، ط7، 1977، ص63-65.

(3) كامل مصطفى الشيبي، الصلة بين التصوف والتشيع، الجزء الاول، منشورات الجمل-بيروت-بغداد، 2011، ص280.

(4) سليمان بشير ديان، الصوفي والدولة، مقالة في كتاب: ما وراء الغرب العلماني، تحرير: عقيل بلغرامي، ت: عبيدة عامر، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، ط1، 2018، ص41-42.

(5) المصدر نفسه، ص47-48.

(6) المصدر نفسه،ص50_51.

(7)لتفاصيل أكثر ينظر: خليل عبد الكريم، شدد الربابة بأحوال مجتمع الصحابة، دار مصر المحروسة، القاهرة، ط1، 2011، ص328 وص334.

 

(8) بومدين بوزيد، التصوف والسلطة: جدل المقاومة والسلم ورمزية صاحب الوقت، دائرة الامة، الجزائر، 2012، ص85.

(9) المصدر نفسه، ص87.

(10) حسن محمد الشرقاوي، الحكومة الباطنية، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، ط1، 1992، ص20.

(11)المصدر نفسه،ص20.

(12) محي الدين بن العربي، التدبيرات الإلهية في اصلاح المملكة الانسانية، دراسة وتحقيق وتعليق: د. محمد عبد الحي العدلوني الادريسي الحسني، دار الثقافة للنشر والتوزيع، الجزائر، ط1، 2015، ص70.

(13) المصدر نفسه، ص77.

(14) بديع الزمان سعيد النورسي، كليات رسائل النور، سيرة ذاتية (المجلد 9)، اعداد وترجمة: إحسان قاسم الصالحي، دار سوزلر، القاهرة، ط6، 2011، ص88-89.

(15) ابراهيم سليم ابو حليوه، بديع الزمان النورسي وتحديات عصره، مركز الحضارة لتنمية الفكر الاسلامي، بيروت، ط1، 2010، ص30.

(16) بديع الزمان سعيد النورسي، المصدر نفسه، ص105-106.

(17) المصدر السابق نفسه، ص107.

(18) المصدر نفسه، ً241.

(19) ينظر تفاصيل اكثر: المصدر نفسه، ص243.

(20) محمد نور الدين، قبعة وعمامة: مدخل إلى الحركات الاسلامية في تركيا، دار النهار للنشر، بيروت، ط1، 1997، ص20.

(21) إبراهيم سليم ابو حليوه، بديع الزمان النورسي، مصدر سابق، ص65.

(22) بديع الزمان النورسي، سيرة ذاتية، مصدر سابق، ص259.

(23) المصدر نفسه، ص277.

(24) بديع الزمان النورسي، كليات رسائل النور، الشعاعات، المجلد (4)، مصدر سباق، ص384.

(25) المصدر نفسه، ص384-385.

(26) ينظر: بديع الزمان النورسي، سيرة ذاتية، مصدر سابق، ص295-296.

(27) المصدر نفسه، ص296.

(28) محمد حلمي عبد الوهاب، التصوف في سياق النهضة: من محمد عبده إلى سعيد النورسي، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط1، 2018، ص145.

(29) المصدر نفسه، ص146.

(30) بديع الزمان النورسي،سيرة ذاتية ،مصدر سابق، ص375.

 

 

محمد بنيعيش1- بعدما بهت الذين كفروا أمام الذي رأوا في الصحيفة الظالمة من خلال تحقق معجزة الرسول سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، والتي كانت ذات قوة مضاعفة جمعت بين الصور المادية المتمثلة في انتقاء الحق من الباطل، كما ارتقت على كل العقول والتخمينات البشرية العادية إخبارا بالغيب كمعجزة معرفية وعلمية.

فقد لجأ الكفار، عوضا عن أن يسلموا ويستسلموا، إلى مضاعفة العناد والزيادة في نسبة ومقادير العداء للدعوة وصاحبها وأتباعه .

وفي هذه المرحلة سيتصاعد البلاء على أشده وعلى عدة مستويات، يمكن أن نستعرض بعض أوجهه مما قد لا تستطيع الجبال تحمله.بحيث هنا ستتداخل المراحل والأماكن والطموحات والآمال مصطدمة مع الإحباطات وخيبة الرجاء حتى قد بلغت القلوب الحناجر وترددت النفوس بين خيار البقاء أو الرحيل والإقامة أو الهجرة...

فكان عثمان بن مظعون السابق ذكره من بين الذين امتحنوا بعدما فرج الله عنهم ووجدوا السعة في أرض الحبشة حتى عادوا إلى مكة، متفائلين بالنصر والتمكين لمعطيات وأخبار وصلتهم ببصيص الفرج كان من بينها إسلام عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

بحيث قد اصطدم بالواقع الذي ليس له دافع، فوقع من جديد في الحصار من غير حصار الشعب وتم التنكيل به ومن معه من الصحابة الكرام الذين سلكوا نفس مسلكه في اختيار الجوار المقدس جوار الله العزيز الحميد.

أما بالنسبة إلى رسول الله (ص) وهو أشد الناس بلاء فلقد كان على موعد مع القدر في ابتلائه، وهو كأشد ما يكون من وسيلة لامتحان القلوب وصقلها على التسليم وتقبل ما يلائم وما لا يلائم بحسب علو المقام، كما أن فيه سبرا لصدق التوكل وحسن الظن بالله تعالى، وأنه لا يقدر للعبد إلا ما فيه سر عبوديته وحقيقتها، وسر شكره وحمده حيث لا يحمد على مكروه سواه .

وكيف لا يكون البلاء بهذا المستوى وهذا الصنف والرسول (ص) سيد الموحدين وهو سيد الخلق والرسل وهو أول العابدين في قبول امتحان سيده.

فلقد جاء القدر مباشرة، بعد معاناة الحصار والتطلع إلى الفرج و نسيان الأضرار والركون إلى تدارك الأنفاس وبسط الاستبشار، مختطفا أهم سند قومي ومدافع عصبي له (ص) وذلك بوفاة عمه أبي طالب، ثم بعده بزمن قليل، لا يتجاوز الأيام على عد الأصابع، زوجته وسنده العاطفي والمعنوي والمادي سيدة الصديقات في تاريخ أزواج الأنبياء والرسل من أولي العزم، أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها، كما عبر عن ذلك ابن كثير في وصف ذوقي جميل إثر الحديث عن وفاة أبي طالب:"ثم من بعده خديجة بنت خويلد زوجة رسول الله (ص) ورضي الله عنها .وقيل :بل هي توفيت قبله والمشهور الأول .

وهذان المشفقان :هذا في الظاهر، وهذا في الباطن .هذا كافر، وهذه مؤمنة صديقة ر ضي الله عنها وأرضاها.

2- قال ابن إسحق:ثم إن خديجة وأبا طالب هلكا في عام واحد.

فتتابعت على رسول الله (ص) المصائب بهُلْك خديجة وكانت له وزير صدق على الابتلاء يسكن إليها، و بهُلْك عمه أبي طالب، وكان له عضدا وحرزا في أمره ومنعة وناصرا على قومه وذلك قبل مهاجره إلى المدينة بثلاث سنين "1 .

فعبارة هذا في الظاهر بالنسبة إلى أبي طالب وهذا في الباطن بالنسبة إلى السيدة خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها مع التمييز بين العقيدتين لدى كل من أبي طالب والسيدة خديجة رضي الله عنها لهو وعي دقيق وشفافية روحية في ملامسة الموضوع وطبيعة المرحلة ذات الارتباط بوجدان النبي (ص) .

إذ أبو طالب قد كان يمثل عصبية بالنسبة إليه (ص) وهي مع ما لازمتها من مؤازرة وثبات موقف وعدم تخلي عند الشدائد ستكون بلسما ودعامة معنوية على المستوى النفسي باعتبار بشريته (ص) وطبيعتها المحتاجة إلى المساندة المجتمعية، ابتداء من الأسرة والقرابة وانتهاء بالعشيرة والقبيلة أو الوطن...

فكان حينذاك رائد هذا الموقف هو أبو طالب بلا منازع، لما له من صفة قد تعوض عن مقام الأبوة بل هي نفسها ولكن في صورتها الفرعية المعاضدة بالعصبية وتبادل الحقوق والواجبات الأبوية والبنوة والتوارث ماديا ومعنويا.

ومما زاد في حزن النبي (ص) على عمه أبي طالب وأسفه ليس فقط لأنه مات وافتقد مساندته، لأنه يعلم يقينا وشهودا أنه منصور بإذن الله تعالى ولن يطاله من الكفار إلا ما أذن الله فيه كترقية وزيادة مقام له، ولكنه وهذا هو الأدعى إلى الحزن والشفقة والأسى أن عمه هذا قد مات على كفر ولم يعلن عقيدته وتصديقه لرسالة ابن أخيه، وهي نهاية كانت أصعب على نفس النبي (ص) من الموت نفسه.بحيث سيكون في الغالب قد اعتراه تأسف على سلبية المصير وسوئه الذي آل إليه أبو طالب بالرغم من مساندته له ونصرته كأعمال جليلة تحتسب له في دائرة الناجين .كما أن الموت على هذه الحالة وبحضرة صناديد قريش قد فتح فرصة ثمينة لهم لإعلان الشماتة بالنبي (ص) والمغالاة في الاستفزاز والمعارضة غير المحدودة لغاية إذايته جسديا والنيل من حريته بالمضيقات والتهديد بالتصفية العلنية .فكانت حينذاك وفاة أبي طالب ذات سلبية على نفسه أولا وذات انعكاسات مرهقة على النبي (ص) ومسار دعوته وأصحابه تبعا.

أما بالنسبة إلى السيدة خديجة رضي الله عنها فقد كانت شريكة حياته (ص) وأم أولاده ومسنده وملاذه في جسمه وروحه وعينه وعاطفته، وهو يرثها وترثه من كل الجوانب، وهي بهذا ستكون قد فاتت عمه أبا طالب من حيث قوة دعمها له (ص) ومركزيتها الجامعة بين التوافق الجسدي وبين الروحي العقدي، وهو الأهم والنقطة الأصعب في تمثل هذا الفقد، أي أنها كانت مؤمنة ومتحدة به روحيا وعاطفيا وجسديا ونسبيا.

ومن هنا فموت أبي طالب كما تذكر الروايات قد كان سابقا للسيدة خديجة رضي الله عنها وذلك كتمهيد للصدمة الكبرى الموالية وتأهب لتحملها، إذ المواساة النفسية النسبية، أي عصبة النسب التي كان يمثلها أبو طالب، ستكون أيضا مما توفرها له (ص) بحكم القرابة والعشيرة، ولكنها ليست كل شيء، بل الأهم هو المقام، أي مقام الصديقية الذي كانت تتمتع به السيدة خديجة ووصلت إليه بواسطة زوجها السيد الرسول (ص)، وهو أعلى مقام مساند للنبوة والرسالة ومناصر لها، سبق وتحدثنا عنه بتفصيل نسبي في كتابنا:نور الأمين ومقدمات إسعاد العالمين.

والنبي الرسول في مثل هذه المراحل الشديدة قد يحتاج إلى الصديقين لمؤازرته أكثر من احتياجه إلى المساندين، إذ هنا يتبين الفرق بين المقامين، بالرغم من أن الصديقين قد يكونون ضرورة مساندين، ولكن ليس كل المساندين قد يكونون صديقين.

3 - وعند هذا الفقد المضاعف جاء عام الحزن الكبير للنبي (ص) بفقد السيدة خديجة رضي الله عنها كصديقة مساندة وهو الذي تلا فقد أبي طالب كمساند غير صدِّيق.وهذا كما قلت قد كان فيه تدريج للنبي (ص) فيما يبدو أن القدر أراده له ليرتقي في عالم معرفة النفس وطب القلوب وانشراحها، وهي ممهدات إلى المعرفة الكبرى، معرفة الله تعالى وتحصيل الشهود بغير قيود وتحقيق الرؤية القدسية من غير حجاب ولا بواب، إذ البواب الأكبر والأجمل سيصبح هو سيدنا محمد (ص) نفسه، أول العابدين وسيد ولد آدم والخلق أجمعين.

وقد سمي العام بعام الحزن، أي أنه قد اكتمل دورته الزمنية بكل أحوالها وظروفها، وتعاقبت عليها جميع الشهور بتلوناتها وأسمائها، وأظلمت مظاهرها ومعابرها فغمت وعمت، وضاقت النفس وتألمت، فما كان بعد هذا الفقد والقبض والجلال إلا طلب الهجرة والترحال إلى ذي العزة والجلال:(حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ)2 .

لكن محنة النبي (ص) قد طالت حتى محاولة هذا الخلوص نجيا نفسه، فحوصر في الداخل، في الشعب وخارج الشعب، ومنع من الذهاب إلى الخارج في إقامة إجبارية كأسوأ ما تكون هذه الإقامة وأشدها على النفس.

 

الدكتور محمد بنيعيش

كلية الآداب والعلوم الإنسانية وجدة المغرب

.........................

1- ابن كثير: السيرة النبوية ج2ص122

2- سورة يوسف آية 110

 

اكرم سامي فايزفكرة عامة عن القيادة المستنيرة

يتكون مصطلح القيادة المستنيرة من مفردة القيادة «Leadership» والتي تعني القدرة على التأثير في سوك الاخرين وتوجيههم نحو الهدف، ومفردة المستنيرة «Enlightened» المشتقة من الاستنارة أو النور وتعني الوضوح والرشد والوعي، والشخص المستنير هو شخص هداه الله إلى الخير والحق وحرره من الوهم والاعتقاد الخاطئ، أي هو شخص مثقف وواعي وقادر على تدبير الامور وحكمها، ويتصرف بحذق ومهارة. ومن ثم يقصد بالقيادة المستنيرة «Enlightened Leadership» اسلوب قيادي قائم على الحكمة والبصيرة ووضوح الرؤية، ويتسم القائد المستنير بالرشد والروحانية والذكاء العاطفي والرحمة واحترام الاخرين، وفي ضوء هذا المضمون يمكن أنَّ نبين طبيعة القيادة المستنيرة للأمام الحسين «ع» من خلاله القاء الضوء على سيرته المباركة اثناء رحلته من مكة الى العراق وكما يأتي:

اولاً: الظروف السياسية التي عاصرها الامام الحسين «ع»

واجه المجتمع الإسلامي أبان حكم معاوية بن ابي سفيان وأبنه يزيد انتكاسات وأزمات اجتماعية وسياسية عديدة، ناتجة عن استهتارهما بالقيم الأخلاقية واستخفافهم بها، وممارستهما الظلم والقسوة بحق الرعية، واستبدادهما بالسلطة واحتكارهما للمال العام، وفي هذا الشأن يروى أنَّ ابو ذر الغفاري كان في الشام، وقد قرأ الآية القرآنية «والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعذاب اليم» (التوبة الاية:34)، لتنبيه معاوية بضرورة توزيع الأموال بشكل عادل ومنصف بين الرعية، وعدم اقتصار الانتفاع منها على الفئة الحاكمة وحاشيتهم، فأمتعض معاوية من سماع ذلك، وعلى أثر ذلك نفى أبو ذر الغفاري إلى منطقة نائية تسمى الربذة، وهو صحابي جليل قال فيه رسول الله محمد صل الله عليه واله وسلم: «ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء من رجل أصدق لهجة من أبي ذر»(1).

فضلاً عمَّا تقدم كانت السلطة الحاكمة آنذاك مبتعدة عن روح القران الكريم واحكامه في إدارة شؤون الامة، لدرجة جحود يزيد بن معاوية نبوة محمد صل الله عليه واله وسلم، ونكرانه نزول الوحي عليه، وعبر عن معتقده هذا صراحةً وعلناً بشعره (لعبت هاشم بالملك فلا * خبر جاء ولا وحي نزل) (2). أضف إلى ذلك أسلوب وصولهما للسلطة تضمن المكر تارة والخداع تارة أخرى، حيث كان الاتفاق بين معاوية والامام الحسن «ع» وفقاً لمعاهدة الصلح التي ابرمت بينهما أنَ يكون الخليفة الشرعي بعد وفاة معاوية هو الامام الحسين «ع»، ألا أنَّه نقض المعاهدة وأوصى بأنَّ تكون الخلافة لاْبنُه يزيد، ومن جانب أخر استغلالهما للسلطة بالشكل الذي يخدم مصالحهم الشخصية ويعزز بقائهما فيها، بدلاً من توظيفها من أجل تنمية المصالح الاجتماعية والاقتصادية للرعية، وقد صرح بذلك معاوية بن ابي سفيان بعد نقضه لبنود الصلح مع الامام الحسن «ع» في كلامه الموجه لأهل العراق «إني والله ما قاتلتكم لتصلوا ولا لتصوموا ولا لتحجوا ولا لتزكوا إنكم لتفعلون ذلك، إنما قاتلتكم لأتأمر عليكم»(1)، ونتيجة لتلك السياسات والأساليب التي انتهجها الامويين، وغياب الامر بالمعروف والنهي عن المنكر، كانت الامة الإسلامية آنذاك تعيش أقسى أيامها وأمرّها من حيث تفشي الفساد والانحطاط والضياع والحيرة والضلال.

ثانياً: موقف الامام الحسين «ع» من تولي يزيد بن معاوية الخلافة

في ظل ذلك الوضع المتأزم الذي يزداد سوءاً و تدهوراً يوماً بعد أخر، وتفشي المظالم في كل الأقطار الإسلامية، تحمل الامام الحسين «ع» مسؤولية النهوض ومواجهة الانحراف الحاصل بكل ما أوتي من قوة من اجل تغيير الواقع وتصحيح المسار السياسي، فحين انتقلت الخلافة الى يزيد بعد وفاة أبيه طلب الامويين من الحسين «ع» مبايعته، فرفض ذلك الطلب رفضاً قاطعاً وقال لهم «يزيد رجل فاسق شارب الخمر، قاتل النفس المحرمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله»(3)، ثم اعلن جهاده وثورته على تلك الخلافة الفاقدة للشرعية، وهنا نود أنَّ نبين أنَّ ثورة الامام الحسين «ع» على السلطة الاموية يعًّد تصرفاً مشروعاً وفقاً للأسس الدينية والعرف السياسي وكما مبين في الأسباب الاْتية:

-  وراثة يزيد الخلافة من أبيه معاوية فعل غير مشروع وفقاً للشريعة الإسلامية ويتنافى مع الثوابت الإسلامية التي أشار اليها القران الكريم في إدارة شؤون الامة من خلال الشورة «أمرهم شورى بينهم». (الشورى: الاية:38)

-  لا يتطابق ذلك التصرف مع وصية النبي محمد صل الله عليه واله للمسلمين « إني تارك فيكم الثقلين ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا: كتاب الله وعترتي أهل بيتي وأنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض»(4) ومع الحديث « الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا ».(1)

-  تقصير السلطة الحاكمة بأداء وظائفها اتجاه الرعية من ناحية إقامة العدل وإعطاء كل ذي حق حقه، وقد بين الامام الحسين «ع» ذلك بقوله «ألا ترون أن الحق لا يعمل به وأن الباطل لا يتناهى عنه» (5) ويعد وذلك مبرر كافي للمطالب بالإصلاح وتغيير النظام الحاكم.

-  يزيد متجاهر بالرذيلة في سلوكه الخاص والعام وذلك يتنافى مع قيم واخلاق المجتمع الإسلامي، ايضاً افتقاده للمؤهلات والشروط اللازم توفرها في الحاكم الإسلامي التي اشار اليها القران الكريم ومنها الايمان بالله تعالى واليوم الاخر والعدل والتقوى « إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ ألله ورسوله ولذين ءَامَنُواْ »(المائدة: الآية :55)

ثالثا: ورؤيته الإصلاحية

امتلك الامام الحسين «ع» المهارات القيادية اللازمة لإداء مهامه، ومنها مهارة قراءة الواقع السياسي وتحليله وتشخيص مشكلاته والتنبؤ به، والقدرة على صياغة رؤية مستقبلية ومهارة التخطيط الاستراتيجي وتنفيذ تلك الخطط التي تحقق الرؤية، مكنه ذلك الادراك والفهم إعلانه رؤيته التي تحمل شعار الإصلاح، و تؤكد ضرورة استرجاع حقوق الرعية من السلطة التي تتحكم بمقدرات المسلمين وكما جاء في قوله «...أظهروا الفساد، وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلوا حرام الله وحرموا حلاله... »(1)، عبر الامام الحسين «ع» عن رؤيته ورسالته وأهدافه بوضوح للناس والتي تضمنت سعيه الى أحياء شعيرة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر وتطبيق الشريعة الإسلامية «أني لم أخرج أشراً ولا بطراً ولا مفسداً ولا ظالماً وإنما خرجت لطلب الاصلاح في أمة جدي صلى الله عليه وآلة أريد أنَ آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي» (1) فكان الغرض من رؤيته ومبادئه وأهدافه تنوير الأْمة الاسلامية التي فقدت في عهد يزيد بن معاوية الإرادة والقدرة على الاختيار، بحيث كانت مصدر ألهام للاْمة الاسلامية سواء أكان في عصره او بعده، وتروي كتب التاريخ توالي الثورات بعد مقتله من قبل التوابين وغيرهم في الأجيال اللاحقة على السلطات الظالمة والى يومنا هذا.

أنَ قدرة الامام الحسين «ع» على رؤية المستقبل مرتكزة على تحليل وأدراك الأسباب الموضوعية والمنطقية للأحداث الجارية في تلك الفترة في حين غاب ذلك الوعي عند الآخرين في عصره، أي ان رفضه مبايعة يزيد نابع من ايمانه وبصيرته وادراكه عواقب سلوكه على حاضر الامة الإسلامية ومستقبلاها، بعبارة أخرى لو اْنَّه قبل بخلافة يزيد يعني ذلك إعطائها الغطاء الشرعي وتأييده لكل ما يصدر منها من اعماله.

من جانب اخر ان الامام الحسين «ع» سبط النبي محمد صل الله عليه واله وسلم وخليفته الشرعي « الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا »(1) ومن ثم هو أولى من غيره بتحمل مسؤولية قيادة الامة الإسلامية من الناحية الدينية، أضف الى ذلك أنَ للأمام مركز اجتماعي مرموق بين العرب والمسلمين بحيث أنَ جميع المسلمين كانوا يصلون خلفه في الكعبة المشرفة في موسم الحج، لذا فمسؤوليته الاجتماعية تتطلب منه مواجهة السلطة القائمة الفاقدة للشرعية وما ترتب على ذلك من ظلم اجتماعي.

بالرغم من أنَ الامام الحسين «ع» حفيد النبي محمد صل الله عليه واله وسلم وخامس اصحاب الكساء، ألا انه بين للناس في رؤيته انه يسعى الى أحقاق الحق وليس له غاية أخرى غير نصرة الحق، وطلب منهم نصرة الحق كما جاء ذلك في كلامه «فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد على هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين». (6) وحث الناس على القيام بواجبهم الديني وتحملهم المسؤولية المتمثلة بوجوب التصدي للسلطة الحاكمة التي تنتهك تعاليم واحكام القران الكريم وتخالف سنة النبي محمد صل الله عليه واله وسلم «من رأى سلطاناً جائراً مستحلا لحرم الله، ناكثا لعهد الله، مخالفا لسنة رسول الله، يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان ثم لم يغير بقول ولا فعل، كان حقيقاً على الله أن يدخله مدخله، ألا وإن هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان وتركوا طاعة الرحمان» (1). لذا حري بمن يقتدي بالأمام الحسين «ع» وهو القائد المستنير المصلح أنَ يكون قادراً على اجراء تحليل شامل للظروف الداخلية والخارجية وتشخيص نقاط الضعف والقوة ومعرفة الفرص والتهديدات، والقيام بتشخيص مشاكل المجتمع، وبعدها يضع رؤيته وأهدافه الإصلاحية، ويسعى الى تطبيقها على ارض الواقع من خلال اعتماد خطط معينة.

رابعاً: الجهود الميدانية لتطبيق رؤيته على ارض الواقع

اعتقد الامام الحسين «ع» أنَ الحياة الحقيقية تكون في ظل دولة قائمة على العدل والمساوة وتستقي احكامها من الشريعة الإسلامية، وليس في دولة يقودها أئمة الظلالة يتفشى فيها الفساد والانحراف ويظلم في ظلها عباد الله «فإنّي لا أرى الموت إلاّ سعادة، والحياة مع الظالمين إلاّ بَرَماً – ملل» (1). لذا ومن اجل تغيير ذلك الواقع نحو الأفضل وتطبيقاً لرؤيته الاصلاحية، كانت له جهود ميدانية على ارض الواقع منها الاتي:

خروجه من المدينة الى مكة، ولقاءه الناس في بيت الله الحرام وحدثهم عن عزمه في مواجه السلطة الاموية، ووعظهم وذكرهم بالله وباليوم الاْخر، وبين لهم ضرورة مؤازرتهم له في التصدي لتلك السلطة، كونها تعمدت تهميش حقوقهم وتجاهلها ومخالفتها للكتاب والسنة النبوية، وكذلك وجه كتب ورسائل عديدة للوجهاء في العراق (البصرة) يدعوهم للالتحاق به، من اجل أحياء السنة النبوية واماتت البدعة التي ابتدعها الامويين وكما بين ذلك في قوله «فان السنة قد أميتت، وإن البدعة قد أحييت، وإن تسمعوا قولي وتطيعوا أمري أهدكم سبيل الرشاد»(7)، وكانت استجابة العراقيين لدعوته على ثلاثة اقسام، الفئة الاولى اثرت حب الدنيا على الاخرة وكان الحال كما جاء في حديثه « إن الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درت معائشهم، فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون »(8) فوقفت الى جانب السلطة الاموية، والفئة الثانية وهم الموالين للأمام الحسين «ع» وكانوا ينتظرون قدومه الى العراق فألقاهم عبيد الله ابن زياد في السجن من اجل منعهم من نصرة الحسين «ع» مثل المختار الثقفي وغيره، والفئة الثالثة وعددهم قليل نسبيا ً وهؤلاء التحقوا بمعسكر الحسين «ع» مثل حبيب بن مظاهر الاسدي وغيره.

كذلك خروجه من مكة الى العراق قبل إتمامه فريضة الحج، أنَ اختيار هذا التوقيت المفاجئ من قبل الامام الحسين «ع» يعود لسببين، الأول من اجل لفت انتباه اكبر عدد من المسلمين الى خطورة الوضع وخصوصاً أنَ الناس تجتمع في مكة المكرمة بموسم الحج، ثانيا من اجل افشال مخطط محاولة اغتياله من قبل اتباع يزيد قبل توجهه الى العراق، كون الامويين يسعون الى القضاء على اهداف ثورته الإصلاحية في مهدها وقبل انطلاقتها، وفي هذا الشأن يروى أنَ الفرزدق الشاعر المعروف سأل الامام الحسين «ع» عن سبب تعجله في الحج فأجابه «لو لم أعجل لأخذت » (9). ومن جهوده الأخرى هي أرساله مسلم بن عقيل الى العراق (الكوفة) للوقوف على حقيقة امرهم والتأكد من ولأهم وجاهزيتهم لنصرته وكما اشارت إلى ذلك رسائلهم «...قد أينعت الثمار وأخضر الجناب، وإنما تقدم على جند لك مجند؟!»(9).

يبدو مما تقدم أنَ الامام سعى جاهداً في أداء أدواره القيادية و واجبه الشرعي والاجتماعي والإنساني، ووظف كل امكانياته وطاقته ولم يدخر جهد في سبيل ذلك، فشخص الخطر المتمثل بتحول الخلافة الى نظام وراثي، من دون مراعاة الشروط والمؤهلات والمعايير في اختيار الخليفة الذي يقود الامة الإسلامية، و التي أكد عليها القرآن الكريم والنبي محمد صل الله عليه واله وسلم، ونصح بضرورة اعادة تطبيق احكام وتعليمات القران الكريم والسنة النبوية في إدارة شؤون الناس بدلاً من إدارة شؤون الامة وفقاً للاْجتهادات الفردية او حسب اهواء ورغبات السلطة الحاكمة، ووضح للناس أنَ السلطة الحاكمة تعمدت احياء البدعة واماتت السنة مما يتطلب منهم مؤزرته للتصدي لذلك الانحراف، وبين لهم أنَ عليهم السعي لنيل حقوقهم من السلطة الحاكمة التي تنظر للرعية كخدم لها وتوظفهم كيفما تشاء دون حساب ورقابة، وليس مواطنين او مسلمين لهم حقوق وعليهم واجبات، فضلاً عن ذلك احتكار السلطة الحاكمة الأموال التي تأخذها من خلال الجباية لمصالحها الخاصة وتمنع الفقراء من حقوقهم الشرعية.

خامساً: سمات القيادة المستنيرة ومهاراتها لدى الامام الحسين «ع»

1- التساؤل والنقاش والحوار والارشاد:

من سمات القادة المستنيرين محاورة الاخرين ومناقشتهم وطرح التساؤلات اللازمة التي تقودهم الى الحقيقة، وهذا ما قام به الحسين «ع» مع الاخرين، فكانت تحركاته مدروسة ويتعامل مع الناس بمنتهى الحكمة و الحلم والرحمة، فبذل قصارى جهدهِ في دعوةِ الناس إلى الحقّ، ومنحَ النُصْح ليستنقذ عباد الله من الجهالة وحيرة الضلالة، فكلم الناس بالموعظة الحسنة وجادلتهم بالتي هي احسن، وكان يقدم الدليل اثر الدليل، والحجة اثر الحجة، على امل هدايتهم وارشادهم، مثال ذلك خطابه الموجه الى جيش عمر بن سعد « أيّها الناس أسمعوا قولي، ولا تعجلوا حتّى أعظكم بما هو حق لكم عليَّ، وحتّى أعتذر إليكم من مقدمي عليكم، فإنَّ قبلتهم عذري، وصدّقتم قولي، وأعطيتموني النصف من أنفسكم، كنتم بذلك أسعد، ولم يكن لكم عليّ سبيل، وإن لم تقبلوا منّي العذر، ولم تعطوني النصف من أنفسكم، فاجمعوا أمركم وشركاءكم، ثمّ لا يكن أمركم عليكم غمّة، ثم اقضوا إليّ ولا تنظرون، إن وليي الله الذي نزل الكتاب وهو يتولّى الصالحين »(3).

بالإضافة الى ما تقدم سألهم عن أسباب فرضهم الحصار عليه وعزمهم على قتله «ويلكم على مَ تقاتلونني؟ على حقٍّ تركته؟ أم على شريعة بدّلتها؟ أم على سنّة غيّرتها؟ فقالوا: نقاتلك بغضاً منّا لأبيك وما فعل بأشياخنا يوم بدر وحنين. فلما سمع كلامهم بكى، وجعل يحمل عليهم وجعلوا ينهزمون من بين يديه كأنهم الجراد المنتشر، ثم رجع إلى مركزه وهو يقول: لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» (7)، مما تقدم يبدو أنَ دوافعهم في محاربة الحسين «ع» هو الحقد والثأر او بسبب الطمع كم جاء في ابيات شعر عمر بن سعد:

فواللّه ما أدري وإنــــــــي لـحائرٌ *** أفكّرُ في أمــــري على خطرينِ

أأتركُ ملكَ الرّيِّ والرّيُّ مـــنيتي *** أم أرجعُ مأثــــــوماً بقتلِ حسينِ

وبعد ما تبين له أنَ أسباب مقاتلتهم له فقال لهم «ايم اللّه، إني لأرجو أن يكرمني ربي بهوانكم، ثمّ ينتقم منكم من حيث لا تشعرون» (1) فسألوه عن كيفية انتقام الله تعالى منهم، اجابهم إجابة تدل على التبصر في العواقب على معطيات الواقع وقوانينه «يلقي بأسكم بينكم، و يسفك دماءكم، ثم يصبّ عليكم العذاب الأليم»(6)

2. التخطيط الاستراتيجي

بعد ما القى الامام «ع» الحجة على القوم ولاحظ اصرارهم على مقاتلته، وضع خطة استراتيجية لإدارة المعركة فاجتمع بأصحابه وتشاور معهم عن كيفية لقاء العدو عندما تقع المعركة، وكيفية تكون خطة الهجوم والدفاع، ووزع الأدوار والمسؤوليات عليهم، وأوصى اهل بيته بالصبر وعدم الجزع وتحمل المتاعب في سبيل الله تعالى، والتوكل عليه وتحمل المسؤولية الملقاة على عواتقهم بعد أنَ تقتل الرجال في المعركة «أُوصيكم بالصبر والتقوى» (9)، واوصى السيدة زينب «ع» عندما شاهدها حزينة عليه بالحلم والاعتماد على الله والاقتداء برسوله (...يا أختاه! اتقي الله وتعزي بعزاء الله، واعلمي أن أهل الأرض يموتون وأهل السماء لا يبقون، وأن كل شيء هالك إلا وجه الله...»(6)

3. الشجاعة

من السمات الجوهرية للقادة المستنيرين الشجاعة، وتمثل الشجاعة احد الفضائل الأربعة (الحكمة والشجاعة والعفة والعدالة) تشير الروايات أنَ الحسين «ع» بالرغم من محاصرته بجيش قوامه ثلاثون ألف مقاتل تقريباً، ومقتل جميع أنصاره وأولاده واخوته، الا أنَّه قاوم المحن والالم وجابه الخطر، لم يكن يعبأ بجمعهم ولم تبدو عليه علامات الانكسار والوهن والضعف، فواجه الجيش بعزيمة وثبات وحمل على العدو بسيفه من دون خوف او مهابة وكانوا يلوذون بالفرار، وينقل الرواة ما قاله جند عمر بن سعد بخصوص موقف الحسين «ع»: «فوالله! ما رأيت مكثوراً قط قد قتل ولده وأهل بيته وأصحابه أربط جأشا منه! وإن كانت الرجال لتشد عليه فيشد عليها بسيفه، فتنكشف عنه انكشاف المعزى إذا شد فيها الذئب! »(9).

4. التأثير والولاء

تؤثر سمات القائد الشخصية على اتباعه بشكل كبير، ونجد أنَ شخصية الامام الحسين «ع» كان لها تأثير كبير في نفوس أنصاره فكان قدوة لهم في افعاله واقواله، ومرشداً لهم برؤيته وتفكيره، بحيث شكلت رؤيته المستنيرة ورسالته العالم المعرفي والمنطقي لأنصاره، فأسهمت بتبصيرهم بحقيقة الامور وهدايتهم الى طريق الصواب، فأمنوا برسالته وبمبادئه وبأهدافه السامية، وكان لذلك الايمان انعكاساً على سلوكهم وافعالهم بالشكل الذي جعلهم يتسابقون للدفاع عنه والاستشهاد بين يديه، ويبدو ذلك واضحاً في كلام زهير بن لقين «والله لو علمت أني أقتل ثم أحيا ثم أحرق ثم أحيا ثم أذرى، يفعل ذلك بي سبعين مرة ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك.. »(9) كما انهم قاتلو باستبسال وتفاني وإخلاص وكانوا يتفاخرون بذلك حتى أخر رمق في حياتهم وكانوا يقولون «الحمد لله الذي اكرمنا بنصرك وشرفنا بالقتال معك»(3)، بحيث انَّه لما سقط مسلم بن عوسجة في ساحة المعركة وبه رمق مشى إليه الحسين ومعه حبيب بن مظاهر فقال له الحسين عليه السلام: رحمك الله يا مسلم " فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا " فقال له حبيب: لولا أعلم أني في الأثر لأحببت أن توصي إلي بكل ما أهمك فقال مسلم: فاني أوصيك بهذا وأشار إلى الحسين عليه السلام فقاتل دونه حتى تموت... ».(1)

وقد وصف جند عمر بن سعد شجاعة وبسالة أصحاب الحسين «ع» وتفانيهم في نصرته بقولهم «ثارت علينا عصابة ايديها في مقابض سيوفها كالأسود الضارية، تحطم الفرسان يميناً وشمالاً، وتلقي أنفسها على الموت لأتقبل الأمان، ولا ترغب بالمال ولا يحول حائل بينها وبين الورود على حياض المنية، لو كففنا عنهم رويداً لأتوا على الجموع بحذافيرها» (3)، فضلاً عمَّا تقدم وصفهم الامام بقوله «...يا أبطال الصفا! يا فرسان الهيجاء!... »(7) وأشاد بمواقفهم البطولية بقوله « لم أرى أصحاب ابر واوفى من اصحابي »(10). هكذا هم القادة العظماء يوجدون الاخلاص والوفاء والحب والتضحية في قلوب انصارهم واتباعهم، من خلال توظيف سماتهم الشخصية وذكائهم ومهاراتهم واي إمكانات أخرى يمتلكونه بهدف التأثير على سلوك الاتباع وجعلهم يقدمون أفضل ما لديهم.

5. الإنسانية والتحفيز

كانت قيادة الامام تقوم على الرحمة والرعاية، فعامل الجميع باحترام وبشكل عادل ومنصف ولم يفرق بين الأسود والأبيض، ولا بين العربي والاعجمي على طوال مسيرته من مكة الى العراق، وكان يجسد القرآن الكريم في سلوكه «ان اكرمكم عند الله اتقاكم»(الحجرات:الايه:13) وهي من اروع الصفات التي تحلى بها والتي أسهمت في تعزيز حبه وولائه لدى اتباعه. وكان يقدر ويثمن ما يقدمه أنصاره من مساهمات ويثني عليهم ويدعو لهم، وهذه من أساليب التحفيز يتبعها القادة لحث الاتباع لتقديم أفضل أداء، ومن هذه المواقف أنَ أبو ثمامة عمرو بن عبد الله الصائدي عندما أخبر الأمام بقرب وقت الصلاة اثناء المعركة قال له «ذكرت الصلاة، جعلك الله من المصلين الذاكرين! »(7)

6. الايمان الراسخ بالله تعالى

من صفات الامام الحسين «ع» الأساسية شدة ايمانه وارتباطه بالله تعالى وتوكله عليه والتسليم إليه في كل اموره وتجلى ذلك في العديد من المواقف ولكن من باب التوضيح نذكر بعضها، ففي وصيته التي كتبها لأخيه محمد بن الحنفية قبل خروجه الى العراق توضح جانب مهم من طبيعة أيمانه بالله تعالى «بسم الله الرحمن الرحيم ... أنّ الحسين بن علي يشهد أن لا إله إلّا الله، وحده لا شريك له، وأنّ محمداً عبده ورسوله، جاء بالحقّ من عنده، وأنّ الجنّة حقّ، والنار حقّ، وأنّ الساعة آتيةٌ لا ريب فيها، وأنّ الله يبعث مَن في القبور...»(3) وكان مصداقاً لقوله تعالى «وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ»(الانفال:45) فكان لسانه يلهج بذكر الله تعالى دائما وفي كل موقف يمر به او خبر يسمعه، فعندما بلغه خبر مقتل مسلم بن عقيل تلى قوله تعالى «انا لله وانا اليه راجعون»(البقرة:الاية:156).

وجعل اعماله كلها خالصةً لوجه الله تعالى فعندما اطلق القوم السهام على معسكره قال لأنصاره «قوموا رحمكم الله إلى الموت الذي لابد منه فإنَّ هذه السهام رسل القوم إليكم»(6) فقدم اتباعه قربةً لله تعالى من أجل اعلاء كلمة الإسلام وتحطيماً للاْنحراف والضلال. وكان يسعى لرضا الله تعالى قبل كل شيء فبعد ان استشهد أنصاره فقال : «اللّهمّ إن كان هذا يرضيك فخذ حتّى ترضى»(11)، فضلا عن ذلك عندما رأى كثرة القتلى بأصحابه واهل بيته قال «هون علي ما نزل بي أنه بعين الله»(7) وعندما بقى وحيداً في ساحة المعركة جدد دعوته للقوم لنصرته، الا انهم عزفوا عنه، فأتجه بكل شعوره الى خالقه يستنزل النصر ويطلب عنايته التي طالما رافقته في كل أدوار حياته فقال « اللهم أنت ثقتي في كل كربة، وأنت رجائي في كل شدة، وأنت لي في كل أمر نزل بي ثقة وعدة، كم من كرب يضعف عنه الفؤاد، وتقل فيه الحيلة وتعييني فيه الأمور ويخذل فيه القريب والبعيد والصديق، ويشمت فيه العدو أنزلته بك وشكوته إليك، راغبا إليك فيه عمن سواك، ففرجته وكشفته وكفيته»(3) فكانت لتلك العقيدة والعلاقة الروحانية والايمان العميق بالله تعالى أثراً كبير في صياغة شخصية الامام الحسين «ع» وسلوكه القيادي المستنير الذي مكنه من الصبر وتحمل شتى أنواع المصائب والابتلاءات، فكان الامام الحسسين «ع» يذكر الله ويحمده في السراء والضراء وصابراً محتسباً وكما جاء في قوله « نصبر على بلائه، ويوفينا أجور الصابرين».(1)

وأخيراً ذكر الامام زين العابدين علي بن الحسين «ع» وهو ممن شاهد المعركة ووعى اخبارها على ما به من شدة المرض انه قال: «لا يوم كيوم الحسين ازدلف اليه ثلاثون الفاً يزعمون انهم من هذه الامة، وهو يذكرهم بالله فلا يتعظون حتى قتلوه بغيا، وظلما، وعدواناً»(3)، فسقط الحسين بن علي ويده على قائم سيفه، قتل والحرب دائرة والغبرة غطت مكان الحادث، فلما نجلت وإذا بالحسين يتشحط بدم الشهادة، سقط الحسين وانتهى كل شيء، وهنا إحتزوا رأسه من القفا وجالت الخيل على صدره جولة الظفر المؤقت، وتجاوبت الدنيا كلها لهذا الحادث المروع، واهتز ضمير العالم لتلك الداهية وارتفعت صرخة الاستنكار فهزت عروش الظالمين. لقد نشر الحسين رسالته وشجب اعمال الظالمين بدمه. فالسلام على من قتل صبراً وكفاه بذلك فخراً.

***

الباحث: أكرم سامي فايز

ماجستير إدارة اعمال. مدرب معتمد

...................

المصادر

أولاً: المصادر العربية

1. بحار الأنوار - العلامة المجلسي

2. الاحتجاج - الشيخ الطبرسي

3. مع الحسين في نهضته –اسد حيد

4. وسائل الشيعة (آل البيت) - الحر العاملي

5. صحيفة الحسين (ع) - جمع الشيخ جواد القيومي

6. العوالم، الإمام الحسين (ع) - الشيخ عبد الله البحراني

7. موسوعة كلمات الإمام الحسين (ع) - لجنة الحديث في معهد باقر العلوم (ع)

8. ميزان الحكمة - محمد الريشهري

9. الإرشاد - الشيخ المفيد

10. مقومات القيادة الملهمة للأمام الحسين عليه السلام

11. في معركة الطف –اكرم سامي فايز

12. حياة الإمام الحسين (ع) - الشيخ باقر شريف القرشي

13. الفتلاوي، ميثاق هاتف،الحكيم، ليث علي،العبيدي،عصام عليوي،(2018)،رأس المال الرمزي وانعكاسه في القيادة المستنيرة،دراسة حالة في مديرية تربية قضاء المسيب،المجلة العربية للإدارة .

14. الصفار،حسن،(1991)، الحسين ومسؤولية الثورة،دار البيان العربي للطباعة والنشر والتوزيع،ط7.

15. كشكوشة،نجوى متولي،(2021)،اثر القيادة المستنيرة في دعم الهوية التنظيمية بالتطبيق على العاملين بالشركة القابضة للتأمين، المجلة العلمية للإقتصاد و التجارة.

ثانيا: المصادر الأجنبية

1. Lambe, K. (2011). perceptions of enlightened leadership related to school climate (doctoral dissertation, immaculata university).

2. Haaz, I. (2016). Solidarity-Enlightened Leadership.

3. Sharma, S. (1995). Towards enlightened leadership: A framework of leadership & management. Evolving performing organisations through people: A global agenda, 209-214.

4. Millick, C. A. (2009). Values-based leadership and happiness: Enlightened leadership improves the return on people. The Journal of Values-Based Leadership, 2(2), 5.

5. Xu, F., Xu, B., Anderson, V., & Caldwell, C. (2019). Humility as enlightened leadership: A Chinese perspective. Journal of Management Development.

 

خليل حمديهدف البحث إلى تناول الوحدات اللغوية التي تعكس صورة إفريقيا والإفريقية في الوعي العرقي اللغوي للشعب الروسي.

ويسلط الضوء على تحديد مكونات صورة أفريقيا في وعي اللغة الروسية، وطرق ومصادر تجديدها بالوحدات المعجمية، والتسمية، واللغوية، والنصية للغة الروسية.

الغرض من العمل هو تحديد وتصنيف مكونات الوعي اللغوي الروسي، مما يعكس صورة إفريقيا والإفريقية، وكذلك تحديد العام والخاص الموجود حقًا في الوعي اللغوي الروسي فيما يتعلق بأفريقيا والأفارقة.

الأهمية:

تكمن القيمة العملية للدراسة في إمكانية تطبيق الاستنتاجات الواردة فيها لبناء نظرية عامة في اللغويات الثقافية، وعلى وجه الخصوص، التواصل بين الثقافات والحوار مع الآخر الحضاري، وكذلك في العملية التعليمية في الفصل الدراسي حول نظرية اللغة، في ممارسة الترجمة بين الثقافات.

الجدة والابتكار في البحث:

1- لأول مرة يحاول البحث الكشف عن ملامح صورة إفريقيا، المنعكسة في الوعي الإثنو- اللغوي الروسي.

2- لأول مرة، يتم أخذ عينات المكون الأفريقي من النصوص والقواميس.

3- تم إدخال مواد التجربة إلى الاستخدام العلمي وحساب معامل الارتباط، حيث تم الكشف عن ملامح صورة إفريقيا والأفارقة،في الصورة اللغوية عند الشعب الروسي لأول مرة. وتم تحديد الأهمية النظرية للعمل، من خلال الكشف عن سمة أخرى للخصائص الوطنية والثقافية، وهي وعي اللغة الروسية، المرتبط بانعكاس صورة إفريقيا فيه.

أسئلة البحث:

1- كيف تعرف الروس على أدب أفريقيا جنوب الصحراء؟

2- ماذا تعني إفريقيا والأفارقة في الوعي اللغوي عند الشخص الروسي؟

3- وما هي مصادر هذه الصورة النمطية؟

فرضية البحث:

تم طرح فرضية مفادها أن الروس لديهم في وعيهم العرقي واللغوي صورة ضبابية ومشتتة إلى حد ما لأفريقيا، والتي تتكون من خلال قراءة أعمال روائية مخصصة لأفريقيا والأفارقة، ودراسة المواد الدراسية، والتعرف على المواد الإعلامية، ومشاهدة الأفلام، اتصالات مع الأفارقة. القادمين إلى روسيا، ومؤخرا بسبب الرحلات إلى القارة الأفريقية.

المصادر الأساسية للبحث:

 اعتمدت في هذا البحث على المصادر المكتوبة باللغة الروسية، وبعضها باللغة الإنجليزية،و أهمها:

1- رسالة دكتوراه مكتوبة باللغة الروسية، في فقه اللغة، من جامعة فولغوعراد الحكومية روسيا الاتحادية، سنة 2008م،( Theory of language. Volgograd. 2008. 240 p)، للباحث أودي فرايداي إيمينكا Ude Friday Emenka العنوان الأصلي للرسالة: . Образ Африки в русском языковом сознании، وترجمته: The Image of Africa in the Russian Linguistic Consciousness ) صورة أفريقيا في الوعي اللغوي الروسي).

2- مجموعة مقالات ومواقع متخصصة.

و قام الباحث بتعريب النصوص، محاولاً قدر الإمكان أن يحافظ على لغة النص في الصياغة المعرَّبة.

تحديد مجال البحث:

يسعى إلى تحقيق المهام التالية:

1. تحليل أعمال العلماء المكرسة لخصوصيات الوعي اللغوي الروسي، وتحديد مكان صورة إفريقيا فيه وتتبع التغيرات في الأفكار حول هذه القارة.

2. استكشاف الكلمات الأفريقية المعروضة في القواميس التفسيرية للغة الروسية. لتصنيف الأنثروبولوجيا الأفريقية، والأسماء الجغرافية، والعرقيات، والوحدات اللغوية ذات المعاجم الأفريقية، والتي تعمل في مجالات مختلفة من اللغة الروسية.

3. وصف ميزات استخدام وحدات اللغة الأفريقية في النصوص الأدبية الروسية وفي الكتب المدرسية كمصادر لتكوين وتجديد صورة إفريقيا في وعي اللغة الروسية.

4. النظر في عمل الأفارقة في النص الأصلي للكاتب الإفريقي الموثوق ف. شوينكا وطرق نقلها باللغة الروسية من أجل تحديد إحدى الطرق لتكملة صورة إفريقيا في الوعي الإثني- اللغوي الروسي.

5. إجراء تجربة ترابطية تهدف إلى تحديد صورة إفريقيا في وعي اللغة الروسية وتحديد المعايير الترابطية والإدراك الفردي لصورة إفريقيا بين الشعب الروسي.

جمع المادة العلمية: تم الحصول على مادة الدراسة من خلال اختيار مستمر لوحدات اللغة الأفريقية من القواميس التوضيحية للغة الروسية، أعمال أ. بوشكين، إن إس. Gumilyov، K. Chukovsky وV. Shoinka، تتألف من 180 وحدة في 4136 كلمة استخدام ؛ بالإضافة إلى نتائج التجربة الإحصائية وحساب معامل الارتباط، التي أجريت في ثلاث مجموعات عمرية (الأطفال - 107 استبيانات، الطلاب - 110 استبيانات، الكبار - 114 استبيانًا)، إجمالي عدد المنتسبين هو 1161. مواد القاموس الترابطي الروسي لـ Yu.N . كارولوفا، ج. تشيركاسوفا، ن. يوفيمتسيفا، يو. سوروكينا، إي. تاراسوفا (راس).

المنهج: تم استخدام الأساليب والتقنيات التالية في العمل: طريقة الوصف اللغوي، والتي تتضمن الملاحظة، والوصف التحليلي، والمقارنة، والتعميم، وتصنيف المواد التي تم تحليلها، وكذلك طرق التحليل السياقي والمكونات، طريقة المعالجة الإحصائية الأولية للمادة. في دراستنا، نستخدم أيضًا طريقة تجربة الارتباط الحر ؛ يعتبر المجال الترابطي لمحفز الكلمات الأصلي أحد نماذج صورة الوعي.

تمهيد:

كيف تعرَّف الروس على الأدب الأفريقي ؟

بدأ القراء الروس التعرف على الأدب الأفريقي من الفولكلور. في عام 1873، نشرت مجلة سانت بطرسبرغ "المعرفة" "خرافات وحكايات الشعوب البرية". كانت هذه ترجمتين جيدتين من مجموعتين باللغة الإنجليزية. كان المنشور شائعًا جدًا لدرجة أنه تم نشره بالفعل في عام 1874 ككتاب منفصل. في عام 1912، نُشر كتاب "حكايات الشعوب الأفريقية" (مترجم أيضًا من لغات أوروبا الغربية) في موسكو برسوم إيضاحية ممتازة ومقدمة. وفي عام 1937، ظهرت مجموعة من حكايات الزولو الخيالية، جمعها لينينغراد أفريكانست آي إل سنيجيريف.

في نهاية القرن التاسع عشر، تعرف القراء الروس على أعمال الكاتبة الجنوب أفريقية أوليفيا شراينر. في عام 1893، ظهرت ترجمة لرواية شرينر قصة مزرعة أفريقية في روسيا، والتي جلبت لها شهرة عالمية. نُشر في أربعة أعداد من نشرة الأدب الأجنبي، ثم أعيد طبعه عدة مرات في القرن العشرين. وقد تم لفت الانتباه إلى قصة "الجندي بيتر هولكيت". وظهرت ترجمتها في روسيا في نفس العام الذي ظهرت فيه النسخة الأصلية (1897) وأعيد طبعها عدة مرات (في عامي 1900 و1908)، وكان القراء الروس على دراية أيضًا بقصص أوليفيا شراينر.

بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، ظهرت ترجمات عديدة للكتاب الأفارقة (أبيض وأسود و"ملونون") في الاتحاد السوفيتي. كان هذا بسبب حملة اضطهاد كل شيء "غربي" و"إمبريالي". كانت ترجمات معظم الكتاب الأوروبيين إلى اللغة الروسية في حدها الأدنى. من ناحية أخرى، جذب الأدب الأفريقي في الأربعينيات والخمسينيات من القرن الماضي، المستوحى من الكفاح ضد الاستعمار، السلطات والقراء السوفييت. منذ أواخر الخمسينيات من القرن الماضي، نُشرت أعمال الكتاب الأفارقة في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية في طبعات ضخمة (تجاوزت أحيانًا طبعات النسخ الأصلية). للأسف، لم يتم اختيار أفضل أعمال الكتاب دائمًا للترجمة. لم يكن المعيار في كثير من الأحيان القيمة الأدبية، ولكن الاتجاه الصحيح سياسيًا للعمل.

لا يسع المرء إلا أن يتعجب من وفرة الأدب الأفريقي المترجم والمنشور في الاتحاد السوفياتي في الستينيات والسبعينيات. تعرف القراء الروس على أعمال الكتاب من كينيا (نجوجي وا ثيونغو، وجوناثان كاريارا، وجوزيف إيليا كاريوكي، وليونارد سيبيلا، وما إلى ذلك)، والكونغو (مكسيم نديبيكا، ومارتيال سيندا، وأوتامسي تشيكايا، وما إلى ذلك)، ومدغشقر (جان). - جوزيف رابياريفيلو وجاك رابيريانزارا وفلافيان رانيفو وآخرين، ترجم العديد منهم عالم فقه اللغة الرائع إل.آ. كارتاشوفا)، موزمبيق (سيرجيو فييرا، مارسيلينو دوس سانتوس، خوسيه كرافيرينها وآخرون)، نيجيريا (تشينوا أتشيبي، جون بيبر كلارك، غابرييل أوكارا، وولي شوينكا وآخرون)، السنغال (ليوبولد سيدار سنغور، سيمبين عثمان، ديفيد ديوب، بيراغو ديوب وآخرون) ودول أفريقية أخرى. كان الأدب في جنوب إفريقيا ذا أهمية خاصة، وكان موضوعه الرئيسي النضال ضد نظام الفصل العنصري.

 اكتسب الكاتب والشاعر النيجيري تشينوا أتشيبي، روايته الأولى "وجاء الدمار"، شعبية كبيرة بين القراء السوفييت.(1958) تمت ترجمته إلى أكثر من 50 لغة، بما في ذلك الروسية في عام 1964. في هذا العمل، كما هو الحال في العديد من الأعمال النثرية والشعرية الأخرى.

إن ظهور مثل هذا العدد الكبير من ترجمات الأدب الأفريقي في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، تم تسهيله بالطبع من خلال سياسة دعم دراسة اللغات الأفريقية في اتحاد الجمهوريات الاشتراكية السوفياتية. تم تدريس اللغة الأفريكانية والزولو والسواحيلية والهوسا والأمهرية والملغاشية ولغات أخرى على مستوى مهني جيد في جامعة موسكو. وهكذا، منذ أواخر الخمسينيات. حصل القراء السوفييت على فرص كبيرة للتعرف على البلدان الأفريقية وتاريخهم وثقافتهم من خلال الأدب الأفريقي. بطبيعة الحال.

بشكل عام، يمكن القول أن القراء الروس يعرفون القليل جدًا عن الأدب الأفريقي، وخاصة الأدب المعاصر. لا يزال العديد من المؤلفين غير مكتشفين بالنسبة لروسيا. بينما الأدب والتاريخ الروسي لا يزالان موضع اهتمام العديد من الأفارقة. في جنوب إفريقيا، يحظى تشيخوف بشعبية كما كان من قبل، ويتم تقديم تفسيرات لمسرحياته في المسرح كل عام.

مفهوم الوعي اللغوي:

إن دراسة الوعي وبنيته وخصائصه الوظيفية لها تاريخ طويل. قدم المفكرون والعلماء الروس مساهمة كبيرة في دراسة هذه المشكلات. يتميز الاختلاف في نهج الفلاسفة الروس تجاه مشاكل العلاقة بين الوعي والتفكير واللغة بالتوجه الأخلاقي، مع التركيز على موضوع المعرفة - الفرد. في أعماله اللاحقة، مؤسس النظرية النفسية للنشاط العالم السوفيتي الشهير أ. تناول ليونتيف مشاكل وعي الشخصية كمستوى جديد من الوعي ينشأ نتيجة للنشاط الإبداعي للفرد في تبني وتحويل التجربة التاريخية والثقافية، مما يؤدي إلى إثراء صورته عن العالم.

 وفي العلم الحديث تستخدم صور الوعي لفهم مجمل المعرفة الإدراكية والمفاهيمية والإجرائية لحامل ثقافة ما، وكيف يدرك ما حول من عناصر العالم الحقيقي. وأدى تطور اللغويات العالمية والروسية اليوم إلى الحاجة إلى شرح الجوهر النفسي للغة في ارتباطها الوثيق بالشخص ووعيه ونشاطه الروحي والعملي. ومنهج دراسة مشكلات الوعي اللغوي البشري هو الأساس المنهجي الرئيسي لعلم اللغة النفسي الروسي الحديث.

إن مفهوم الوعي اللغوي قريب من مفهوم صورة العالم المقبولة في علم النفس. يُفهم الوعي اللغوي في علم اللغة النفسي المحلي على أنه وعي بوساطة العوامل الخارجية اللفظية. تسمى صور الوعي اللغوي المعرفة الإدراكية والمفاهيمية الخارجية حول جزء من صورة العالم. إحدى هذه الشظايا هي صورة إفريقيا والإفريقية في الوعي اللغوي الروسي.

الوعي اللغوي هو صور للوعي، يتم تخريجها من خلال العلامات اللغوية، يتم نطقها في كلمة (lexeme)، عبارة (عبارة) ونص (texteme). يدمج الوعي اللغوي المعاني العقلية (التي شكلها الموضوع نفسه بشكل رئيسي في سياق الاتصال اللفظي) والمعرفة الحسية (التي يتم الحصول عليها من خلال الحواس في عملية التطور التجريبي للعالم الموضوعي).

و ترتبط التقاليد والعادات والصور النمطية العرقية لسلوك هذا المجتمع الثقافي اللغوي أو ذاك ارتباطًا وثيقًا ببعض "صور العالم" التي تحددها هذه الثقافة في أذهان ممثلي المجموعة العرقية، والتي تبسط عملية إدراك وفهم المعقد. الظواهر الاجتماعية. صورة العالم هي انعكاس للعالم في عقل الإنسان، مدرجة مباشرة في تفاعل الإنسان والعالم. الصورة العرقية للعالم هي عبارة عن موشور ينظر من خلاله الشخص إلى العالم الذي يجب أن يتصرف فيه. من خلال الصورة العرقية للعالم، يتلقى الشخص مثل هذه الصورة عن البيئة. هذه الصورة متعددة الطبقات ومتعددة الأجزاء، وهي عبارة عن هيكل ميداني به نواة ومحيط وحدود ضبابية بينهما.

مصادر تكوين صورة أفريقيا في الوعي اللغوي الروسي:

تقتصر مصادر وطرق تكوين معرفة الشخص الروسي عن إفريقيا على: "الأسرة، والمدرسة، والمجتمع،وسائل الإعلام".

 تعتبر صورة إفريقيا هامشية بالنسبة للوعي اللغوي الروسي، ومع ذلك، فهي تتيح لنا تتبع بعض المصادر وطرق تكوين الصورة اللغوية وهيكلها وروابطها الترابطية.

تتشكل صورة إفريقيا في الوعي باللغة الروسية من خلال التربية الأسرية والتعليم ما قبل المدرسة والعمل المدرسي والمنشورات في وسائل الإعلام والبث الإذاعي والتلفزيوني، وكذلك عند التعرف على النصوص الأدبية لكل من الأدب الروسي والأجنبي، بما في ذلك الأدب الأفريقي. يعد التعليم المدرسي الروسي مصدرًا موثوقًا وموثوقًا لتشكيل صورة إفريقيا في وعي اللغة الروسية، فهو يجدد المفردات والأفكار المفاهيمية للروس حول هذه القارة والأشخاص الذين يسكنونها. يتم استكمال هذه الأفكار اللفظية بالخيال، والإعلام، والتعليم الذاتي، مما يخلق صورة غنية ومتنوعة إلى حد ما لأفريقيا في الوعي العرقي واللغوي الروسي.

إن الانعكاس اللفظي لصورة إفريقيا والأفريقي في الوعي اللغوي الروسي هي أفريقية - وحدات اسمية تحتوي في دلالاتها على إشارة إلى الارتباط بالواقع الأفريقي. بادئ ذي بدء، تشتمل هذه الطبقة على أسماء علم، تبدأ باسم قارة إفريقيا نفسها، وأسماء مشاهير الأفارقة وتنتهي بأسماء عرقية تقف على حدود البروبريا والمفردات المميزة. عدد الأفارقة في القواميس التفسيرية الروسية ضئيل (0.06٪)، ومع ذلك، بالنسبة للجزء الأكبر، يتم تضمينها في المفردات النشطة لشخص روسي وتشكل أساس الإدراك اللفظي لصورة إفريقيا. في الوقت نفسه، توسع النصوص العلمية والأدبية بشكل كبير حدود المفردات الأفريقية، باستخدام مجموعة متنوعة من المفردات والعبارات المتعلقة بوصف الحقائق الأفريقية.

يتكون الوعي اللغوي الروسي الحديث بسبب الخطاب الإعلامي، والمواقف التواصلية المختلفة التي يمكن فيها لعب الموضوع الأفريقي في أنواع مختلفة، بما في ذلك الحكاية. تعكس النصوص الإعلامية، بسبب تفاصيل الأفكار الحديثة حول محتوى المعلومات، بشكل أساسي صورة سلبية للقارة السوداء. توفر الحكاية الروسية معلومات هادفة بشكل إيجابي وذات مغزى فكاهي عن إفريقيا والأفارقة، على الرغم من أنه في الإدراك اللفظي لجيل الشباب يمكن للمرء أن يشعر بأصداء العمليات الاجتماعية الحديثة في البلاد، والنكات التي تعمل في بيئتهم أقل تسامحًا مع الآخرين، بما في ذلك. للأفارقة.

 ويعد الخيال من أهم مصادر تكوين صورة إفريقيا في وعي اللغة الروسية. ينعكس فيه الموضوع الأفريقي، بدءًا من عمل أ.س. بوشكين. يعكس عمل الشاعر الروسي العظيم "مور بطرس الأكبر" النزعات الأفريقية ويعرض على نطاق واسع وجهة نظر الروس في القارة السوداء في النصف الأول من القرن التاسع عشر. ورث الأدب الروسي اللاحق تقليد بوشكين في عكس صورة إفريقيا.

ينظر غوميلوف إلى إفريقيا على أنها مصدر للإلهام الشعري ("للعثور على كلمات جديدة في بيئة جديدة"). أعماله مليئة بالإفريقية بجميع أنواعها. ابتكر الشاعر صورة قارة عظيمة، رائعة، مليئة بالأسرار والمخاطر، إلى جانب الجمال والقوة والعظمة.

وعادة ما يتعرف الأطفال الروس على صورة إفريقيا بناءً على قصائد K.I. تشوكوفسكي. يشمل وعيهم اللغوي أسماء المواقع الجغرافية الأفريقية (ليمبوبو، كليمنجارو، الصحراء، زنجبار، إلخ)، أسماء الحيوانات الأفريقية، إلخ. يتعرف الطفل على الأرض الرائعة وسكانها، ويشكل أفكاره الأولية حول القارة السوداء.

و من المصادر الأدبية الإضافية لتعريف الروس بالحقائق الإفريقية أعمال الكاتب النيجيري الشهير، الحائز على جائزة نوبل وول شوينكا، المترجمة إلى الروسية. يقدمون تقاليد وعادات شعب اليوروبا الأفريقي، ويستخدمون وحدات اسمية وتواصلية مستعارة من هذه اللغة، وجمل تتبع وعبارات باريميولوجية، والعديد من الأسماء الصحيحة. تعمل هذه الوحدات على تفسير صورة إفريقيا في الوعي العرقي واللغوي الروسي. أصبح عمل Vole Shoinka معروفًا في البيئة الثقافية الروسية، ويتم قراءته ودراسته في الجامعات وصالات الألعاب الرياضية ذات التوجه الإنساني، وبالتالي يكون له تأثير على تجديد صورة إفريقيا في وعي اللغة الروسية بمكونات إضافية (مكونات).

تحليل صورة أفريقيا في الوعي اللغوي الروسي:

1. تتشكل صورة إفريقيا في الوعي اللغوي الروسي بسبب الوسائل المحددة للغة - الأفارقة، والتي تتضمن مفردات غير مكافئة، وغرائز. عبارات تصف الحقائق الأفريقية، وأسماء العلم، وكذلك نصوص حول حياة شعوب إفريقيا. عدد الأفارقة في قواميس اللغة الروسية ضئيل (حوالي 0.06٪)، ومع ذلك، فإن عدد استخدامات الكلمات في نصوص الخيال والعلوم الشعبية والأدب العلمي الخاص يشير إلى قدرة هذه المعاجم على نقل قدر كبير من معلومات عن أفريقيا، لتكون وحدات إلزامية لترشيح الحقائق الأفريقية.

2. يبدأ تكوين صورة إفريقيا في شخص روسي في سن ما قبل المدرسة عندما يتعرف على النصوص المشبعة بالأفريقية وأوصاف الحقائق الأفريقية، ويستمر في المدرسة في عملية دراسة مواضيع مختلفة من المناهج الدراسية (التاريخ والجغرافيا، الأدب وعلم النبات وعلم الأحياء وما إلى ذلك). وبالتالي، فإن الدور الرئيسي في تشكيل صورة إفريقيا وأفريقيا هو الإعلام والسينما والعلوم والعلوم الشعبية ؛ والخيال، والتعليم الذاتي، والاتصالات مع سكان أفريقيا. تحتوي الكتب المدرسية والخيال على المخزون النشط الرئيسي من الأفارقة لشخص روسي، والذي يتم استكماله لاحقًا بوحدات من المخزون السلبي من مصادر أخرى.

3 - نشأت الأفكار الروسية الأولى عن أفريقيا في فترة ما قبل القراءة والكتابة، وأصبحت المكونات النووية لصورة أفريقيا في الوعي اللغوي الروسي، والتي أصبحت فيما بعد ثابتة في السجلات الروسية في شكل أسماء المواقع الجغرافية وعدد قليل من التسميات {أفريقيا، الأفريقية، الأفريقية، مصر، المصرية، الأثيوبية، النيل، فرعون)، فيما بعد توسعت هذه الصورة بسبب وحدات المحيط القريب والبعيد.

4. تم وضع أسس مفهوم أفريقيا كقارة بعيدة وغريبة ومغمورة في النص الأدبي الروسي في رواية أ. بوشكين "Arap of Peter the Great"، ثم تطورت هذه الصورة في شعر N. Gumilyov، في أعمال الأطفال لـ K. Chukovsky وفي أعمال أخرى من الأدب الروسي، تلك التي يتعرف عليها الشعب الروسي في عملية التعلم والتعليم الذاتي.

5 - أثر عمل الكاتب النيجيري فول شوينكا الحائز على جائزة نوبل على تكوين صورة أفريقيا في الوعي اللغوي الروسي، والذي تُرجمت أعماله إلى اللغة الروسية ويُنظر إليها على أنها وصف نموذجي للحديث. الحياة الافريقية. تحتوي هذه النصوص على اقتراضات مباشرة من لغة اليوروبا (الغرائبية)، والعديد من الألفاظ الأفريقية، والعبارات اللغوية، وأجزاء نصية تحتوي على وصف للواقع الأفريقي، والتي تشكل فهماً عميقاً لحياة الأفارقة بالنسبة للقارئ الروسي.

6. يعكس الوعي اللغوي للروس أفكارًا غامضة ومشتتة إلى حد ما حول السكان والثقافة والتنمية الاجتماعية والاقتصادية وطبيعة إفريقيا. أصبح التعرف على الزملاء الأكثر شيوعًا والإدراك الفردي لصورة إفريقيا في الوعي الإثنو- لغوي الروسي ممكنًا نتيجة لتجربة ترابطية توضح الشركاء الأكثر شيوعًا التالية: ذوي البشرة الداكنة / الأشخاص السود / السود، الحرارة / حار، أشجار النخيل، الفيلة، النيل، إلخ.

أبرز النتائج:

قد توصل الباحث إيمينكا إلى مجموعة نتائج قيمة قائمة على دراسة إحصائية، ويمكن اختصارها فيما يلي:

بإيجاز، يمكننا أن نذكر أنه في وعي اللغة الروسية، فإن الارتباطات الرئيسية المرتبطة بأفريقيا والأفارقة هي: ذوي البشرة الداكنة / السود / السود، إلخ (200)، الحرارة / الساخنة (142)، أشجار النخيل (49). ويترتب على ذلك أن الوعي اللغوي للروس يعكس بشكل أساسي أفكارًا حول خصوصيات مناخ إفريقيا ولون بشر سكانها.

تقريبا كل عينة عشر مشارك لديه الارتباطات التالية: الشمس (34)، القارة / البر الرئيسي (34)، الرقصات (بتعريفات مختلفة) (32)، الأفيال (31)، الموز (30)، النيل (28)، الصحراء (27) .

تتضمن الإجابات المكررة 10 مرات على الأقل المعاجم: البلد (مع تعريفات مختلفة) (25)، الماس / الذهب، النفط، إلخ. (20)، العادات / التقاليد (15)، المجوهرات (20)، الرياضة (10)، الفقر ( 25)، الجوع (16)، المرض (13)، رحلات السفاري (23)، الغابة (17)، جوز الهند (15)، الفاكهة (13)، الصحراء (14)، مصر (13)، خط الاستواء (10)، الحرارة ( 11). وأشهر الحيوانات البرية في إفريقيا (22) هي: التماسيح (21)، القرود (21)، الزرافات (13)، الأسود (11).

أفريقي في عقل شخص روسي يظهر كرجل / رجل غير روسي (32)، رجل ذكي طويل القامة ومبهج (23) بشعر مجعد (10)، رجل قوي كبير (11)، أفريقي ( 13)، مواطن، من السكان الأصليين (11). الأفريقية هي امرأة سوداء نحيلة طويلة القامة / في فستان طويل متعدد الألوان / مع حلقات حول رقبتها / مع أقراط في أذنيها / امرأة كاملة الشفتين (58). وفقًا لشخص روسي، الأفارقة أناس طيبون (10) أسنان بيضاء (21) وشفتين ممتلئتين (10)، يعيشون في قبائل (17)، لديهم العديد من الأطفال (11)، رياضيون جيدون (12).

لذلك، يمكننا أن نستنتج أن الوعي اللغوي للشخص الروسي يعكس الأفكار الأساسية حول سكان إفريقيا، وثقافتهم، وتطورهم الاجتماعي والاقتصادي، والموقع الجغرافي وطبيعة القارة، وفي الوقت نفسه، ترتبط الجمعيات الرئيسية مع لون بشرة الناس والمناخ الحار للقارة.

على الرغم من العمليات الاجتماعية السلبية في المجتمع الروسي، فإن الآراء العنصرية والشوفينية لم تنعكس عمليًا في وعي اللغة الروسية. هناك القليل من المعلومات السلبية عن أفريقيا، وقبل كل شيء، الأفارقة. في الوقت نفسه، تجدر الإشارة إلى أن الأفكار حول إفريقيا والأفارقة تقع بشكل أساسي على هامش الوعي اللغوي الروسي.

إذا حكمنا من خلال نتائج التجربة، يمكننا أن نستنتج أن الأولاد والبنات في سن المدرسة لديهم نفس الأفكار تقريبًا حول إفريقيا وحقائقها، بسبب مسار المناهج الدراسية، وأفلام العلوم المتحركة والشائعة، والتواصل داخل الأسرة.

الدلالة هي مجموعة من الطلاب يمثلون؟ هم المستجيبون الذين لديهم أفكار جيدة التكوين ومستوى عالٍ من المعرفة والاستعداد للاستجابة.

وتجدر الإشارة إلى أن الطلاب الذكور لديهم المزيد من الارتباطات بالتنمية الاجتماعية والاقتصادية لأفريقيا (51/25) وثقافتها (31/22) وهم أكثر دراية بأسماء العلم المرتبطة بأفريقيا (27/7) ؛ أعطت الفتيات المزيد من الإجابات المتعلقة بالطبيعة (101/120) والموقع الجغرافي لأفريقيا (12/20). من المرجح أن تهتم النساء بسمات المظهر والسمات الشخصية للأشخاص. هذه الاختلافات هي على الأرجح مؤشرات للاختلافات في الوعي اللغوي للذكور والإناث.

في مجموعة البالغين، تسود المستجيبات بشكل كبير - 70 ٪، وبالتالي لا يمكن وصف تحليل الإجابات حسب الجنس في هذه المجموعة بأنه مؤشر.

من إجمالي عدد الجمعيات، هناك 1611 - 550 مرتبطة بالإنسان و574 - مرتبطة بالطبيعة. تعكس هذه النسبة التوجه البشري للوعي اللغوي البشري ومعرفة جيدة إلى حد ما بطبيعة القارة.

في رأينا، تعود نتائج التجربة إلى تفاصيل السؤال المطروح: "ما هي الارتباطات التي لديك بكلمات: إفريقيا، أفريقية، أفريقية؟". عند صياغة السؤال، كنا نهدف إلى الحصول على إجابات من شأنها أن تعكس الارتباطات التي تنشأ على الفور في الوعي اللغوي للأشخاص بكلمات إفريقيا، وأفريقيا، وأفريقيا (السؤال نفسه مرتبط بالفعل بصورة الشخص). في هذا الصدد، ترتبط نسبة كبيرة من الإجابات بأفكار حول الأشخاص. منذ الطفولة، حصل الروس على أفكار حول عالم الحيوان والمناخ الحار في إفريقيا، وهو ما ينعكس في الإجابات. في الوقت نفسه، يشير الملف النقابي للوحدات الأفريقية والأفريقية والأفريقية التي حددناها إلى الحاجة إلى تعميق معرفة الشعب الروسي بالقارة السوداء وسكانها، لزيادة كمية المعلومات المتعلقة بأفريقيا وشعوبها في وسائل الإعلام العلمية.

اقتراحات لتوجيه الدراسات المستقبلية في المجال:

انفتحت آفاق هذا البحث في دراسة الخطاب العلمي المتعلق بوصف أفريقيا وسكانها. في وصف أكثر تفصيلاً للخطاب الإعلامي (تلفزيون، راديو)، في دراسة خاصة لأفلام الرسوم المتحركة وأفلام الأطفال التي يمكن أن تؤثر على تشكيل صورة إفريقيا في وعي اللغة الروسية.

هناك حاجة ماسة إلى دراسة تاريخ ترجمات أعمال العديد من الكتّاب الأفارقة إلى اللغة الروسية، وأعمال الكتاب الإنجليز، والفرنسية، والإسبانية، والمسافرين حول إفريقيا، والتي تؤثر بلا شك على الصورة التي حاولنا أن نستجليها. ومن الموضوعات ذات الصلة أيضًا دراسة التسميات اللغوية لمختلف شعوب إفريقيا وتحديد طرق نقلها باللغة الروسية.

***

بقلم خليل حمد / الكاميرون

....................

المصادر:

Образ Африки в русском языковом сознании

тема диссертации и автореферата по ВАК РФ 10.02.19, кандидат филологических наук Уде Фрайдей Эменка

https: //www.dissercat.com/content/obraz- afriki- v- russkom- yazykovom- soznanii

Ude Friday Emenka. The Image of Africa in the Russian Linguistic Consciousness: dis. PhD in Philology:

10.02.19 - Theory of language. Volgograd. 2008. 240 p.

 Bronguleev.V.V. African diary of N. Gumilyov / V.V. Bronguleev // Our heritage. M., 1988"

Brutyan, G.A. Linguistic picture of the world / G.A. Brutyan // Theory of knowledge: in 4 volumes / ed. V.A. Lektorsky, T.I. Oizerman. M.: Thought, 1991"

 Bukalov, AM Bereg distant / AM Bukalov // Asia and Africa today. 1987.- №2

 

محمد محفوظمفتتح: كثيرة هي المعارك والثورات والنهضات، التي اندثر تأثيرها مع الزمن، إلا معركة وثورة ونهضة الإمام الحسين، حيث أن الزمن يزيد من إشراقها وضيائها.. ففي كل عام يجدد المؤمنون إحياء هذه النهضة، ويستلهم الملايين منها الدروس والعبر.. والذي يتابع حرارة إحياء هذه المناسبة العظيمة، يدرك بعمق أن الزمن وتداعياته، لم يمنع الناس من إحياء هذه المناسبة. فكل المعارك تصغر مع الزمن إلا معركة الإمام الحسين، فإن الزمن يزيد من عظمتها، ويجلي حقائقها وأهدافها وغاياتها النبيلة. وكل الثورات تأفل بأفول القائمين بها، إلا ثورة الإمام الحسين، فإن القائمين بها، يزدادون عظمة وإشراقا وتأثيرا.. وكل النهضات تتراجع أهدافها وأولوياتها وغاياتها مع الزمن، إلا نهضة الإمام الحسين فإن الزمن يؤكد أهدافها، وتبقى أولويات الإصلاح والحرية والكرامة هي الشاخصة والسائدة..

فثورة الإمام الحسين وعبر الحقب الزمنية المتطاولة، هي أم الثورات ومنطلق النهضات ونموذج المعارك الخالدة. والإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه وأنصاره، هم قدوة الثائرين، وأسوة المنعتقين من كل الأغلال من أجل العزة والكرامة.. فهم الهداة إلى الحرية في زمن انعدامها وغيابها، وهم أئمة الكرامة في كل زمن تمتهن فيه كرامة الإنسان وتسحق مقدساته، وهم المثل الأعلى في التضحية والعطاء في كل زمن يبخل الناس عن العطاء والتضحية.. فثورة الإمام الحسين هي مستودع القيم والمبادئ الإسلامية، كما أنها اللحظة التاريخية التي أثبتت بشكل لا لبس فيه أن الدم ينتصر على السيف، وأن الظلم مهما تمادى واستفحل فهو إلى زوال..

أضواء على الإمام الحسين:

عاش الإمام الحسين ثمانية وخمسين عاما، توزعت بالطريقة التالية: ثماني سنوات في حجر رسول الله في المدينة المنورة، ثلاثون عاما عاشها مع أبيه في المدينة المنورة والكوفة، عشر سنوات عاشها مع أخيه الإمام الحسن في المدينة المنورة، ما يقارب العشر سنوات عقب استشهاد الإمام الحسن تسلم خلالها إمامة الأمة. قضى منها تسع سنين ونصف في المدينة والستة الأشهر الأخيرة من مسيرته، قضى أربعة منها في مكة بجوار بيت الله، والشهران المتبقيان تصرما بين المدينة ومكة و القسم الأعظم منها كان مسير مكة والكوفة وكربلاء، ثم توقف في كربلاء ثمانية أيام ليستشهد بعدها ظهيرة عاشوراء سنة(61) هـ.

والمكتبة الإسلامية اليوم، تضم ما يقارب 4956 كتابا ومقالا عن الإمام الحسين على حسب ما استقصاه الشيخ عبد الجبار الرفاعي في موسوعته المسماة«معجم ما كتب عن الرسول وأهل البيت».

أضواء على كربلاء:

1- ذكرت المصادر على أن عدد القتلى في جيش عمر بن سعد بلغ(88) شخصا، إلا الشيخ مهدي الحائري المازندراني، صاحب معالي السبطين، فإنه أوصل عدد القتلى إلى(150 ألفا). وعدد شهداء عاشوراء يتراوح في المصادر بين(73) شهيدا أو(107) من الشهداء، وعلى أكثر الأقوال(233) شهيد.

2- عدد أصحاب الإمام الحسين حال نزوله كربلاء، 69 رجلا وارتفع العدد بانضمام 20 رجلا من جيش عمر بن سعد، فبلغ المجموع 89 رجلا. وفي كتاب بحار الأنوار وصل عدد أصحاب الحسين إلى ألف راكب ومائة راجل.

3- عدد الجروح التي أصيب بها الإمام الحسين تراوحت في كتب التاريخ والسيرة من 63 إلى120 و 320 إلى 1900 جرحا، وأوصل البعض عدد الجراحات إلى 4180 جرحا.

4- تعددت روايات المؤرخين، حول عدد الجيش الأموي في معركة كربلاء. وجاء في الكتب أن عدد الجيش الأموي كالتالي:

ألف مقاتل كما جاء في تذكرة الخواص، أربعة آلاف في تاريخ اليعقوبي، وستة آلاف في مناقب آل النبي، وثمانية آلاف في مرآة الزمان في تواريخ الأعيان، واثنا عشر ألفا في الدر النظيم، وعشرون ألفا في الصواعق المحرقة، واثنان وعشرون ألفا في شذرات الذهب، وثلاثون ألفا في عمدة الطالب. ووصل العدد في بعض الكتب إلى مائة ألف. ويذهب المتتبعون المعاصرون إلى أن الأقرب للصحة هو أن عدد الجيش الأموي الذي واجه الإمام الحسين في كربلاء هو ثلاثون ألفا. ويستندون إلى رواية مذكورة في آمالي الصدوق عن الإمام زين العابدين أنه قال: (ولا يوم كيوم الحسين ازدلف عليه ثلاثون ألف رجل يزعمون أنهم من هذه الأمة! كل يتقرب إلى الله عز وجل بدمه!! وهو بالله يذكرهم فلا يتعظون حتى قتلوه بغيا وظلما وعدوانا...) (1).

قيمة عاشوراء:

وقيمة يوم عاشوراء، هو أنه اليوم الذي تجلت فيه كل القيم والمبادئ، حيث برزت فيه قداسة الحق وشرف التضحية وخلود العطاء الذي بذله الإمام الحسين وأهل بيته وأصحابه. وقد لا نجد في تاريخ الإنسانية كلها، يوم تجلت فيه كل قيم الخير والعطاء والتضحية من جهة الإمام الحسين وصحبه، ومن جهة أخرى تجلت العنجهية بأبشع صورها والأنانية بكل مخزونها المقيت من جهة الجيش الأموي بقيادة عمر بن سعد. فهو اليوم – القضية – الذي تجسدت فيه عناوين المعركة الإنسانية عبر تاريخها المديد. [إنه يوم لم يعرف المسلمون بعد، حقه عليهم، ولا واجبهم تلقاءه. وإن الأقدار لم تدع رؤوس أبناء الرسول تحمل على أسنة رماح قاتلهم، إلا لتكون (مشاعل) على طريق الأبد للمسلمين خاصة، وللبشرية الراشدة كافة، يتعلمون في ضوئها الباهر: أن الحق وحده هو المقدس. وأن التضحية وحدها هي الشرف. وأن الولاء المطلق للحق، والتضحية العادلة في سبيله: هما وحدهما اللذان يجعلان للإنسان وللحياة قيمة ومعنى] (2).

وعليه فإن من أراد الهدى، يجده في عاشوراء، ومن يتطلع إلى العزة يجدها مجسدة في كربلاء، ومن يبحث عن التضحية يكشف أجلى صورها في كربلاء الحسين .

واللحظة العاشورائية، ليست وليدة الصدفة، وإنما هي الجواب الرسالي، على عمليات التضليل والهيمنة والاستبداد التي تنخر في جسم الأمة آنذاك، وتستهدف تزييف وعيها، وإخراجها من مقتضيات قيمها ورشدها. والإمام الحسين لم يخرج من أجل مكاسب آنية، وإنما خرج لتقويم الاعوجاج ورفع الغطاء عن كل القوى والفعاليات التي تعيث فسادا في جسم الأمة على أكثر من صعيد.

فالإمام الحسين في كربلاء واجه:

الزيف والتضليل، وأبان أصالة القيم الإسلامية.

وواجه الاستئثار والاستفراد والاستبداد، بعطائه اللامحدود وتضحياته الكبرى والنموذجية.

وواجه الخوف والصمت والهروب من تحمل المسؤولية بصرخات العزة ومناقبيات العظماء.

فأعاد للأمة جمعاء عزها ورشدها وعنفوانها الأصيل.

فكان الإمام الحسين تجسيدا صريحا لوصية الإمام علي بن أبي طالب إليه وإلى أخيه الإمام الحسن حين قال لهما [أوصيكما بتقوى الله، ولا تبغيا الدنيا وإن بغتكما، ولا تأسفا على شيء منها زوي عنكما، افعلا الخير، وكونا للظالم خصما، وللمظلوم عونا] (3).

فقيمة عاشوراء تتجلى في أنها اللحظة التي تم الانتصار فيها للقيم والمبادئ الإسلامية والإنسانية، والوقوف بصلابة ضد كل الانحرافات والسلوكيات المسيئة للإسلام والأمة في الحكم والسياسة.

و[لقد واجه الإمام الحسين وضعا استثنائيا مترديا في الأمة حيث انقلب كل شيء رأسا على عقب، فإذا بالمنابر قد تحولت من وسائل للإرشاد والهداية، إلى وسائل للسب والشتم واللعن، وإذا بالسيوف التي شهرها الإسلام في وجه الكفر، تنقلب لمواجهة أهل البيت عليهم السلام، وإذا بالزكاة التي فرضت لتطهير النفوس وتزكيتها تصرف في شراء الضمائر.كما أن الحاكمين الذين أخذت البيعة لهم عن طريق الإكراه، أو عن طريق الترغيب، كانوا يحكمون باسم رسول الله، ومن هنا فإن معركة الإمام الحسين تحظى بالأهمية القصوى، تماما كما إن لمعركة الإمام علي، ومعركة النبي أهميتهما القصوى أيضا.

ذلك لأن الانتصار النهائي للدين، ليس في أن يصبح باسمه حاكمون على وجه الأرض، وإنما الانتصار الحقيقي، أن تكون الحاكمية الفعلية للقيم، والمبادئ التي ينادي بها الدين، فما دامت المبادئ والقيم تتعرض للتحريف والتزييف. فلا قيمة للشعارات، ولا قيمة للإطارات.

والإسلام يجعل المقياس النهائي، هو الإيمان والعمل الصالح، وليس مجرد الشعار.

ومن هنا فإن انتصاره النهائي، هو انتصار قيمه ومبادئه ومحتواه، وهذا ما كان مفقودا في الظروف التي ثار فيها الإمام الحسين] (4).

و[إن الحسين كجسد قتل قبل أكثر من ألف عام، ولكنه كمبدأ، وكقضية، وكرسالة، موجود في كل عصر، وفي كل زمان. وثورته لا شك هي ثورة الإنسان، كما أراده الله، وثورة الإسلام كما أنزله الله] (5).

فحينما يتمسك الإنسان بقيمه، ويحمل مشعل قضيته المقدسة والمشروعة، تتضاءل كل الصعوبات، ويزداد إصرار الإنسان بإرادته، على القبض على أهدافه وغاياته النبيلة. ألم يقل على الأكبر لأبيه حينما سمعه { يسترجع}: يا أبه ! أولسنا على الحق؟ قال: بلى، والذي بيده أرواح العباد. قال: إذن لا نبالي، أوقعنا على الموت أو وقع الموت علينا] (6).

هكذا تكون التضحيات، وبهذه النماذج تتحقق الانتصارات في كل زمان ومكان.

وحينما يكون الجهاد من أجل رفع راية الإصلاح في الأمة، وتحقيق عزتها، يكون الموت أحلى من العسل. ألم يقل الإمام الحسين [إني لا أرى الموت إلا سعادة والحياة مع الظالمين لا برما] (7).

ويعلمنا التاريخ [إن كل الذين تقاعسوا عن نصرة الحق، وكل الذين برأوا الجلاد، وأدانوا الضحية وقعوا في قبضة الجلاد نفسه وصاروا طعمة لسيفه.

فاللذين تخاذلوا عن نصرة مسلم بن عقيل في الكوفة، وتركوا لابن زياد فرصة القضاء عليه، هؤلاء قتلوا فيما بعد بسيف ابن زياد نفسه] (8).

فالمهم أبدا ودائما هو الكفاح الإنساني المتواصل، من أجل طرد كل العناصر المسيئة إلى العدالة والحرية والمساواة الإنسانية.

وإن قداسة عاشوراء في ضمير الأمة، هي من قداسة الإمام الحسين والقيم التي رفعها ودافع عنها، وضحى من أجلها. فـ [قداسة الإمام الحسين المثل الأعلى في ضمير ووجدان الأمة هي التي أسبغت على عاشوراء كل هذه القداسة وهذه الرمزية في الزمان. فكان (كل يوم عاشوراء)، وهي التي نشرت كربلاء على كل الأرض عنوانا لميدان انتصار دم الحق على سيف الباطل، فكانت (كل أرض كربلاء). فبه عليه السلام صارت فاجعة عاشوراء (مصيبة ما أعظمها وأعظم رزيتها في الإسلام وفي جميع السماوات والأرض) * ولولاه عليه السلام لكانت واقعة الطف بكل ما غصت به من فجائع أليمة مأساة يذكرها الذاكر فيأسف لها كما يأسف لكثير من وقائع التاريخ الأليمة الأخرى المقيدة بحدود الزمان والمكان] (9).

فقيمة عاشوراء من قيمة سيد الشهداء، وتضحياته هو وأهل بيته وأنصاره الميامين، ومن الآثار الكبرى التي تركتها هذه الثورة في مسيرة الأمة في أبعاد الزمن الثلاثة. [لهذا كشفت عاشوراء عن وحدة وجودية لا انفكاك لها بين الإسلام المحمدي الخالص وبين الحسين، فصارت الدعوة إلى الإسلام بعد عاشوراء هي عين الدعوة إلى الحسين عليه السلام، وبالعكس، وصارت مواجهة الحسين ومعاداته بعد عاشوراء هي عين مواجهة هذا الإسلام ومعاداته، وبالعكس، وصار بقاء الإسلام بعد كربلاء ببقاء عاشوراء الحسين . فالإسلام محمدي الوجود حسيني البقاء] (10). لذلك يقول الإمام الصادق [يا ابن شبيب، إن سرك أن تلقي الله عز وجل ولا ذنب عليك فزر الحسين، يا ابن شبيب، إن سرك أن تسكن الغرف المبنية في الجنة مع النبي فالعن قتلة الحسين، يا ابن شبيب، إن سرك أن يكون لك من الثواب مثل ما لمن استشهد مع الحسين فقل متى ما ذكرته: يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما] (11).

لماذا عاشوراء:

إن سفر الحياة المفتوح، يعلمنا أن البطولات والتضحيات الإنسانية النبيلة، والتي تتجسد بكل معانيها ومستوياتها في كربلاء الحسين، هي عنوان الحضور والشهود، وهي صناعة للتاريخ وفق مقاييس القيم ومتطلبات المثل العليا. فالإمام الحسين بتضحياته وفعله الاستشهادي في سبيل الله والإصلاح في أمة المسلمين، قد كرس خطا جهاديا في مسيرة الأمة ضد كل مظاهر الزيغ والانحراف والخروج من ضوابط القيم ومتطلبات الاعتقاد الديني. فالحسين ضرورة لكل العصور، لما يجسده من قيم ومبادئ ومثل إسلامية عليا.

وعاشوراء الفداء التي سطر مفرداتها ثلة من المؤمنين المخلصين، هي التي أمسكت دفة التاريخ، وتحكمت بشكل أو بآخر في مسار العديد من ظواهر التاريخ الإسلامي بعد معركة الطف.

فعاشوراء مناسبة تاريخية مستمرة، لاستيعاب دروس التضحية والفداء، وهذا الاستيعاب يتم وفق النظرة العميقة والمنهج الدقيق والقصد الشريف. ولا نعدو الصواب حين القول: أنه ليست هناك مناسبة تاريخية في الدائرة الإسلامية، استطاعت أن تثير الوعي والضمير، والفكر والوجدان باتجاه الخير بكل صوره وأشكاله، بمثل مناسبة عاشوراء واستشهاد الإمام الحسين بن علي عليهما السلام. ففي هذه المناسبة تنمو نوازع الخير وتخبو نوازع الشر والطغيان. وكل ذلك بفعل الزخم العاطفي والتربوي الذي تحدثه هذه المناسبة العظيمة في نفوس أبناء مدرسة أهل البيت عليهم السلام.

لذلك فإن الاحتفاء بعاشوراء والاستمرار في إحياء ذكرى الطف وأهوالها، ليس من أجل الانحباس في التاريخ، وإنما من أجل أن تأخذ القيم التي نهض من أجلها الإمام الحسين طريقها في راهننا، وتتبوأ موقعها في حياتنا المعاصرة. فعاشوراء وفق هذا المنظور ضرورة راهنة، لأنها مناسبة تاريخية تدفع المجتمع بكل أطيافه وطبقاته وشرائحه إلى التفاعل مع قيم الفداء والتضحية والنبل والوفاء، وما أحوجنا اليوم إلى تلك القيم، التي تغرس في محيطنا الاجتماعي كل موجبات الانعتاق والتحرر من كل رواسب الجاهلية.

فعاشوراء طريقنا لتربية الأجيال وفق قيم الإسلام الخالدة، وسبيلنا إلى تذليل كل العقبات التي تحول دون التفاعل الاجتماعي المطلوب مع تلك القيم والمبادئ.

وملحمة كربلاء تحولت إلى رمز وأنموذج للنهضة الأصيلة، التي جمعت في واقعها وعناصرها وعواملها كل شروط الإسلام، ودروس الرسالات السماوية عبر التاريخ.

" وكربلاء ليست مدرسة للبطولة الثورية فقط، وإنما هي أيضا، مدرسة لبطولة الإنسان حينما يخرج من ذاته، من شح نفسه، من حدوده الضيقة، ليملأ الدنيا شجاعة وبطولة. كربلاء مدرسة الوفاء، مدرسة التبتل والضراع، مدرسة الحب والتضحية، مدرسة العلم والتقوى، بالإضافة إلى أنها مدرسة الجهاد والاستشهاد " (12).

وبالتالي فإن ملحمة كربلاء تحولت إلى مسيرة عبر التاريخ، واحتفاؤنا بهذه الذكرى الأليمة، هو في جوهره تعظيم لكل إنسان مسلم يضحي في سبيل دينه وأمته، وإلى كل مجتمع يقف ضد كل أشكال الزيغ والزيف، وتكريم لكل دم أريق في سبيل الإصلاح والحرية والكرامة. من هنا فإن [كل أرض كربلاء وكل يوم عاشوراء].

" وبكاؤنا ليس وسيلة للعجز، وحزننا ليس يأسا وأداءا للانطواء، إنما هو أمل يفتح لنا الطريق واسعا، ويسد أمامنا أبواب الخزي والتخاذل والغرور والخداع الذاتي. وتجديدنا لذكرى الشهداء ليس طريقا للتعويض بهم عن شهادتنا وعن تضحياتنا. إن بكاءنا تنديد بالظلم، وعويلنا وصراخنا، إنما هو صراخ الضمير الحر والحي النابض في وجدان أمتنا، وصراخ النفس الأبية ضد العبودية والطغيان. وبالتالي هو وسيلتنا للتعبير عن سخطنا واعتراضنا المغلف بالحزن والأسى على الفساد المنتشر في أنحاء الأرض. وتكريمنا للشهداء معراجنا إلى ذلك المستوى الأسمى الذي بلغه هؤلاء الأبرار " (13).

فعاشوراء مدرسة تربوية متكاملة، نتعلم منها كيف ننتصر على ذواتنا ونصل إلى مستوى الصديقين، وكيف نخرج من جمودنا وسباتنا من أجل الحق والحرية، وكيف نتحمل كل المكابدات والصعوبات في سبيل الأهداف المقدسة والمشروعة، وكيف نضحي بأعز ما نملك من أجل تحرير الآخرين من ربقة الذل والعبودية. إنها مدرسة انتصار الدم على السيف، ومدرسة الاستغفار والتوبة والقرب إلى الله سبحانه وتعالى عبر الصلاة والدعاء وتلاوة الذكر الحكيم وفعل الصالحات.

فعاشوراء نور عبر التاريخ، ينير لنا دروبنا، وتبلور تطلعاتنا، ونبراسا مضيئا لكل حياتنا. وبفعل التراكم التاريخي، تحولت منابر عاشوراء، إلى وسائل للدعوة والهداية والإرشاد، وتعميق مفاهيم الدين الحنيف في المحيط الاجتماعي، وزيادة منسوب الوعي الديني والحياتي. فعاشوراء مدرسة متكاملة، تغذي العقل والروح، وتشحذ العاطفة والوجدان، وتوصل التاريخ بالراهن، وتطهر الضمائر من رواسب الزيغ والتحريف والتبرير، وتبلور للإنسان الموقف والموقع المناسب من معارك الوجود. فحينما ينادي الإمام الحسين في أرض المعركة [والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أفر فرار العبيد]. أو قوله [إن الدعي ابن الدعي قد ركز بين اثنتين، بين السلة والذلة، وهيهات منا الذلة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله...]. أو قوله [ألا وإن هؤلاء قد تركوا طاعة الرحمن، وأطاعوا الشيطان، واتخذوا مال الله دولا، وعباده خولا...] (14). فإنه يرسم نهجا لكل المؤمنين والأحرار، بأن الحرية لا توهب أو تعطى، وإنما هي تؤخذ وتكتسب بالجهاد والتضحية والفداء. فلا حرية حقيقية بدون جهاد وتضحية. وعاشوراء الحسين تعمق هذه العلاقة السببية بين التضحية والحرية، بين الإصلاح والعمل والكسب الإنساني، بين الظاهر والباطن، بين اللسان والقلب، بين القول والفعل. فالقيم الإسلامية منظومة متكاملة، تتعاطى مع كل العناصر والدوائر.

وهكذا تعلمنا عاشوراء، إننا بإمكاننا أن نتحول من التبرير إلى المسؤولية، ومن الجمود إلى الحركة، ومن الخضوع إلى المقاومة، ومن الانتظار السلبي إلى الفعل الإيجابي، ومن التواكل إلى التوكل، ومن ليس بالإمكان أفضل مما كان، إلى اجتراح الفرادة الذاتية والإبداع.

وعلى المستوى التاريخي والواقعي، تماهت قيم العزة والكرامة والحرية مع السبط الشهيد. فالمطلوب أن نكون حسينيين في عزتنا وكرامتنا، كربلائيين في حريتنا وعنفواننا. ولهذا فإن الحسين تحول من فرد إلى قضية ومشروع، ومن شخص إلى منهج، يجيب على كل التساؤلات والاستفهامات التي تعترض طريق المصلحين عبر العصور. لهذا فإن [الحسين مصباح الهدى وسفينة النجاة] (15). لذلك نجد أن الإمام الحسين أعلن لأصحابه مساره، وإلى أين يتجه، فلم يضلل أحدا، أو يمني أحدا بجاه أو منصب، وإنما أعلن الخروج على يزيد بن معاوية لانحرافه واستهتاره بقيم الدين والشريعة المقدسة.

ففي مكة وقبيل مغادرتها باتجاه الكوفة، قام السبط خطيبا وقال [الحمد لله وما شاء الله، ولا قوة إلا بالله، وصلى الله على رسوله. خط الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخير لي مصرع أنا لاقيه، كأني بأوصالي تقطعها عسلان الفلوات بين النواويس وكربلاء فيملأن مني أكراشا جوفا، وأجربة سغبا، لا محيص عن يوم خط بالقلم، رضا الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه ويوفينا أجور الصابرين، لن تشذ عن رسول الله لحمته، بل هي مجموعة له في حضيرة القدس، تقربهم عينه، وينجز بهم وعده.. ألا ومن كان باذلا فينا مهجته، موطنا على لقاء الله نفسه، فليرحل معنا فإني راحل مصبحا إن شاء الله تعالى (16).

فالهجرة من مكة لم تكن هروبا، وإنما استجابة لدعوة المسلمين وتحملا للمسؤولية، وحملا للأمانة المقدسة. فالحسين باستشهاده أيقظ ضمائر الناس، وعاشوراء لا زالت تمارس هذا الدور على مر العصور.

فالاحتفاء بعاشوراء واستدرار الدموع على أبي عبدالله وأنصاره الكرام، هو احتفاء بالضمير الحي وبالوعي الديني الذي يقف ضد كل أشكال الخروج من ربقة الدين، وهو احتفاء بذلك الإنسان البطل الذي تخلى عن كل شيء من أجل الدفاع عن دينه ومبادئه المقدسة. [ألا ترون إلى الحق لا يعمل به، وإلى الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء الله محقا] (17). فمن عاشوراء يتم استلهام دروس التصدي والتحدي والاستقامة، ومن ذكراها العطرة ومدرستها الجهادية يتم خروج الأبطال والمضحين بكل ما يملكون في سبيل دينهم وأمتهم.

فعاشوراء مدرسة للالتزام وتعميق عناصر الإيمان في النفس والسلوك، وهي منبر إعلامي عبر التاريخ لفضح الظالمين، وتعرية المتخاذلين والمستسلمين، وبلورة الموقف الرسالي من أحداث الواقع.

وفي خضم التحديات الكبرى التي تواجه الأمة الإسلامية اليوم، نحن أحوج ما نكون إلى مدرسة عاشوراء، وقيمها ومبادئها، لأنها هي التي تبلور لنا معاني العزة والكرامة. وذلك لأن الإنسان الذي ينتصر على ذاته، وعلى ما فيها من تردد وازدواجية وعجز، ويتغلب على الرهبة من الحياة، يكتشف ما أودع الله عز وجل في كيانه من كنوز، من العقل والإرادة والضمير النابض. إن هذا الإنسان هو القادر على تغيير المعادلات، ومواجهة التحديات، واجتراح الانتصارات والمكاسب.

حاجتنا إلى عاشوراء:

عديدة هي المشاكل والأزمات والتوترات، التي يعيشها الاجتماع الإسلامي المعاصر. ولا علاج ناجع لهذه إلا بتوفر إرادة مجتمعية، تتجه صوب تفكيك موجبات كل المظاهر السيئة والأزمات المتلاحقة التي يعيشها الاجتماع الإسلامي المعاصر.

وفي تقديرنا أن قيم عاشوراء، هي روافع الأمة اليوم، للخروج من هذه الأزمات والمشاكل. فحاجتنا إلى عاشوراء، تنبع من حاجتنا إلى قيم النهوض والانعتاق من آسار وربقة كل الأزمات والتوترات التي نعانيها على أكثر من صعيد ومستوى. ولا شك أن حاجتنا ماسة اليوم، لاستلهام الثالوث القيمي التالي من مدرسة كربلاء وأحداث الطف الأليمة:

1- الكرامة الإنسانية:

فعاشوراء الحسين تربطنا ارتباطا جوهريا بقيمة الكرامة. وتعلمنا أن الإنسان أو المجتمع الذي تمتهن كرامته وتهدر حقوقه الإنسانية، عليه العمل والسعي والجهاد لإزالة الذل وصيانة الكرامة الإنسانية والمحافظة على حقوق الإنسان.

لذلك نجد أن الإمام الحسين يخاطب أعداءه قائلا لهم [والله لا أعطيكم بيدي إعطاء الذليل ولا أقر لكم إقرار العبيد] (18).

فالإنسان المسلم ينبغي له أن لا يقف موقفا سلبيا لا أباليا تجاه أي طرف يمتهن كرامته ويدوس مقدساته وينتهك حقوقه، وإنما عليه اتخاذ الموقف الإيجابي الذي يتجسد في صناعة الوعي الذي يدفع الجميع إلى المطالبة بكرامتهم المسلوبة، والعمل بكل الطاقات والإمكانات لإعادة الحقوق المستلبة.

فعاشوراء الحسين ليست حبيسة الماضي، وإنما تطل على الإنسان المسلم بقيمها ومبادئها ومثلها وآفاقها ودروسها وجهادها ودمائها على حاضر الإنسان، لكي تدفع الراهن نحو التشبث بالكرامة الإنسانية حتى لو تطلب الأمر التضحية بالنفس في سبيل صون الكرامة الإنسانية. وذلك لأن صون الكرامة الإنسانية، من أهداف الدين وغاياته العليا، التي ينبغي المحافظة عليها، وخلق الوقائع المجتمعية التي تحميها وتطور آفاقها في الواقع الاجتماعي. فقد قال الله تعالى [ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا] (19).

كما أن مدرسة كربلاء تعلمنا أن صون الكرامة الإنسانية بكل متطلباتها وآفاقها، بحاجة إلى الدفاع المستميت عنها، والجهاد الدائم من أجل صونها، وغرس الوعي اللازم لممارستها. فحاجتنا إلى عاشوراء الحسين، تتجسد في حاجتنا إلى قيم الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان. فهي سبيلنا لتعلم هذه القيم، وغرسها في نفوس أبناء مجتمعنا، وعقد العزم على اعتبارها من أولويات وجودنا الإنساني، الذي ينبغي أن نعمل ونجاهد من أجل تحقيقها وصونها في واقعنا المعاصر.

لذلك نجد أن الإمام الحسين لم ترهبه الكثرة المدججة بالسلاح، ولم تهزمه الحشود البشرية التي تجمعت إلى قتاله، وإنما جميع هذه المظاهر زادته عزيمة على صون كرامته والدفاع عن مقدساته وقيمه العليا.

ما تعلمنا إياه مدرسة عاشوراء، أن صون الكرامة الإنسانية مطلب ديني وحضاري وإنساني، وينبغي أن ندافع عن هذه القيمة بكل ما نملك من إمكانات وطاقات. فالمطلوب دائما أن نشعر بعزتنا وكرامتنا، وندافع عنهما بالكلمة والوعي وخلق الوقائع المعبرة عن هذه القيم، والاستعداد الدائم بكل مستوياته للدفاع عنهما. فعاشوراء تعلمنا ضرورة أن نكون أكثر شفافية تجاه كرامتنا الإنسانية وعزتنا الدينية، حتى لا نسمح لأي طرف أن ينتقص من كرامتنا أو يذوّب جزءا من عزتنا.

والكرامة الإنسانية هي بوابة الحرية، إذ لا حرية لمن لا كرامة له. أي أن الكرامة الإنسانية هي التي تدفع الإنسان إلى دفع ثمن الحرية، وهي التي تجعله يدافع عنها ويحميها من كل المخاطر والشرور. لذلك نجد أن الإمام الحسين يؤكد على قيمة الكرامة والعزة، ويحث القوم إلى استعادتهما والانعتاق من ربقة الذل والمهانة. وذلك لأن الإنسان الذليل لا يستطيع أن يحافظ حتى على حقوقه الشخصية فضلا عن حقوق الأمة. وعاشوراء الحسين تغرس في نفوسنا جميعا الاستعداد التام للدفاع عن كرامتنا وعزتنا.

والأمة التي تمتهن كرامتها، ترتهن إرادتها. بمعنى أن الأمة التي تهان كرامة أبنائها، ويداس على قيمها ومبادئها، ولا تحرك ساكنا ولا ترفض الظلم والضيم، فإن هذا الامتهان هو البوابة الكبرى لدخول الأمة جمعاء في براثن التبعية والذيلية وارتهان إرادتها واستقلالها وقرارها لصالح العدو الحضاري للأمة. لذلك فإن الدفاع عن الكرامة، هو دفاع عن استقلال الأمة ومستقبلها. فامتهان الكرامة، يعني المزيد من الإخضاع والتركيع، والوقوف بوجه كل المحاولات التي تستهدف النيل من كرامة الأمة وعزتها، يعني الوقوف ضد كل من يحاول تحريف مسيرة الأمة وتزييف قناعاتها وسرقة جهودها وجهادها، والعمل الجاد ضد كل محاولات الارتهان والتبعية بكل صورهما وأشكالهما.

لذلك فإن امتهان كرامة إنسان، دون التصدي لعملية الامتهان والتحقير، يعني على المستوى العملي، انتقال هذا الامتهان إلى الجميع. وذلك لأنه من يجرؤ على امتهان كرامة إنسان، فإنه سيستمر في جرأته إذا لم يردعه رادع لتطال كل المجتمع والأمة. قال تعالى [من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فكأنما أحيا الناس جميعا ولقد جاءتهم رسلهم بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون] (20).

2- الحرية:

الحرية في الرؤية الإسلامية، ليست بعيدة عن مرجعية التوحيد، وإنما هي منبثقة من هذه المرجعية، وهي التي تعطي للحرية معنى وهدفا وتشريعا.

والشرك العقدي أو السياسي، يعيق من انطلاقة مقولة وفكرة الحرية ويضيف لها أبعادا ومضامين مناقضة للمفهوم الجوهري للحرية.

لهذا فإن جميع المصلحين عبر حقب الزمن المتطاولة، ينادون بالحرية، ويعملون من أجل تجسيدها في الواقع الخارجي.

وإن الحرية كقيمة فردية ومجتمعية، بحاجة إلى من يدافع عنها، ويبشر ببركاتها.

والإمام الحسين حينما رأى الاستئثار والاستبداد وتكميم الأفواه وإفساد حياة المسلمين السياسية، وقف في وجه هذه الممارسات، معلنا بصوت صريح معارضته لتولي شؤون الأمة [يزيد بن معاوية] وهو الذي قال في حقه سيد الشهداء [أيها الأمير، إنا بيت النبوة، ومعدن الرسالة، ومختلف الملائكة، بنا فتح الله وبنا ختم، ويزيد رجل فاسق، شارب الخمر، وقاتل النفس المحترمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن نصبح وتصبحون، وننظر وتنظرون، أينا أحق بالبيعة والخلافة] (21).

وحينما تمادى الطغاة في فسادهم وانحرافهم، ضحى الإمام الحسين بكل ما يملك في سبيل حرية الأمة وصون مقدساتها وكرامتها.

وكما نعلم جميعا فإن الإنسان الذي لا يتمتع بالحرية، لا يستطيع إنجاز عدالته. كما أن الإنسان الذي يعيش واقعا اجتماعيا بعيدا عن العدالة وتسوده حالة الظلم فإنه لن يستطيع أن يدافع عن حريته ويجذرها في واقعه العام. فلا حرية بدون عدالة في كل المستويات. لذلك فإن رفض الظلم بكل صوره ومستوياته، والوقوف بوجه الظالمين هو بوابة إنجاز مفهوم الحرية في واقع المسلمين.

من هنا ندرك طبيعة الحركة التي أقدم عليها سيد الشهداء، فهو رفض الظلم ووقف بوجه الظالمين، وضحى بكل ما يملك في سبيل رفع الظلم عن الأمة.

وتعلمنا عاشوراء أنه لا حرية بدون أحرار، ولا ديمقراطية بدون ديمقراطيين. وإن كل حرية بلا أحرار، هي حرية شكلية، وأن كل ديمقراطية بدون ديمقراطيين هي شكلية أيضا.

وإن حجر الزاوية في مشروع الحرية، هو وجود الإنسان الحر، الذي يترجم قيم الحرية، ويدافع عن مقتضياتها ومتطلباتها.

لذلك نجد الإمام الحسين يصرخ في وجه أعدائه [يا شيعة آل أبي سفيان، إن لم يكن لكم دين وكنتم لا تخافون المعاد، فكونوا أحرارا في دنياكم، وارجعوا إلى أحسابكم إن كنتم عربا كما تزعمون] (22).

فالحرية كممارسة، ليست خطابا يلقى، أو ادعاءا يدعى، وإنما التزام وتضحية وإرادة إنسانية صلبة تتجه نحو التمسك بالحرية ومقتضياتها. وحيث تتوفر الإرادة الإنسانية المتجهة صوب الحرية، تتحقق بذات القدر حقائق الحرية. فحجر الزاوية في مشروع ممارسة الحرية، هو الإرادة الإنسانية. وهذا بطبيعة الحال، بحاجة إلى تربية وتأهيل وتدريب واستعداد نفسي تام للقيام بكل مقتضيات الحرية.

وعاشوراء الحسين، هي أحد المدارس الكبرى التي نتربى فيها على قيم الحرية ورفض الظلم ومقاومة الظالمين، وتحمل كل الصعاب في طريق إرساء قيم الحرية في واقع العرب والمسلمين.

وكما قال الإمام الصادق [إن الحر حر في جميع أحواله، إن نابته نائبة صبر لها، وإن تداكت عليه المصائب لم تكسره، وإن أسر وقهر استبدل بالعسر يسرا، كما كان يوسف الصديق الأمين، لم يضرر حريته إن استعبد وقهر وأسر] (23).

فالإنسان الحر هو الذي يقاوم كل المعادلات الظالمة، ولا يخضع لها، وهو الذي يعمل ويكافح ويجاهد من أجل بناء حقائق الحرية في فضاءه الثقافي والاجتماعي والسياسي.

ومن كربلاء أرض البطولات والتضحيات، نستلهم كل معاني الإباء والحرية. ومن عاشوراء ننطلق في سبيل الدفاع عن حريتنا وعدالتنا وكل حقوقنا المشروعة.

وكل الرايات التي حملت لواء الحرية، وطالبت بنبذ الظلم ومقاومة الظالمين، استلهمت قيم عاشوراء، واستندت إلى عنفوان كربلاء، وتمسكت بمعادلة أن الدم ينتصر على السيف. فروح الحرية حينما تسري في قلب وعقل الإنسان، فإنها تجعله طاقة خلاقة، قادرة على مواجهة كل الصعاب، ويمتلك الشجاعة المادية والمعنوية، للتعبير عن قناعاته ومواقفه والدفاع عنهما والتضحية من أجلهما.

فهذه الروح حينما سرت في قلب وعقل [قيس بن مسهر الصيداوي] إذ أمره سيد الشهداء أن يسير إلى مدينة الكوفة وهو يحمل كتابا مختوما من الإمام .

إذ تقول كتب السيرة الحسينية [فمضى قيس إلى الكوفة، وعبيد الله بن زياد قد وضع المراصد والمسالح على الطرق، فليس أحد يقدر أن يجوز إلا فتش، فلما تقارب من الكوفة قيس بن مسهر لقيه عدو الله، يقال الحصين بن نمير السكوني، فلما نظر إليه قيس كأنه اتقى على نفسه، فأخرج الكتاب سريعا فمزقه عن آخره. فأمر الحصين أصحابه فأخذوا قيسا وأخذوا الكتاب ممزقا حتى أتوا به إلى عبيد الله بن زياد. فقال له عبيد الله بن زياد: من أنت !؟

قال: أنا رجل من شيعة أمير المؤمنين الحسين بن علي.

قال: فلم خرقت الكتاب الذي كان معك ؟

قال: خوفا حتى لا تعلم ما فيه !

قال: وممن كان هذا الكتاب وإلى من كان!؟

فقال: كان من الحسين إلى جماعة من أهل الكوفة لا أعرف أسماءهم!

قال: فغضب ابن زياد غضبا، ثم قال: والله لا تفارقني أبدا أو تدلني على هؤلاء القوم الذين كتب إليهم هذا الكتاب أو تصعد المنبر فتسب الحسين وأباه وأخاه فتنجو من يدي أو لأقطعنك.

فقال قيس: أما هؤلاء القوم فلا أعرفهم، وأما لعنة الحسين وأبيه وأخيه فإني أفعل.

فأمر به فأدخل المسجد الأعظم، ثم صعد المنبر، وجمع له الناس ليتجمعوا ويسمعوا اللعنة فلما علم قيس أن الناس قد اجتمعوا وثب قائما فحمد الله وأثنى عليه، ثم صلى على محمد وآله، وأكثر الترحم على علي وولده، ثم لعن عبيد الله بن زياد ولعن أباه ولعن عتاة بني أمية عن آخرهم ثم دعا الناس إلى نصرة الحسين بن علي.

فأخبر بذلك عبيد الله بن زياد، فأصعد على أعلى القصر، ثم رمي به رأسه فمات رحمه الله. (24).

فروح الحرية إذا سرت في قلب إنسان، فإنه يواجه كل المعادلات الظالمة، ويملك الاستعداد النفسي التام للتضحية والفداء من أجل مبادئه وقيمه العليا.

ووظيفة عاشوراء أنها تجدد عهدنا باستمرار بهذه القيم الخالدة، وتدفعنا عبر إحياء الشعائر الحسينية إلى تجسيد هذه القيم والانطلاق في رحاب العمل للدفاع عن قيمنا وحريتنا وكرامتنا.

3- الإصلاح:

إذ أعلن الإمام الحسين ومنذ انطلاقته إلى كربلاء، إلى أنه لا يستهدف إلا الإصلاح في أمة جده، فهو كما يقول [لم أخرج أشرا ولا ظالما وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب، فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد عليّ هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم وهو خير الحاكمين] (25).

فحينما يسود الفساد السياسي، وتتعمق في الأمة ثقافة التضليل والتجهيل، ويستبعد الأخيار والمصلحين من المشاركة في الحياة العامة. حينذاك تزداد الكوابح المانعة للتطور والتقدم، وتتراكم عناصر التأخر والتخلف، وتبرز أهمية العمل لإصلاح الأوضاع السياسية والاجتماعية والثقافية والحضارية. فليس مطلوبا من العلماء والفقهاء والمثقفين، التفرج على عملية الانهيار والتراجع السياسي والحضاري. وإنما المطلوب هو عقد العزم لبلورة مشروع إصلاحي، ينتشل واقع المجتمع والأمة من وهدة التخلف ودهاليز الانحطاط.

وهذا ما تعلمنا إياه عاشوراء. فالصمت والانزواء والهروب من مسؤوليات الراهن، ليس هو الخيار الأصيل الذي ينقذ الأمة ويخلصها من براثن الاستبداد والاستئثار.

كما أن الخوف من المواجهة، لاعتبارات خاصة أو ذاتية، لا يزيد الأمور إلا سوءا واستفحالا. ويبقى المطلوب هو تحمل المسؤولية والانخراط في مشروع الإصلاح ودعوة جميع الفعاليات والتعبيرات للمشاركة في خيار الإصلاح والدفاع عن رموزه وشخصياته، وتعميق هذا الخيار والمشروع ثقافيا واجتماعيا.

وحاجتنا إلى عاشوراء، تنطلق من حاجتنا الدائمة إلى إصلاح أوضاعنا، وتطوير واقعنا. ومهمتنا المعاصرة هي أن نحول عاشوراء إلى مناسبة مجتمعية وإنسانية لتعميق قيم الإصلاح والحريات الدينية والفعل الإصلاحي المتواصل الذي يتجه إلى طرد أسباب الانحراف وموجبات الخروج من الجادة.

وإن النهضة الحسينية كانت من أجل خلق أمة الإصلاح والكرامة والعدالة. فرفعت الراية ضد الظلم والانحراف لأنهما (الظلم والانحراف) يهددان كرامة الإنسان ومفهوم العدالة ويعرقلان مشروع الإصلاح الدائم في الأمة.

وعبر التاريخ الطويل، انشغل أئمة أهل البيت عليهم السلام وأنصارهم وأتباعهم للدفاع عن الإسلام والأمة وأهدافهما العليا، وقدموا في سبيل ذلك ولا زالوا الكثير من الشهداء والتضحيات من أجل إعلاء كلمة الحق وإرساء دعائم الحرية والعدل في المجتمع الإنساني.

ولا يمكن أن يحمل عبء الدعوة إلى الحق والكرامة من ألف الخضوع إلى الظلم والظالمين. فإنه لا يدعو إلى العزة إلا الأعزاء، ولا إلى الكرامة إلا الكرماء. وثورة عاشوراء جاءت من أجل صون الكرامات ووقف الانهيار الخطير الذي أصاب الأمة آنذاك على جميع الصعد والمستويات. فالطغاة دائما يسارعون في الذل والهوان وإماتة الهمة.

والإمام الحسين بثورته، حاول أن يبث روح العزة والكرامة وإسقاط كل مشاريع التخويف وألفة الخضوع للظالمين. ولولا ثورة الإمام الحسين التي أمدت الأمة عبر الأجيال بزخم الرفض للظلم والظالمين، لأرهق الأمة ذل الطاعة للطغاة. وحينما يلتزم الإنسان بقيم الكرامة والعزة والإباء، تتحول الوسائل المادية التي يمتلكها إلى وسائل فعالة وذات تأثير عظيم. كما أن الإنسان ضعيف الإيمان وخائر القوى والإرادة، وفاقد معنى البسالة والشجاعة، لا يستطيع أن يستفيد من كل إمكانات الدنيا. بل قد تكون نقمة عليه، وذلك لأنه لا يحسن التعامل معها.

فمربط الفرس في كل هذه الأمور، هو الإنسان نفسه. لذلك نجد أن ثورة عاشوراء، اتجهت إلى الإنسان ذاته، وحولته إلى طاقة خلاقة، وبفعل الإيمان العميق بقضية الإسلام والعزة والكرامة، تحولت إمكاناتهم المحدودة، إلى إمكانات ضخمة على مستوى التأثير والتداعيات. لذلك نجد وعبر هذه السنين المتطاولة، أن لكربلاء وهجها الدائم، ولعاشوراء منطقها الثابت، وللإمام الحسين سفينته وموكبه المتواصل، ولأصحابه الكرام تأثيرهم الخالد.

فالإنسان المؤمن بربه وقضيته، لا يخضع إلى المعادلات الظالمة، وإنما يسعى بكل إمكاناته وقدراته، إلى تغيير هذه المعادلات، وإرساء معالم جديدة قوامها العدالة والكرامة الإنسانية. فالإنسان هو القيمة الكبرى، التي جاءت جميع الأديان السماوية للحفاظ عليه وإسعاده وإبعاده عن كل ما يشينه أو يدخله في أتون الشقاء والمعصية. وعاشوراء الحسين، جاءت في هذا السياق، وقاومت الظالمين من أجل الحفاظ على كرامة الإنسان ومنع استلابها وتزييفها. فالفئة المؤمنة التي تحمل لواء الحق وتضع أرواحها على أكفها فداءا له، هي الفئة القادرة حتى ولو سفك دمها، إلى تعمير الأوطان بالسعادة والحرية، وهي التي تمنع الانهيار، وتبقي وهج العزة حيا ونابضا في قلب الإنسان فردا وجماعة. فالإنسان الذي يحمل الإيمان في قلبه ويملك الاستعداد التام للدفاع عنه بكل ما يملك، ولا يبحث في جهاده إلا عن تحقيق الحرية وصيانة الكرامة الإنسانية، فإنه يمتلك القدرة على التأثير في الحياة، أكثر مما تملكها الجيوش الجرارة والمعدات العسكرية المتطورة التي يقودها أو يعمل عليها من هو أسير نفسه وسجين أهواءه وغرائزه ونزواته الشيطانية.

فعاشوراء وملحمة الإمام الحسين، هي التي تبنت في النفوس فكرة البطولة والتضحية بأجلى صورها وأسماها نشدانا للعدالة ورفضا لمنطق الطغيان والاستبداد ودفاعا عن الكرامة الإنسانية.

وإننا نرى أن حاجتنا إلى عاشوراء، تتجسد في حاجتنا إلى قيم الكرامة والحرية والإصلاح. ونرى أن هذه القيم، هي القيم العليا التي وجهت نهضة الإمام الحسين . لذلك نهيب بخطبائنا الكرام دائما، أن يعمقوا هذه المفاهيم في نفوس المستمعين، وأن تكون موضوعاتهم ومحاضراتهم في سياق صيانة كرامتنا ونيل حريتنا والإصلاح في واقعنا المعاصر. وبهذه القيم تكون عاشوراء بحق ملحمة إنسانية وحضارية، تساهم بشكل دائم في تطوير الواقع الإنساني على مختلف الصعد والمستويات.

الخاتمة

(1)

المجتمعات الإنسانية جمعاء، بحاجة دائما إلى روافع روحية وثقافية وسياسية، لإزالة سيئات الواقع أو إصلاحه وتطويره..

وعاشوراء بما تحتضن من قيم ومبادئ وشعائر متعددة، هي من المواسم الدينية الهامة، التي تشكل رافعة روحية وثقافية واجتماعية وسياسية في آن..

ففي عاشوراء ولاعتبارات قيمية وموضوعية، تبرز نوازع الخير، وتتجه النفوس والعقول للمشاركة في الأنشطة الدينية والاجتماعية.. لذلك نستطيع القول وبدون مبالغة، أن موسم عاشوراء، هي من المواسم النموذجية للأنشطة الدينية والخيرية والتطوعية في المجتمع..

حيث تحتضن عاشوراء العديد من المناشط التي تتجه في كل عناصرها ومفرداتها إلى التالي:

1- نقد بعض المظاهر السيئة في الواقع الاجتماعي – الثقافي – السياسي، والعمل على تفكيك موجبات وحواضن هذه المظاهر..

2- بلورة المعالجات السليمة، التي تساهم في إخراج المجتمع من تداعيات تلك المظاهر السيئة..

ولذلك عمل الإعلام الأموي ومنذ معركة الطف، إلى تصوير معركة كربلاء بوصفها فعلا انشقاقيا في الأمة..

ولكن في حقيقتها هي الفعل التوحيدي المتميز الذي حافظ على قيم الدين بدون تزييف وتضليل، وحد من تغول السلطة الأموية على الأمة..

وهكذا الحركات الإصلاحية في الأمة، قد لا تصل إلى كل أهدافها وغاياتها، ولكن وجودها في الأمة ضرورة من أجل صيانة قيم الأمة، ومنع تغول السلطة أو الدولة وألتهامها لكل شيء..

(2)

عديدة هي مبررات ومسوغات الخروج على الظلم والجور، ولكن عمدة هذه المسوغات، هو أن الظلم والاستبداد يشرع لأبناء الأمة مقاومة هذا الظلم بالوسائل المتاحة..

ما قامت به السلطة الأموية عبر وعاظها ورموزها الدينية، هو حصر مبرر الخروج والمقاومة في الكفر البواح لذلك حدثت في الأمة المفارقة التالية [سلطة سياسية موغلة في الاستئثار والاستبداد والفساد، ولكن تغطي نفسها ببعض المظاهر الإسلامية الشكلية] فتبقى وفق هذا المنظور سلطة شرعية، لا يجوز مواجهتا ومقاومتها..

ما فعلته عاشوراء وهو أنها شرعت إمكانية الخروج على السلطة لفسادها واستبدادها السياسي، حتى ولو تجلببت ببعض شكليات الدين..

ولعل المأزق الحقيقي الذي تعانيه اليوم، العديد من الوجودات الإسلامية على صعيد الفقه السياسي هو هذا المأزق.. هل تبلور في إرثها وفقهها السياسي، خيار مقاومة الظالم لاستئثاره وفساده السياسي..

(3)

في كل مناطقنا الحضور الجماهيري في إحياء الشعائر الحسينية متميز وحيوي وحار، وما نحتاج إليه هو العمل على توظيف هذا الحضور في مشروعات ذات طابع مؤسسي وتنموي، يتجاوز في فائدته حدود اللحظة الزمانية القائمة.. لذلك نحن بحاجة إلى التفاكر الدائم حول بعض المشاريع الإسلامية والاجتماعية، التي يمكن أن نؤسسها انطلاقا من زخم عاشوراء وبركات الشهداء..

(4)

نحن في مجتمعاتنا لا نعيش وحدنا، وإنما لنا شركاء في الوطن.. وتمر هذه المناسبة العظيمة دون الالتفات إلى شركائنا في الوطن..

لهذا فإننا جميعا نتحمل مسؤولية مباشرة، لتعريف شركائنا في الوطن، حقيقة عاشوراء، وطبيعة المناشط العاشورائية التي نقوم بها..

والتعويل على مبادراتهم الفردية للمجيء لا يكفي،وإنما نحن بحاجة إلى آلية عمل تتجه إلى دعوة شخصيات وفعاليات المجتمع للتعرف بشكل مباشر على مناسبة عاشوراء..

فليس لدينا ممارسة في عاشوراء نخجل منها أو من تعريفها للآخرين.. كما إننا معنيون بمواجهة حروب الشائعات والفتن والتضليل التي تستهدفنا وتستهدف مناسباتنا الدينية..

إننا اليوم بأمس الحاجة، لإطلاق مبادرات ومشروعات إعلامية واجتماعية، تستهدف أبناء وطننا لتعريفهم بحقيقة عاشوراء وطبيعة الشعائر الممارسة في مجتمعنا.

ونحن هنا ندعو جميع الأخوة القائمين على إدارة الشعائر الحسينية، للاهتمام بهذا الأمر، والقيام بخطوات عملية لتعريف شركائنا في الوطن بحقيقة وطبيعة موسم عاشوراء في مجتمعنا..

***

محمد محفوظ

.................

الهوامش

1- موسوعة (مع الركب الحسيني من المدينة إلى المدينة)، ستة أجزاء، تأليف مجموعة من المحققين، مركز الدراسات الإسلامية، الطبعة الثانية، قم المقدسة، 1425هـ.

2- خالد محمد خالد، أبناء الرسول في كربلاء، ص 9، الطبعة الثانية، مطبوعات دار الشعب، القاهرة، نوفمبر، 1968م.

3- أعلام الهداية، المجمع العالمي لأهل البيت، الجزء الخامس، ص 138، الطبعة الأولى، إيران، 1422هـ.

4- السيد هادي المدرسي، دروس من عاشوراء، ص 8 – 9، مؤسسة الوفاء، بيروت، 1984م.

5- المصدر السابق، ص 11.

6- أبو الفرج الاصفهاني، مقاتل الطالبيين، ص 74، مكتبة الشريف الرضي، قم المقدسة.

7- السيد عبد الرزاق الموسوي (المقرم)، مقتل الحسين، ص 144، انتشارات الشريف الرضي، قم المقدسة.

8- دروس من عاشوراء، مصدر سابق، ص 57.

9- مع الركب الحسيني من المدينة إلى المدينة، مصدر سابق، ص 4.

10- المصدر السابق، ص 5.

11- محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، جـ 44، باب ثواب البكاء على مصيبته، مؤسسة الوفاء، بيروت.

12- السيد محمد تقي المدرسي، عاشوراء امتداد لحركة الأنبياء، ص 4، الطبعة الثانية، مظاهري، إيران.

13- المصدر السابق، ص 5.

14- الخوارزمي (أبي المؤيد الموفق بن أحمد المكي)، مقتل الحسين، جـ 2، ص 10، دار أنوار الهدى، قم المقدسة.

15- أعلام الهداية، مصدر سابق، ص 145.

16- دروس من عاشوراء، مصدر سابق، ص 29.

17- أبو جعفر (محمد بن جرير بن يزيد الطري)، تاريخ الأمم والملوك (4 / 304)، دار الكتب العلمية، بيروت.

18- الخوارزمي، مقتل الحسين، مصدر سابق، ص 358.

19- القرآن الكريم، سورة الإسراء، الآية 70.

20- القرآن الكريم، سورة المائدة، الآية 32.

21- الشيخ محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، جـ 44، ص 325، مؤسسة الوفاء، بيروت.

22- مع الركب الحسيني من المدينة إلى المدينة، الجزء الرابع، مصدر سابق، ص 421.

23- حسين بن محمد تقي النوري، مستدرك وسائل الشيعة (68 / 12)، مؤسسة آل البيت، بيروت.

24- مع الركب الحسيني من المدينة إلى المدينة، مصدر سابق، ص 76 – 77.

25- أعلام الهداية، مصدر سابق، ص 132.

*: كامل الزيارات، ابن قولويه القمي (ت 368هـ)، نشر مكتبة الصدوق، طهران.  

عبد الجبار العبيديالكراهية للمسلمين أصبحت عامة عند الشعوب.. الا يشعرون؟

المعارك الفقهية الكلامية بين فقهاء المسلمين، وتعدد التفاسير القرآنية منذ القرن الثاني للهجرة، والتي أصبحت تزيد على المئات وأشهرها تفسير الطبري، وابن كثير، والقرطبي وغيرها كثير، والأنكى والامر ان لكل فرقة اسلامية أصبح لها تفسير قرآني مغاير في الرأي والفكر والمعنى من الفرقة الاخرى، وكأن الاسلام اصبح أديان مختلفة لا دين واحد في العقيدة والتطبيق، حتى تنوعت اهتماماتها وتطبيقاتها ومناهجها التي أفرزت الكثير من الاشكاليات التي نراها اليوم فرقاً دينية متناحرة لكل منها مذهب ديني مختلف عن الأخر في الشريعة والتطبيق.

الكل يدعي الاسلام ولا ندري أي أسلام يدعون أسلام محمد أم اسلام، المرجعيات الدينية التي تتحكم بالعقل والفكر والعمل والعقيدة عند المسلمين، والتي أقرت نظريات مذهبية فقهية مخترعة منهم، لا علاقة لها بالأسلام الصحيح قدرعلاقتها بالسلطة الحاكمة ومصالحها لا غير منذ عهد السابقين الاسلاميين، حتى خرجت علينا تدعي الاحادية وتنطق بغير الحق، ولا تكتفي بالاشارة او السكوت.

هذا التعدد في التفسير الذي رافقه ويرافقة التشدد والعنصرية جعلنا أمة متفرقة ضعيفة هزيلة معزولة عن ركب الحضارة والقانون، لا تستطيع ان تتوحد حتى لو نزل علينا قرآن جديد بعد ان تمزقت العقيدة بنص الحديث المختلف بين الفقهاء في القول والتثبيت، لمَ رافقتنا هذه الظاهرة المقيتة اليوم الم تكن بفضل مؤسسات الدين التي ليل نهار تلهج بالكراهية والعنصرية ضد الأخرين، من الشعوب التي تدين بديانات اخرى غير ديانة المسلمين متهمه غالبيتهم بالكفر والألحاد، ولهم جهنم والناروبئس المصير، أما هم واتباعهم لهم جنات النعيم والولدان المخلدون وما ملكت ايماننا من النساء والجواري الحسان اما في الضيق والشدة والحصول على الراحة والحقوق والقانون، فغالبيتنا تهرول خلفهم لاجئين، ألم يكن هذا تناقضا، مع الفكر والدين، مع ان القرآن يقر بأنهم جميعا مسلمين، "الاحزاب 35"، اذن هل نستسلم لعمامة الفقيه ورجال الدين؟

كل تلك الديانات قد وحدت شعوبها وانتجت دولاً تحت حكم الدساتير والقوانين بعيدا عن الدين ونظريات المذاهب المتطرفة الطارئة التي لا علاقة لها بالاديان ومبتعدة عن نظريات العقل بحرية الانسان، متناسين ان المذاهب ولدت مع الحركات السياسية والشعرية لا مع الأديان، والقرآن يقول "لكم دينكم ولي دين"،

نحن نطالب المخلصون ان يتفقون على ثورة عقلية ايمانية لبناء فكر جديد بعيدا عن الفرضيات المذهبية المخترعة من الاساطيرواصحاب الأحاديث المفبركة، بعد ان اصبح التفسير القرآني عائقا تماما عن تطبيق مبادىء الاسلام الصحيح وتقدم أمة العرب والمسلمين؟ خذ الأية القرآنية التي تقول: " يا ايها الرسول بلغ ما انزل أليك من ربك وان لم تفعل فما بلغت رسالته والله يُعصمك من الناس، المائدة 67"، كيف فسرت باختلاف المفسرين وكم احدثت من فرقة بين المسلمين، والقرآن يقول وامرهم شورى بينهم، وينسب العصمة لله لا للانبياء والمرسلين، فهل من مفسرٍ فرقة او مذهب يتفق مع الاخرين لازالة اختلاف التفسير؟

وخذ تفسير آيات النساء، في أضربوهن، وهجروهن في المضاجع، كيف فسرت وادت الى الخطأ الأنساني عند المسلمين، والقرآن يقول: أنا خلقناكم من نفسٍ واحدة" ألم يكن هذا تناقضا في التفسير؟

ان اعتناق العنصرية والتعصب والعنف ضد النساء ومعادات الديانات الاخرى جسدت الكراهية ضد المسلمين في مشارق الارض ومغاربها، وفي منطقة الشرق الاوسط هنا دولة او اكثر اصبحت تمارس العنصرية ضد الاخرين هادفة الى تغليب الرأي الاخر على البقية الباقية من المسلمين، بتفسير القرآن الفِرقي بما يملى عليهم التفضيل، على الحكومات العربية بشكل خاص الابتعاد عن هذه النرجسية والعشائرية والطبقية واحلال مبدا الاخوة بين الناس بغض النظر عن العقيدة والدين، مثبتا في الدساتير وابعاد القوانين السياسية عن مبادىء الشريعة الدينية واقتصارها على الحق والعدل في القانون.

ان مناهضة هذه الاتجاهات الخطرة المنافية لاخلاقيات الاديان يستدعي العودة للالتزام بتفسير القرآن تفسيرا جديدا بعيدا عن التفسير القديم الذي بين ايدينا والذي ادخله العباسيون وادخاله منهج الدراسة بما يتلائم مع النص المقدس وكتب الديانات الاخرى والزام مؤسسة الدين، التطبيق.

من هنا يجب تفسير المصطلحات القرآنية الغامضة التي ظلت بلا توضيح، والحروف المتقطعة في اول السور وبعض الكلمات الاعجمية التي جاءت بلغات اخرى مثل: " مشكاة الهندية، والقسطاس الرومية، والاستبرق الفارسية وسجيل الفارسية، وكلمات وألفاظ اخرى كثيرة، "، موضع خلاف فقهي في التثبيت، اصبح يمر عليها القارىء مرور الكرام دون ان يعي معناها. والقرآن يقول: "انا أنزلناه قرآناً عربياً، ".لماذا أهملها المفسرون السلف ودمجوا معانيها مع معاني النص القرآني دون تحديد، فهل يعود ذلك الى ان المفسرين لم يدركوا المعنى الحقيقي لها، ولم يراعوا تطور اللغة العربية واستكمال تجريداتها اللغوية، وحتى لا تبقى هكذا على ما هي عليها، سوف نعرج على القاء الضوء والتعريف بها خدمة للنص والقارىء معاً.

وحتى بعض الايات الواردة كما في سورة المزمل " يا أيها المزمل قم الليل الا قليلا * نصفه او أنقص منه قليلا * او زد عليه ورتل القرآن ترتيلا أنا سنلقي عليك قولا ثقيلا * فعدوها تأنقا في التلاوة "وقولا ثقيلا "عدوها من الثقل في الكلام بينما هي وعورة فهم ما يشتمل عليه القرآن من علم وغيرها كثير.

أما المصطلحات، مثل

مصطلح الحديث ومصطلح القرآن، الأمام المبين، السبع المثاني، الزمن والوقت، الدائم والباقي، الوحي والايحاء، علم الله وقضاؤه، الأذن والمشيئة، نقرأها كل يوم ولا نعرف معناها الا من فقهاء التفسير، حتى اصبحنا كالببغاء التي تردد ولا تدري ما تقول .

القرآن هو مصطلح النبوة وأنه (الحقيقة) .ولكن لماذا قال تعالى عنه: أنه الحديث؟: (ما كانَ حديثاً يُفترى ولكن تصديق الذي بين يديهِ، يوسف 111).

اما الحديث فهو مشتق من فعل (حدث) .والحدث: هو واقعة ذات شقين: أما واقعة أنسانية (هل أتاك حديثُ موسى) أو واقعة كونية (أوَلم ينظروا في ملكوت السمواتِ والارضِ وما خلق الله من شيء وأن عسى أن يكونَ قد أقتربَ أجلُهم فبأي حديثٍ بعدهُ يؤمنون، الاعراف 185)، اي حدث أنساني او حدث كوني. والقرآن قرن الاحداث الكونية الكلية والجزئية مع الاحداث الانسانية كما في" القصص القرآني أحسن القصص" لذا سمي حديثاً وسمي قرآناً.

أماالأمام المبين: هي الايات التي تحوي قوانين الطبيعة الجزئية في القرآن وهي ارشفة الاحداث التاريخية التي تحدث عنها التنزيل الحكيم.

وصدق الله العظيم، ولا مبدل لكلماته، وكل شيء أحصيناه كتابا، وكل شيء هالك الا وجهُهُ، فهل يفهم الناس والحاكمون قوانين الله والمخافة منها، لو فهموها كما يدعون، فحينما تعددت المذاهب والتفاسير القرآنية التي لعبت دورا في التشرذم والتفكك والتباعد بين المسلمين، اخترق الحق والعدل بين الناس وسخروا ايات القرآن لغير مقاصدها وخاصة حج البيت الحرام لغفران الذنوب حتى ولو كانت قصدية فأصبحنا كالغريق الذي يتشبث بالقشة وهم يعانون من غرق الغارقين.

وأخيرا نقول لا أخرآ: ان البيت المنقسم على نفسه مهدد بالزوال، والعقيدة الوهمية لا تنتج الا التخريف، والكتب المقدسة ان لم تطبق عقيدتها، تكون سرطانا على المعتقدين، والجهل والجبن والخيانة، لا تصنع اوطان

وها نحن في طريق الزوال، لان عقائدنا اليوم، وَهُم في اوهام لا تصنع حياة للانسان، فكفاية تهريجا بالأسلام، دون تطبيق؟

***

د.عبد الجبار العبيدي

 

عبد الباقي قربوعةمن قصر التفكير أن لا نشك في أن الله هو مَن دفع الإنسان الجاهلي إلى التساؤل حول وجودية القوة المسيطرة على الكون، وقد أطال عليه مرحلة استهلاك الحياة من حيث هي مادّة (أكل وشرب ونوم)، حتى يجعله يفكر في التنصل من التشابه المقيت بينه وبين الحيوان، أو ما نسمّيه عادة بتطور العقل، ولا نقصد تطور شكل الجسم الذي ذهب إليه - إساءة بأنفسهم - العلمانيون، لأن عدم تطور المخلوقات الأخرى يشير إلى بطلان النظرية من أساسها، فالإنسان الذي يحترم ذاته يعرف بأن الإنسان إنسان والحيوان حيوان "أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا(1)".

إذن الله سبحانه أيضا من وراء تلك الانفعالات الروحية التي جعلت الإنسان الجاهلي يخوض غمار البحث عن الإجابة، لذلك فالمسألة لم يكن للإنسان البدائي أي دخلٌ فيها، ولا له دخل أيضا فيما ترتّب عن السؤال من أخطاء، ولأن الإنسان الجاهلي قبل الرسالات السماوية لم يكن يعرف مَن الذي خلقه ومَن الذي خلق الكون، أخّر الله عزل وجل الإجابة المثالية، لأن مخلوقه بذلك البدائي لا يستطيع أن يستوعب، فمنحه حياة بسيطة متوافقة مع مستوى تفكيره المتواضع، وأمهله حتى ينضج ويصل إلى درجة مقبولة من الاستيعاب يكون له فيه شأن آخر من الحياة غير الأكل والشرب والنوم والتزاوج ، لكن إبليس تغلغل في ذات الإنسان وألهمه إجابة خاطئة، فازدهرت فيها غوايته وتطوّرت من نجاحه في دفع آدم إلى الشجرة إلى غواية أبنائه بعبادة الأصنام، والمتاجرة بالجواري والوأد والاقتتال، واستعباد البشر، وقطع الطرق، والخمر والميسر، والربا، والزنا. مُجمل المعنى انتشار الشر.

بسبب هذه التراكمات التي ترتّبت عن جهالة مقيتة للإنسان، دفعت الإنسان الأكثر مهارة إلى السؤال حول وجود الله، فابتكر ربّا افتراضيا طمعا في التقليل من الشر، إلى جانب ذلك يشرح ما تغلغل في أنفس المخلوقات من طلاسم، ويحميه ممّا يخفيه له الكون من خبايا وأسرار ومفاجآت، فالإجابة بالصنم عن ذلك السؤال المُحيّر كانت من منظور هذا العقل البدائي إجابة صحيحة وصارمة، وتبرز الخلاف العقائدي في تنوع شكل الرب ومصدر مادته، وهكذا أيضا تنوعت أسماء الأرباب، "هُبل، اللات، والعزة، ومناه"، ثم تطورت الفكرة إلى تقمّص الشخص نفسه مقدرة الرّب وادعاء العلم بشؤون الغيب والإحاطة بما ينفعهم وما يضرهم،  وكثير من البشر عبدوهم خوفا وطمعا. كل ذلك للتخلص سريعا من أعباء التفكير في إجابة رسمية حول وجود الله الأحق بالعبادة، ورغم تكاثر المجتمع الجاهلي ودخوله معترك الحياة، بتجارتها ومختلف هواجسها وصراعاتها، إلا أن السؤال لا يزال كامنا في لاوعيهم، أقلّية قليلة جلّها من الأغنياء المترفين، الأشداء حمية والأقوى بسطة في الجسم، هذا الأقلية أهملت البحث عن إجابة جديدة ولم تعد تفكّر  فيها، لأنهم وجدوا في الإجابة الخاطئة أرباحا كثيرة، وعائدات لم تكلفهم رأس مال كثير، فلم يكن من العجب أن يمنح المرء جاريته أو ابنته ثمنا ليشتري ربّا باركه شيخ القبيلة، لأنه لم يكن مباحا ذلك الوقت أن يصنع المرء ربّا بنفسه، ولا يملك أيضا إرادة التفكير في تصميم ربّ آخر، وبالتفكير الاقتصادي الحديث أن الأرباب التي يروّج لها أبو جهل هي علامات مسجّلة من منظور شرعة النظام الجاهلي.

لم تكن هذه الحياة الدينية مضحكة بالصورة التي نشعر بها الآن، بل كانت عقيدة راسخة وموروثا مقدّسا ومن يستهين به أو يسخر منه يموت في حينه، لذلك كانت مهمة الرسل والأنبياء صعبة وخطيرة، ولأن الله حكيم اختار أن لا يباغت المجتمع الجاهلي بأول رسالة، بل ترك الجاهلية تتفاقم بظلمها وسطوها وجورها وجبروتها، لتظل كذلك حتى يسأم الناس ويشُكّون في مثالية هذا الرّب الوضعي، ليظهر جلال الله فيما أوحى إلى رسله وأنبيائه كإجابة مثالية منقذة، وبكل التفاصيل التي شرحها النص المقدّس وفسر أسرارها، زالت تلك الغربة وذاك الذعر وتلك المخاوف، وقد وصف الله عزّ وجل مستوى تطوّر العقل في تلك الحقبة بالغفلة: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَٰذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ(2)} تقديرا للمحاولة الأولى التي ترتّبت عنها تلك الإجابة الخاطئة، اعتبارا أن فكرة الأصنام مجرّد اجتهاد لذلك العقل البدائي، فالفكرة أساسا والسؤال الذي نجم عنها، كل ذلك لا دخل للإنسان الجاهلي فيه، إنما هو الله الذي أثار في عقولهم ذلك تمهيدا لما هو آت.

هكذا جعل الله البشرية - رحمة لهم - أطفالا في مرحلة الحضانة ثم الإعدادية، وهكذا تلاميذ في السنة أولى ابتدائي، ومع ذلك أكتشف أنهم لم يحضّروا للدرس جيّدا، ولم يجيبوا على السؤال إجابة صحيحة، لأن إبليس لا يزال تلميذا منحرفا مثيرا للشغب والبلبلة، وعندما اشتد الظلم على الفقراء، وتفاقم بينهم الفقر والحرمان، أيقنوا أن ذلك الرّب المفترض لم يوفّ بالغرض، ومن رحمة الله وفّر في أنفسهم استعداد الفرار إلى إجابة مختلفة أكثر رقيّا، وهكذا ترتّبت الدواعي ليرسل الله الرسل والأنبياء مدجّجين بأجوبة صحيحة لم تخطر ببالهم، ثم عفا عنهم لأنهم لم يكونوا سببا فيما كانوا عليه من غفلة، وأنهم أيضا بحسن نيّة اعتمدوا تلك الإجابة الخاطئة اعتقادا بأنها منقذة مما يعانون من غبن، ومن جهة ثانية شدّد العقاب على المصرّين تشبثا بتلك الإجابات القديمة، لأن أغلبهم أغنياء وقد استثمروا في الإجابة الخاطئة وجمعوا بها أغناما وإبلا، أموالا طائلة من الذهب والفضة، فالسؤال من البدء بادر به الفقراء، ثم أرغموهم على تعاطي تلك الإجابة الخاطئة بسبب عائداتها المادّية الضخمة، ولذلك الفقراء أيضا هم السبّاقون إلى الإيمان بالأنبياء والرسل، لأنهم بخلاف الأغنياء لا غاية لديهم سوى البحث عن حقيقة تجعلهم يطمئنون من جهة، ومن جهة ثانية لأن إبليس لا يستثمر إلا في الجهة الأكثر قوة وهيمنة، كما هي الحال عليه الآن من طغيان الأنظمة العالمية الغنية، وكما يبدو بالضبط مجلس الأمن الدولي بأنه غير مثالي بالنسبة للدولة الفقيرة والمغلوب على أمرها، بل هناك أنظمة من وراء ترويج ودعم ما لا يحبّه الله من خمر ودعارة ومجون، والأكيد هي الآن تستغل فرصة تفشّي الجوع والأمراض وشتى الأزمات لإثارة الشك حول الإجابة التي جاء بها الأنبياء والرسل.

بعض البشر خارج الجزيرة العربية اعتبروا الشمس ربّا تنزيها لمقامه في أنفسهم من البيع والشراء، وأن الربّ في توقعهم لا يكون شيئا أرضيا على مستوى واحد من وجودية مخلوقاته، آخرون جعلوه في روح بقرة، فكان أحدهم إذا عجز ربّه عن التنبؤ ذبحه ثم أكل لحمه، أملا في شعوره بإيحاءات لم يشعر بها من قبل بسبب روح ربّه التي سكنت في جسده، ولم يكن يدري أنها لم تسكن إلا بطنه ثم ذهبت في شكل فضلات، وأحيانا يتوهم أنه حين أكل ربّه فهو بذلك قد أمّن على نفسه، حيث لا يمكن أن يعرض الربّ نفسه -حسب اعتقاده- إلى المخاطر سواء من الطبيعة أو من بني جنسه، أو أمام العوارض التي لا يعلم عنها شيئا، لكنه أيضا عاجز عن الفهم بأنه بهذا الاعتقاد لم يعد سوى بقرة هائمة، مما يزيد السؤال صعوبة عليه، لأن البقرة لا تفكرّ.

ورغم وفرة الكتب المقدّسة التي تتوفر على إجابة مُقنعة، لا ننفي بأنه لا يزال هناك من يشتغل على سؤال وجود الله ووجود الكون، منهم من لم تصله الرسالة بعد، ومنهم من وصلت إليه محرفة مما جعل الإجابة المقدّسة مدعاة للشك، ومنهم علماء جاهلون بمبرّرات معرفية على عكس العقلية الجاهلية، وذالك بركوب صهوة الفلسفة بدعوى ضرورة تحديث العقل من قناعات قديمة، باعتبارها ملهاة عن الحياة واللهو والمتعة، يعني وضعية لا دينية اختاروها طواعية وليس بسابق جهل، أو إن شئنا سميناها بالجاهلية العالمة، إذا قلنا بأن العقل قد يتوهّج أحيانا إلى درجة الانطفاء، فإبليس عالم ولا أحد يمنعه من تناول المعرفة ومسايرة العقل العملاق علما ومعرفة وتجربة وفقها بالحياة، ولا ريب أن يكون أعلم منهم، وكفيل بأن يثير فيهم فكرة الاشتغال على السؤال من جديد، فيقنعهم بأن العقل فاق بتطوره ما جاءت به الكتب المقدّسة، ربما لأنهم يريدون بذلك حرية مفتوحة خارج الضوابط الدينية والقانونية، وحتى ما تقرّه الأعراف من تعاليم أخلاقية، وربما هم مؤمنون بأن العقل حرّ مطلقا، أو أنهم طفرة من إنسان جاهلي لم يشتغل أصلا على السؤال حول مسألة وجود الله، بعضهم يمارسون هذه الحرية في صمت احتراما أو خوفا من الأغلبية المقتنعة بالإجابة التي جاءت على لسان الرسل والأنبياء، وبعضهم يدعون إلى هذه الحرّية بكل ما أُتوا من علم وقدرات مادية، كالمجموعات التي خرجت أخيرا إلى شوارع بعض الدول في تظاهرة علنية، وقفوا خلالها بجرأة حاملين لافتات كتبوا عليها بأنهم ملحدون، وآخرون عبثيون روضوا أنفسهم على البذخ والترف والاستهتار، فهم غير قادرين على الخروج من ذلك، فصاروا ضد كل ما هو جاد في الحياة سواء كانت تعاليم دينية أم قوانين مدنية، مخلوقات لا يطيب لها العيش إلا باللّادين والّلانظام واللاّضوابط، يعني العقلية البوهيمية التي لا يهمها السؤال حول الله والمستقبل والمصير بأي شيء، فليس لها هدف سوى استهلاك ما منحت لها الحياة من عمر فيما تستلذّه النفس من لهو وعبث ومجون.

وأحيانا القائمون على الأديان والقوانين هم الذين يدفعون بهؤلاء إلى الوراء، يحتّمون عليهم رفض الإجابة الرسمية بالاشتغال على السؤال من البداية، محاولين تأهيل العقل موضوعيا لإعادة النظر مجدّدا إلى المقدّس، وبالتالي البحث عن إجابة بديلة تليق بعقولهم التي يرون أنها متطورة فوق العادة، في محاولة لتأسيس إجابة جادّة بعيدا عن تلك الانفعالات والمشاعر الخلابة، والأحاسيس المتدفّقة التي يصنعها التخيّل والتوقّع، وبعيدا أيضا عن الهالة المظهرية المُدّعية، والطقوس المختلفة من بخور وكثرة عطور، يرون إن هم تمادوا في ذلك فإنه قد يلتبس عليهم الله في الفكرة القديمة: "وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ"(53)(3) ، الفكرة التي جاء القرآن نبذا ومحوا لها كإجابة خاطئة على السؤال حول الله، فربما تهيئوا الله بمثابة "هُبل" معاصر بسبب ما يثيره هؤلاء من هرطقة وميتافيزيقيا فارغة، وإضافات وبدع باطلة يدّعون أنهم اطلعوا عليها من دون الآخرين، خزعبلات عقائدية خارج ما فرضه ونهى عنه النص المقدّس في الإجابة الرسمية التي جاء بها الأنبياء والرسل.

إبليس يحاول دفع الإنسان إلى الاحتفال بالإجابة الرسمية بالرجوع إلى المشاعر القديم، ويحاول صرفه عن كبح جموح العقل في ربط السؤال حول وجود الله بدعوى نظرية التحديث المستمر للعقل، استدراجا ليعود به إلى نقطة البداية في التعامل مع السؤال حتى يجرّه مرة ثانية إلى الانحراف عن الإجابة، لكن الله سبحانه يجيب إبليس، ويحذّر العقل المتقدّم من السقوط في الورطة: {إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ(4)} ومن الخطأ أن نحصر مصطلح (العلماء) في العلوم الإسلامية كالفقه والتفسير، وإلا كيف نبرّر العلماء الذين كانوا كفارا ثم أسلموا بسبب إثارة الأسئلة حول علوم الحياة بصفتها الشاملة، لعل هؤلاء أكثر علما من الذي توارثوا العلوم الشرعية من شيوخهم ولم يكلفهم الأمر طرح سؤال واحد.؟ هنا مكن الفرق بين الجاهلية العالمة والعالِمية الجاهلة، فالأولى لا تنطلق إلا من مجرّد الانفعالات المُنقادة بإرادة عقل آخر (الميثاق) ميثاق الإنسان وليس ميثاق الله، لأن ميثاق الله غليظ ولا مناص منه، بينما ميثاق الإنسان الضعيف حتى وإن يكن عالما فقد يخضع للتعديل والمراجعة وقد لا يؤخذ به أصلا، فالاجتهاد خاضع لإعادة النظر بالإضافة له، أو الانتقاص منه أو ردّه، لكن النصوص المقدّسة من القرآن والأحاديث الصحيحة ثابتة، وقد ورد مصطلح "ميثاق" في القرآن الكريم بعدة معان لم يرق إليها هؤلاء المدعون، كأن يمكن أن يجعلوا بينهم وبين الآخرين ميثاقا في ربوبية مصغّرة يطغون بها على مريديهم من الذين لا يزالون غافلين، تلك العقول اللاجئة إلى عقول أخرى تظنها أكثر رقيّا منها، ثم ألزمت نفسها بالتبعية عجزا عن السؤال الذي يليق بحضارة الدين الإسلامي.

فلا نعذر العلماء حين يتقهقر بهم العلم إلى الوراء أشواطا كثيرة بسبب عالمِيتهم الجاهلة، لأن زلة العالِم من هذا النوع واحدة من الثلاثة التي خشي -النبي صلى الله عليها وسلم- على أمته منها، قال الحسن البصري: " قال أبو الدرداء: إن ما أخشى عليكم زلة العالم، وجدال المنافق بالقرآن، والقرآن حق وعلى القرآن منار كأعلام الطريق"(5)، وفي أحيانا كثيرة نعيب صمت العلماء الجادين الذين يتوسّم الناس فيهم خلافة الأنبياء والرسل، حين نرى جهلاء يستحوذون على الاجتهاد في تأويل النصوص المقدّسة، يخرّبون معانيها مدّعين أنهم أكثر فهما لها، ويعتبرون أنفسهم تابعين وفاتحين ودعاة، وسريعا يقتنعون بأنهم حرّاس للعقيدة، مع أن الإجابة في صورتها الصحيحة لا تحتاج إلى حراسة، فيجهلون أنهم يمارسون ذلك بالصورة التي كان جهلاء قريش يبدون عليها، فقد كانوا كذلك الحال يتكتّلون حول هُبل، يحيطون به في حشود كثيرة حمية له، بالضبط كما نرى الآن الصورة نفسها تتكرر عند مَن يظنون أنهم حماة الله، لكن مع الأسف هي حماية استعباطية يريدون من ورائها الاستعلاء بأنفسهم على أنهم الأكثر دفاعا عن المقدّس، جاهلين أن الله قدّر في ملكوته استمرار رسالته وتواصلها إلى قيام الساعة ولا مزية لأحد في ذلك، وحتى يطمئن الدعاة المغالون فإن الإسلام مأمور بأن ينتشر ويسود، ولا أرى معنى في قوله عليه الصلاة والسلام: (دعوها فإنها مأمورة) إلا ذلك، لأنه كان مشهودا أن الإبل أحسن وسيلة لإيصال الرسائل إلى الأمكنة البعيدة، ثم يتحوّل مكان ربوض الناقة إلى مسجد، ثم تعلو المسجد منارة.. خلاص انتهى الأمر، وبأطروحة أخرى إذا كان لـ"الكعبة ربٌ يحميها" فالإسلام أشمل بالحماية، ولا أظنه يحتاج إلى حمية جاهلية، أو غوغائية دينية مُغذّاة بحماسة انفعالية أكثر مما يحتاج إليه من علم وفهم ووعي.

هنا تتجلّى الفكرة حول ما أتّفِق مع الجميع على أنها غوغائية صارت مضرّة بتفشّيها للمقدّس، ومضايِقة للعلماء العالِمين بعلوم المقدّس فَهْما ووعيا وإدراكا وإلماما بأدوات التأويل المطلوبة، ومن جهة أخرى حضورهم بجرأة ومسايرة لتقدم العلوم وتطورها، والتعامل مع المستجد منها وفيها بهدوء وحكمة وتبصّر. آن الآن النأيُ بالعقل من الانفعالية التي لا تنبثق إلا من الكلام ولا تنتهي إلا به، فأحيانا تُقدّم الإسلام للآخر بذلك الحضور المعرفي البعيد عن فعل العبادات بأنواعها، كأن يبدو أحدُهم مجيدا الحديث حول الصدق، مستشهدا بالأدلة من القرآن والسنّة ومن الأثر الطيب للسّلف الصالح، في حين يراه الناس يكذب في مختلف مواقف الحياة، وأحيانا أخرى تُقدم هذه الفئة التي تحترف العلوم الشرعية الإسلام انفعالا مُفرغا من الروح مليئا بالشعوذة والبدع، فتجعل الآخر يفتقد الإسلام الذي يُنتج المواقف النبيلة ويساير الحضارة، إسلام صدق العلاقات وأمانتها التي تزيد من ازدهار المحبة بين الناس وإرساء الألفة بينهم، إسلام الأخلاق والفكر والإضافة والابتكار، الإسلام الذي نستطيع أن نعتمده في خوض معارك الأسئلة الرسمية حول حضارة الإنسان، التفكير الذي له القدرة على الإجابة النموذجية التي قدمها القرآن الكريم توافقا مع جميع العقول في العالم، إسلام لا يتناقض مع تفكير الإنسان المعاصر، حيث لا يمكن ذلك إلا بالصدق والأمانة كما أسّس لذلك محمد -عليه الصلاة والسلام- سيرةً بين المسلمين وغير المسلمين، وبذلك استقرت الدولة واستمرت، ثم تضاءلت وبادت في شكلها الغابي الغوغائي بسبب تراجع قيمة الصدق وقيمة الأمانة، بمعنى آخر انتصار العبثيون والبهيميون وطغيانهم على المواقف مرة أخرى، الحالة التي جعلت إبليس يفرح ويطمئن على ما اعتبره هو الآخر ازدهارا للغواية.

وما يزيد إبليس اطمئنانا هو أن كثيرا من الدعاة لا يزالون يصنعون الخلافات من مجرّد الكلام الآخذ إلى الصراعات بين المسلمين أنفسهم، المؤسف أن ذلك يعجّ في الأمة المنوط بها أن تكون كالبنيان المرصوص في وقوفها مع الحق والحقيقة كما وصفها محمد عليه الصلاة والسلام، وليس بالمقابر الجماعية التي نشاهدها من حين إلى آخر في الفضائيات، فهذه أيضا تبدو بنيانا مرصوصا من منظور فلسفة إبليس في صناعة الجاهلية العالمة، ثم يمتد خمج هذا العنف والتشدّد ليتفشّى حتى بين أفراد الأسرة المسلمة الواحدة، في حماسة عمياء ودفاع خشن عشوائي عن الدين، انفعال ينطلق من مفهوم الشخص وممّا يريده هو، وليس ممّا يريده المقدّس ويطرحه كتنوير إلهي وهدي نبوي شريف، حالة تدفع الآخر إلى اتخاذ موقف يظنه هؤلاء كفرا، وربما يقع هذا الآخر تحت طائلة خنوع خارج طاعة الله، فقط حتى لا يقع ضحية كراهية، وربما تصفية من قبل أطراف أخرى تحمل قناعات ذلك المقدّس نفسه، كأن يبرر ذلك الذي ذبح إنسانا على صفيح بارد بالشجاعة في الدين، ثم يحمل ذلك محمل تأويل للآية الكريمة: {.. وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ(6)}، أو الآية: {.. يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ(7)}.

لست أدعو إلى الرأفة بمن تعنيهم الآية، ولكنني أحذر من مداخل إبليس، وأنتقد الشكل الذي قررّه القائم بذلك الإجراء الشنيع، وهذا الحاصل الآن ممّا يضطر البعض إلى الظن بأن الدين مِلكٌ لأشخاص معيّنين بكل مظاهره وأفكاره، بسبب استحواذهم على مشاعر الانتماء وحدهم، وإفراطهم في حماستهم وغلوّهم دفاعا عنه إلى درجة الاصطدام بأنفسهم حينا، وحينا آخر بإخوانهم في الدين، لذلك ترى تدافع المبادرين لتكوين فرق وأحزاب وجماعات، ثم تتكاثر الفرق بالصيغة التي وصفها الرسول صلى الله عليه وسلم، فيجد كل واحد منهم نفسه أمام سؤال أكثر خطورة وصعوبة من ذلك السؤال البدائي، وبدلا من أن يعبد الله مطمئنا، يجد نفسه يسأل متقهقرا بحضارته الدينية إلى الوراء، أهو يُمثّل الفرقة الناجية أم يُمثّل الفرقة الضالة؟ وعندما يتفاقم عليه هلعُ السؤال ويتعاظم في نفسه، يلجأ إلى التشدّد لحماية نفسه وجماعته، ظاهرة جديدة أفرزت جهة تسأل بجدية: هل الدين مرعبٌ ومخيفٌ إلى هذا الحد.؟ سؤال غير تقليدي قد يدفع الكثير إلى الكفر، أو على الأقل إلى الشك، هنا يجد الإنسان نفسه محصورا بين الإيمان بالإجابة الرسمية على سؤال الوجود (الله)، وبين فلسفة إبليس في صناعة الغواية، حيث لا خوف على المخلصين الذين يرون الإيمان بالله في عبادتهم بعيدا عن هرج الحديث ولو كان مُبرّرا بالدعوة إلى الله، لأن المتأسّين بالأخلاق والقيم الحميدة أكثر من الذين يمكن أن يتأسّوا بالكلام، وهكذا كان الأنبياء والصالحون يدعون الناس بأخلاقهم ومواقفهم، وليس بمحاضراتهم وكثرة جدالهم وزخم معارفهم، والشائع أن محمد -صلى الله عليه وسلم- وُصف بالّصادق الأمين، أكثر منه بالعالم الجليل أو الداعية الكبير  أو الفقيه العظيم، ونقصد بلاغة الأخلاق والسلوك مقارنة بالكلام في هدي الآخرين إلى سواء السبيل.

إذن على الإنسان ألّا يعيد الخوض في السؤال القديم ولا في سؤال جديد يشبهه، بل عليه أن يراجع موضوعية تناوله للإجابة النموذجية التي لا إجابة بعدها، وعليه أيضا أن يراجع موضوعية طاعته لها وانقياده بها، وأن يحافظ على عقله وروحه من ضياع الإجابة الرسمية مرة أخرى، وعليه أن يمتثل لها ويسايرها دون أن ينقص منها أو يزيد عليها، وأكيد ذلك ما يعنيه عليه الصلاة والسلام بـ "المحَجّة البيضاء"، أو المعنى الذي تضمنته عبارة "الْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ" الواردة في سورة  البقرة الآية: "256" وفي سورة لقمان الآية: "22".  وعليه نقول بضرورة العودة معا إلى معالجة خمج لحمة المجتمع الإسلامي العالمي، والعمل على تأمينه مما تخطط له القوى المعادية للإطاحة به، خصوصا ما يبتكره إبليس من أغوار فكرية ومتاهات فلسفية، وفيما يتفنّن فيه المشعوذون والمبتدعون، أو ما يعدّها شياطين الجن والإنس ثغرات للإطاحة بالعقل، وإغراقه في جاهلية عالِمة مختلفة عن الجاهلية التقليدية البائدة، يعني أنتاج عقل أصعب في دعوته إلى الحق، لأنه لا يجهل مسألة وجود الله كالسابق، بل تجاوزها معرفيا إلى متاهة أخرى من الفلسفة والتصوّف والميتافيزيقا، والتفننّ في اختراع الطرق للوصول إلى الله.

***

عبد الباقي قربوعه. كاتب من الجزائر

.....................

(1) سورة المؤمنون الآية 115.

(2) سورة يوسف الآية: 3

(3) سورة الأنبياء.

(4) فاطر الآية: 28.

(5) جامع بيان العلم وفضله ( 1867.)

(6) سورة النور الآية: 2

(7) سورة المائدة الآية: 54

 

احمد بابانا العلويبين الثقافة والحضارة

إن معنى الحضارة والثقافة أصبح يشير إلى نفس المعنى بحكم السياق الذي يضم التعبير..، والواقع أن التطور الذي طرأ على لفظ الثقافة (Culture) خلال العصور الأوروبية، يدل على التغيير الكبير الذي تعرضت له الحياة الأوروبية، فاللفظ يدل على كل أنواع النشاط وكل أنواع العمل، ويتضمن معنى العبادة الدينية ونظام آداب ومعيشة وسلوك. إلى جانب معنى الزراعة و الاستثمار..، ثم أصبح اللفظ في العصر المسيحي يشير إلى الاكتمال الشخصي والتهذيب الأخلاقي..

ففي العصور المسيحية ظهر تعبير "الثقافة المسيحية" الذي ينسحب على العوامل الأخلاقية التي تؤدب الجماهير العريضة، وتحريرها من الفكر الوثني.

وصارت الثقافة تتطور عبر العصور، بحيث أصبحت المحدد لنصيب الفكر في الواقع الاجتماعي..، والدليل على الدور المعرفي في مجال التطور الحضاري وذلك برفع مستوى الإدراك العام، بترشيد الرأسمال المعرفي.

وكل معرفة إنما هي نتيجة تطور فكري في الواقع الموضوعي..

فالثقافة من الوجهة الا نتربولوجية ، هي مجموعة من الرموز التي تعكس الحياة العضوية للجماعة..، وتمثل شكل الفكر الذي يسمح ببلوغ الحقيقة وتملك القدرة على المعرفة الحقيقية، أو الفكر الذي يحاول أن يحدد الشروط والحدود للانبعاث الحضاري، وكل انبعاث حضاري يتطلب إحياء التراث وجعل الوعي السياسي والثقافي يتجلى في المشروع الحضاري القومي...

إن جوهر الثقافة هو الوعي التاريخي للعصر والواقع معا.. وإدراك حقيقي للأخطار والتحديات، فمن خلالها نستطيع قراءة الأفكار واستشراف المستقبل..

فالثقافة عملية بحث دائم للإجابة على الأسئلة المتجددة في عالم متغير شديد السرعة، والاضطراب، يصعب فيه تحديد التأثير الثقافي، والدور الذي يقوم به المثقفون..، ومأساة الثقافة العربية كامنة في مأساة العقل والوجدان.. فإذا خمد الوجدان في الأمة تعطلت حيويتها الثقافية، ولم تعد قادرة على النهوض الفكري..

أما إذا بقيت محافظة على الحيوية الثقافية أثبت أنها أمة ذات وجدان حي قابلة للنهوض والتجدد والتوحد.

لقد اكتشف عقل النهضة الأوروبي أن تجديد التراث الأغريقي والأوروبي عامة هو الجذوة التي أشعلت التجديد الفلسفي والعلمي على يد قادة الفكر ووجهابذة العلماء، في الغرب الحديث.

وغني عن البيان أن سيطرة الروح التقليدية في أية حضارة يعوق مثل هذا التجديد.. لقد أدت الثورات الأوروبية في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر إلى جعل المشروع الثقافي النهضوي الأوروبي مشروعا حضاريا إمبرياليا...

2 - فلسفة الحضارة

إن تاريخ الحضارة هو تاريخ الإنسانية كلها، من حيث أنها معبرة عن أخص خصائص الإنسان: الدين واللغة، والقضاء، والمدن والملاحة، وأحوال المعيشة، والمواسم والأعياد...، فالحضارة هي مجموعة المعارف العلمية والنظم والعادات والآداب تمثل الحال الفكري والاقتصادي والسياسي، وسائر مظاهر الحياة المادية والمعنوية في مرحلة من مراحل التاريخ، وكل حضارة إنما هي نتيجة جهود بذلتها الأجيال السابقة خلال العصور المتطاولة..

وغاية الحضارة الارتفاع بالحياة الإنسانية في جوانبها المتعددة العقلية والمعيشية والنفسية والخلقية، والاجتماعية، إلى جانب الحياة الفردية..

الحضارة الصالحة تفسح المجال لنمو العقل، توسع آفاق العلم والمعرفة، وتزيد من قدرة الإنسان على السيطرة على الطبيعة ليستثمرها لتسهيل أمر معاشه كما تمكنه من السيطرة على غرائزه وأهوائه، وتفسح المجال أمام سموه الروحي والخلقي..[1].

من هنا جاء التأكيد على التداخل بين المفهومين الرئيسيين "الثقافة والحضارة".

يرى "البر أشفيستر (ت 1965) في كتابه فلسفة الحضارة بأننا نستطيع أن نعرف الحضارة بصورة عامة بأنها هي التقدم الروحي والمادي للأفراد والجماعات على السواء.. فالحضارة مزدوجة الطبيعة، فهي تحقيق سيادة العقل أولا على قوى الطبيعة، وثانيا على نوازع الإنسان..

إن كلمة حضارة المقابل لكلمة civilisation بمعنى التقدم المادي (Progrès)، أما لفظ الحضارة الذي تعنيه كلمة (Kulture) فمعناه البعد الأخلاقي أو القيم الأخلاقية. فالتقدم الأخلاقي، حسب "أشفيستر"... هو جوهر الحضارة، أما التقدم المادي يمكن أن يكون له أثر طيب أو سيء في تطور الحضارة..[2].

إن حياة الكلمات ليست بمعزل عن حياة الأفكار وكلمة (civilisation) مشتقة من فعل (civiliser) بمعناه الذي كان متداولاً عند كتاب القرن الثامن عشر الفرنسي..، فمعناه ابن "الحاضرة" وما يترتب عن العيش في المدن من آداب وسلوك وصلاح السمت والمعشر وصقل في الفكر..

ويرجع لفظ المتحضر أو المؤدب (Polite) إلى المدينة اليونانية (Polis).. وعلى هذا نفهم العلاقة في اللغات الأوروبية بين التمدن والفنون المهذبة..

فالمقصود من التأديب في مصطلحات اللغات عامة هو صلاح الإنسان ورقيه الروحي والمادي..

فهو في عرف العصر الحديث قد تربى على العلم والأدب والتاريخ والحكمة، وجمع بين ثقافة الفكر والضمير..[3].

الثقافة تهتم بالإنسان كروح وعقل وفكر..، أما الحضارة فتهتم بالإنتاج المادي في جميع صوره..، والملاحظ أنه كلما آزداد الإنسان تقدماً مادياً، تراجع ثقافياً وأخلاقيا..

فالحضارة تعني فن العمل وصناعة الأشياء، والتغيير المستمر والسيطرة على العالم..[4].

إن عالم الصناعة المتقدم ينتج الثقافة ويملك مؤسسات الإنتاج الاقتصادية العابرة للقارات..

ونتيجة للتقدم الصناعي تحول المشروع الحضاري الغربي إلى قوة توسع إمبريالي واستعماري..

الأمبريالية تعني التوسع الثقافي والحضاري، والسيطرة السياسية والاقتصادية والاجتماعية..

المجتمع المعاصر بما حققه من تقدم في مجال التكنولوجيا والصناعات المتقدمة... التي جعلت من النموذج الحضاري الغربي، النموذج المثالي الذي يحتذى به على الصعيد العالمي..

3 - ابن خلدون: المغلوب مولع بمحاكاة الغالب

يقول ابن خلدون في مقدمته أن المغلوب مولع بمحاكاة الغالب، لأن التعلق بعوائد الحضارة وتقليد أنماطها ناتج عن الإحساس بالغلبة والوهم بكمال الغالب..

فالمغلوب يتشبه أبدا بالغالب في سائر أحواله.. لأن الهزيمة توحي إليه أن مشابهة الغالب قوة يدافع بها مهانة الضعف الذي جنى عليه تلك الهزيمة..

ويوشك المغلوب أن يندمج في بنية القوي المتسلط عليه، ويفنى فيه، عادة، وعملا ولغة وأدبا..، إن لم تعصمه من هذا الفناء عصمة من بقايا الحيوية، كمنت فيه، وورثها من تاريخه القديم..[5].

إن أهم ما يلفت النظر في المتن الخلدوني هو رؤيته المتميزة للحضارة، من حيث هي قوة، من أبرز سماتها شمول التقنية وانتشار الصنائع، واتساع العمران..

فالحضارة ظاهرة من ظواهر الاجتماع الإنساني، تخضع لقوانين النشوء والارتقاء والاضمحلال..[6]، إن الحضارات تختلف فيما تضعه من أهداف وتومن به من مثل ومعتقدات..، فإذا فسدت مثلها وقيمها انحدرت الحضارة نحو الانحطاط والسقوط..

إن ربط نشوء الدول والامبراطوريات.. بالحضارة أدى إلى القطع بوجود حضارة عالمية يستولي عليها الغرب ويوجهها لخدمة أهدافه ويجعل منها قانونا تاريخيا لعصرنا..

إن الموقف الذي يفرض نفسه إزاء هذا الوضع يطرح كيفية الانخراط في الحضارة المعاصرة، وصور الاندماج فيها..

وليس أمامنا سوى أن نختار طريق القوة والاندماج بشراكة وبحس إبداعي، إذا أردنا أن نغير واقعنا ونحدث تغييراً بنيوياً داخل الحضارة، وليس خارجها..، ضمن ما يتيحه لنا عالم لم يعد يتسع إلا للأقوياء..[7].

هذا ما يمنح بوجه خاص العديد من الفرص التي تتيحها الحضارة داخل أشيائها وأفكارها للإنسان..

ولكن لابد من التمييز بهذا الصدد بين استهلاك منتجات الحضارة، والمشاركة في بناء الحضارة..

إن الحضارة لا تبيع جملة واحدة الأشياء التي تنتجها ومشتملات هذه الأشياء.. أي أنها لا يمكن أن تبيعنا روحها وأفكارها وثروتها الذاتية..، هذا الحشد من الأفكار والمعاني التي لا تلمسها الأنامل.

ولكن بدونها تصبح الأشياء فارغة، دون روح، وبغير هدف..[8].

إن مشكلة كل شعب هي مشكلة حضارية بالدرجة الأولى، ولا يمكن أن يفهم أو يحل مشكلته، ما لم يرتفع بفكرته إلى الأحداث الإنسانية..، ويتعمق في فهم العوامل التي تبنى الحضارات أو تهدمها.. ويعي ما تنطوي عليه من أسباب التقدم..، وما الحضارات إلا عناصر للملحمة الإنسانية، منذ فجر التاريخ..[9]

فإذا ما حددنا مكاننا من دورة التاريخ، سهل علينا معرفة عوامل النهوض أو سقوط..

إن استراد الحلول والمناهج الجاهزة التي لا تنسجم مع ما تقتضيه قوانين التاريخ..، تعتبر جهداً ضائعاً كما أن كل تقليد في هذا الميدان هو جهل وانتحار..[10].

4 - التحدي الغربي الشامل

كان لسطوة الحضارة الأوروبية الحديثة أثر بالغ على العالم العربي ونخبه ومثقفيه..، فأخذوا أولا بالدعوة إلى محاكاة الغالب وهي العادة العامة..، ثم انتقلوا من التقليد الآلي الذي

لا تميز فيه، ولا اختيار إلى المحاكاة المميزة، المختارة تمهيدا للاستقلال المسدد إلى غاية..، فقد أوحت حيوية التاريخ واللغة إلى العقول المتيقظة، أن يشبهوا أنفسهم أيام مجدهم وازدهار لغتهم، ولا يشبهون الأوروبيين في حضارتهم الحديثة..[11].

في بداية عصر النهضة العربية الحديثة أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، كان العالم العربي والإسلامي فريسة الاستعمار والتجزئة والتخلف..، وكان قد مر بفترة جمود طويلة أصابته بصدمة التحدي الغربي..

ورغم ذلك، أظهر استجابة لافتة للنظر بهذا التحدي الجديد..، فكان فكر الشيخ محمد عبده (ت 1905) الإصلاحي في شؤون الدين واللغة والتربية لمواجهة التحدي الغربي الشامل..

الفكر الإصلاحي بحكم دوره يشرئب في وجه التحديات ويتصدى للبحث في أسبابها ووسائل علاجها ويقدم الحلول ويرسم طرق التجاوز ويضع برامج العمل وتجديد السير..

ولعل أهم وسيلة للخروج من حالة الإنسان المسلوب الحضارة أو الذي لم يعد قادراً على إنجاز عمل متحضر (Œuvre civilisatrice) هو إعادة النظر التي تبدأ بطرح الأسئلة لزحزحة عبئ الأجوبة الجاهزة الكثيرة المعروفة، والمتداولة.. التي تعطل الفكر وتكبل الإرادات..

إن أقسى فترات الانتظار في التاريخ هي فترات الخلاص والتطلع إلى فجر جديد..

وإن من مستلزمات التنوير الرجوع إلى "الأصول" أصول الثقافة الإنسانية والحضارات العالمية، التي لا تفقد قيمتها مع ذهاب هذه الموجة أو تلك، والتي لا يستغنى عنها في بلورة أية رؤية حضارية جديدة، جادة ورصينة، ثابتة وباقية، لا تتعرض للاهتزاز والسقوط مع النكسات والنكبات..، والأصول رغم تقادم الزمن وتجدد المراحل هي أبداً حية، متجددة..

الأصول تشمل الفلسفة الإغريقية والفلسفة الإسلامية، والفلسفة الحديثة والأدب العالمي..

هذه هي الأصول الجامعة للأدب والفلسفة والفكر..، والغاية من العودة إلى الأصول هضمها وغربلتها واستخراج شيء جديد منها..

إن العودة إلى الأصول ملحة، على ضوء الأزمة الحضارية التي تعانيها الأمة العربية والإسلامية، ولابد أن نخرج من متاهة المذهبيات الأدبية والفكرية إلى رحابة الأصول والثقافات الإنسانية التي أسست النهضات وأقامت الحضارات[12].

وكل عصر يطرح أسئلته الأساسية، ويربطها بالعودة إلى الأصول الثقافية والحضارية الكبرى..، ومنذ بداية عصر النهضة، برز صراع ممتد بين تيارات الفكر العربي الحديث، حول القديم والجديد أو فكرة الأصالة والحداثة..

وضمن هذا السياق يندرج السؤال حول التقدم الحضاري، ومعضلات التأخر التاريخي في باب البحث عن استجلاء ما قدمه خطاب الحداثة عند طه حسن وعبد الله العروي من أجوبة فكرية عن معضلات التقدم والمستقبل..

***

أحمد بابانا العلوي

..............................

[1] - أعمال غير منشورة، محمد عبد الهادي ابوريدة، الجزء الثالث، الإسلام والحضارة، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ط 1، 2011، ص 6. انظر كذلك محمد المبارك، الفكر الإسلامي الحديث في مواجهة الأفكار الغربية، دار الفكر، ط 2، 1970، ص 27 – 28.

[2] - فلسفة الحضارة، ألبير أشفستر، ترجمة عبد الرحمن بدوي، دار الأندلس، ط 1/ 1980، ص 34/35.

[3] - عباس محمود العقاد، عيد القلم، المكتبة العصرية، بيروت، ص 27.

[4] - الإسلام والحضارة، ص 8.

[5] - العقاد، دراسات المذاهب الأدبية والاجتماعية، ص 7.

[6] - ادريس هاني، حوار الحضارة، المركز الثقافي العربي، ط 2، 2002، ص 100.

[7] - المصدر السابق، ص 106.

[8] - مالك ابن نبي، شروط النهضة، ترجمة عمر مستاوي وعبد آل صبور شاهين، دار الفكر، دمشق، 1979، ص 43.

[9] - المصدر السابق، ص 19-20.

[10]- نفس المصدر، ص 48.

[11] - العقاد، دراسات المذاهب الأدبية، ص 8.

[12] - محمد جابر الأنصاري، تحديد النهضة باكتشاف الذات ونقدها المؤسسة العربية للدراسات والنشر، ط 1، 1992، ص 40-41.

بحث مشارك في مؤتمر جامعة واسط.. مشاركة ثنائية:

- ايمان عامر، باحثة دكتوراه فلسفة تطبيقية، جامعة قالمة الجزائر

- دنيا مسعود خلوف، باحثة دكتوراه فلسفة غربية حديثة ومعاصرة، جامعة قالمة الجزائر

Tolerance is an enlightening Islamic vision –majed al-gharbawi is a model-

***

الملخص

مثل الحب والسلام، يعد التسامح فضيلة انسانية بالدرجة الأولى قبل ارتباطها بأي مؤسسة سواء كانت دينية أو اجتماعية وغيرها.. فهو ضرورة نقابل بها قيم التعصب والعنف والاستبداد التي أهلكت الانسانية وأدخلتها في دوامة من الحروب والصراعات على مر العصور، فقد كتب لوك وفولتير رسائلهم في التسامح لضرورة ملحة، أي انتشار كل أشكال العنف في ظل غياب التسامح منادون بضرورة تحطيم كل أشكال الخلاف والمناداة بالاختلاف الديني والثقافي وقبول الآخر، والعديد من الأصوات المنادية به في العالم سواء الغربي أم العربي، هذا الاخير الذي أنتج قلما من خيرة أقلام هذا العصر المنادية بضرورة فك دعائم اللاتسامح والدعوة الى فاعلية قيم التسامح لعلها تنتشل الفرد العربي من أزمته، وهو المفكر العراقي "ماجد الغرباوي" من خلال تقديمه لرؤية فلسفية وعقلانية محضة تنهل من منطق العقل ومن نهر الشريعة الاسلامية لتخلق نسق قيمي جديد قائم على قيم التسامح ومفككا لقيم اللاتسامح ومنابعها، انطلاقا من الواقع ومن البيئة الاسلامية التي شهدت تطرفا واستبدادا نظرا لعدم وعي الشعوب وعدم فهم النص القرآني فهما صحيحا، لهذا فمن الضروري أن تتظافر الجهود من ّأجل تفكيك النسق القيمي المتطرف وتبديله بقيم جديدة ايجابية لكي يعم التسامح والحب والتضامن كل أرجاء العالم الاسلامي في زمن انتشر فيه العنف باسم الدين.

الكلمات المفتاحية: التسامح، اللاتسامح، الاستبداد، العنف، الوعي، الشريعة الاسلامية.

Like love , peace, tolerance is a human virtue in the first place, before any religious or social instituation, it is a necessity with which we meet the values of intolerance, violence and preparedness that have destroyed humanity, locke and Voltaire wrote their letters in tolerance of the necessity and spread of all forms of violence in the absence of tolerance, calling for the acceptance of the other. Many have called for it, whether in the arab or western world, one of the most important advocates of the value of tolerance in the arab world is “majed al-gharbawi” who presented a purely rational and philosophical vision to create a new paradigm of tolerance that deconstructs intolerance, from the reality of the Islamic environment, which witnessed extremism and tyranny, given the lack of awareness among peoples and the lack of proper understanding of the quranic text, it is necessary to cooperate to dismantle the extremist system and replace it with positive values, so that tolerance,love and solidarity prevail throughout the Islamic world at a time when violence in the name of religion has spread.

Key words

Tolerance, intolerance ,tyranny, violence,awareness , Islamic law.

3980 الضد النوعي للاستبداد

مقدمة:

يعد التسامح فضيلة أخلاقية لها ملامح انسانية بالدرجة الأولى، اذ أنه من بين الفضائل التي سعى الانسان لبلوغها دوما، وشرع لمفهومه وآلياته الكثير من الفلاسفة على رأسهم جون لوك وفولتير ومونتيسكيو الذين ساهمو بشكل كبير في بداية تأسيس خطاب حقوق الانسان من خلال مشروعهم القائم على التسامح للتخلص من التعصب المتطرف الذي أغرق اوروبا في وحل النزاعات. ناهيك عن الخطاب الديني الذي يحمل في طياته رسالة وجيهة ألا وهي نشر قيمة التسامح والوئام والحب، لأنه من الضروري وجود رابطة متينة تعزز ثقافة السلم والتبادل الفكري الخلاق والداعم للحوار وبالتالي نشر قيمة التسامح في عالم تسوده هواجس الصراعات والمشاكل بين البشر، هذا التنافر سببه قيمة الاختلاف ليس هي في ذاتها، بل بالمشاكل المتعلقة برفضها، فالعالم الذي نعيش فيه اليوم يرفض الاختلاف وتقبل الآخر بالرغم من كونه سنة الكون والدعامة الأولى التي تميز البشر مهما كان نوعه ايديولوجي أو ديني او عقائدي أو سياسي، وبالتالي فالبشر لا يتقبلون من هو مختلف عنهم وبالتالي تسبب هذا الاعتقاد في وجود أزمة خانقة على مر التاريخ، على سبيل المثال ما شهدته أوروبا من حروب دينية بسبب التعصب الدوغمائي من قبل رجال الدين على بقية الشعب وممارستهم الوصاية باسم الدين وما نتج عن ذلك من استبداد ونهب وقتل وغيرها من منابع اللاتسامح التي عرفها العالم الاسلامي أيضا عبر مختلف الأحداث وساد الاعتقاد أن المنظومة القيمية الاسلامية هي المسؤولة عن تفشي هكذا أحداث، والكثير من الاتهامات التي وجهت لتلك القيم الدينية والتي نتجت عن مفهوم خاطئ والتي تستدعي قراءة جديدة للدين لفهمه فهما صحيحا، لذلك حاول المفكرون تجديد الخطاب الديني عبر محاولات نهضوية مختلفة، ومن أبرز مفكري العصر الذين اهتموا بهذا الموضوع بغزارة نجد المفكر العراقي "ماجد الغرباوي" في رؤية فكرية ذات توجهات اسلامية قائمة على نقد أسس العنف والاستبداد واللاتسامح وبيان تناقضها مع الشرع الاسلامي وفك الخطاب الديني الذي يبدو متطرفا وشرحه واعادة النظر في مفهومه واستبداله بالحقيقة الواعية البعيدة عن كل تطرف، وفهم الخصوصية الدينية والدعوة الصريحة لقيمة التسامح في وقت تفشى فيه العنف باسم الاسلام وبيان وجود مفهوم التسامح كمفهوم متجذر في الخطاب الاسلامي ودعوة صريحة له منذ نزول القرآن الكريم وبالتالي فالمطلوب هو البحث عن هذه القيمة في النصوص الشرعية ومحاولة نشرها بما يناسب واقع اليوم ..هذا ما حمله مشروع ماجد الغرباوي التجديدي والاصلاحي، ومنه نطرح التساؤل التالي: كيف يمكن للتسامح أن يحد من تفشي العنف والاقصاء؟ وكيف يمكن أن يكون وسيلة لتفكيك خطاب اللاتسامح الاستبداد ومنابعه؟

أولا-التعريف بالكاتب:

ماجد الغرباوي كاتب ومفكر عراقي مهتم بالفكر الديني، متخصص في الفلسفة والعلوم الاسلامية وعلوم الشريعة، كما يعتبر مؤسس ورئيس مؤسسة المثقف العربي بسيدني، شغل عدة مناصب من بينها رئيس تحرير مجلة توحيد، كما أصدر سلسلة رواد الاصلاح وكان رئيسا لتحريرها بالإضافة الى عضويته في الهيئة العلمية لكتاب التوحيد، كما حاز على العديد من النقدية والتقديرية عن أعماله1. يسعى الغرباوي من خلال مشروعه الى تحرير العقل من بنيته الأسطورية التي لجم بها واعادة فهم الدين على أساس مركزية الانسان دون غيره ونشر الوعي عبر تحرير الخطاب الديني من سطوة التراث وتداعيات العقل التقليدي، وقراءة النص قراءة متجددة تقوم على النقد والمراجعة من أجل فهم الدين كشرط أساسي لترسيخ قيم الحرية والتسامح والعدالة في اطار مجتمع مدني خال من العنف والحرب ويعمه السلام الكوني2.

أشهر مؤلفاته:

كتب الغرباوي العديد من المنجزات والكتب التي تعبر عن غزارة انتاجه الفكري، نذكر منها:

-الضد النوعي للاستبداد (استفهامات حول جدوى المشروع السياسي الديني)

-التسامح ومنابع اللاتسامح (فرص التعايش بين الأديان والثقافات)

-اشكاليات التجديد

-النص وسؤال الحقيقة (نقد مرجعيات التفكير الديني)

-الحركات الاسلامية (قراءة نقدية في تجليات الوعي)

- تحديات العنف

- موسوعة متاهات الحقيقة، التي صدر منها لحد الآن:

- الهوية والفعل الحضاري.

- مواربات النص.

- الفقيه والعقل التراثي.

- مضمرات العقل الفقهي.

- تحرير الوعي الديني.

- المرأة وأفاق النسوية.

 - تراجيدية العقل التراثي.3981 التسامح ماجد الغرباوي

ثانيا: مفهوم التسامح:

لغة:

لقد ورد مفهوم التسامح في لسان العرب لابن منظور "من السماح والسماحة: الجود. وسمح وسماحة وسموحة وسماحا: جاد.

ولغة يُقال: سمح وأسمح اذا جاد وأعطى عن كرم وسخاء. وقيل: انما يقال في السخاء سمح، وأما أسمح، فإنما يقال في المتابعة والانقياد. ويقال أسمحت نفسه إذا انقادت.

والمسامحة: المساهلة، وتسامحوا: تساهلوا.

ومن ثم فالتسامح هو التغاضي عن أخطاء وزلات الغير أو التساهل في الحقوق أو الصبر على إساءة أو أذية ما3 .

- وفي النواحي الغربية الأوروبية فتتم الاستعانة بكلمتي Tolération وTolérance للدلالة على معنى التسامح. أين تحمل احداهما وهي Tolération معنى التخصيص فتشير بالضبط الى التسامح الديني سواء على مستوى الديانة الواحدة أو على مستوى ديانات متعددة.

في حين تحمل كلمة tolérance معنى العموم مشيرة بذلك الى تقبل الآخر بالروح السمحة مهما كان مختلفا عنا. ولعل الاستخدام المعاصر يميل الى كلمة Tolérance أكثر 4.

اصطلاحا:

أما من الناحية الاصطلاحية فالتسامح يشير الى جملة التصرفات والسلوكات الخاصة أو الجماعية التي على الأفراد ممارستها حتى يتقنوا فن العيش هم وغيرهم من الآخرين، دون أي انغلاق وتطرف، بل انفتاحاً على الاحترام المتبادل الذي يترك مجالا ومساحة للآخر المختلف خصوصاً عقائدياً 5.

 وبذلك فالتسامح مبدأ انساني يُؤصّل لفكرة التعايش وتقبّل الآخر مهما كان مختلفاً عنّا، بل تقويض طرق وسُبل الانقسام والشتات باسم الدم، الدين، الجنس... يقول في ذلك فولتير: "ان التسامح نتيجة ملازمة لكينونتنا البشرية، لأننا جميعا من نتاج الضعف، فنحن ضعفاء ميّالون للخطأ، لذا دعونا يسامح بعضنا البعض ونتسامح مع بعضنا البعض بشكل متبادل وذلكم هو المبدأ الأول لقانون الطبيعة والمبدأ الأول لحقوق الانسان كافة." 6.

ثالثا- التسامح عند الغرباوي:

لقد وجدت الحضارة الإسلامية نفسها بعد مضيّ زمن طويل في وضعية شتات وصدمة حضارية عميقة، وذلك نتيجة استفاقتها على حالة من الانحطاط والتخلف والزعزعة، بعد أن كانت مهد كل الحضارات، وذلك في أول لقاء حضاري مع قرينتها الغربية، الأمر الذي دفع بالشرق وبالأخصّ الإسلامي أمام هذه المساءلة النهضوية الى الانشطار لثلاث اتجاهات7:

أوّل إمّعة تزعمه المتغرّبون ممن مالوا الى الذوبان في ثقافة الغرب، فقطعوا الصلة مع تراثهم.

اتجاه ثاني محافظ وفيّ مخلص لثقافته وحضارته الإسلامية ورافض لأي اختلاف ومغايرة غربية.

واتجاه ثالث وسطي تأرجح بين الأصالة والمعاصرة، فحافظ من ناحية على قيم وتعاليم

الدين الإسلامي، وانفتح من ناحية ثانية على ما يناسبها (القيم) من الحضارات الأخرى، مؤصّلاُ بذلك لثقافة التسامح والعيش الواحد المشترك بما فيه من احترام الذات واعتراف متبادل بالآخر.

ولعل هذا الأمر هو المشروع الأساسي الذي أكد عليه مفكّرنا العربي ماجد الغرباوي، فالأمة الإسلامية حسب رأيه في حاجة ماسّة الى رقيّ ونهوض حضاري لتجاوز ركودها وتقهقرها السابق الأمر الذي لا يكون الّا من خلال الموازنة بين معطياتها من جهة ومعطيات نظيرتها الغربيّة من جهة أخرى.

إنّ الآخر من وجهة نظر الغرباوي ليس المغاير المناقض، بل هو المغاير الذي يستلزم التواصل ويقتضي الانفتاح والقبول، فلم تكن المغايرة أبداً تخلّي عن الذات وطمس لهويّتها، كما لم ولن تكن أبداً انغلاق على الذوات الأخرى ومحاربة لها. بل على العكس من الحالتين المغايرة تسير في سياق الرقي بالذات ضمن علاقة وجدلية إيجابية مع الآخر قوامها المعايشة الواحدة والاحترام المتبادل ضمن سياق قيمي تسامحي 8.  وفي الإشارة الى التسامح يقدم الغرباوي مفهومه الخاص له باعتباره مبدأ إيجابي يسمح بتعايش الرؤى والاتجاهات المختلفة دينيًّا وسياسيًّا، ليس تكرّماً ومنّةً، وانما واجباً تفرضه الحرية الشخصية. فالتسامح كمشروع حضاري لا يطمس ويتجاوز الآخر المختلف وفق ثقافة النبذ والاقصاء وتحت شعار المجابهة والقتال، بل يسعى الى التواصل والتعايش، ورغم أنه لا يقتصر على الجانب الديني فحسب بل يتعداه الى جوانب أخرى، إلاّ أنه في الفترات المعاصرة يُطرح ضمن هذا السياق خصوصًا وأن حضارتنا الإسلامية في حاجة ماسة الى مراجعة جديدة وعمليّة تعرية وكشف لما هو مستور مضرّ يمسّ ويهدّد وجودها من خلال الانغلاق على ذاتها والتعصب لمعتقداتها.

فالبيئة الإسلامية على حد تعبير الغرباوي في حاجة الى قراءة جديدة لنصوصها، قراءة قوامها الكشف والمساءلة لا التستر والمدارات، لأنّ هذه القراءة وحدها التي تسمح بالرقي بها وبإعادة بنائها وفق قيم حقيقيّة أبرزها قيمة التسامح. فالضرورة هنا هي تحديث هذه الحضارة ليس بشكل خارجي شكلاني وانّما بقلب الموازين واحداث تغيير داخلي عميق 9.

ان التسامح عند الغرباوي هو تجاوز لأي تعصّب وانغلاق على الآخرين، الى التقبّل والسماح لهم بإبداء آرائهم والتعبير عنها وفق مبدأ الحرية سواء كانت موافقة أو مخالفة لآرائها الخاصة.

ولذلك فنحن في حاجة ملحّة ضمن سياق مشروعنا الترقيعي النهضوي الإسلامي حسب الغرباوي الى خطوتين العودة الى الماضي بأصالته، وممارسة النقد عليه وتعريته. فالعودة لا تعني الذوبان التام فيه خصوصا اذا كان يحمل في طياته بوادر ضعفه، والنقد من ناحية أخرى لا يعني التقويض والهدم، وانما في الحقيقة هو ملية قوامها استدعاء الماضي وإزالة ما فيه من عرقلة نهضوية، وفي نفس الوقت الانفتاح على المستقبل بما يتضمنه من معايشة للآخر، ذلك أن تحضّر ورقيّ أي مجتمع يعود الى قاعدة وركيزة واحدة هي التسامح بمعناه الحقيقي الفعّال الذي يقوم على تقبل المختلف مهما بلغت درجت اختلافه ومستويات أخطائه، والسير نحو رؤية ايجابياته ونقاط جماله والأهم التسامح معه 10.3982 تحديات العنف ماجد الغرباوي

رابعا- بين التسامح واللاتسامح:

كتب على بني البشر العيش في جماعات مجتمعة، فلا يمكن لبشر أن يعيش بمعزل عن الآخر ولهذا العيش ضوابط وخصائص اذ يتوجب على الأفراد احترام خصوصيات بعضهم البعض وقبول معتقدات الآخرين وأفكارهم وحرياتهم الشخصية واختلافاتهم سواء كانت في الدين أو العرق أو اللون او في المعتقدات، لقول الله تعالى ان في ومن آياته خلق السماوات والارض واختلاف السنتكم والوانكم ان في ذلك لآيات للعالمين سورة الروم الآية22...، فالبشر جميعهم مختلفون لهذا السبب لا بد من تقبل الآخر والنظر في الأشياء التي تجمع الانسانية بعيدا عن كل تطرف او انتماء قد يشق أو يخلخل شبكة العلاقات الانسانية ويفكك قيم التسامح، هذا فان لم يحدث تقبل للاختلاف ستتدهور حالة المجتمعات مثلما هو سائد الآن ونخص بالذكر المجتمعات الاسلامية التي فقدت بنسبة كبيرة قيمة التسامح في مقابل انتشار قيمة اللاتسامح والتعصب والعنف وغيرها من قيم سلبية أثرت على الفرد العربي بالدرجة الأولى وفي سلوكياته وانطباعاته تجاه الآخر ومن ثمة مجتمعه. حيث أن ما نشاهده اليوم من صراع محتدم بين القوميات والأديان والمذاهب يكشف عن رخاوة الأسس التي يقوم عليها مفهوم التسامح الذي يعتبر في نظر الأوساط المتصارعة مجرد قيمة أّخلاقية تتحكم به المؤثرات الاجتماعية والسياسية والثقافية11. فالأطراف والأشخاص والأقوام المتصارعين لم ينتبهوا الى قيمة التسامح كونها الفاعل الأساسي في الحد من ذلك الصراع واعتبروها مجرد قيمة أخلاقية كغيرها من القيم كما أن غياب الوعي بمدى قدرة هذه القيمة في تغيير أحوال المجتمعات زاد الطين بلة وأدى الى نسيان الهدف الأسمى والصورة الغائية التي تندرج تحت هذه القيمة.

يرى الاستاذ ماجد الغرباوي أن الرهان على فاعلية قيم التسامح وقدرتها على خلق مناخات مؤاتية لاستنبات نسق قيمي جديد يتجاهل ما توارثه من محفوظات ونصوص ويؤسس لقيم جديدة ناظرة الى البعد الانساني12. بمعنى أن النهج الصحيح للوصول الى مجتمع متسامح هو اثارة الوعي حول هذه القيمة واعادة تشكيلها وفهمها من جديد بعيدا عن الموروث الديني المفهوم بشكل خاطئ وفهم الدين فهما صحيحا لأن المتطلع على الخصوصية الدينية يجدها تدعو الى كم وفير من القيم الايجابية كالتسامح والحب والأمانة وتقبل الآخر، وأن السبب في تفشي ظاهرة العنف واللاتسامح هو عدم فهم آيات الذكر الحكيم واعتبارها آيات تدعو للعنف وهذا نتاج القراءة السطحية والفهم المتداول عن العقل الجمعي الذي يتبع فقط الآراء السائدة، وعدم الوعي بقيم التسامح وثوابها ونتائجها المتواجدة في القرآن الكريم، وبالتالي انتشرت الكراهية ونبذ الآخر والتفرق والانحياز الى مذهب أو فرقة على حساب أخرى والتعصب لها وبالتالي انتشرت كل مظاهر اللاتسامح. اذن فمشروع مفكرنا مبني على "محاولة لتأسيس نسق قيمي جديد لمفهوم اسلامي عريق أكدته نصوص الكتاب وعضدته السير الصحيحة وارتكز اليه المسلمون وشخص النبي في علاقته مع الآخر المختلف دينيا"13.

 هذا المشروع يقوم على اعادة قراءة التراث قراءة صحيحة بعيدة عن الأحكام المسبقة والآراء المتطرفة لأنها هي السبب في نشر مشكلة اللاتسامح والقضاء عليها على الأقل نسبيا وبما أن البحث في جذور المشكلة هو نصف الحل اضافة الى تشخيص الأزمة فالبتأكيد سنتمكن من الحد من انتشار هذه الظاهرة خاصة وأن الانسان كائن مميز بالعقل، فبإمكانه ادراك وتحليل ما يخترقه من أزمات من خلال عقلنتها وعقلنة كل شيئ سائد لا سيما الدين، وهو ما ذهب اليه ايمانويل كانط في القرن الثامن عشر حينما أطلق العنان للعقل ورفض كل قيم التعصب والتشدد الديني التي تضفيها علينا الأحزاب الدينية وغيرها، فالعقل يستطيع الوصول الى الدين الصحيح دون املاء من تصورات مفارقة من خلال الاعتماد على نصوص الذكر الحكيم واستنباط منها قيم صحيحة عكس تلك السائدة كذلك اتباع قيم السيرة النبوية والتي رسمت لنا في بعض أحاديثها أروع رسوم التسامح كقصة النبي محمد (ص) مع الشخص اليهودي الذي تقبل اختلافه وتعامل معه بلين ورفق رغم أذية اليهودي لشخص الرسول لكنه تعامل معه بأبلغ قيم الانسانية، فالإسلام دين أخلاق عالمية كونية وانسانية يجهلها الشخص المتطرف. لأنه صار مألوفا حز الرؤوس وتقطيع الأوصال والتمثيل بجثث القتلى حتى مع المسلم البريء لمجرد اختلافه مذهبيا أو سياسيا، بل صار يعرف الاسلام بهكذا ممارسات لا انسانية فضلا عن لا اسلاميتها.

فالممارسات العنيفة من قتل واغتصاب واستبداد لا تمت للإسلام بصفة فهي أولا صفات دخيلة ربما ناتجة من جهل المجتمعات القبلية التي تتصرف بوحشية وفقا للنمط المنغلق المبني على العصبية..

و يرى مفكرنا أن الحل الوحيد لهذه الأزمة ليس بالأمر الهين لأنه مرتبط بصفات متجذرة في الشعب والمجتمع كما أنه مرهون للحد من صفات خانقة وكوارث اجتماعية متفشية تجتاح المجتمعات بلا هوادة وأثرت على المجتمع سلبيا، لذا فانه من الضروري "تبني قيم التسامح والعفو والمغفرة والرحمة والاخوة والسلام، لنزع فتيل التوتر وتحويل نقاط الخلاف الى مساحة الحوار والتفاهم بدل الاقتتال والتناحر وهو عمل صعب يستدعي جهودا يتظافر فيها الخطاب الاعلامي مع الخطاب الثقافي والديني والسياسي والتربوي"15. لهذا فزرع قيم التسامح بدلا من اللاتسامح هو عمل جبار يتطلب تعاون متبادل بين جميع الّأطراف وكل بنى المجتمع من أجل نشر الوعي من خلال تبني قيم الدين وقراءتها بصورة جديدة وتقديم رؤية عصرية لمختلف قيمه بما فيها التسامح وشرح اهمية التسامح الديني من أجل ضحد كل المنابع المؤسسة للعنف باسم الدين واستنباط قيم جديدة من اجل استغلالها لصياغة نسق ديني خاص بالتسامح لكي يعم السلام والأمن كافة أرجاء الانسانية لأن الانسان هو خليفة الله في الأرض فلزام عليه أن يكون كائن مسالم متسامح مع كافة اخوانه.

ومن جانب آخر فلا يمكن للتسامح أن يتواجد في مجتمع تسوده قيم سلبية وشعوب متناحرة ومتنافرة وعادات تعبر عن سوء التأقلم والتعايش بين البشر، فلا يمكن للمجتمعات التي تعاني الاقصاء والتمييز والعنف أن تتبنى التسامح وتتقبل نمط معيشي جديد يسوده الهدوء بعيدا عن كل عصبية، اذن فانه من الضروري تفكيك كل منابع اللاتسامح أو المحددات المؤسسة لها ووضع قيم جديدة وتبني أشكال جديدة من القيم تصب كلها في منبع التسامح، لكن قبل ذلك يجب معرفة منابع اللاتسامح والقيم التي تؤسس لهذا الفعل وتحليلها من أجل تفكيكها والتمكن من تجاوزها في النهاية. أي "محاولة لتجريد التعصب من الشحنات السلبية ليصار الى قيم جديدة يتعصب فيها الفرد لصالح القانون واحترام النظام وتبني قيم التسامح والمحبة والوئام" 16. لأن الدولة المدنية هي التي تحمي الفرد بالقانون ولا تسمح بالتعدي على الآخر كما هو سائد في العقلية الرجعية للشعوب، وتختلف منابع اللاتسامح حسب مفكرنا نذكر بعضا منها

1- منابع اللاتسامح:

العنف:

لعل العنف من أبرز الظواهر السائدة في المجتمعات الحديثة ولا سيما القديمة، أي أنه مفهوم متجدر وتكون هذا المفهوم منذ القدم فقد لجأ الانسان الى العنف من أجل الدفاع عن نفسه بمختلف أنواعه سواء كان معنوي أو مادي بالضرب أو القتل او من خلال السب والشتم وغيرها من وسائل العنف المختلفة، كما ساد العنف بكثرة في الحروب وفي الخلافات العائلية وبين القبائل أي في المجتمعات التي لا تتحكم الى قوانين وضوابط مدنية وتلجأ الى العنف بحيث "أصبح الأسلوب الوحيد في انتزاع الحقوق وفرض الآراء هو اللجوء للقوة، التي هي جزء كبير منها ممارسة غير مشروعة للعنف، بل ومحرمة بميزان الدين والأخلاق" 17.

 فهناك من يلجأ الى بسط نفوذه والوصول الى مبتغاه بالعنف من خلال منطق القوة، كما اصبحت هذه الأخيرة وسيلة لانتزاع الحقوق بدلا من اللجوء الى القضاء والقوانين العادلة وبالتالي سيكون هناك ظلم خاصة أن القوي سيأكل حق الضعيف بأي صورة من صور العنف سواء بالضرب المبرح أو القتل العمدي وهي أفعال محرمة شرعا ومحظورة انسانيا، اذن فالأهم هنا هو القضاء على العنف وافراغ محتواه لتحل محله القيم الانسانية، لكن المسألة لا تقتصر على مظاهر العنف والممارسات اللامشروعة للقوة فهذه الأخيرة يمكن القضاء عليها بعنف مضاد، لكن السؤال الأهم الذي يطرح نفسه، كيف نتجت ثقافة العنف وكيف نقضي على منابعها ومنابع التعصب بصفة عامة 18.

 اذن فمن الضروري تقديم قراءة جديدة للدين واستنتاج قيم جديدة قائمة على فعل التسامح لتحل محل العنف وتوعية الشعب وتثقيفه للابتعاد عن هذه الظاهرة المستبدة وتنقية عقله من الأوهام والسرديات الكبرى أو السرديات الفائقة بلغة ليوتار والتي ترسم لنا مظاهر العنف عبر أشهر محطات التاريخ التي لجأ فيها الانسان للقوة ليخرج منتصرا، فالشعوب دوما تتذكر القصص التي فيها عنف والتي غيرت التاريخ في نظرهم عن طريق انتهاج هذا النهج، فمن الضروري تقويم المخيال الجمعي وتوعيته والمساهمة في يقظته لكي يحل محل العنف قيم السلام والاخوة والليونة.

الولاء القبلي:

قبل الولوج في مفهوم الولاء القبلي وجب أولا الحديث عن القبيلة أو العشيرة باعتبارها مجموعة من الأشخاص يستوطنون مكانا ما، لهم قوانين ونظم خاصة بهم ويترأسهم شيخ يكنى بشيخ القبيلة، فهو يسن القوانين وهو الشارع المنظم يمارس الحكم على الجميع ويصدر القرارات التي ينبغي على الجميع احترامها والانقياد بها، هذا ما يسمى الولاء أي الطاعة واحترام قوانين العشيرة وجلب كل ما له مصلحة لها على حساب كل القبائل الأخرى، لأن وجود الفرد من وجود قبيلته ووجوده مرهون بها فهي من تصنع له مكانته، وبالرغم من دخول الفرد مرحلة الدولة الحديثة او دولة القانون الا ان النظام العشائري مزال يفرض نفسه ومسؤول عن انتشار اللاتسامح في بعض الدول من خلال تعارض المصالح خاصة عندما يكون الحديث عن معتقدات وقيم القبيلة.

لقيم العشيرة تداعيات خطير خاصة في المجتمع الذي يضم عدد كبير من العشائر ويكمن الخطر حينما تتصادم قيم القبائل فيما بينها أو تتصادم مع قوانين الدولة أي ما يسمى بتقاطع الولاءات هنا يكون الفرد مخيرا بين الولاء لقبيلته أو لدولته والقانون أو عندما يكون الامر مرتبط بالولاء للدين ايضا، فتكمن المشكلة الى من سينحاز الفرد في الولاء أكيد سيختار قبيلته وينحاز لها ضد الدولة فهو لا يستطيع التخلي عن عشيرته التي ترعرع في كنفها وعلى مبادئها وبما أن مكانته الاجتماعية تعطى له على أساس قبيلته 19.

كما أنه من المعروف أن القبيلة تقف بالمرصاد لأي أمر يتعارض مع مصالحها.. هكذا اذن تتقاطع الولاءات في معادلة الولاء للدولة أو للقبيلة وبالتالي تحدث فوضى عارمة في المجتمع ولاتسامح بين الأفراد لذلك كان لزاما تفكيك كل القيم المنوطة بالولاء العشيري واعادة تشكيلها وفقا لقيم جديدة اكثر انسانية ولا يسود فيها العنف والتصادم، أي أن يحول الولاء الى دولة القانون التي تضمن للإنسان حقوقه ومتطلباته الاساسية التي تطبق على الجميع سواسية، وتكون هذه القيم الجديدة قائمة على اساس الدين والنص القرآني الذي يدعو للبر والتقوى والتعاون، من هنا ستتوحد الشعوب على أساس انساني، كما أن الأمر يحتاج الى اعادة تفكيك قيم القبيلة لا القضاء عليها أو تعطيل فاعليتها لأن هذا الامر مستحيل وانما يعاد تركيبها بشكل يخدم المجتمع ويفعل القانون ويضمن ولاء الفرد للدولة القانونية بعيدا عن التعصب القبلي الذي كثيرا ما يتعارض مع المصالح العامة للشعب، هذا الأمر الذي عبر عنه الكاتب على أنه مصادرة للفرد وقيمته الانسانية وارادته التي أراد لها الله أن تكون متحررة وتسامح في بناء مجتمع متسامح20.

اذن فتفكيك النسق القيمي وليس الاجتماعي للقبيلة واعادة تشكيل العقل العشائري له الأولوية في عملية التغيير وتأسيس مجتمع يقبل كل التحولات بنظرة متسامحة تنشد كل قيم التسامح 21.

سلطة القيم:

تعتبر القيم الأساس الضابط لسلوك الفرد في تعاملاته وهي مكتسبة من المجتمع، بحيث "يلقن الفرد بمفاهيم قيمية يراد له الالتزام بها كي يكتسب احترام المجتمع، الذي لا يحترم الا من دأب على احترام قيمه والتزم بأعرافه وتقاليده"22.

اذ أن الاحترام يتبين من خلال تمسك الفرد بقيمه فهو بالتالي شخص محترم له مكانة اجتماعية مرموقة وكل شخص متمرد وساخط عن قيمه فبالتالي هو شخص فاقد لمكانته الاجتماعية خاصة تلك التي أعطته اياه القبيلة، فالقبيلة تشرع لصفات صارمة من قبيل العنف والولاء كما سبق شرحه وكذلك قيمة العصبية، فان لم يستخدم الفرد هكذا صفات في تعاملاته مع العشائر الأخرى أو في الدفاع عن قبيلته فسيوصف بالجبان وغيرها من صفات الضعف، فمعيار القوة في العشيرة هو مقدرة الشخص على التعامل بصلابة وبقوة وبكل عصبية والا فقد مكانته الاجتماعية في القبيلة، وبما أن هم الاشخاص نيل رضا شيخ القبيلة فبالتأكيد سيكون رد فعلهم صارم ولا متسامح ابان كل ردة فعل الى درجة التطرف.

كذلك في سلطة القيم يشير مفكرنا الى انتشار السلطة الأبوية وسيادة الذكورية، لأن المجتمع الذكوري لعب دورا كبيرا في تكريس سلطة النظام الأبوي، اذ يحتل الذكر مكانة أعلى من مكانة الأنثى، ومكانة مركزية الكون يتلاشى معها الوجود الاجتماعي للمرأة حتى تفقد قيمتها ومكانتها من خلال عدم تدخلها في القرارات خاصة المصيرية والحاسمة وبالتالي اختفى وجودها الحقيقي، وبذلك عطل المجتمع الأبوي نصفه الآخر بإرادته بعد أن هيمن العنصر الأبوي على جميع المستويات 23.

وبالتالي فان غياب مكانة المرأة في المجتمع يكون عبئا على تطور المجتمعات ويستحيل وصفها بالمجتمعات المتسامحة لأن هذه الأخيرة لا يمكنها اقصاء أي عنصر فعال في المجتمع ومهم كأهمية المرأة طبعا. هكذا اذن فان سيادة القيم المستبدة واللاسوية في المجتمع، تؤثر سلبا عليه وهذا بانتشار اللاتسامح والاضطهاد والعنف والاقصاء باسم القيم ومن الضروري فك النظام القيمي المتجذر في الشعوب ومحاولة وضع قيم جديدة أكثر عدلا وتنساق في المجتمع ليعمه السلام.

كما أشار الأستاذ الغرباوي الى منبعين آخرين لللاتسامح، وهما الاستبداد السياسي اضافة الى التطرف الديني واللذان تربطهما علاقة ببعضهما، فالمنبع الأول المتمثل في الاستبداد السياسي الذي يعني ممارسة السلطة العليا الاضطهاد والعنف باسم النظام والاحتكار والرشوة والظلم والكثير من أساليب الاستبداد، لذلك يتنافى الاستبداد السياسي مع التسامح ولا يمكن لهذا الأخير أن يحل في جو يسوده الاستبداد والعنف ويمارس ضمنه أساليب قمعية مختلفة هذا وتختلف انواع الاستبداد وتتعدد مجالاته وتتباين في الخطورة ولعل أخطرها الاستبداد الديني الذي يستمد شرعيته من الدين ويمارس عرابوه كافة طرق الاستبداد تحت شرع الدين بكل حرية وبالتالي يطغون ويصعب ردعهم، كذلك انظمة الحكم التي شهدها الانسان قد أسست للاستبداد والديكتاتورية بشكل كبير مما منع ظهور التسامح وقبول الآخر وحتى الاعتراف به، لهذا وجب دحض أسسه ومناهجه وأساليبه، كون أن "الاستبداد عقدة يجب تجنبها في كل صيغة لأي مشروع حضاري مستقبلي. كما ينبغي الارتقاء بوعي الأمة الى مستوى ادراك مساوئ الاستبداد، أيا كان مصدره سياسيا أو دينيا أو اجتماعيا" 24.

أما عن التطرف الديني الذي يشبه عامة وفي سياقات خاصة الاستبداد الديني فهو أيضا أساس آخر مشكل للاتسامح، من حيث أنه يتخفى تحت ثوب الشرع والدين، لهذا فالتطرف الديني لا يعدو كونه قراءة متحيزة للدين ومجتزئة للنصوص نظرا لاختلاف القراءات وتعددها رغم وحدة القرآن وتعدد الآراء واختلاف الفتاوى وعلى هذا الأساس يكون هناك خلاف ولا تقبل وبالتالي ينتشر التطرف ويختفي التسامح من الساحة 25. لذلك فان تفكيك الخطاب الديني القائم على التطرف ونشر قبول الآراء وتبادل الافكار وحل مساحة للحوار هو الحل لأي طرف ناشد للتسامح ورافض للخلاف والاستبداد.

خامسا- أسس التسامح:

بما أن التسامح مبدأ انساني وشرط حضاري نهضوي، فلابد له لامحالة من دعائم يقوم عليها حتى يتسنّى للأفراد والأمم افشاء التعايش وتقويض التناحر، ولعل أبرز هذه الأسس 26.

حقوق المواطنة:

تتحدد المواطنة انطلاقا من الاعتراف بالآخر كذات مغايرة ومخالفة لنا، والاعتراف بأن له جملة من الحقوق وان كانت تخالف حقوقنا وتصوراتنا، ذلك أن هناك فارق كبير بين قبول الآخر وبين الاعتراف به رغم أن كلاهنا يؤصّل للانتماء الوطني، لكن يبقى قبول الآخر هو حالة خارجية مفروضة على الفرد تبعا لمصالح وحياة مشتركة واحدة. في حين الاعتراف به ينطلق وينبع من الذات الواعية التي لا تكون أنانية في تصرفاتها وانّما تسبّق الولاء وبالأخص الوطني على أي ولاء آخر دون أي الغاء لا للذات ولا للغير27.

ان حقوق المواطنة تتطلب المساواة في الحقوق والواجبات بين كل المواطنين سواء كانوا مسلمين أو غيرهم ضمن اطار الوطن الواحد، خصوصا وأن الإسلام أكّد في نصوصه العديدة على حفظ حقوق أهل الكتاب قولا وعملا، قولا في الآيات العديدة:" ولا تجادلوا أهل الكتاب الاّ بالتي هي أحسن" (العنكبوت الأية 46 ) وعملا من خلال ما قام به الرسول عليه الصلاة والسلام في ميثاق المدينة الذي جعله دستور للناس مهما اختلفت انتماءاتهم الدينية فهم أمة واحدة لهم نفس الحقوق والواجبات 28.

 لعل التعايش والاعتراف بالحقوق بين المسلمين وحتى مع غيرهم هو أبرز ولاء للوطن اذ يقوم على أساس التسامح، وينبذ أي شتات وخلاف مهما كان نوعه (طائفي، قومي، عرقي، مذهبي...) ولذلك فالحقوق هنا واحدة والخصوصيات ليست ملغاة وانما معترف بها تحت لواء المساواة بين الجميع دون أي تفضّل أو منّة، هنا فقط ينفتح الأفراد على حريات عديدة.

سيادة القانون:

بعد حقوق المواطنة، لابد للتسامح أن لا يسير بشكل عشوائي عرفي غير مقنّن، وانما لابد له من عملية تقنين فالقانون يلعب دور كبير في حماية التسامح والعمل على تطبيقه محابهةً لأي نوازع ذاتية وذلك حتى لا تنشأ هُوة بين الحقوق والواجبات ويحصل تصدّع بين الأفراد.

ان القانون يمثّل قوة عليا رادعة لأي تمرّد ولأي محاولة للثورة على الجماعة، وفي نفس الوقت مُحلّة ومُرسية لثقافة الحوار والتعايش وتقبّل الآخر المختلف.

غير أنه تجدر الاشارة الى أن هذا القانون لابد أن يبقى صامد مجابه لأي تصدّع ولأي مناداة بالانهيار والتراجع خصوصًا في ظل وجود مرجعيات أخرى منافسة له أو جهات ثانية يحتكم الها المواطن غيره، فهذا وحده يقوض الولاء للوطن باسم ولاءات ثانية متعددة، ذلك أن أساس استقرار أي مجتمع يكون من خلال إحلال التسامح والسلام والتعايش والحوار بين أفراده مهما حمل في طياته اختلافات (قومية، دينية، سياسية...) هنا فقط تبرز وتتجلى قيمة التسامح كمبدأ يحقق وحدة المجتمع في ظل التعدّد والاختلاف 29.

إعادة تشكيل قيم التفاضل:

تلعب القيم دور كبير في بناء أو تهديم أي مجتمع، فمن ناحية يمكن أن تغرس في أفراده سلوكات التواصل وثقافة الولاء للوطن وللآخرين، ومن ناحية ثانية يكن لها خصوصا اذا ما يتم تشكيلها وترتيبها بالشكل الجيد أن تُحدث فجوة وتُفشي في المجتمع الشتات وعوامل التفكك والخلاف، ولذلك لابد نقل هذه القيم من المستوى الخاص الأناني المنغلق الى مستوى عام انساني تعايشي منفتح.

ولعل الإسلام أبرز من أصّل لهذه القيم السمحة من خلال فكرة التفاضل التي تقوم علة جملة أسس أبرزها:

التقوى: تتمثل في وضع الانسان لله عز وجل في قلبه وعلى رأس تصرفاته أثناء معاملة الناس، أي الخشية منه، ومن ثم لا يمارس ولا يسلُك الاّ وفقًا لما هو أخلاقي، دون أن يستغل الدين في أعمال لا أخلاقية (سفك دماء، ظلم، تعدّي على الحقوق...)

الجهاد: ذلك أن الله عز وجل خصّ المجاهدين في سبيله بمنزلة ومكانة مع الأنبياء والأبرار والصالحين ووعدهم بأجر عظيم، ولذلك هناك فرق كبير بين من يجاهد في سبيل دينه ووطنه وبين من لا يحرك ساكنًا ازاءهما.

العلم: فالعلم له مكانة مرموقة خاصة في الدين الإسلامي خاصة باعتباره غاية مطلقة على كل الناس بلوغها، وذلك لما له من فائدة وقيمة عليا 30.

اطلاق الحريات العامة:

 ان المجتمعات التي تعايش الكبت والتستر تحت لواء قيود عدة لا يسودها الّا العنف والاستبداد واللاتسامح، في حين المجتمعات التي تنفتح على الحريات تترسخ فيها قيم التسامح والاحترام، فالحيرة مطلب ومسعى انساني رغم عديد المحاولات الساعية لطمسه، والمعنيّ بالحريات العامة حرية العقيدة والفكر والتعبير عن الرأي والحرية الدينية والسياسية والثقافية، لذا تبقى الحرية أهم ذريعة لتثبيت قيمة التسامح والاعتراف ونبذ كل عنف وتفرقة وكراهية.

الخاتمة:

ختاما نستنتج أن مشروع ماجد الغرباوي النهضوي المتمثل في اعادة تفكيك الخطاب الديني وتأسيس منظومة قيمية جديدة قائمة على الفهم الصحيح للدين من خلال ما ورد في النص القرآني والسيرة النبوية وبلورته بما يناسب مجتمعاتنا الاسلامية اليوم التي تعاني العنف والاستبداد والاضطهاد والاقصاء فيما بينها، فقد وجد مفكرنا في التسامح المبني على الحوار والانفتاح العقلاني على الأفكار واحترام الحريات والاعتراف بالآخر مساحة كافية للتقليل من الأخطار التي قدفت بالإنسانية نحو الهاوية وألقتها في ظلال اللاتسامح الشائكة والتي تتعارض مع الطبيعة الانسانية والفطرة السوية التي فطر الانسان عليها ككائن متسامح، متعاون، مسالم، لهذا وجب تفكيك النسق القيمي السائد وتشكيل نسق جديد قائم على الحب والحوار وتأسيس التسامح القائم على الاعتراف بالآخر، فأن تكون متسامح مع غيرك عليك أن تعترف به بذاته بوجوده وبكينونته، وهذا أمر شائك يستدعي جهودا كبيرة تتشارك فيها جميع الجهات من أجل نشر أكبر مقدار من الوعي، وهي محاولة أصيلة من مفكرنا تستدعي التطبيق الفعلي على أرض الواقع، من أجل مشروع سلام دائم بلغة ايمانويل كانط.

***

طالبتا الدكتوراه، الأستاذتان:

ايمان عامر ودنيا مسعود

الهوامش

1- صحيفة المثقف، السيرة الذاتية لماجد الغرباوي، صفحة الكاتب في باب المؤسسة:

https://www.almothaqaf.com/foundation/majedalgharbawi-2

2- المصدر نفسه.

3- ابن منظور،لسان العرب.

4-  عصفور، جابر، ثقافتنا بين التعصب والتسامح، ص80.

5- ستيفن ديلو، التفكير السياسي والنظرية السياسية والمجتمع المدني، 2003، ص700.

6- مجلة قضايا إسلامية معاصرة، 83، الصفحتان: 12 و13.

7- الغرباوي، ماجد، تحديات العنف، ص124.

8- الغرباوي، ماجد، الضد النوعي للاستبداد.. استفهامات حول جدوى المشروع السياسي الديني، ص 111.

9- الغرباوي، ماجد، التسامح ومنابع اللاتسامح.. فرص التعايش بين الأديان والثقافات، ص 22.

10- الغرباوي، ماجد، تحديات العنف، ص 125.

11- المصدر نفسه، ص 11.

12- المصدر نفسه، ص 13.

13- المصدر نفسه، ص 14.

14- المصدر نفسه.

15- المصدر نفسه، ص 15.

16- المصدر نفسه، ص 27.

17- المصدر نفسه، ص28 .

18 - المصدر نفسه، ص 30.

19- المصدر نفسه، ص 34.

20- المصدر نفسه، ص 37 و38.

21- المصدر نفسه، ص 38.

22- المصدر نفسه، ص42 .

23- المصدر نفسه، ص 48.

24- المصدر نفسه، ص 28.

25- المصدر نفسه، ص 57.

26- المصدر نفسه، ص 75.

27- المصدر نفسه، ص 76.

28- المصدر نفسه، ص 82-97.

29- المصدر نفسه، ص104 و105.

30- المصدر نفسه، ص 108 و109.

قائمة المراجع والمصادر:

- ابن منظور. (1990). لسان العرب. بيروت: دار صادر.

- الغرباوي ماجد. (2008). التسامح ومنابع اللاتسامح. العراق: الناشر الحضارية للطباعة والنشر.

- الغرباوي ماجد. (2009). تحديات العنف. لبنان: دار العارف للمطبوعات.

- الغرباوي ماجد. (2019). متاهات الحقيقة الهوية والفعل الحضاري. استراليا، مؤسسة المثف وسوريا: دار أمل جديدة.

- الغرباوي ماجد. (2010). الضد النوعي للاستبداد. لبنان: العارف للمطبوعات.

- جابر عصفور. (فيفري، 2006). ثقافتنا بين التعصب والتسامح. مجلة العربي.

- ستيفن ديلو. (2003). التفكير السياسي والنظرية السياسية والمجتمع المدني. القاهرة: المجلس الأعلى للثقافة.

- مجلة. (دون سنة). التسامح ومنابع اللاتسامح. مجلة قضايا اسلامية.

www.almothaqaf.com

Iben mandor,1990, tongue of the Arabs, Beirut, sader publishing house

harbawi majed,2008, tolerance and founders, irak, annasher cultural publisher

Gharbawi majed,2009, challenges of violence, Lebanon, el aref publishing house

Gharbawi majed,2009, the labyrinth of truth identity and civilizational, Syria, amal publishing house

Gharbawi majed,2010, the specific antithesis of tyranny, Lebanon, el aref publishing house

Jabber assfour, febrary2006, our culture between intolerance and tolerance, al arabi magazine

Steven delow, 2003,politic thinking, political theory, civil society, cairo, superme council, of culture

Magazine, don a year, tolerance and founders, journal of Islamic issues

البحث منشور في مجلة لارك للفلسفة واللسانيات والعلوم الاجتماعية/الجزء الثالث من العدد السادس والاربعون /مؤتمر التنوع الثقافي أساس التكامل الوطني كلية الآداب/جامعة واسط ٢٠٢٢

https://lark.uowasit.edu.iq/index.php/lark/issue/view/63

 

جوزيف الياس كحالة(244 - 309ه‍ / 858 - 922 م)

مولده ([1])

هو الحسين بن منصور الحلاّج، الزاهد في الدنيا والمتصوّف الشَّهير، من أهل بلدة "بيضاء" الواقعة في بلاد فارس. كان جدّه من المجوس، واسمه محمى، وهو من أهل بيضاء فارس. وُلِد صاحب الترجمة سنة 244 للهجرة / 858م، في كورة البيضاء، والتي تُعرف بأنّها موطن كبار العلماء والنحويّين أمثال سيبويه. لقّب بالحلاَّج نسبة إلى صنعة النسيج، وقيل أيضًا إنّ والده كان يحلج القطن، ولذلك سُمّي حلاَّجًا ([2]).

يخبرنا الإمام البغداديّ، في كتابه تاريخ بغداد "أنّه لمّا دخل واسط تقدّم إلى الحلاّج، وبعثه في شغل له، فقال له الحلاّج: أنا مشغول بصنعتي! فقال: اذهب أنت في شغلي حتّى أعينك في شغلك! فذهب الحلاّج، فلمّا رجع، وجد كلّ القطن في حانوته محلوجًا فسُمّي بذلك الحلاّج". وفي موضع آخَر قيل إنّه سُمّي بذلك لأنّه كان يكشف أسرار المريدين ويخبر عنها، فسُمّي بذلك حلاّج الأسرار. فغلب عليه اسم الحلاّج. وقيل إنّ أباه كان حلاّجًا فنُسب إليه ([3]).

نشأ في مدينة واسط في العراق، حيث وصلها وهو لم يبلغ الثامنة من عمره، وفيها حفظ القرآن. وفي السادسة عشرة من عمره، بدأ حياته الصوفيَّة، بأن تتلمذ على الشيخ سهل بن عبد الله التستري. وعنه أخذ طرق المجاهدة والحمل على النَفْس وعِلم التصوّف.

رحل بعد ذلك إلى مدينة البصرة، ليتلقّى فيها خرقة الصوفيَّة عن يد عمرو المكّي. وفي سنة 264 للهجرة، تزوّج بأُمّ الحسين بنت أبـي يعقوب الأقطع البصريّ الصوفيّ، فأنجبت له ثلاثة بنين وبنتًا واحدة ([4]). وقد عاش حياة الزهد مع زوجته وأولاده. وممّا جاء في أخباره: "كان الحلاّج ينوي في أوّل رمضان، ويُفطر يوم العيد. وكان يختم القرآن كلّ ليلة في ركعتين، وكلّ يوم في مئتي ركعة. وكان يلبس السواد يوم العيد، ويقول: هذا لباس مَن يرد عليه عمله" ([5]).

أسفاره

تزوّج الحلاّج من أُمّ الحسين بنت أبي يعقوب الأقطع، كما ذكرنا. وبعد زواجه منها قامت خصومة بين شيخه عمرو المكّيّ وبين حميه الأقطع. صبر عليها الحلاّج مدّة، مُتّبعًا نصيحة أبي القاسم الجنيد. ولكنّ الخصومة امتدّت إلى الحلاّج نَفْسه، فانقطعت الصلة بينه وبين شيخه عمرو المكّيّ. عندها قرّر الرحيل إلى بغداد، حيث انضمّ إلى جماعة أبي القاسم الجنيد، وأخذ يدرس عليه ويلازمه حياته. لكنْ مع مرور الزمن قام خلاف بين الجنيد وبين الحلاّج في وجهات النظر الحقّانيَّة والأفكار العقلانيَّة، فافترقا كلّ في طريق.

وتابع الحلاّج طريقه الصوفيّ، حيث انضمّ إلى مدرسة القشيريّ، التي التقى فيها صديقه الشبلي. كما بنى علاقات مع مدارس صوفيَّة أُخرى، إلاّ أنّها لم تعمّر طويلاً، لخلاف في وجهات النظر بينه وبين أعلام تلك المدارس. فانفصل عنهم، وكوّن لنَفْسه مدرسة جديدة، بأفكار جديدة وأهداف دِينيَّة خاصّة، وعقلانيَّة متميّزة عن المدارس الأُخرى ([6]).

قام الحلاّج بثلاث زيارات إلى مكّة المكرّمة. كانت أوّلها سنة 282 للهجرة / 896م، وكانت الثانية سنة 291 للهجرة / 905م. ثمّ رحل إلى بلاد الهند، وبعدئذٍ إلى تركستان وخراسان. أمّا الزيارة الثالثة والأخيرة إلى مكّة المكرّمة، فكانت سنة 294 للهجرة / 908م، حيث أقام عامين رحل بعدهما إلى بغداد، ليستقرّ فيها ([7]). وعند عودته من رحلته الأخيرة من مكّة المكرّمة إلى بغداد، راح ينادي برغبته في الموت كافراً بشريعة الإسلام، "اعلموا أنّ الله تعالى أباح لكم دمي، فاقتلوني" ([8]).

فكره

3964 الحلاجاختلف الباحثون في تحديد اتجاهات الحلاّج المذهبيَّة. فماسينيون يقول إنّه جدليّ وصوفيّ في آنٍ واحد، وإنّه حاول التوفيق بين الفلسفة اليونانيَّة والعقيدة الإسلاميَّة، معتمداً على أساس من التجربة الصوفيَّة. أمّا مولر وديربيلوت فيزعمان أنّ الحلاّج كان مسيحيّاً بالسرّ.

ولكنّ واقع الحلاّج أنّه غلب عليه حال الفناء، التي يصفها بقوله:

"إذا أراد الله أن يوالي عبداً من عباده، فتح عليه باب الذِكر، ثمّ فتح عليه باب القرب، ثمّ أجلسه على كرسيّ التوحيد، ثمّ رفع عنه الحجب، فيريه الفردانيَّة بالمشاهدة، ثمّ أدخله دار الفردانيَّة، ثمّ كشف عنه الكبرياء والجَمال، فإذا وقع بصره على الجَمال بقي بلا هو، فحينئذٍ صار العبد فانياً وبالحقّ باقياً، فوقع في حفظه سبحانه، وبرئ من دعاوى نَفْسه" ([9]).

تأثّر الحلاّج بثقافات أجنبيَّة من خارج الفكر الإسلاميّ. فمن خلال مطالعتنا لفكره نستنتج أنّه تأثّر بالفلسفة اليونانيَّة، والفارسيَّة، والهنديَّة، والديانة اليهوديَّة، والعقيدة المسيحيَّة.

يتميّز الفناء عند الحلاّج، بحضور كبير في فكره. والفناء عنده، فناء الإرادة الإنسانيَّة في الإرادة الإلهيَّة. وبذلك يصبح الفعل الصادر عن الإنسان صادراً عن الله.

استعار الحلاّج كثيرًا من التعابير والمصطلحات، من الديانة المسيحيَّة. فنراه مثلاً يستعمل في كلامه مصطلحي "اللاهوت" و"الناسوت"، ليعبّر بهما عن العنصرين الإلهيّ والإنسانيّ المتّحدين معاً. وهذا ينطوي في جوهره على الحلول والاتّحاد. هذان المصطلحان هما من المفهوم الفكريّ اللاهوتيّ المسيحيّ، فهما يدلاّن على طبيعتي المسيح اللاهوتيَّة والإنسانيَّة معاً. كذلك استعماله لتعبيره "أنا الحقّ"، فهذا التعبير من كلام السيّد المسيح عندما قال: "أنا الطريق والحقّ والحياة". هذا بالإضافة إلى تعابير أُخرى.

أمّـا اليهوديَّة فقد تأثّر منها بفكـرة خلق الله لآدم على صورته ومثاله، وآدم هو جزء من الكون (العالَم) مخلوق، والله هو مدبّر العالَم وبيده كـلّ شيء، يجازي الإنسان على عمله خيرًا وشرًّا.

ومن الفلسفة الهنديَّة، أخذ فكرة الفناء. والفناء عنده، في الذات الإلهيَّة والاتّحاد بها. ويمكن القول إنّ الحلاّج لم يأخذ فكرة الفناء فقط عن الفلسفة الهنديَّة، بل إنّه موهوب بها:

أأنتَ أم أنا هذا في إلهينِ؟

بيني وبينكَ إنّيٌّ يزاحمني           حاشاك حاشاك من إثبات اثنينِ

فارفع بإنّيّكَ إنّيّي من البينِ ([10])

وليس هذا فقط، ولكنّا نرى أنّ الحلاّج أراد التوفيق بين الفلسفة اليونانيَّة، والعقيدة الإسلاميَّة، وأنّه ذهب إلى أبعد من ذلك، بأن حاول التوفيق بين الفلسفات بفروعها المختلفة: يونانيَّة كانت أو هنديَّة أو فارسيَّة... إلخ.

وكذلك بالنسبة إلى الأديان السماويَّة الثلاثة: اليهوديَّة والمسيحيَّة والإسلام.

الحلول

تمتدّ جذور نظريَّة الحلول إلى الفلسفات الهنديَّة والبراهميَّة. كما أنّ للغنوصيَّة تأثيراً كبيراً فيها. والحلاّج واحد من كبار مناصريها في الفكر الصوفيّ الإسلاميّ. أمّا المتصوّفة الذين جاؤوا بعده، فقد حاولوا أبعاد كلّ التهم عنه، خاصّة قوله "أنا الحقّ - إنّنا روحان حللنا بدنا"، وأيضاً "قلت: مَن أنت؟ قال: أنت". إنّ فكر الحلاّج في الحلول، جاء معظمه شعراً. وهناك أيضاً ما جاء نثراً في كتابه الطواسين. و"الأنا" عند الحلاّج ترتبط بـ "اللاأنا" التي تصبح أنت بالاتّحاد والحلول. و"اللاأنا" ترتبط بقوّة "بالأنا". وبالمفهوم الفلسفيّ، لا وجود لـ (اللاأنا (بدون) أنا)، فالثانية تؤسّس للأُولى وتنصهر معها. أمّا في المفهوم الصوفيّ، فتختفي الثانية في الأُولى، لتظهر بـ (هو) فقط.

يرى الحلاّج أنّ الإنسان في الأصل لا يملك فعله، وهذا ما يسمّيه "الحلول"، وهو حلول الطبيعة الإلهيَّة بالطبيعة الإنسانيَّة، وبتعبير آخَر حلول اللاهوت بالناسوت.

سبحان مَن أظهر ناسوتَهُ

ثمّ بدا في خلقه ظاهراً

حتّى لقد عاينه خلقُه          سرّ سنا لاهوته الثاقبِ

في صورةِ الآكلِ والشاربِ

كلحظة الحاجبِ بالحاجبٍ ([11])

كان الحلاّج، أحياناً، يناقض نَفْسه بالأفكار. إليكم مثلاً هذه الأبيات التي يمزج فيها الأمور بالحلول، ثمّ ينفي مزج الطبيعة الإنسانيَّة بالطبيعة الإلهيَّة. ويرى أنّه تعالى تفرّد بذاته وصفاته عن ذوات الخلق وصفاتهم، ولا يشبههم بوجه من الوجوه ولا يشبهونه ([12]).

وفي موضع آخَر يقول:

جُبلتْ روحُك في روحي، كما

فإذا مسّكَ شيءٌ مسّني               تجبل العنبرُ بالمسكِ الفتقْ

فإذا أنتَ أنا، لا نفترقْ ([13])

أغلب الظنّ أنّ الحلول عند الحلاّج هو شعور نَفْسيّ يتمّ في حال الفناء في الله تعالى، أي أنّ تعبيره مجرّد استهلاك الناسوت في اللاهوت، أي فناؤه فيه.

والحلول عنده هو الذي يتمّ عن طريق الفناء، ويختلف كلّيّاً عن مذهب وحدة الوجود عند ابن عربيّ. وينحصر هذا الخلاف في أمرين: الأوّل الثنائيَّة بين اللاهوت والناسوت، والثاني محو الصفات العائقة للوصول إلى الله وحلول الصفات الإلهيَّة محلّها.

إنّ فكرة الحلول عند الحلاّج، مهّدت الطريق للمتصوّفة المتأخّرين بالتفلسف في نظريَّة الحقيقة المحمّديَّة، وبمعنى آخَر الإنسان الكامل، وهو يجعل للنبيّ محمّد حقيقتين: الأُولى، هي النُور الأزليّ الذي كان قبل الأكوان. وهي حقيقة قديمة. والثانية، هي الحقيقة الحديثة، التي يعتبر فيها محمّد نبيّاً مُرسلاً، وُجد في زمان ومكان معيّنين.

"سراجٌ من نُور الغيب، بدا وعاد، وجاور السراج وساد، قمر تجلّى من بين الأقمار، برجه من فلك الأسرار، سمّاه الحقّ أمّيّاً لجمع أمّته، وجرميّاً لعظَم نِعمته، ومكّيّاً لتمكّنه عند قربته... ما أخبر إلاّ عن بصيرته، ولا أمر بسنّته إلاّ عن حقّ سيرته" ([14]).

الشطح

ثمّة موضوع آخَر عُرف به الحلاّج، ألا وهو الشطح. فقد عُرف بأنّه سبق المتصوّفة كافّة بشطحاته. والشطح عنده ممتزج بفكره ومذهبه: الحلول والاتّحاد. يقول:

أنا الحقُّ، والحقّ للحقّ حقُّ         لابسٌ ذاتَهُ فما ثَمَّ فرقُ ([15])

ويقول:

أنا مَن أهوى، ومَن أهوى أنا

فإذا أبصرتَني أبصرتَه              نحن روحان حَلَلْنا بدنا

وإذا أبصرتَه أبصرتَنا ([16])

اعتبر المفكّرون والمتصوّفة أنّ الحلاّج وجوديّ، يؤمن بوحدة الوجود. وذلك لأنّه تلفّظ بعبارة (أنا الحقّ). لكنّ الحلاّج يعني غير ذلك، فحقيقة فكره أنّه يقول بالتعالي الإلهيّ المطلق. وهو يرى أنّ الذات الإلهيَّة لا تتّحـد مع الروح البَشَريَّة الحادثة، إلاّ فـي لحظات نادرة من الحياة الصوفيَّة. وعندهـا يرى الحلاّج أنّ الصوفيّ يكون شاهداً عند الله ولله، فيمكنه أن يقول: (أنا الحقّ).

آثاره

ترك الحلاّج عدّة مؤلّفات ذكرها ابن النديم في كتابه الفهرست ([17]). وذكر بعضها بروكلمان في كتابه "تاريخ الأدب العربيّ". وأهمّ ما ورد في قائمة بروكلمان:

1- كتاب الطواسين ([18]). 2- الروايات ([19]). 3- ديوان الحلاّج ([20]). 4- كتاب السيور في نقد الدهور ([21]). 5- وينسب إليه كتاب، نُور المقل في الأعمال الروحيَّة والدكّ والحيل ([22]). أمّا المناويّ فيقول: "وللحلاّج تصانيف بديعة في التصوّف وعلم الحرف والسيمياء والكيمياء والطلاسم والعزائم والرقى، وغير ذلك" ([23]).

3965 الحلاجمقتله

أُدخل الحلاّج السجن في العام 301 للهجرة /915م، ثمّ قُدّم إلى الوزير ابن عيسى ليحاكم. لكنّ الوزير - الذي كان طيّب القلب - عارض الحكم عليه، فأودعه السجن مدّة ثماني سنوات، إلى أن وصل الوزير حامد إلى سدّة الحكم، وقد عُرف عنه، كرهه الشديد للحلاّج. فأصدر ضدّه فتوى جديدة بقتله، ثمّ نفّذ حكم الإعدام فيه يوم 24 ذي القعدة 309 للهجرة / آذار 922م. فقُطعت يداه ورِجلاه، ثمّ أُحرق جسده، ورُمي في نهر دجلة بالعراق ([24]).

يقول المناويّ: "إنّ سبب قتله أنّه أخذ كتاباً لعمرو بن عثمان المكّيّ، فيه علوم الخاصّة. فجاء عمرو فلم يجده، فقال: مَن أخذه قُطعت يداه ورِجلاه وقُتل... ولمّا خرج للقتل، خرج يتبختر في قيده ويقول: حسب الواجد إفراد الواحد! ويترنّم وينشد أبياتاً" ([25]).

أمّا الذهبيّ فقد كتب يقول: "إنّ الحلاّج عند قتله ما زال يوحّد الله ويصيح: الله الله في دمي! فأنا على الإسلام، وتبرّأً ممّا سوى الإسلام. والزنديق يوحّد الله علانيةً، ولكنّ الزندقة في سرّه" ([26]).

ويقول الإمام البغداديّ: "ولمّا تبيّن الحلاّج الصورة (أي صدور فتوى قتله)، قال: ظهري حمى ودمي حرام، ويحلّ لكم أن تتأوّلوا عليّ بما يبيحه، واعتقادي الإسلام، ومذهبي السنّة... ولي كتب في السنّة موجودة في الورّاقين، فالله الله في دمي" ([27]).

ويخبرنا ابن كثير قائلاً: فلمّا أخرجوه للصلب مشى إليه وهو يتبختر في مشيته، وفي رِجليه ثلاثة عشر قيداً، وجعل ينشد:

نديمي غير منسوبِ

سقاني مثل ما يشر

فلمّا دارت الكأس

كذا مَن يشرب الرّاح        إلى شيء من الحيفِ

ب فعل الضيف بالضيفِ

دعا بالنّصع والسيفِ

مع التنّين في الصيفِ ([28])

أمّا ابن الأثير فيخبرنا أنّه لمّا قُرئت الاتهامات الموجّهة إلى الحلاّج على القاضي. قال له القاضي: من أين لك هذا؟ قال: من كتاب الأخلاص للحسن البصريّ، قال له القاضي: كذبت يا حلال الدم! قد سمعناه بمكّة وليس فيه هذا، فلمّا قال له: بإحلال الدم، وسمعها الوزير، قال له: أكتب بهذا فكتب بإباحة دمه... ولمّا سمع الحلاّج ذلك قال: ما يحلّ لكم دمي واعتقادي الإسلام ومذهبي السنّة، ولي فيها كتب موجودة، فالله في دمي!" ([29]).

قول المؤرّخين فيه

يقول السلميّ: "المشايخ في أمره مختلفون، ردّه أكثر المشايخ ونفوه، وأبوا أن يكون له قدم في التصوّف. وقبله من جلّتهم أبو العبّاس بن عطاء وأبو عبد الله محمّد بن خفيف... وأثنوا عليه، وصحّحوا له حاله، وحكوا عنه كلامه، وجعلوه أحد المحقّقين، حتّى قال محمّد بن خفيف: الحسن ابن منصور عالِم ربّانيّ" ([30]).

ويقول ابن النديم عن الحلاّج: "قرأت، بخطّ أبي الحسين عبيد الله بن أحمد بن أبي طاهر، أنّ الحسين بن منصور الحلاّج، كان رَجلاً محتالاً مشعبذاً، يتعاطى مذاهب الصوفيَّة ويتحلّى ألفاظهم، ويدّعي كلّ علم وكان صفراً من ذلك، وكان يعرف شيئاً من صناعة الكيمياء. وكان جاهلاً، مقداماً متدهوراً، جسوراً على السلاطين مرتكباً للعظائم، يروم إقلاب الدولة، ويدّعي عند أصحابه الألوهيَّة، ويقول بالحلول، ويظهر مذهب الشيعة للملوك ومذاهب الصوفيَّة للعامّة!" ([31]).

أمّا الإمام الذهبيّ فيقول: "كان يلبس المسوح، ووقتاً يلبس الدرّاعة، والعمامة والقباء. ووقتاً يمشي بخرقتين، فأوّل ما سافر من تستر إلى البصرة كان له ثماني عشرة سنة. ثمّ خرج إلى عمرو المكّيّ، فأقام معه ثمانية عشر شهراً، ثمّ إلى الجنيد..." ([32]).

ويقول الإمام البغداديّ "قال رَجل للحسين بن منصور: أوصني، قال: عليك بنَفْسك إن لم تشغلها بالحقّ، شغلتك عن الحقّ. وقال له آخَر: عظني، فقال له: كن مع الحقّ بحكم ما أوجب..." ([33]).

أمّا ابن الأثير فيقول في سرده لأخبار سنة إحدى وثلاثمئة، "حضر بدار عيسى رَجل يُعرف بالحلاّج، ويكنّى أبا محمّد، وكان مشعبذاً في قول بعضهم، وصاحب حقيقة في بعضهم" ([34]).

ويقول ابن كثير عن الحلاّج: "نشأ بواسط، ويقال بتستر، ودخل بغداد، وتردّد إلى مكّة مراراً للحجّ. وجاور بها سنوات متفرّقة، وكان يصابر نَفْسه ويجاهدها. ولا يجلس تحت السماء في وسط المسجد في البرد والحرّ، ولا يأكل إلاّ بعض قرص ويشرب قليلاً من الماء معه وقت الفطور مدّة سنة كاملة. وكان يجلس على صخرة في شدّة الحرّ في جبل أبي قبيس، وقد صحب جماعة من سادات المشايخ الصوفيَّة، كالجنيد بن محمّد، وعمرو بن عثمان المكّيّ، وأبي الحسين النوريّ" ([35]).

الحلاّج والمستشرقون

يُعتبر لويس ماسينيون، المستشرق الأكثر دراسة للحلاّج. إذ قد أعدّ أطروحته في الدكتوراه حول الحلاّج ودرسه دراسة مستفيضة ومعمّقة. فأظهر في بحثه مراحل تطوّر حياة المتصوّف الحلاّج، عبر التوبة ونكران الذات والتطهير، ثمّ انتقاله إلى نوع من تجربة الاتّحاد في ذات الله.

لم يكن الحلاّج - بالنسبة إلى ماسينيون - مجرّد متصوّف عاديّ، كباقي المتصوّفة. بل كان شكلاً من أشكال القوّة الفكريَّة. ونموذجاً لأعمق تجربة روحيَّة يتوق إليها كلّ متصوّف، لا بل كلّ إنسان. ويرى ماسينيون أنّ فكرة الحلاّج، في عبارته الشهيرة "أنا الحقّ" قد ساعدته على تفهّم نظريَّة اللاعنف عند غاندي.

لقد درس ماسينيون فكر الحلاّج، وتأمّله في عمقه. فوصل إلى أنّه ثمّة ترادف بين عفّة الراهب في المسيحيَّة، والامتناع عن العلاقة الجنسيَّة في أثناء فريضة الحجّ في الإسلام. لأنّ ممارسة الخلوة في الإسلام، تتطلّب العفّة. وهذا ما لاحظه عند الحلاّج، الذي كثيراً ما عاش العفّة التامّة لفترات طويلة في حياته. سواء في رسالته، في ما وراء بلاد الإسلام، أو خلال وجوده في مكّة المكرّمة. كما يرى فيه المجاهد الأكبر الذي عاش جهاده، ثمّ استشهد مجاهداً في سبيل حُبّه لله. ويتابع ماسينيون، فيرى أنّ جهاد الاستشهاد يرادف أضحية الحجّ. لأنّ الصلاة وقت الحرب ركعتان، والصلاة عند وقفة عرفة ركعتان، وصلاة العاشق ركعتان، ولا يصحّ وضوءهما إلاّ بالدم. ويكرّر - ماسينيون - قول الحلاّج عند صلبه: وفي الحجّ عند وقفة عرفة، يتساوى الرَجل والمرأة، وكذلك في الجهاد الأكبر يتساوى الاثنان.

نشر ماسينيون دراسات كثيرة عن الحلاّج. نذكر منها، عذاب الحلاّج والطريقة الحلاّجيَّة، في العام 1909. كتاب الطواسين في العام 1913. وقد نشره معتمداً على مخطوطي لندن وإسطنبول. وجاء النصّ باللغتين العربيَّة والفرنسيَّة. وفي العام 1931، نشر في المجلّة الآسيويَّة، ديوان الحلاّج، ثمّ أعاد نشره العام 1957. وجاءت هذه الطبعة مرفقة بترجمة فرنسيَّة، ذات نفحة أدبيَّة عالية. وفي العام 1946 نشر بحثاً تحت عنوان، أسانيد أخبار الحلاّج. ثمّ تبعه بحث آخَر عن حياة الحلاّج بعد مماته. بعدها نشر دراسة مستفيضة عن المنحى الشخصيّ لحياة الحلاّج. وتبعها في مجلّة الدراسات الإسلاميَّة بحث عن أسطورة منصور الحلاّج في بلاد الأتراك. وفي العام 1948، نشر كتابات العطّار عن الحلاّج. ثمّ نشر مراجع جديدة عن الحلاّج. أمّا قصّة الحلاّج (وهي قصّة بلغة شعبيَّة) فقد نشرها في العام 1954. والجدير بالذكر أنّ ماسينيون، نشر بالتعاون مع بول كراوس، كتاب أخبار الحلاّج.

وأخيراً، فإنّ ماسينيون يرى في شخصيَّة المتصوّف الحلاّج، خيـر همزة وصل بين المسيحيَّة والإسلام، في الشهادة من أجـل الدِين. فالتجربة الروحيَّة عنـد الحلاّج، يجمع فيها بين القدِّيسين في المسيحيَّة، والأولياء في الإسلام، سواء في التضحية، أو في الآلام، في سبيل الدِين والله.

***

بقلم د. جوزيف إلياس كحَّالة - باريس

...........................

مصادر البحث

1- ابن خلكان، أبو العبّاس شمس الدِين، وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان، تحقيق إحسان عبّاس، المجلّد الثاني، بيروت - لبنان، بدون تاريخ.

2- المناوي، زين الدِين محمّد عبد الرؤوف، الكواكب الدرّيَّة في تراجم السادة الصوفيَّة، تحقيق محمّد أديب الجادر، الجزء الثاني، الطبعة الأُولى، بيروت - لبنان 1999.

3- الذهبي، الإمام شمس الدِين، سِير أعلام النبلاء، تحقيق مُحبّ الدِين أبي سعيد العمروي، الجزء الحادي عشر، الطبعة الأُولى، بيروت - لبنان 1996.

4- ابن كثير، أبو الفداء الحافظ، البداية والنهاية، تحقيق يوسف الشيخ محمّد البقاعي، الجزء السابع، الطبعة الثالثة، بيروت - لبنان 1998.

5- الخطيب البغدادي، الإمام الحافظ أبو بكر، تحقيق مصطفى عبدالقادر عطا، الجزء الثامن، الطبعة الأُولى، بيروت - لبنان 1997.

6- فخري، ماجد، تاريخ الفلسفة الإسلاميَّة منذ القرن الثامن حتّى يومنا هذا، نقله إلى العربيَّة كمال اليازجي، الطبعة الثانية، بيروت - لبنان 2000.

7- عرابي، محمّد غازي، الحكم اللدنية، الطبعة الأُولى، دمشق - سورية 2003.

8- بدوي، عبد الرحمن، شخصيّات قلقة في الإسلام، الطبعة الثالثة، الكويت 1978.

9- الحلاّج، الديوان يليه كتاب الطواسين، الطبعة الأُولى، كولونيا - ألمانيا 1997.

10- عبّاس، قاسم محمّد، الحلاّج الأعمال الكاملة، الطبعة الأُولى، بيروت - لبنان 2002.

11- غالب، مصطفى، الحلاّج الحسين بن منصور، بيروت - لبنان 1982.

12- مكارم، سامي، الحرج في ما وراء المعنى والخطّ واللون، لندن - بريطانيا 1989.

13- الشيبي، كامل مصطفى، شرح ديوان الحلاّج، دراسة شاملة تحقيق وتفسير، (منشورات أسمار) باريس - فرنسا 2005.

14- شرف، محمّد جلال، دراسات في التصوّف الإسلاميّ، شخصيّات ومذاهب، بيروت - لبنان 1984.

15- الحلاّج، كتاب أخبار الحلاّج، نشره لويس ماسينيون وبول كراوس، باريس - فرنسا 1936.

16- الزين، سميح عاطف، الصوفيَّة في نظر الإسلام (دراسة وتحليل)، الطبعة الثالثة، بيروت - لبنان والقاهرة - مصر 1985.

17- كحّالة، جوزيف إلياس، التصوّف الإسلاميّ، مصادر وأعلام، نقله عن الفرنسيَّة د. رامز حجّار، الطبعة الأُولى، دمشق - سورية 2006.

18- الذهبي، الإمام شمس الدِين، ميزان الاعتدال في نقد الرجال، تحقيق علي محمّد البجاوي، بيروت - لبنان، بدون تاريخ.

19- ابن الملقّن، سراج الدين أبو حفص، طبقات الأولياء، تحقيق نور الدين شريبة، الطبعة الثانية، بيروت - لبنان 1986.

20- السلمي، أبو عبد الرحمن، طبقات الصوفيَّة، تحقيق نور الدين شريبة، الطبعة الثانية، حلب - سورية 1986.

21- الحسيني، هاشم معروف، بين التصوّف والتشيّع، الطبعة الأُولى، بيروت - لبنان 1979.

22- ابن النديم، أبو يعقوب إسحـق، الفهرست، تحقيق رضـا المازنداني، الطبعـة الثالثة، بيروت - لبنان 1988.

23- جاسم، عزيز السيّد، متصوّفة بغداد، الطبعة الثانية، بيروت - لبنان 1997.

24- كوربان، هنري، تاريخ الفلسفة الإسلاميَّة، ترجمة الإمام موسى الصدر، الطبعـة الثانية، بيروت - لبنان 1998.

25- شيمل، آنّا ماري، الأبعاد الصوفيَّة في الإسلام وتاريخ التصوّف، ترجمة محمّد إسماعيل السيّد ورضا حامد قطب، الطبعة الأُولى، بغداد - العراق 2006.

26- ماسينيون، لويس، الآلام، الحلاّج، شهيد التصوّف الإسلاميّ، نقله إلى العربيَّة الحسين مصطفى حلاّج، الطبعة الأُولى، دمشق - سورية 2004.

27- الساعي البغدادي، علي بن أنجب، أخبار الحلاّج (من أندر الأصول المخطوطة في سيرة الحلاّج)، تحقيق موفّق فوزي الجبر، الطبعة الثانية، دمشق - سورية 1997.

28- شرف، محمّد جلال، الحلاّج الثائر الروحيّ في الإسلام، الإسكندريَّة - مصر 1970.

 

منى زيتونفي كتابه "أصل الأنواع"، وتحديدًا في الفصل الخاص بصعوبات النظرية، كتب تشارلز دارون قائلًا: "إذا كان من الممكن إثبات وجود أي عضو معقد، والذي لا يُرجَّح أن يكون قد تكوَّن عن طريق تعديلات عديدة ومتوالية وطفيفة فسوف تنهار نظريتي انهيارًا كاملًا".

من ثم يكون دارون هو أول من ألمح إلى استحالة البناء التراكمي للأنظمة الحيوية المعقدة، وأنها يستحيل أن تُبنى وتنشأ ابتداءً باستخدام آليات التطور العمياء.

التعقيد غير القابل للاختزال

كان أول من نحت مصطلح التعقيد غير القابل للاختزال Irreducible complexity هو د.مايكل بيهي، أستاذ الكيمياء الحيوية بجامعة ليهاي ببنسلفانيا، عام 1996م.

يُعرِّف د.مايكل بيهي في كتابه "صندوق دارون الأسود.. تحدي الكيمياء الحيوية لنظرية التطور" التعقيد غير القابل للاختزال على أنه: "نظام واحد مكون من أجزاء متعددة مترابطة بشكل جيد متفاعلة فيما بينها تساهم في الوظيفة الأساسية، أينما أُزيل جزء ما من الأجزاء فالنظام سوف يتوقف عن العمل. فأي نظام ذو تعقيد غير قابل للاختزال لا يمكن أن يُنتَج عن طريق تطوير مستمر للوظيفة البدائية، والتي تستمر بالعمل بالآلية ذاتها، عبر تعديلات طفيفة ومتوالية لنظام سالف؛ لأن أي سلف لنظام معقد غير قابل للاختزال، والذي ينقصه جزء ما هو بالتعريف نظام غير صالح للعمل".

ولأكثر من عقدين من الزمان، استُخدم المصطلح للإشارة إلى الكثير من الأنظمة الحيوية الوظيفية المعقدة المتكاملة، ويكاد يكون من المستحيل تصور أن أحد أجزاءها كان سابقًا على الآخر.

وقد سبق أن أشرت في مقالي "أصل الحياة" و "الحد الكوني أم الألُفة الكيميائية؟" إلى النقاش الدائر حول نشأة الحياة، وهل كانت البروتينات أولًا أم كان الحمض النووي DNA أولًا؛ كونهما يشكلان معًا نظامًا متكاملًا. ومن أشكال ذلك التكامل الذي يستحيل به وجود أحدهما وعدم وجود الآخر مع استمرار النظام في أداء وظيفته:

- يُعرَّف التعبير الجيني Gene expression على أنه العملية التي يتم من خلالها تحويل المعلومات من الجينات (ترجمة شفرة الحمض النووي) لإنتاج البروتينات –غالبًا-، وفي الوقت نفسه توجد مجموعة من البروتينات هي التي تتحكم بزيادة أو إنقاص سرعة التعبير الجيني، وشأنها شأن كل البروتينات يتم نسخها من جينات الحمض النووي! فالبروتينات، بالإضافة إلى وظيفتها الهيكلية والإنزيمية في الخلايا، هي المسئول الأول عن تفعيل وتنشيط الجينات لإنتاج البروتينات!

- وبينما يُشفِّر الحمض النووي لتكوين البروتينات، تُسهم البروتينات الهيكلية (الهستونات) في الحفاظ على DNA؛ حيث تتعقد مع الحمض النووي لتشكيل الكروموسومات. (الهستونات هي البروتينات التي يلتف حولها DNA ويرتبط بها؛ ليشكِّل الكروماتين).

ومثال آخر صارخ للتعقيد غير القابل للاختزال، مصدره مفهوم "الحد الأدنى من الجينات" Minimum Gene set concept. وفقًا لنظرية التطور فإنه ينبغي أن يكون ممكنًا البدء من (جين صفر) على أن يزيد العدد تدريجيًا وتراكميًا لتبلغ عدد الجينات المهول في جينومات كل الأنواع الحية والمنقرضة، ولكن من دراسة أدق وأبسط الخلايا الحية؛ الميكوبلازما Mycoplasma، والتي تحتوي على 468 جينًا، كل جين منها قد تصل أطوال سلاسل الأحماض الأمينية المكونة لبروتيناته ما بين ألف إلى عشرة آلاف حمض أميني، اتضح أنه لا يمكن تصور تخفيض عدد الجينات اللازمة لانطلاق الشرارة الأولى للحياة في الخلية إلى أقل من 200 جين.

وفي عدد 6 يناير 2006 من مجلة الطبيعة Nature، ذكر الباحثون المتخصصون أنه لا يمكن أن يُخفض العدد اللازم لبدء العمليات الحيوية في الخلية إلى أقل من 397 جين!

https://www.youtube.com/watch?v=eiBxHPRMPRs

وهناك العديد من الدراسات التي تناولت هذا المفهوم.

https://www.researchgate.net/publication/247698143

والأمثلة التي صارت تُضرب على التعقيد غير القابل للاختزال أكثر من أن تُحصى لأنها تمثل جميع الأنظمة الفرعية في الأنواع الحية بدءًا من التركيبات الخلوية فما أعقد.

وفي كتابه، ضرب د.بيهي أمثلة على بعض الأنظمة الحيوية الصغيرة جدًا، ومع ذلك فهي معقدة وغير قابلة للاختزال، مثل: الأهداب، والأسواط البكتيرية، وعملية تخثر الدم، والنقل الحويصلي في الخلايا الحية.

وتعد فرضية تعقيد الأنظمة الحيوية مهما كانت صغيرة، ومهما بدت للعامة بسيطة، إحدى أهم فرضيات نظرية التصميم الذكي. إن التعقيد في الأنظمة الحيوية، وفي نظام الكون ككل، يرتبط بقوانين فيزيائية عالية الدقة، وإلا ما توفرت الظروف المواتية للحياة. بل إن هناك ما يُسمى بـ "هرم التعقيد". وضعه برنارد كار، وهو فلكي، درس كيف تعمل قوانين الفيزياء في الكون. تبدأ قاعدة الهرم بالكواركات، والتي تُكوِّن الذرات، فالجزئيات، فالخلايا، فالكائنات الحية، وانتهاءً بالعقل والوعي، والذي يمثل أعلى درجات الأنظمة المعقدة. والضبط الدقيق في تكوين كل مرحلة من التعقيد على حدة، بحيث لا يمكن تفسيرها بتراكم تغيرات بسيطة، كما لا يمكن أن نُبسِّط الأمر بأن ذرات ما قد ارتبطت لتكوين جزئيات البروتينات المختلفة والدهون وغيرها والتي بدورها كونّت الخلايا وهكذا.

ومن هنا بدا واضحًا أن إثبات وجود أنظمة حيوية معقدة متكاملة، لا يمكن أن تعمل بشكل سليم في حال نقص أي جزء منها مهما صغر، هو تحدي علمي حقيقي لنظرية التطور. بل هو أكبر تحدٍ واجه النظرية، من علم الكيمياء الحيوية تحديدًا، ودفع كثير من العلماء -رغم كل الضغوط التي يواجهونها- لإعلان التشكك في النظرية في العقدين الأخيرين؛ ومن ثم التوقيع على انسحابهم من تأييد النظرية، وصار لهم موقع على الانترنت.

http://www.dissentfromdarwin.org/

كما يمكن تحميل القائمة بأسمائهم التي يتم تحديثها كل فترة.

https://dissentfromdarwin.org/download/

http://www.discovery.org/scripts/viewDB/filesDB-download.php?command=download&id=660

ولعله لا يخفى على العامة أن كثيرًا من المكتشفات العلمية لأنظمة شديدة التعقيد إنما هي محاكاة علمية لأنظمة طبيعية شديدة التعقيد، فنظام السونار أخذوه من الثدييات البحرية كالدلافين، ونظام الرادار أخذ من الخفافيش، ونظام غرفة الاحتراق من الخنفساء القاذفة، والطائرات بأنواعها المختلفة من الطيور، وكل من هذه الأنظمة عملت عليها عقول ذكية جبارة حتى استطاعت محاكاتها بشكل سليم، فما بالنا بإنتاج هذه الأنظمة من الصفر! فكيف يدعي التطوريون أن الطبيعة العمياء قد أنتجت هذه الأنظمة شديدة التعقيد من تغيرات عشوائية؟!

كما أن التعقيد غير القابل للاختزال يوجد في علاقات التكافل بين الأنواع الحية المختلفة أو في مجتمعات النوع الواحد المتكافلة؛ فملكة النحل لا حياة لها بدون وجود الشغالات والذكور، فجميعهم يشكلون مملكة لكل منهم دور واضح فيها، فأيهم تطور قبل الآخر؟! وكيف عاشت الملكة وحدها دون الذكور ليلقحوها أو الشغالات لينتجن لها غذائها؟! إن تطورها وحدها يعني أنها ستهلك ويفنى النوع، فمجتمع النحل وغيره من المجتمعات التكافلية هو مثال على التعقيد غير القابل للاختزال ووجود التصميم الذكي.

لكن، في المقابل، كان هناك من جادل بإمكانية تفسير الأنظمة الحيوية المعقدة عن طريق آليات التطور التي تفترض التدرّجية، فماذا ادّعوا؟ وهل كان ردًا علميًا له وجاهته؟

يفترض التطوريون أن الطفرة هي المسئولة عن توليد المعلومات الجينية الجديدة في جينومات الأنواع ‏الجديدة المفترضة، وأنه باستمرار حدوث الطفرات لفرد من نوع ما سينتج عنه في النهاية ظهور نوع ‏جديد.‏ من ‏ثم فإن: "البناء التراكمي عن طريق الطفرات هو الآلية المفترضة للتطور".‏

وقد شرحنا في مقالات أخرى الطفرات وطفرات التضاعف الجيني الكبيرة، والطفرات في الجينات المُنظِّمة (جينات هوكس) ‏HOX Genes‏، والأدوار المفترضة التي يعطيها التطوريون لكل منها في إحداث التطور. علمًا بأن التضاعف الجيني في حد ‏ذاته ليس توليدًا لمعلومات جينية وظيفية جديدة. من ثم فنحن لا زلنا نعاود الدوران مع الطفرة.‏

ولندع الطفرة جانبًا، ولنفترض بأن البحث جارٍ عن الآلية التي تم بها توليد ملايير المعلومات الجينية اللازمة لنشأة الأنواع الحية والمنقرضة.

ولكن هل يمكن البرهنة على أن الأنظمة الحيوية نشأت تراكميًا باستخدام آلية ما؟

هنا يظهر اعتراض أنصار التصميم الذكي، فالأمر يتعدى الطعن في الطفرة كآلية لتوليد المعلومات الجينية المشفرة لكل بروتين على حدة، ويتعدى الطعن في احتمالية حدوث الطفرات المتطلبة المفترضة لترقي الأنواع وفقًا لنظرية الاحتمالات، بل إن فكرة البناء التراكمي للنظام الحيوي ذاتها -والذي شيئًا فشيئًا يُرّقي النظام- مطعون فيها؛ فتعقد الأنظمة الحيوية يبرهن على التكاملية الوظيفية وليس التراكمية.

فبينما يمكن أن يؤدي النظام المتكون تراكميًا وظيفته في كل الحالات، ولكن التراكم يوفر فقط إضافة وتحسنًا في أداء الوظيفة، فإن النظام المعقد المتكامل يعجز عن أداء الوظيفة في حال نقص بعض الأجزاء مهما صغرت، ويبدو الأمر أشبه بنزع مسمار من محرك السيارة. وهذا هو المقصود بالتعقيد غير القابل للاختزال.

اعتراض التسقيل (الدعم بسقالات)

مصائد التطوريين

عند طرحه مفهوم التعقيد غير القابل للاختزال لأول مرة استخدم مايكل بيهي مصيدة الفئران كنموذج مبسط لنظام إن تم نزع أي جزء من أجزائه فقد النظام وظيفته.

وقد سارع تطوريون بالطعن في دعوى عدم قابلية مصيدة الفئران للاختزال، ومنهم البيولوجي H. Allen Orr، في مراجعته لكتاب بيهي "صندوق دارون الأسود"، المنشور في Boston Review. وقام د.بيهي بالرد عليه بنفسه في مقالة على موقع معهد ديسكفري.

وادّعاء أور يتلخص في: "يمكن بناء نظام معقد بشكل لا يمكن اختزاله تدريجيًا بإضافة أجزاء، في حين أنها في البداية كانت مفيدة فقط، لكنها تصبح -بسبب التغيرات اللاحقة- أساسية. المنطق بسيط جدًا. جزء (أ) في البداية يقوم ببعض العمل (وربما ليس بشكل جيدًا جدًا). جزء آخر (ب) في وقت لاحق يحصل على إضافة لأنه يساعد جزء (أ). هذا الجزء الجديد ليس أساسيًا. إنه فقط يُحسِّن الأشياء. ولكن في وقت لاحق، الجزء (أ) (أو أي شيء آخر) قد يتغير بطريقة ما والتي يصبح على أثرها الجزء (ب) لا غنى عنه. وتستمر هذه العملية مع طي أجزاء أخرى في النظام. وفي نهاية اليوم، قد تكون هناك حاجة إلى أجزاء كثيرة".

An irreducibly complex system can be built gradually by adding parts that, while initially just advantageous, become--because of later changes--essential. The logic is very simple. Some part (A) initially does some job (and not very well, perhaps). Another part (B) later gets added because it helps A. This new part isn’t essential, it merely improves things. But later on, A (or something else) may change in such a way that B now becomes indispensable. This process continues as further parts get folded into the system. And at the end of the day, many parts may all be required.

http://www.discovery.org/a/445

ويقول د.بيهي في رده على مراجعة أور: "الآن، كيف يمكننا أن نضع هذه الفقرة مع اتفاقه الأولي أنه إذا تمت إزالة أي جزء من مصيدة الفئران، فإنها لا تعمل؟ بالتفكير في مثال مصيدة الفئران، ما الذي يمكن أن يتوافق مع "جزء (أ)" والذي "في البداية يقوم ببعض العمل"؟

وفي الواقع، كانت النقطة الكاملة من مثال مصيدة الفئران تظهر أنه لا يوجد "جزء (أ)" الذي سيؤدي في البداية المهمة. ليس هناك "جزء (ب)" يساعد على التحسين التدريجي لـ "جزء (أ)." الإضافة التدريجية للأجزاء غير ممكنة لمثال مصيدة الفئران (أو على الأقل أنه بعيد جدًا عن الواضح أنه من الممكن)".

Now, how can we square this paragraph with his initial agreement that if any part of a mousetrap is removed, it doesn’t work? Thinking of the mousetrap example, what would correspond to “Some part (A)” that “initially does some job”? In fact, the whole point of the mousetrap example was to show that there is no “part (A)” that will initially do the job. There is no “part (B)” that helps gradually improve “part (A).” A gradual addition of parts is not possible for the mousetrap example (or at least it is very far from obvious that it is possible).

http://www.discovery.org/a/445

أما أشهر مقال يتداوله التطوريون على مثال المصيدة لبيهي، فهو مقال للبيولوجي John H. McDonald من جامعة Delaware بعنوان "مصائد فئران معقدة قابلة للاختزال" A reducibly complex mousetrap.

واعتراض ماكدونالد لم يختلف كثيرًا عن اعتراض أور. في هذا المقال عرض ماكدونالد تصورًا تدريجيًا افترض أنه يبرهن على إمكانية اختزال مصيدة الفئران، وأنها يمكن أن تعمل في كل مرحلة، ومن ثم التأكيد على إمكانية تطورها تدريجيًا، وعزّز تصوره برسوم متحركة تبين حال النظام (المصيدة) في كل مرحلة وصولًا إلى صورته النهائية.

يقول ماكدونالد: "هنا أظهر كيف يمكن للمرء أن يبدأ مع قطعة واحدة من الزمبرك، ويصنع منه مصيدة فئران غير فعالة، ثم من خلال سلسلة من التعديلات والإضافات من أجزاء يصنع مصائد أفضل فأفضل، حتى النتيجة النهائية؛ وهي مصيدة الفئران الحديثة. بالإضافة إلى إثبات أن مصيدة الفئران ليست معقدة بشكل لا يمكن اختزالها، وأوضح أيضًا الاعتراض الأكثر أهمية على "التعقيد غير القابل للاختزال" كدليل على "التصميم الذكي": جزء قد يكون اختياريًا في مرحلة واحدة من التعقيد قد يصبح ضروريًا في وقت لاحق بسبب التعديلات في بعض الأجزاء الأخرى".

Here I show how one could start with a single piece of spring wire, make an inefficient mousetrap, then through a series of modifications and additions of parts make better and better mousetraps, until the end result is the modern snap mousetrap. In addition to demonstrating that a mousetrap is not irreducibly complex, I also illustrate the most important objection to "irreducible complexity" as evidence for "intelligent design": a part which may be optional at one stage of complexity may later become necessary due to modifications of some of the other parts.

http://udel.edu/~mcdonald/mousetrap.html

من ثم فإن اعتراض التطوريين يمثل شكلًا من أشكال الالتفاف على مفهوم التراكمية ذاته؛ والذي من البديهي أن يفترض إضافات متعاقبة، كما يُنكر اعتراضهم أن الأجزاء الضرورية في المرحلة النهائية كانت دائمًا ضرورية للنظام في مراحل سابقة.

إذًا، فماكدونالد يفترض أن إحداث تبديلات متلاحقة في أجزاء النظام -وليس فقط إضافات-، والتي قد تشمل إزالة أجزاء كانت تسهم في النظام يمكن أن تجعله يعمل في كل مرحلة أثناء رحلة تكونه التراكمية. كما يفترض أن جزءًا قد يكون اختياريًا –بحسب تعبيره-، ثم يصبح في مرحلة لاحقة أساسيًا للنظام مع تغير مكوناته.

ونظرًا لأن التطوريين يفترضون أنه كانت هناك أجزاء سابقة في كل نظام وظيفي، وكانت جزءًا رئيسيًا منه؛ كونها سمحت له في السابق أن يعمل، ثم لم تعد موجودة فيه، أصبح اعتراضهم الأشهر على حجة التعقيد غير القابل للاختزال، يُعرف باسم اعتراض التسقيل، فالسقّالات الجزيئية molecular scaffolding وفقًا للتطوريين تمنح هيكلًا للبناء، ويمكن إعادة تجميعها لتنتقل من مكان إلى آخر.

والتسمية تشبيهًا بما يحدث أثناء عمليات البناء من إضافة سقّالات للدعم، تكون هامة للدعم أثناء البناء، ولكن يمكن الاستغناء عنها بعد ذلك. وهو تشبيه مأخوذ أيضًا من مراحل النمو الجنيني للإنسان وغيره، حيث لوحظ أنه "خلال النمو البشري الطبيعي، يتشكل عدد من الهياكل العابرة ثم تتراجع بالكامل لاحقًا. ........، تتراجع هذه الهياكل تدريجيًا عن طريق موت الخلايا." “During normal human development a number of transient structures form and subsequently regress completely. …….. Later on, these structures gradually regress by cell death.”

https://www.sciencedirect.com/science/article/abs/pii/S094096020180220X

ولكن محاولة التشبيه بما يحدث أثناء النمو الجنيني هو مغالطة كبيرة من التطوريين لأن الهياكل الجنينية تنمو من براعم جنينية موجودة ولا يتم افتراض وجودها لأن النموذج التطوري يعجز عن تفسير وجودها، ثم إنها غير وظيفية فهي لا تعمل ولا تجعل أي تكوين جنيني ناشئ قادرًا على العمل، وهي جزء من خطة البرمجة الجينية ومراحل التمايز المعقدة في النمو الجنيني، ثم إنها بعد انتهاء عملها تتراجع وتموت بعد أن أدت دورها.

وعامة، فالتطوريون يغالطون كثيرًا بشأن مراحل نمو الجنين ويجتهدون في محاولة تشبيه التطور به مع أنه لا علاقة بين خطة نمو الجنين المبرمجة والدالة على تصميم دقيق وبين افتراض حدوث تغيرات عشوائية تنتقي الطبيعة الأفضل من بينها لتبقيه، وأبسط ما يُقال إن الجنين أثناء مروره بمراحل تخلقه قبل أن يولد مكتملًا لا يعد فردًا حيًا ذا أهلية، ولو ولد قبل اكتمال تكوينه في أي من هذه المراحل سيموت، بينما يفترض التطوريون أن كل المراحل الانتقالية الوسيطة في مسيرة التطور كانت أنواعًا حية، وكل نظام حيوي نشأ بطريقتهم التطورية المفترضة كان يعمل قبل أن يصل لصورته التي هو عليها.

وعودة إلى ماكدونالد، فقد استدل ماكدونالد بأن مصائد الفئران الحديثة كان لها بالفعل إرث قديم، وكل النماذج المختلفة والمتباينة في مستوى التعقيد التي استخدمها البشر قديمًا كانت تعمل. والمغالطة هنا تكمن في أن

- الجزء الأول وحده (سلك الزمبرك) الذي افترضه ماكدونالد كبداية –ولم يحدث أن استخدمه البشر يومًا ما كمصيدة فئران- لم يكن نظام مصيدة ناجحة؛ لأنه باعتراف ماكدونالد كان يمكن للفئران التملص منه. إنه ليس أكثر من محاولة إثبات زائفة لفرضية أن النظام المعقد الذي يعمل بتآزر عدة أجزاء يمكن أن يُبسّط ويبدأ من جزء واحد فقط.

- نماذج المصائد الأكثر تطورًا التي تم عرضها، والمتركبة من عدة أجزاء هي في حد ذاتها أنظمة معقدة غير قابلة للاختزال، ونزع جزء من أجزائها سيُعطِّلها، وكل منها بحاجة لتفسير كيف تجمعت أجزاؤها تباعًا لتعمل في النهاية؛ لأنه من الواضح أن الإضافات والتعديلات التي جرت عليها بدءًا من إضافة التفافات على الزمبرك واستخدام شرائط تثبيت والنقل على خشبة ووضع طُعم وتعديل شكل الزمبرك، لا تقف وراءها الصدفة والعشوائية.

فلتفسير وجود نظام مصيدة ناجحًا صار لزامًا علينا تصور أنظمة كثيرة! علّمونا في مناهج البحث العلمي أن التفسير الناجح يختزل الظاهرة ولا يتوسع فيها ويزيد من تعقيدها في الأذهان!

وهذا الاعتراض أشبه بنظرية الأكوان المتعددة التي قُدِّمت من قِبل الملاحدة لتفسير الضبط الدقيق في كوننا، فالملاحدة من الأسهل عليهم تخيل ملايير الأكوان، خرج من بينها كوننا منضبطًا بدقة وصالحًا لنشأة الحياة فيه، على أن يعترفوا بأنه يوجد كون واحد منضبط، والضبط الدقيق فيه يدل على مصمم ذكي. ثم يطعنون في المؤمنين بأنهم يحيلون على الغيب! ومنهجهم غير علمي لا يقوم على الملاحظة والتجريب!

نماذج تراكمية تطورية وردود مُنظِّرو التصميم الذكي

نظام تخثر (تجلط) الدم في الإنسان

نظام تخثر الدم في الإنسان هو من أشهر الأمثلة لنظام معقد غير قابل للاختزال. يحتاج هذا النظام إلى مجموعة من البروتينات الموجودة في بلازما الدم، التي تُعرف باسم عوامل التخثر، وتتفاعل مع بعضها لتكون ما يُعرف باسم شلّال التخثر، والذي يتكون من مسارين، يتكون كل منهما نتيجة لسلسلة من التفاعلات الكيميائية، ويؤديان في النهاية (المسار النهائي) إلى تكوُّن خيوط من بروتين الفيبرين لسد الجرح.

وبفحص أحدث تفسير تطوري لتخثر الدم؛ والذي وضعه دوليتل Doolittle، والذي يعني افتراض خطوات تكوين نظام تخثر الدم في الإنسان تدريجيًا، سنجد أنه لم يمكنه أن يدّعي من خلال نموذجه أن تخثر الدم كنظام حيوي هو نظام غير معقد، والأهم أنه كأي تطوري لم يهتم أن يفسر لنا مفارقة أن كل بروتين لازم في العملية يعتمد في تفعيله على بروتين آخر!

والفيبرينوجين والثرومبين هما قلب التفاعل في كل أنظمة تخثر الدم في الأنواع الحية. يتمثل الدور الرئيسي للثرومبين في تحويل الفيبرينوجين إلى خيوط بروتين الفيبرين، وبذا تكون الخثرة قد تكونت. لكن نظام تخثر الدم في الإنسان أبطأ وأعقد، وفي المقابل يُكوِّن خثرة دم أكثر فاعلية مما في الأنواع الحية ذات نظام التخثر الأبسط والأسرع كسرطان البحر، التي يقوم فيها عامل النسيج بتفعيل التخثر بشكل مباشر.

البروتيزات تقطع وتشذِّب الجزيئات إلى أشكالها وأحجامها النهائية. في دم الإنسان يوجد بروتيز البروثرومبين، ولا بد من تفعيله ليصبح ثرومبين قبل أن يستطيع القيام بعمله ويحول الفيبرينوجين إلى خيوط الفيبرين ويسد الجرح، وكي يتم تفعيل البروثرومبين لا بد من بروتيز X، وهذا البروتيز X  بحاجة لأن يتم تفعيله أولًا قبل أن يقوم بتفعيل البروثرومبين، ويتم تفعيله بواسطة عدد من البروتيزات!

وباختصار، فإن الأمر أعقد بكثير من تحويل البروثرومبين إلى ثرومبين، والفيبرينوجين إلى فيبرين، كي يتم تخثر الدم في الإنسان، فهناك العديد من العوامل الوسيطة المحفِّزة التي يلزم وجودها، وغياب عامل واحد كما في حالة غياب الصورة الفعّالة من عامل (13 XIII) هو سبب الإصابة بمرض الهيموفيليا (نزف الدم). ونظام تخثر الدم في الإنسان يتكون من حوالي عشرين من البروتينات. كما أن هناك عوامل أخرى مساعدة تسهم في تفعيل شلال التخثر مثل الكالسيوم وفيتامين K.

3962 دارون

والرد التطوري في المقابل على ادّعاء أصحاب التصميم الذكي جاء بالتأكيد على أن نظام تخثر الدم في الإنسان هو بالفعل نظام معقد، ولكن من قال إنه لا يمكن أن يكون نتيجة تطور؟! ثم كتابة سيناريو طويل مُتوهم للكيفية التي يمكن أن يكون قد تم تطوره بها. ألخص خطواته ببساطة في:

- في أنواع أبسط من الكائنات الحية اللا فقارية كسرطان البحر توجد أنظمة تخثر أبسط مما لدى الإنسان؛ بحيث يحدث التفاعل مباشرة بين الثرومبين والفيبرينوجين لتكوين الفيبرين، كما أن اللافقاريات تستعمل الأدينوسين للسيطرة على انقباضات الخلايا العضلية الملساء التي تحيط بالأوعية الدموية, ما يؤدي إلى تقليل فتحة الجرح وشدة النزيف؛ ومن ثم فنظام التخثر لدى الإنسان قد تطور ابتداءً من هذه الأنظمة.

- بلازما دم سلف الفقاريات كانت غنية بالبروتينات المستخدمة في عمليات حيوية أخرى لا علاقة لها بتخثر الدم وأهمها الهضم، وأنسجة سلف الفقاريات كانت محملة بالبروتيزات (الإنزيمات قاطعة البروتين) ولا علاقة لها أيضًا بالتخثر. وهو بداية تشكل نظام تخثر بدائي للفقاريات.

- حدثت طفرة تضاعف لجين السيرين بروتيز (وهو إنزيم مسئول عن فسخ الروابط الببتيدية في البروتينات)، ثم تم تفعيل السيرين بروتيز غير الفعّال في البلازما بواسطة بروتيزات الأنسجة، ما زاد النشاط الكلي لتقطيع البروتينات في منطقة النزف؛ وبذا يكون قد طرأ تحسن على خثرة الدم. إذًا فالجين المضاعف مع البروتين الذي لم يكن مستهدفًا للتخثر أصبح مفضلًا بواسطة الانتخاب الطبيعي.

- ثم تم استنساخ الأخطاء نفسها في جين بروتيز البلازما، وتم إعادة الترتيب الجيني، والذي أثر بدوره على كل البروتين الخلوي. ومع الوقت فإن أجزاء وقطع من جينات أخرى تقسمت عرضيًا إلى تتابعات بروتيزات بلازما.

- ثم تحدث عملية يفترضها التطوريون، وهي خلط الاكسون لتشكيل جينات جديدة! تسلسل DNA المعروف بنطاق البروتين المحفوظ هو ذلك الجزء من الجين الذي يمكنه أن يتطور.

- وبعد هذه التغيرات يكون قد تكون عامل النسيج؛ من تركيبة بروتين سطح الخلايا مع مستقبلات البروتين المحفوظ بتسلسل جديد.

- وجود جين يضاعف واحد من بروتينات البلازما جعله يتعرض لضغوط انتخابية لزيادة قدرته على التفاعل مع البروتيزات. الانتخاب الطبيعي كان يفضل كل وأي طفرة أو إعادة ترتيب تزيد من حساسية الفيبرنوجين لبروتيزات البلازما، ما حسّن بشكل كبير قدرة البروتيزات الجديدة على تشكيل خثرة محددة غير ذائبة باستخدام الفيبرينوجين الذائب.

- ثم حدث تضاعف جيني للجين المسئول عن البروتيز الذي يحول الفيبرينوجين إلى فيبرين، ثم طفرة في الجزء الفعال من النسخة المتضاعفة (ب) غيرت سلوكه. وتلك الطفرة فضّلها الانتخاب الطبيعي؛ كونها زادت من كفاءة التخثر.

- الانتخاب الطبيعي كان ينتخب أثناء تطور نظام التخثر كل ما يبقي تشكيل الخثرة تحت السيطرة، وإلا تخثر الدم كله ولم يقتصر الأمر على سد الجرح. وهذا تم بآليات تضاعف جيني لبروتينات كانت موجودة أيضًا وتطفرت فتغيرت،.........

وللإطلاع على تفاصيل الرد التطوري يمكن قراءة الدراسة التالية:

The Evolution of Vertebrate Blood Clotting

http://www.millerandlevine.com/km/evol/DI/clot/Clotting.html

3963 دارون

إذًا؛ فنظام التخثر المعقد في الإنسان حسب التفسير التطوري أتى من بروتينات موجودة بالأساس في الدم، ولكنها كانت تؤدي وظائف أخرى، ثم إن هذه البروتينات تضاعفت الجينات المشفِّرة لها، ثم تطفّرت إحدى النسخ وحدثت عليها تغيرات في مواقع ‏التفعيل، وتم تفضيلها وانتخابها؛ لأنها أدت إلى تحسين عملية التخثر‏. والتضاعفات الجينية كانت تتم واحدًا تلو الآخر.

وكما هو واضح فإن

- الرد التطوري على طوله لم يستطع ادّعاء دخول البروتينات اللازمة لعمل نظام التخثر تدريجيًا، ولكنه تحايل بادّعاء أن بلازما الدم والأنسجة في سلف الفقاريات كانت غنية بالبروتينات، ولكن ‏لا علاقة لها بتخثر الدم، ثم تطفرت لتؤدي وظيفة التخثر؛ وهذا تحايل على فرضية التعقيد غير القابل للاختزال؛ واعتراف ضمني باستحالة افتراض أن البروتينات ظهرت بشكل متتالي لأن النظام لن يؤدي وظيفته ما لم يتم إدخال البروتينات اللازمة دفعة واحدة!

إذًا ومرة أخرى فإن العناصر التي شكّلت النظام تصادف أن وُجِدت حيث كان المفروض أن توجد!

- يقوم التصور التطوري على أساس وجود تشابه بين عوامل التخثر، وبغض النظر عن إسراف التطوريين في الحديث عن التشابهات في كل شيء والتعويل عليها واعتبارها معيارًا لبناء علاقات النسب، فالتشابه بين عوامل التخثر لا يصل إلى هذا الحد، فلا يمكن جمعها في عائلة واحدة. وبصفة عامة، تنتمي عوامل تخثر الدم إلى عائلة إنزيمات السيرين بروتيز، والتي يتلخص عملها في قطع بعض أنواع البروتينات الأخرى في أماكن محددة، لكن هناك بعض الاستثناءات. على سبيل المثال، ينتمي العاملان VIII وV إلى البروتينات السكرية، بينما ينتمي العامل XIII إلى عائلة إنزيم الترانسجلوتامينيز. وفي المقابل، لا يحاول السيناريو التطوري إعطاء أي أهمية لتفسير المميزات التي تميز كل نوع من أنواع بروتينات التخثر عن الآخر، والتي تمكنه من أداء دوره بسهولة.

- لم يأتِ دوليتل على مرحلة تكون الفيبرينوجين –الذي هو أساس تكون الخثرة- إلا في النهاية! وتظهر مستقبلات الثرومبين سابقة عليه، ولكن أيضًا في مرحلة متأخرة من السيناريو! فوفقًا لسيناريو دوليتل نفسه فإن نظام تخثر الدم لا يعمل بصورة فعّالة حتى مرحلة متأخرة منه، ولا يوجد تبرير لاستبقاء الانتخاب الطبيعي للنظام عندما كان في مراحله الأولى، والتي يحاول دوليتل جاهدًا أن يصور لنا أنه كان يمكن أن يعمل فيها وينتج خثرات.

إن التحدي الحقيقي الذي تواجه به البيوكيمياء بأنظمتها المعقدة التطور أن التاريخ البيوكيميائي قد ضاع للأبد، ومع ذلك فالتطوريون يرون في أنفسهم قدرة على إعادة بناء الماضي، وكتابة سيناريوهات تطورية أعقد من الأنظمة المعقدة التي تفسرها، والأهم أنهم يتجاهلون فيها كثيرًا من التفاصيل اللازمة؛ ليبدو السيناريو مثل سيناريوهات الأفلام الهندية حيث يجد البطل فجأة مسدسًا أمامه عندما احتاج إليه، ودون أن يوجد أي مبرر درامي لوجود المسدس، أو مع اختلاق مبرر غير ذي قيمة.

إن فكرة التدرج والتراكم في نشأة الأنواع قد تبدو فكرة لطيفة لمن لم يدرسوا الكيمياء الحيوية، ولكن من درس الكيمياء الحيوية، وفهم كيف تتكامل أجزاء كل نظام حيوي للقيام بالوظيفة، يفهم أن نقص جزء واحد يعني أن النظام برُمته غير موجود.

ويتساءل عالم الكيمياء الشهير، والذي اختير كعالم العام في 2013، والمتخصص في التخليق الكيميائي، البروفيسور جيمس تور James Tour، في مقطع فيديو قصير وظريف وشهير له على اليوتيوب "كيف تحصل على DNA دون غشاء الخلية؟ وكيف تحصل على غشاء الخلية دون DNA؟"، معترفًا بأنه لا يفهم تراكمية التطور، فكل جزء لا بد أن يكون موجودًا، ولا يمكن تصور أن الأجزاء وُجدت تباعًا.

https://www.youtube.com/watch?v=_y-_UXuCqjY

https://www.youtube.com/watch?v=_aVNfx5fJh0

ولكن التطوريين لا ييأسون، وخيالهم واسع يساعدهم في اختلاق السيناريوهات التي تصحبنا دائمًا في رحلة عميقة عبر الزمن حيث لا أحد يراقبهم، مما يُطلق العنان لخيالهم.

تطور مستقبلات الهرمونات بالتسّقيل!

وكتطبيق لاعتراض التسقيل في مجال الكيمياء الحيوية، قام مجموعة من الباحثين التطوريين بإجراء بحث عما أسموه "التطور المعقد لمستقبلات الهرمون عن طريق الاستغلال الجزيئي" Evolution of Hormone-Receptor Complexity by Molecular Exploitation، والبحث منشور في مجلة Science، في أبريل 2006 .

Jamie T. Bridgham, Sean M. Carroll, Joseph W. Thornton (07 Apr 2006). Evolution of Hormone-Receptor Complexity by Molecular Exploitation. Science. Vol. 312, Issue 5770, pp. 97-101

http://science.sciencemag.org/content/312/5770/97

وجاء فيه: "وفقًا للنظرية الداروينية، فإن التعقيد يتطور من خلال عملية متدرجة من التفصيل والتحسين في ظل الانتخاب الطبيعي. ويبدو أن النظم البيولوجية المكونة من أجزاء متكاملة بإحكام تتحدى هذا الرأي، لأنه ليس من الواضح كيف يمكن اختيار وظيفة أي عنصر ما لم يكن الشركاء الذين يتفاعل معهم موجودين بالفعل. هنا نوضح كيف لنظام جزيئي متكامل -التفاعل الوظيفي المحدد بين الهرمون المنشط الألدوستيرون وشريكه مستقبلات مينيرالوكورتيكويد- أن يتطور من خلال عملية داروينية متدرجة. باستخدام عملية إحياء الجينات الموروثة، تبين لنا أنه، قبل فترة طويلة من تطور الهرمون، كانت الأُلفة بين المستقبل والألدوستيرون موجودة باعتبارها منتجًا ثانويًا هيكليًا لشراكتها مع الروابط القديمة المشابهة كيميائيًا. إدخال تغييرات في اثنين من الأحماض الأمينية في تسلسلات الأسلاف يلخص تطور تخصيص المستقبلات الحالية. وتشير نتائجنا إلى أن التفاعلات الضيقة يمكن أن تتطور عن طريق الاستغلال الجزيئي - توظيف جزيء أقدم، كان مقيدًا في السابق لدور مختلف، في مجمع وظيفي جديد".

According to Darwinian theory, complexity evolves by a stepwise process of elaboration and optimization under natural selection. Biological systems composed of tightly integrated parts seem to challenge this view, because it is not obvious how any element's function can be selected for unless the partners with which it interacts are already present. Here we demonstrate how an integrated molecular system—the specific functional interaction between the steroid hormone aldosterone and its partner the mineralocorticoid receptor—evolved by a stepwise Darwinian process. Using ancestral gene resurrection, we show that, long before the hormone evolved, the receptor's affinity for aldosterone was present as a structural by-product of its partnership with chemically similar, more ancient ligands. Introducing two amino acid changes into the ancestral sequence recapitulates the evolution of present-day receptor specificity. Our results indicate that tight interactions can evolve by molecular exploitation—recruitment of an older molecule, previously constrained for a different role, into a new functional complex.”

http://science.sciencemag.org/content/312/5770/97

https://www.researchgate.net/publication/7178986_Bridgham_J_T_Carroll_S_M_Thornton_J_W_Evolution_of_hormone-receptor_complexity_by_molecular_exploitation_Science_312_97-101

ووُريقات هذه الدراسة الأربع ليست أكثر من سيناريو تطوري جديد، منسوج من الخيال عن ماضٍ لم نره، وعلينا أن نتعامل معه على أنه حقيقة! يرسم تصورًا للشجرة الفيلوجينية لمستقبلات هرمونات الستيرويد، قام الباحثون بتصور شجرة عائلة الجينات لـ 59 من السيترويدات وتتابعات الأحماض الأمينية للمستقبلات المرتبطة بها.

وتتبع المسار التخليقي وفقًا للتطوريين لم يخلُ كالعادة من أيقوناتهم الشهيرة، فالحديث يبدأ من السلف المشترك للفقاريات، ويفترض حدوث تضاعف جيني، وتفرع بناءً عليه، وتغيرات مفترضة حدثت في تتابعات الأحماض الأمينية، ولا يخلو من ذكر الأُلفة الكيميائية.

والمُحيِّر في الأمر هو دعاوي التطوريين العريضة ضد المؤمنين، وإطلاق الاتهامات ضدهم بالخيال الواسع لقبولهم وجود خالق (مصمم) يقف وراء التعقيدات في كافة الأنظمة الحيوية وغير الحيوية في الكون، بينما هم على استعداد لقبول أي سيناريو مهما صعب وغار في عمق الزمن المفترض وتعددت مراحله وضاعت منطقيته، للتصديق في النهاية بأن المواد غير العضوية قد تراصت بشكل ما لتكوين مواد عضوية، وتغير تراصها مرات ومرات، وحُذف وأُضيف إليها، لتخرج لنا أنظمة حيوية متخصصة دقيقة فعّالة بانتخاب أمهم الطبيعة!

***

د. منى زيتون

.........................

* مُستل من كتابي "الإلحاد والتطور.. أدلة كثيرة زائفة"

علي رسول الربيعيغالبا ما تتناول النظريات الأخلاقية في علاقتها بالشخص كفرد لكننا هنا نتناول النظرية الأخلاقية التي تتجه رأسيًا الى المجتمع أو تدور حوله. ما اريد قوله ابتداءً، أننا نرغب عمومًا أن يكون لدينا معرفة أخلاقية. ونعرف، مثلا، أن العبودية خطأ. وإذا كنا نعرف ذلك، فلا بد أن يكون صحيحًا أن العبودية خاطئة. لكن الحكم بأن العبودية خاطئة يعبر عن تقييم للعبودية وليس مجرد وصف لها. أيً انه حكم معيًاري. ليس من السهل أن نفهم كيف يمكن لهذا الحكم أن يعبر عن الحقيقة، بالنظر إلى معياريتها.

كإننا هنا نرفع مرآة نحو العالم، لتعكس في تفكيرنا واقع انتشار العبودية. وإذا كان تفكيرنا هذا صحيحًا، فهو يعكس بدقة شيئًا ما في التاريخ. ولكن اذا اعتقادنا أن العبودية خاطئة فهذا سيكون في مجال حكمنا وتقييمنا، وبهذه الحالة لاتعكس مرآتنا العالم في تفكيرنا. لا يوجد الحكم أن العبودية خطأ في العبودية ذاتها التي نهدف إلى تمثلها عندما نعتقد أن العبودية خاطئة.

إن التحدي، إذن، هو تفسير كيف تكون الحقيقة الأخلاقية ممكنة، بالنظر إلى أن الادعاءات الأخلاقية معياريًة، أو أنها "توجه العمل"، أو أنها "عملية"، أو "تقييمية". أن القضية المعياريًة وثيق الصلة بالفعل أو الاختيار ويعود ذلك لمحتواها. ولكن ليس واضح مباشرة كيفية تفسير ذلك، لذا سنقوم بما يكفي للأغراض الحالية بتصنيف مجموعة متنوعة من الأمثلة ا على أنها معياريًة أو غير  معيارية.

لنتأمل، إذن، الأمثلة التالية. ليس الادعاءات التجريبية غير الأخلاقية، أوالقضيايا الرياضية، والنظريات العلمية معياريًة. وليس الادعاءات، مثل، أن القطة في النافذة وأن الزلازل تحدث أحيانًا في العراق معياريًة. لكن بالمقابل الادعاءات الأخلاقية، والعديد من الادعاءات المعرفية، والجمالية معياريًة. لذا فإن ما يلي هو ادعاءات معيارية: الكذب خطأ أخلاقي؛ الاعتقاد بأن الشمس ستشرق غدا.

إذا كانت مشكلة المعرفة الأخلاقية ترجع إلى معياريًة الادعاءات الأخلاقية، فهناك مشكلة مماثلة حول معرفتنا بالادعاءات المعياريًة للأنواع الأخرى، فالمسألة التي أريد أن أتطرق إليها هنا هي إمكانية المعرفة الأخلاقية.

لذلك أفترض أننا نعرف مجموعة كبيرة ومتنوعة من الأشياء عن العالم. وهناك مجال لمناقشة كيفية تفسير مثل هذه المعرفة، لكننا لسنا بحاجة إلى النقاش حول المعرفة غير الأخلاقية من أجل معالجة مشكلة المعرفة الأخلاقية. تأخذ مشكلة المعرفة الأخلاقية الشكل نفسه دائما، بغض النظر عن الموقف الذي يتخذه المرء بشأن الخلفية المعرفية لهذه القضايا.

أفترض أن بعض الادعاءات المعياريًة صحيحة؛ وأنه من الصحيح أن العديد من معتقداتنا لها ما يبررها. ونظرًا لأن مشكلة المعرفة الأخلاقية، حسب ما أوردته، تنشأ بسبب معياريًة الادعاءات الأخلاقية، فأنا افترض صحة بعض الادعاءات المعيارية في نظرية المعرفة؛ وإلا سنحتاج إلى معالجة قضايا عامة جدًا حول المعرفة المعياريًة قبل أن نتمكن من معالجة القضايا المتعلقة بالمعرفة الأخلاقية. إن الادعاء بمعرفة أي شيء على الإطلاق هو ادعاء يستلزم ادعاءً معرفيًا معياريًا: أيً، أن يكون مٌبرر في اعتقاد المرء الادعاء بعدم إنتهاك أي معايير معرفية في مايؤمن ويعتقد. فإذا لم نفترض أن بعض الادعاءات المعياريًة صحيحة، فلا يمكننا افتراض أننا نعرف أي شيء على الإطلاق.

إن المشكلة التي أريد معالجتها هي تفسير كيف يمكننا الحصول على المعرفة الأخلاقية. تتكون المشكلة من جزأين: الأول هو تفسير القضايا التي نعبر عنها عندما نقدم ادعاءات أخلاقية بطريقة تفسر معياريًة الادعاءات. والثاني هو تفسير كيف يمكننا أن نكون في وضع يسمح لنا بمعرفة أن بعض هذه القضايا صحيحة.

القضايا الأخلاقية

يرى الفلاسفة الوضعيون أنه بقدر ما تكون الادعاءات الأخلاقية معياريًة، فإنها لا تعبر عن قضايا؛ أي أنهم يعتقدون أن المحتوى المعياري الذي يعبر عنه الادعاء الأخلاقي ليس قولًا يمكن أن يكون صحيحا أو خاطئا. فعند تقديم الادعاءات الأخلاقية، لا نصف العالم أو نتمثله كما هو موجودة بطريقة معينة دون أخرى. ولكننا نعبر عن مواقفنا الأخلاقية، وقبولنا لمعايير معينة، أو وصفنا للعالم.[1] فمثلا، قد يعبر البكاء عن الحزن؛ لكنه لا يصف الحزن أو يعبر عن أي قضية صحيحة أو خاطئة عن الحزن.

أن الادعاء بأنه من الخطأ أن يبيع زيد عمر يعبر عن قضية أن زيد  باع  عمر. وإن محتواها المعياري هو الادعاء بأن عمل زيد كان خاطئًا، وهذا الادعاء، كما يعتقد هؤلاء الفلاسفة، لا يصف ما فعله زيد. ولكن يعبر عن موقف الشخص الذي يدعي هذا الادعاء تجاه ما فعله زيد، أي رفضه الأخلاقي لما فعله، أو ربما قبوله لقاعدة تحظر ما فعله.

اذا كان رأى أولئك الفلاسفة التي اشرنا اليهم أعلاه صحيحًا، فلن تكون المعرفة الأخلاقية ممكنة. لكن فكرة أننا يمكن معرفة أن العبودية خاطئة ستكون ذات معنى، كفكرة أننا يمكن أن نعرف أو نصدق بأمر «إلغاء العبودية!». فلمعرفة قضية أو أيً  شيء ما أن يكون صحيحًا هو ان تكون تلك الأشياء لها قيمة الصدق. بالطبع، أنه  يكون مطابق لقواعد المعنى أن نقول إننا نعرف ونؤمن أن العبودية خطأ. لكن يرى أولئك الفلاسفة  أنه لا معنى للادعاء بأن لدينا مثل هذه المعتقدات أو هذه المعرفة.

سأفترض، مع ذلك، أن الادعاءات الأخلاقية تعبر عن قضايا. وأدعم هذا الافتراض جزئيًا بافتراضي السابق بأن بعض الادعاءات المعرفية المعياريًة صحيحة. وأفترض، على سبيل المثال، أنه من حقنا الاعتقاد بأن الشمس ستشرق غدًا. وإذا كان الأمر كذلك، فإن هذا الادعاء مبرر ويعبر عن قضية على الرغم من أنه معياري. أي أن بعض الادعاءات المعيارية تعبر عن قضايا. لذلك سيكون من المحيًر إذا كانت المعيارية للادعاءات الأخلاقية لا تعبر عن قضايا.

إن الافتراض القائل بأن الادعاءات الأخلاقية تعبر عن قضايا مدعوم أيضًا بالاعتبارات الحدسية والبساطة. فمن  التفكير السليم الاعتقاد لدينا معتقدات أخلاقية. فأعتقد، على سبيل المثال، أن العبودية خطأ، لأن إذا لم تعبر الادعاءات الأخلاقية عن قضايا، فلا يمكن أن أؤمن بها.[2]

الفكرة الأساسية للفلاسفة الوضعيين هو أنه بقدر ما تكون الادعاءات الأخلاقية معيارية، فهي معبرة عن المواقف وليست وصفية للعالم. لكننا وكما أشرت من قبل أننا هنا سنواجه التحدي المتمثل في تفسير كيف أن الحقيقة الأخلاقية ممكنة.

يرى الفلاسفة الوضعيون أن الادعاءات الأخلاقية المعيارية ليست صائبة لوصف العالم­؛ أي أنها لا تمثل أو تصف أي وقائع على أنها موجودة بطريقة معينة. فإذا كانت الادعاءات الأخلاقية لا تمثل أي وقائع، فعندئذ، بقدر ما تكون معيارية، لا يمكن أن تكون متطابقة مع أي وقائع. ويصرون على أن الادعاءات الأخلاقية لا يمكن أن تكون صحيحة على الرغم من أنها معيارية. إذا كان الأمر كذلك، فقد تكون الادعاءات الأخلاقية صحيحة حتى لو لم تكن متطابقة مع الوقائع. طبعا، هذا غير قابل للتصديق تمامًا. وهذا يعني الاعتقاد بأن العبودية خاطئة قد يكون صحيحًا حتى لو كان الادعاء بأن العبودية خاطئة غير غير مطابق للوقائع.[3]

كما اسلفت، سأفترض أن الادعاءات الأخلاقية تعبر عن  قضايا، وأنها صحيحة أو خاطئة. ومن هنا أرفض وجهة نظرالفلاسفة الوضعيين. وهنا نواجه أول المشاكل التي ذكرتها من قبل، وهي مشكلة تفسير مضمون القضايا الأخلاقية بطريقة  تراعي معياريتها.

القضايا الأخلاقية والمعايير الأخلاقية

أقدم فكرة المعيًار فأقول: أن القواعد والمقاييس هي أمثلة على المعايير؛ ويمكن التعبير عن المعيًار بواسطة الأمر.[4] فالأوامر تعبر عن شيء ما، أوعن "محتوى" و"قصد" حتى لو لم تعبر عن قضايا، وحتى  لو لم تعبر عن أشياء يمكن أن تكون صحيحة أو خاطئة، فهي تعبر عن المعايير.

نحن نعتقد- مثلًا- أن العبودية خاطئة، وأن هناك معيًارًا مناظرًا أو مطابقًا يمكن التعبير عنه بالأمر الذي  يحظر العبودية. في الواقع، نحن نتحدث بشكل حدسي بدهي عن المعايير والقواعد الأخلاقية، ونعبر عن مثل هذه القواعد والمعايير باستخدام الأوامر؛ التي هيً معايير بمعنى للكلمة.

هناك إذن معايير تتوافق مع الادعاءات الأخلاقية التي نعتبرها صحيحة، بالطريقة التي يتوافق بها المعيًار الذي يحظر العبودية، أو يدعو إلى أن لا يكون هناك العبودية، مع الادعاء بأن العبودية خطأ. وبالطريقة نفسها، هناك معايير تتوافق مع الادعاءات الأخلاقية التي نعتبرها خاطئة، مثل المعيًار الذي يدعو إلى بقاء العبودية. لكننا نعتقد أن المعيًار الذي يدعو إلى الغاء العبودية هو معيًار جازم أو مبرر على نحو لا يكون فيه أي معيًار يدعو إلى بقاء العبودية. ونظرًا لأننا نعتقد أن العبودية خاطئة، يجب أن نعتبر أن المعياًر الذي يحظر العبودية موثوق به أو مبرر.

هذه الفكرة هي أساس النظرية التي سأقدمها. أرى أنه، في الحالات الرئيسة، تكون القضية الأخلاقية صحيحًة فقط إذا كان هناك ما يبرر معيارًا أخلاقيًا مرتبطًا بها. على سبيل المثال، العبودية خطأ فقط إذا كان المعيار الذي يحظر الرق مبررًا مبررًا بشكل كاف. وأرى أنه "في الحالات الرئيسة"، تكون القضية المعيارية صحيحة  فقط إذا كان بعض القواعد المعيارية المناظرة لها تعبر عن حالة أو وضع مناسب. نسمي هذا "النظرية المستندة إلى المعيار" الحكم المعياري. فهي تقول، على سبيل المثال، أن قضايا القانون صحيحة فقط إذا كانت للمعايير القانونية المناظرة مكانة مناسبة في النظام القانوني المحلي.

إن ما قلته حتى الآن يبدأ من تفسير القضايا المعيارية "الإيجابية" وغير المشروطة، وهي الحالات الرئيسة التي  نطلق عليها: القضايا المعيارية "النموذجية". إنها صحيحة فقط إذا كان المعيار مرتبط أو وثيق الصلة بها. لكن ما قلته لا يأخذ في الحسبان بعض القضايا المعيارية التي تتضمن أو تتجسد فيها القضية النموذجية، مثل القضية القائلة بأنه إذا كانت السباحة خاطئة، فإنها ستختفي من العالم. قد تكون هذه القضية صحيحة على الرغم من أن السباحة ليست خاطئة، وبالتالي يمكن أن تكون صحيحًة على الرغم من عدم وجود معيار أخلاقي مبرر يمنع السباحة. تعتبر قضايا من هذا النوع "غير نموذجية" ؛ أيً، ليس شرطًا ضروريًا لصدقها أن يكون لبعض المعايير االمناظرة لها مكانة ذات صلة. يتم تضمين بعض القضايا المعيارية النموذجية في كل قضية غير نموذجية ؛كما في المثال أعلاه، فالقضية القائل بأن السباحة خاطئة متضمنة في الشرط القائل بأنه إذا كانت السباحة خاطئة، فسوف تختفي.

تهدف النظرية القائمة على المعيار إلى تفسير الادعاءات المعيارية. ويعتبر الادعاء معياريًا في حالة تعبيره عن قضية معيارية فقط. تكون القضية معيارية فقط في حالة ما إذا كانت تستلزم وجود معيار مبرر بشكل كاف أو له مكانة مناسبة. تتطلب المعايير القيام بأشياء معينة أو اختيارها، وهذا هو ما يفسر معيارية القضايا. تكون القضايا المعيارية (النموذجية)، وفقًا للنظرية القائمة على المعيار، وثيق الصلة بالفعل أو الاختيار لأنه يستلزم وجود معيار ذي وضع مناسب يستدعي القيام بفعل أو تبني اختيار.

هناك أنواع مختلفة من القضايا المعيارية، بما في ذلك القضايا الأخلاقية، وقضايا القانون، وبعض القضايا المعرفية. توجه لنا النظرية القائمة على المعيار سؤالًا رئيسيًا فيما يتعلق بكل نوع من هذه الأنواع: ما هي المكانة التي يجب أن تتمتع بها المعاييرالمناظرة كشرط لصحة القضايا من هذا النوع؟ لايمكن حلً هذا السؤال عن طريق التحليل المفاهيمي وحده، ولا من خلال النظرية القائمة على المعايير وحدها. إن السؤال الرئيس في الحالة الأخلاقية: ما هي المكانة التي يجب أن يتمتع بها المعيار الأخلاقي، حتى تكون القضية الأخلاقية صحيحة؟

يمكن تفسير كل نظرية ميتا- أخلاقية على أنها تتضمن إجابة على هذا السؤال، لكني أريد أن أوضح  بإيجاز، قبل تقديم إجابتي. فاقول، لقد تم بناء عدد قليل من النظريات بهدف الإجابة على السؤال، لأن النظرية القائمة على المعيار غير مقبولة على نطاق واسع. ومع ذلك، يمكن أن تساعدنا في تنظيم فضاء النظرية الميتا-أخلاقية.

فهرس موجز لنظريات التبرير الأخلاقي

افترض أن لدينا  تفسيرا للظروف التي بموجبها يمكن تبرير المعيار الأخلاقي. فيمكننا، بالنظر إلى النظرية القائمة على المعيار، تفسير كل من المحتوى المعياري للقضايا الأخلاقية النموذجية وطبيعة الخصائص الأخلاقية. تقول النظرية القائمة على المعايير أنه إذا كانت العبودية خاطئة فإنها محظورة بمعيار أخلاقي مبرر. يشير هذا إلى أن القضية القائلة بأن العبودية خطأ هي قضية حول كون العبودية محظورة بمعيار أخلاقي مبرر. كما يشير الى أن خاصية كونك مخطئًا هي خاصية محظورة بمعيار أخلاقي مبرر. وإذا كانت لدينا نظرية للمعايير الأخلاقية المبررة، فيمكننا استخدامها لتفسير طبيعة الخصائص الأخلاقية ومحتوى القضايا الأخلاقية التي تنطوي على تلك الخصائص.

يمكن تفسير عدد من النظريات الأخلاقية المألوفة على أنها تقدم مقترحات حول الشروط التي بموجبها يمكن تبرير المعايير الأخلاقية بشكل مناسب. سوف أصف ثلاثة بإيجاز.

يستفيد كل منا من حقيقة أن للثقافة المحلية عنصرًا أخلاقيًا، ونستفيد إذا كان الأشخاص الذين نتعامل معهم في مجتمعنا يلتزمون بقواعد أخلاقية. من الواضح أن التعامل وفقًا لبعض القواعد الأخلاقية في هذه الثقافة سيخدم كل واحد منا بشكل أفضل من التعامل مع الآخريات. يرى ريتشارد براندت، أن المدونة الأخلاقية  المبررة بالنسبة لي هي المدونة التي سيكون من المنطقي اختيارها لمجتمعي. وعموما، إن المعيار الأخلاقي له ما يبرره بالنسبة لشخص ما فقط في حالة كون المعيار جزءًا من مدونة أخلاقية يكون من العقلاني اختيارها للتعامل في مجتمعه.[5]

يرى برانت، على الرغم من الطبيعة الفردية لنهجه، أن القضايا الأخلاقية هي قضايا حول المعايير التي سيدعمها كل شخصلتكون مقبولة في المجتمع، إذا كان على دراية كاملة وعقلانية؛ وتكون القضية الأخلاقية صحيحة فقط إذا كان المعيًار المناظر جزءًا من مدونة أخلاقية يكون من العقلاني أن يختارها كل فرد للتعامل في مجتمعه.[6]

لكن، كما يسلم براندت، ليس هناك ما يضمن أن النظام الأخلاقي المبرر بالنسبة لشخص هو نفس النظام المبرر بالنسبة لآخر، حتى لو كانوا ينتمون إلى المجتمع نفسه.[7] وذلك لأن "الإجماع العقلاني" غير مضمون. افترض، على سبيل المثال، أن زوجين والدا طفل صغير. يدعو النظام  الأخلاقي للزوج إلى قيام الزوجة بواجبات رعاية الطفل، ويدعو نظام الزوجة إلى قيام الوالد بواجبات رعاية الطفل. وبالنظر إلى ذلك، تقول قراءة الإجماع أنه ليس أي من الوالدين ملزم برعاية طفلهما لأنه لا يوجد أي معيار يتعلق برعاية الطفل يمكن تبريره بالنسبة إلى كل فرد في المجتمع. يمكن لكل والد أن يفعل كل ما هو مطلوب منه، بالنظر إلى النظام المبرر بالنسبة للمجتمع، ومع ذلك لا يقوم أي منهما في رعاية طفلهما.

كان يمكنه لبراندت حل هذه المشكلة لو لم يطالب بالإجماع؛ حيث يمكن تفسير القضايا الأخلاقية على أنها قضايا حول المعايير التي يدعمها بعض الأشخاص في مجتمعهم إذا كانوا على دراية كاملة وعقلانية. تكون القضية الأخلاقية صحيحًة في هذا التفسير الفردي فقط إذا كان المعيًار المناظر جزءًا من مدونة أخلاقية يكون من المعقول أن يختارها الشخص المعني للتعامل في مجتمعه.[8]

لسوء الحظ، إذا طبقنا هذه القراءة الفردية على حالة الزوجين، فإن نظرية براندت تشير إلى أن الزوج ليس عليه أي التزام برعاية طفلهما، بالنظر إلى النظام الأخلاقي المبرر بالنسبة له، وأن الزوجة ليست ملزمة بالعناية به، بالنظر إلى النظام الأخلاقي المبرر بالنسبة لها.

وبالتالي فإن الإجماع العقلاني غير المضمون، فيما يتعلق بكل من الإجماع والتفسيرات الفردية، يمكن أن يؤدي إلى نتيجة مقلقة لنظرية براندت. يوضح مثال الزوجين  فائدة مهمة للمجتمع إذا كان كل فرد فيه يشترك في نفس المعايير الأخلاقية إلى حد كبير. والفائدة هي أن الناس قادرون على تنظيم سلوكهم، والتعاون، وتوقع كيف سيستجيب الآخرون لهم، والتفاعل معهم. يدرك براندت ذلك، بالطبع، لأننا نهتم، طبقا لمقاربته، في أي مدونة أخلاقية  تدعم المجتمع ككل. ومع ذلك فإننا نعتبر نظرية براندت فردية أساسًا. ولهذا السبب، تكون المدونات الأخلاقية المختلفة مبررة بالنسبة لأشخاص مختلفين حتى لو كان جميع الأشخاص بحاجة إلى مدونة مشتركة من أجل العيش معًا بنجاح في مجتمعهم المشترك. فمن المحتمل، في مثال الزوجين، أن يرغب كل من الوالدين في رعاية طفلهما. قد تدعو الحلول الوسط بين الوالدين إلى مشاركة مسؤولية رعاية طفلهما. وعليه يكون من المعقول أن يفضل كل شخص أن يشترك الجميع في بعض القواعد الأخلاقية كتسوية بدلاً من المدونة المبررة لها في مخطط براندت. و يبدو من المعقول أكثر، في مثل هذه الحالة، اعتبار المدونة مبررًة بشكل مناسب.

تكشف البصيرة الكامنة وراء النظريات التعاقدية، أن هناك توتر بين فكرتين، كل واحدة منها مقبولة من قبل المتعاقدين وهي: أولاً، أن الهدف من الأخلاق هو تمكين مجموعات الأشخاص الالتقاء ببعضهم البعض. ثانيًا، لكن القواعد الأخلاقية ملزمة للشخص فقط إذا كان من المعقول أن يشترك ويلتزم بها. يرجع التوتر إلى حقيقة أنه لا يوجد ما يضمن أن يكون كل فرد في المجموعة عقلانيًا للانضمام إلى القواعد الأخلاقية نفسها والامتثال لها إذا قام كل منهم بتقييم القواعد الأخلاقية دون الالتفات إلى  تفكيرالآخرين ومنطقهم. الحل التعاقدي هو اقتراح أن تكون المدونة الأخلاقية المبررة المتعلقة بالمجتمع هي المدونة التي يتم الاتفاق عليها كنتيجة لأتفاق عقلاني بين أعضاءه، بشرط أن يكون كل عضو قابلا للاشتراك فيها والامتثال لها. وعلى هذا الأساس نجد بعض الباحثين مثل ديفيد غوتييه يدافع عن نظرية من هذا النوع.[9]

تخبرنا النظرية القائمة على المعيًار، بالنظر إلى هذا الحسبان للمعايير الأخلاقية المبررة، بما يلي: لاتكون القضية الأخلاقية صحيحًة إلا إذا كان المعيار المناظر (أ) جزء من المدونة الأخلاقية التي يوافق عليها كل فرد في الممجموعة المعنية لقبولها كمدونة للمجموعة، نتيجة للتفاوض والأتفاق العقلاني، و (ب) أن يكون كل فرد في المجموعة قابلا في الامتثال لها والاشتراك فيها.

لا شيء يضمن أن هذه المجموعة هي مجتمع بأكمله. بالطبع، يمكن للمتعاقد القول أن المجموعة ذات الصلة هنا هي المجتمع كله، ولكن لا شيء في نظرية العقد يجعل هذا شرط طبيعي. إن رأيً غوتييه هو أن المجموعة ذات الصلة هنا عبارة عن مجموعة من الأشخاص الذين يجدون التعاون مفيدًا للطرفين. قد يكون هذا جزءًا صغيرًا من المجتمع، مجموعة قادرة على ممارسة السلطة على بقية المجتمع والأستفادة منها. ويمكن أن تكون المعايير المؤهَلة أو المستوفية كما يبررها الاختبار التعاقدي هي تلك يشترك بها ويمتثل لها المستفيدون باعتبار ذلك يمكًنهم من التعاون بكفاءة لفائدة المجتمع ككل. لا أجد هذا تفسيًرا مقنعًا للأخلاق. بل  يبدو، أنه تفسير لتمديد معقد لنظرية الاختيار العقلاني إلى الحالات التي يمكن فيها لكل عضو في مجموعة يستفيد من استراتيجية إلزام نفسه بمعايير معينة للتفاعل مع الآخرين في المجموعة ذاتها.[10]

قد يعتقد المرء أن تفسيرًا مناسبًا للأخلاق ينبغي أن يكشف أن المعايير الأخلاقية المبررة ملزمة لجميع الفاعلين الأخلاقيين، دون استثناء. قُبلت هذه الفكرة التقليدية من قبل كانط والذين تأثر تفكيرهم  به. يشترك الكانطيين مع التعاقدين( فلاسفة العقد الإجتماعي) بفكرة هي: يجب  أن يكون الامتثال للمعيًار عقلانيًا، إذا كان ينبغي أن يكون المعيًار ملزمًا للشخص. يشير الجمع بين هذه الأفكار إلى الموقف القائل بأن المعيًار الأخلاقي له ما يبرره فقط في حالة امتثال كل فاعل عقلاني له. وهذه هي"أطروحة كانط".[11]

تحتاج النظرية الكانطية لتجنب الدائرية إلى مفهوم "محايد أخلاقياً" للشخص العقلاني. لا أستطيع استكشاف كل الاحتمالات، لكني أشك في أن هناك تفسيرًا مقبولًا لشخص عقلاني محايد أخلاقياً ويجعل الأطروحة الكانطية مقبولة.

يمكن للمرء، على سبيل المثال، أن يفسر الشخصية العقلانية كشخصية ذات مصلحة ذاتية، ولكن يبدو من غير المقبول الى حد بعيد أن يكون المعيًار الأخلاقي المبرر من هذا القبيل أن يلتزم به كل الأشخاص الفاعلين ذوي المصلحة الذاتية، بالضرورة. ومن ناحية أخرى، لا يبدو أن بعض الفاعلين المهتمين بمصالحهم الشخصية لا يمتثلون لمعيًار يدعو إلى الولاء أو الصدق أو يعترضون على ادعاء المعيًار بتبرير الأخلاق.

بالنظر إلى النظرية القائمة على المعيار، فإن فكرة الشخصية العقلانية على هذا النحو ليست محايدة أخلاقيا. إن الشخص العقلاني هو الشخص الذي يستجيب للأسباب المبررة التي تدعوه إلى القيًام بأشياء معينة. وقد تشمل هذه المعايير الأخلاقية المبررة. إن القضية القائلة بأن الشخص لديه سبب لفعل شيء ما هو بالضبط القضية القائلة بأن المعياًر المبرر يدعوه إلى فعل الشيء بالطريقة التي أطبق بها النظرية القائمة على المعايير. القضية القائلة بأن الشخص لديه سبب أخلاقي لفعل شيء ما هي القضية القائلة بأن المعيًار الأخلاقي المبرر يدعوه إلى القيام بذلك. ومن ثم لا يمكن للمرء، في النظرية القائمة على المعيار، أن يفسر فكرة المعيار الأخلاقي المبرر من خلال التذرع بفكرة الشخص الفاعل العقلاني على هذا النحو لأن يتم تفسير هذه الفكرة بالإشارة إلى فكرة المعيار الأخلاقي المبرر جزئيًا.

لقد كانت هذه مناقشة موجزة للغاية للبدائل من وجهة نظري.  والآن أريد المضي قدما.

التبرير المرتكز على المجتمع

لا يسعني أن اقوم بأكثر من تقديم الفكرة الرئيسية للمقاربة أو النهج  الذي أؤيده ، إلى جانب بعض الأسباب التي تقنعني بمقبوليته. يتم التعبير عن الفكرة المركزية للنظرية المتجهة الى المجتمع من خلال الأطروحة التي  نطلق عليها "أطروحة التبرير" وهي: إن المدونة الأخلاقية لها ما يبررها فيما يتعلق بالمجتمع فقط في حال كان المجتمع مطالبًا بشكل عقلاني باختيار المدونة لتكون بمثابة قانون أخلاقي اجتماعي، مفضلها على أي بديل آخر. تحتاج هذه الأطروحة الى وصف أكمل  لشروط مختلفة، وسأناقش اثنتين منها أدناه.

أستخدم مصطلح "مبرر" لأداء الواجب لأي حالة تكون فيها المعايير الأخلاقية شرط ضروري لصحة القضايا الأخلاقية المناظرة (النموذجية). وأدعي أن أطروحة التبرير تفسر هذه الحالة. أي أن المعايير التي تشكل جزءًا من مدونة مبررة بالمعنى الوارد في أطروحة التبرير مبررة بالطريقة التي يجب أن تكون عليها كشرط ضروري لصحة القضايا الأخلاقية المناظرة.

هناك أشياء كثيرة تحتاج إلى تفسير قبل أن يتضح سبب تأييدي لأطروحة التبرير وما أعني بها. أحتاج إلى تقديم مفهوم العقلانية المحايدة أخلاقيا بالمعنى الذي استخدمته أعلاه. وبحاجة لقول المزيد عن القضايا الأخلاقية قبل أن أتمكن من الأنتقال الى أطروحة الربط  والتي ساشرحها في قسم لاحق. دعني أن أبدأ بتفسير فكرة المدونة الأخلاقية الاجتماعية وفكرة الاشتراك في المعيًار.

أعني بـ "مدونة الأخلاق الاجتماعية" نظام المعايير الأخلاقية التي يتم تقاسمها بين أعضاء المجتمع وتُفرض اجتماعياً، وتنتقل من جيل إلى آخر بواسطة الثقافة. إنها المدونة التي يتعامل بها المجتمع، بمعنى أن أعضاء المجتمع عمومًا  يؤيدون ويشتركون أخلاقياً في المعايير الواردة في المدونة.

تلعب المعايير الأخلاقية دورًا مؤثرا في  الجانب النفسي للإنسان؛ فهي معايير يتخذ معها الشخص موقفًا معقدًا نطلق عليه "الاشتراك الأخلاقي". وليست هذه مجرد مسألة قبول أو تأييد معيار. لأنه إذا كان المعيًار من بين المعايير الأخلاقية للشخص، وإذا كان الشخص "يلتزم أخلاقياً" بالمعيًار، فإنه ينوي الالتزام به ودعم الامتثال له. ويميل إلى أن يكون لديه موقف إيجابي تجاه أولئك الذين يمتثلون له وغير موات تجاه أولئك الذين لا يمتثلون له في المجتمع. يريد الشخص الذي يلتزم أخلاقيا بمعيًار أن يكون هناك تعامل والتزام به في مجتمعه؛ أي انه يريد أن يكون الأمر كذلك بشكل عام، في مجتمعه، وأن يكون لدى الناس هذه النوايا والرغبات والمواقف فيما يتعلق بالمعيًار؛ إنه يريد أن يُضمًن المعيًار في مدونة الأخلاق المجتمعه. إذن، إن الاشتراك الأخلاقي في المعيًار هو مجموعة من المواقف التي تنعكس في نوايا الشخص ورغباته ومواقفه تجاه نفسه والآخرين في مجتمعه. فالمدونة الأخلاقية للشخص هي مجموعة المعايير التي يلتزم بها بهذه الطريقة.

أرى أنه من المنطقي أن يحتاج المجتمع إلى مدونة أخلاقية اجتماعية؛ أي أن المجتمع يحتاج إلى أن يكون هناك، بين أعضائه، نظام مشترك للمعايير الأخلاقية يلعب دورًا مركبًا في نفسية أعضائه عندما يتم فرضه اجتماعيًا وينتقل ثقافيًا. يحتاج المجتمع إلى وسيلة فعالة للحد من أضرار الصراع بين أعضائه ومنح أفراده الأمن الذي يحتاجونه من أجل التعاون بنجاح. وأعتقد أن التعامل بالمدونة الأخلاقية هي الطريقة الأكثر فاعليًة لتحقيق هذه الغايات. فالمجتمع الذي لديه مدونة أخلاقية سيواجه صراعًا أقل، ونزاعًا أقل ضررًا بين أعضائه، والمزيد من التعاون فيما بينهم، وسيكون أعضاؤه أكثر نجاحًا في تلبية احتياجاتهم الخاصة والسعي وراء قيمهم، مما قد تكون عليه الحالة إذا لم يكن لدى المجتمع  مدونة أخلاقية. يمكن للنظام القانوني أن يكمل مدونة أخلاقية مشتركة، لكن لا يمكن أن يحل محل الأخلاق. فعلى الرغم من أن الإكراه والمصلحة الذاتية يمكنهما الدفع لتحقيق الامتثال للقانون، لكن من المشكوك فيه أنهما يستطيعان القيام بكل العمل.  يقع على بعض الأشخاص فرض القواعد القانونية وتشغيل النظام، أذ من غير المحتمل أن يكون الدافع وراءهم هو المصلحة الذاتية فقط. ومن المشكوك فيه أيضًا أن يتمكنوا من الحفاظ على النظام إذا كان كل فرد في المجتمع مدفوعًا بالإكراه والمصلحة الذاتية فقط. سيكون من الأفضل بكثير، من وجهة نظر المجتمع ككل، أن يشترك الناس على نطاق واسع في مطلب أخلاقي للامتثال للقانون.

أعتقد أنه من الحس السليم، أن يحتاج المجتمع إلى مدونة أخلاقية. فمع وجود مثل هذه المدونة، يكون أداء المجتمع أفضل من أجل تلبية حاجته، وتجنب الصراع الضار بين أعضائه. علاوة على ذلك، أعتقد أنه من التفكير السليم أن من شأن بعض القواعد الأخلاقية خدمة احتياجات المجتمع بشكل أفضل من غيرها. فأفضل المدونات هي تلك التي تمكّن المجتمع من الالتزام بها بشكل أفضل لتلبية احتياجاته.

وبالنظر إلى الاختلافات في ظروف المجتمعات فإن المدونة الأخلاقية التي تخدم احتياجات مجتمع ما على أفضل وجه قد تكون مختلفًة عن المدونة التي تخدم احتياجات مجتمع آخر. فمثلا قد يحتاج المجتمع الذي يواجه الوباء إلى حظر أنواع معينة من السلوك لكن يكون في غير ذي حاجة لها  في حالة عدم وجود الوباء. وسيكون للحظر نوع من التبرير في مواجهة الوباء يفتقر إليه في غياب الوباء.

إن النظرية الأخلاقية المتجه نحو المجتمع هي تطوير لهذه الأفكار. فأعتقد أن لدى المجتمعات سببًا لمتابعة تلبية احتياجاتنا الأساسية. وسببًا للسعي وراء تلبية احتياجات أساسية أخرى كحاجتها إلى التفاعل التعاوني، وتجنب النزاعات الضارة بين أعضائها. قد تخدم مدونة أخلاقية معينة بشكل أفضل الاحتياجات الأساسية للمجتمع أكثر من مدونة اخرى مما يكون لدى المجتمع سببًا لتفضيل المدونة الأولى. أي،ً أن المدونة التي تخدم احتياجاته على أفضل وجه، هي المدونة التي يوجد سببً لتفضيلها على مدونة اخرى، وتكون هي المدونة المٌبررة بالنسبة لذلك المجتمع.[12] ومن هنا جاءت أطروحة التبرير. ووفقًا لأطروحة الربط  - التي ذكرتها وسأتناولها في القسم الثاني- فإن المدونة الأخلاقية المبررة إلى هذا الحد لها ما يبررها بمعنى تؤكد صحة  القضايا الأخلاقية المناظرة.

سأشرح في القسم الثاني بعض الأفكار التي أعتبرها من المسلم به، مثل فكرة المجتمع في هذا السياق، وفكرة قيام المجتمع بالاختيار، وفكرة أن الاختيار العقلاني للمجتمع هو الخيار الأفضل لخدمة احتياجاته.

***

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ

.....................

[1] أنظر:

R. M. Hare, The Language of Morals (Oxford: Clarendon Press, 1952);

R. M. Hare, more recently, Moral Thinking: Its Levels, Method and Point (Oxford: Clarendon Press, 1981);

Allan Gibbard, Wise Choices, Apt Feelings: A Theory of Normative Judgment (Cambridge, Mass.: Harvard University Press, 1990).

Simon Blackburn, Spreading the Word: Groundings in the Philosophy of Language (Oxford: Clarendon Press, 1984).

[2] إنني مدين لجيفري كينج للمناقشة المفيدة لهذه النقطة.

Jeffrey C. King,New Thinking about Propositions,‎ OUP Oxford; Illustrated edition,  2014.

[3] Hartry Field, "Disquotational Truth and Factually Defective Discourse," The Philosophical Review 103 (1994), 405- 52.

[4] على سبيل المثال، هناك قاعدة أو معيار يطالبنا بتنظيف أسناننا بعد كل وجبة؛ يتم التعبير عنه بالأمر، "اغسل أسنانك بعد كل وجبة طعام".

[5] أنظر:

Richard B. Brandt, A Theory of the Good and the Right (Oxford: Oxford University Press, 1979), 179-95.

Richard B. Brandt, "The Explanation of Moral Language," in David Copp and David Zimmerman, eds., Moral­ity, Reason, and Truth (Totowa, N.J.: Rowman and Allan held, 1984), 117-18.

[6] Richard B. Brandt, "The Explanation of Moral Language,"

[7] Richard B. Brandt, A Theory of the Good and the Right, pp. 188, 194.

[8] Richard B. Brandt, A Theory of the Good and the Right, pp. 188, 194.

[9] David Gauthier, Morals by Agreement (Oxford: Oxford University Press,1986).

[10] Peter Valentine, ed., Contractarians and Rational Choice: Essays on Gauthier (Cambridge: Cambridge University Press, 1990), 196-228.

[11] يدافع كانط عن هذه الأطروحة في القسم الثالث من "أسس ميتافيزيقا الأخلاق" حيث يهدف إلى إظهار أن كل فاعل عقلاني ملزم بالقانون الأخلاقي.

[12] تتضمن هذه الجملة تبسيطًا لآرائي حول الاختيار العقلاني.

 

الدعاء روح العبادة، وهو قنطرة العبور نحو المطلق الأبدي. أيام الحج المباركة هي أيام ذكر ودعاء. نغتنم فرصتها لنجوب في فضاء الدعاء الشاسع خلال جولة سريعة في رحاب القرآن الكريم.

إذا توغّلنا في فهم آيات القرآن الواردة بشأن الدعاء فإن الحديث فيه يطول، ولا يسعنا الإلمام به بشكل تفصيلي هنا، لأن آيات الدعاء كثيرة ومعانيها متشعبة، لكن يمكن تسليط الضوء على بعض من جوانب الدعاء الواردة في الذكر الحكيم.

النبي آدم(ع) أول من دعا ربه حينما تلقّى كلمات الله ففهمها، وصاغها بصور متعددة إحداها كان الدعاء-حسب تفسير بعض المفسرين لآية(فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ)[1]. وكانت تلك باكورة آدم الأولى في الدعاء؛ حيث تلقّى الكلمات، وتعلّم بها كيف يناجي ربه، ويدعوه ويستغفره(قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ ٱلْخَٰسِرِينَ)[2]؛ فالتلقّي هنا معناه الفهم والفقه؛ وهو أسهل الطرق لآدم ليعلن توبته بكلمات، والتوبة هنا جاءت بهيئة دعاء مقرونة بتوفيق الله، ورحمته، وإعانته آدم للأوبة إليه[3].

ثم توالت أدعية الرسل والأنبياء(ع) بعد آدم، كما ورد في القرآن الكريم؛ فكان النبي ابراهيم(ع) دعّاءً كبيرًا يحتل الصدارة من بين الأنبياء في الابتهال والدعاء. وقد خصّه القرآن بسورة باسمه هي سورة (إبراهيم)، ففيها وردت أدعيته المتنوعة تناولت شؤون أهله، وذريته، وعامة الناس، ومكة، والبيت الحرام.

وقد تتبّعتُ آيات القرآن التي تخص الدعاء، أو وردت بصورة دعاء؛ فوجدتُ أن للدعاء جوانب متعددة كثيرة، لكن ما يمكن قوله أن للدعاء صنفين؛ هما:

الدعاء الإلهي؛

الدعاء البشري.

الدعاء الإلهي: هو الدعاء الصادر عن الله جل وعلا، له وجه معنوي تجسّد بصورتين:

الأولى: تمجيد الله لذاته المقدسة(هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)[4]. أو ما يصدر أمر منه جل وعلا بالذكر، كالتحميد والتسبيح والتهليل له:

( قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَٰنَ َأيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ)[5].

(فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ. وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ)[6].

(وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ)[7].

الثانية: حضوره حين الدعاء، وهو القريب الدائم (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِى عَنِّى فَإِنِّى قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ ٱلدَّاعِ إِذَا دَعَانِ)[8].

في يوم عرفة؛ اليوم الذي يجتمع فيه الحجيج تتجلى معنوية الدعاء الإلهي لأن الله يهبط فيه الى الأرض، أو الى السماء الدنيا عشية عرفة مباهيا بعباده الملائكة – حسبما ورد في الحديث الشريف؛ فيغمرهم برحمته ورعايته(عن جابر بن عبد الله الأنصاري(رض) عن رسول الله(ص)(ما من يوم أفضل عند الله من يوم عرفة ينزل الله الى السماء الدنيا فيباهي بأهل الأرض أهل السماء فيقول: أنظروا الى عبادي شُعُثًا غُبُرا ضاحين جاؤوا من كل فج عميق يرجون رحمتي، ولم يروْا عذابي فلم يُرَ يوم أكثر عتقا من النار من يوم عرفة)[9].

بغض النظر عن صحة الحديث أم عدمها، لكن كما نعلم أن الله قريب من عباده سواء كانوا في حالة دعاء، أو في غيرها؛ فهم بعين رحمته وعنايته (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ)[10](قَالَ لَا تَخَافَآ إِنَّنِى مَعَكُمَآ أَسْمَعُ وَأَرَىٰ)[11].

الدعاء البشري: هو الدعاء الصادر عن البشر، أنبياء، ورسل، وأئمة، وصحابة، وعرفاء، ومتصوفة، وعامة الناس. والدعاء البشري هو توق الروح والقلب للحديث والتحاور مع الله عبر الألفاظ، وله وجهان مادي ومعنوي.

مادية الدعاء البشري تعني حينما يكون الدعاء متضمّنا مطالب دنيوية عينية تخص شؤون الناس؛ يبتهلون الى الله جل وعلا لكي يمن عليهم بها؛ منها دعاء النبي زكريا(ع) لكي يهبه الله إبنا صالحا كما جاء في آية(هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُۥ قَالَ رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ)[12]؛ أو على لسان النبي ابراهيم(ع) حينما رفع دعاءه لله أن يجعل مكة بلدا آمنا وتشرئب له أعناق الناس من كل صوب ويرزقه الثمرات (رَّبَّنَآ إِنِّىٓ أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِى بِوَادٍ غَيْرِ ذِى زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ ٱلْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ فَٱجْعَلْ أَفْـِٔدَةً مِّنَ ٱلنَّاسِ تَهْوِىٓ إِلَيْهِمْ وَٱرْزُقْهُم مِّنَ ٱلثَّمَرَٰتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ)[13]، أوما ورد على لسان النبي عيسى(ع) حينما أراد منه الحواريون أن ينزل عليهم مائدة من السماء ليأكلوا منها(قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِّنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِّأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِّنكَ وَارْزُقْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ)[14].

وليس بالضرورة أن يكون وجه الدعاء المادي خيرا، بل قد يكون شرا أو ضررا(وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ ٱلْحِسَابِ)[15]، ومعناها ربنا آتنا جزاءنا سواء كان خيرا أم شرا قبل يوم القيامة كما قال مشركو قريش. وآية(إِذْ قَالُواْ ٱللَّهُمَّ إِن كَانَ هَٰذَا هُوَ ٱلْحَقَّ مِنْ عِندِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ أَوِ ٱئْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍۢ)[16].

أما معنوية الدعاء البشري فتعني أن الدعاء متضمّن مطالب معنوية غير حسية، وتخص مطالب أخروية، وقد تجسّدت في دعوات الأنبياء، والرسل، والأئمة، والصالحين، وعامة الناس، وفيها تقديس وتعظيم الله وذكره، والاستغفار، والتوبة وقد تجلّت في كثير من آيات القرآن نورد بعضا منها:

(رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ)[17].

(رَبَّنَا آتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا)[18].

(رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ)[19].

والدعاء البشري فيه صورتان نظرية وعملية، ونعني بالنظرية ما يتردد على لسان الخلق من نصوص دعاء شفاهية مستوعبة ذكر الله، وتقديسه، والصلاة على أنبيائه ورسله وخاصته، ومطالب دنيوية وأخروية كثيرة. أما الصورة العملية فتتجلّى في كون بعض الدعاء نشاطا عمليا بدنيا؛ مثل الصلاة؛ فالصلاة بمعناها اللغوي تعني الدعاء، ومعناها الاصطلاحي تعني عبادة الله بأقوال وأفعال، ويمكن القول أنها عبادة حركية متضمنة بعض الدعاء؛ لأن الجسد يمارس فيها نشاطا وفعالية القصد منه التقرب الى الله (وصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ)[20].

والحج عبادة تجتمع فيها صورتا الدعاء النظرية والعملية يمارس فيه المسلم حراكا بدنيا متمثّلا بالطواف، والسعي، والوقوف في عرفة، ورمي الجمرات؛ مقرونا بالدعاء وخاصة في يوم عرفة بقصد التقرّب الى الله جل وعلا. والصيام عبادة تتجلى فيها أيضا صورتا الدعاء النظرية والعملية، فالصيام حراك تخوض فيه النفس صراعا رمزيا مع الجسد لتنتصر على غرائزه، وهو أيضا يتضمن صورة نظرية للدعاء؛ لأن دعاء الصائم مستجاب ولا يُرد في أي يوم كان، وخاصة في شهر رمضان؛ فهو موسم دعاء المسلم للفوز برضا الله تعالى.

أما حالات الدعاء فقد انعكست بصور وحالات مختلفة أوردها القرآن الكريم، منها:

الدعاء عند نزول البلاء، والخوف، والطمع برحمة الله وخيره(وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ)[21].

الدعاء في أوقات خاصة بخشوع قلب، وخوف، وفي السر (وَٱذْكُر رَّبَّكَ فِى نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ ٱلْجَهْرِ مِنَ ٱلْقَوْلِ بِٱلْغُدُوِّ وَٱلْآصَالِ وَلَا تَكُن مِّنَ ٱلْغَٰفِلِينَ)[22]. أو في الجهر، والسر بتذلل وخشوع(ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ)[23].

وهناك مواسم سنوية للدعاء هي شهر رمضان، أيام عشرة ذي الحجة، ليلة الجمعة ويومها، وأبواب السماء مفتوحة في كل يوم، وساعة، ولحظة لأصوات الداعين بلا استثناء(ورحمته وسعت كل شيء).

أما شرائط الدعاء فهي، الطهارة أولا، ثم حضور القلب بتقوى، وخشوع، وهدوء، وسكون، وطمأنينة، وتأمل عميق، ثم يقين الإجابة، وعدم الرياء في الدعاء، وخلوه من ألفاظ تُلحق الضرر أو السوء بأحد. من جملة الموارد التي جاءت في كلام الله لموسى (ع) هو الدعاء إذ قال الله عز وجل له: (كن إذا دعوتني خائفا مشفقا عفّر وجهك في التراب واسجد لي بمكارم بدنك واقنت بين يدي بالقيام، وناجني حيث تناجيني بخشية من قلب وجِل)[24].

وقد برع الأنبياء، والأئمة، والصالحون من كل الأديان في صياغة الأدعية، وكل منهم أبدعها بتعبيره الخاص وهم أهل بلاغة وبيان جميل. والأدعية التي وردت عنهم أفرزتها تجاربهم الروحية الخاصة التي غاصوا في عوالمها فانسابت على ألسنتهم كشلال هادر يفيض بمعين عذب من ألفاظ مكتنزة بمعانٍ عميقة فشيّدت عمارة لفظية قوية مكثفة بقوة وجمال المعاني وعذوبة البيان والمقاصد، انسابت من آفاق أرواح اكتنزت الضياء والشفافية والرقة والنقاء، تجسّد فيها حب الله والإخلاص له وعشق عمل الخير وتسخيره للناس، موسيقى ألفاظها تعزف معانيها على أوتار الروح والقلب والوجدان.

لعل أهم ما أنجزه الأئمة من كنوز الدعاء هي الصحيفة العلوية للإمام علي(ع)، والصحيفة السجادية للإمام علي بن الحسين زين العابدين(ع)؛ ففيهما كل ما يخص الدعاء سواء بذكر الله، والصلوات على الأنبياء والملائكة وحملة العرش، وأذكار الأوقات، والدعاء للخاص، والعام، ومناسبات العسر واليسر و...غيرها الكثير.

هذه نماذج لأدعية وردت عن النبي، والأئمة، والعرفاء، والمتصوفة:

ما ورد عن النبي محمد(ص) هذا الدعاء نقتطع جزءا منه:

اللهم بما وارت الحجب من جلالك وبهائك، وبما أطاف به العرش من بهاء كمالك، وبمعاقد العز من عرشك، وبما تحيط به قدرتك، من ملكوت سلطانك، يا من لا راد لأمره، ولا معقب لحكمه، اضرب بيني وبين أعدائي بسترك الذي لا تفرقه العواصف من الرياح، ولا تقطعه البواتر من الصفاح، ولا تنفذه عوامل الرماح[25].

وعن الإمام علي(ع) ورد هذا الدعاء:

ربي أدخلني في لجّة بحر أحديّتك، وطمطام يَمِّ وحدانيتك، وقوّني بقوة سطوة سلطان فردانيتك، حتى أخرج الى فضاء سعة رحمتك، وفي وجهي لمعات برق القرب من آثار حمايتك، مهيبا بهيبتك، عزيزا بعنايتك، متجللا مكرما بتعليمك وتزكيتك، وألبسني خلع العزة والقبول، وسهل لي مناهج الوصلة والوصول، وتوّجني بتاج الكرامة والوقار، وألّف بيني وبن أحبائك في دار الدنيا ودار القرار.[26]

عن الإمام الحسين(ع) ورد هذا الدعاء يوم عرفة، نقتطع جزءا منه:

اللهم اجعلني أخشاك كأني أراك، واسعدني بتقواك، ولا تشقني بمعصيتك، وخر لي في قضائك، وبارك لي في قدرك، حتى لا أحبَّ تعجيل ما أخّرت، ولا تأخير ما عجّلت. اللهم اجعل غناي في نفسي، واليقين في قلبي، والإخلاص في عملي، والنور في بصري، والبصيرة في ديني، ومتعني بجوارحي، واجعل سمعي وبصري الوارثين مني، وانصرني على من ظلمني، وأرني فيه ثاري ومآربي، وأقرَّ بذلك عيني[27].

وعن الإمام زين العابدين (ع) في الصحيفة السجادية وردت أدعية كثيرة، منها في مناجاة المريدين؛ وهذا جزء منه:

سبحانك ما أضيق الطرق على من لم تكن دليله، وما أوضح الحق عند من هديته سبيله. إلهي فاسلك بنا سبل الوصول اليك، وسيّرنا في أقرب الطرق للوفود عليك، قرب علينا البعيد، وسهل علينا العسير الشديد، وألحقنا بعبادك الذي هم بالبدار اليك يسارعون، وبابك على الدوام يطرقون، وإياك في الليل والنهار يعبدون، وهم من هيبتك مشفقون[28].

عن المتصوفة والعرفاء فقد تدفّق سيل من روائع الأدعية، وهذا نص من دعاء النور للمتصوف إبن عربي:

أسألك بنور وجهك وبساط رحمتك أن تكسوني خلعة من جلابيب العصمة، وأدخلني بفضلك في ميادين الرحمة، وكن لي من حيث لا أكون، واحفظني في الحركة والسكون، يا ألله يا نور يا حق يا مبين، نور قلبي بنورك، وأيقظني بشهودك، وعرّفني الطريق اليك، وسهّله بفضلك، وأدّبني بين يديك إنك على كل شيء قدير، والحمد لله رب العالمين.

أما انثيالات الدعاء على نفس الداعي فهي تتبع طبيعة النفس أولا، والمدى الطويل في ترويضها على الدعاء ثانيا، وترويض النفس تراكمي. على بعض النفوس ينثال الدعاء بهيئة خشوع، طمأنينة، سكينة روحية، توازن في الشخصية، طهارة قلب، صفاء السريرة، سلوك مهذب، وخلق كريم. الدعاء هو عبادة بحد ذاته فهو يربّي ويهذّب نفس الداعي. وقد تنفرد بعض من النفوس في بعض من آثار الدعاء، وقد تجتمع في نفس واحدة جميع آثار الدعاء، فيتوازن فيها السلوك الشخصي النظري والعملي في محيطها الداخلي- وأعني به الأسرة، ومحيطها الخارجي- وأعني به المجتمع، وما يتبعه من أعمال الخير التي تعود بالفائدة الاجتماعية العامة.

بكل ألوان الدعاء نطرق أبواب السماء، سواء بآيات الدعاء القرآنية، أو بأدعية النبي، والأئمة، والصحابة، والصالحين. ولكل منا دعواته الخاصة بشؤون دينه ودنياه وآخرته، وقد نقتصر فيها على الدعاء بوجهه المادي، أو المعنوي؛ فنبتهل اليه أن يتكرّم علينا بنعمه بالدعاء المادي، ونمجّده ونقدسّه ونعظّمه بالمعنوي، أو كلاهما معا.

ولعل أهم ما أتحفنا به المولى جل وعلا هو الدعاء بأسمائه الحسنى وأمرنا أن ندعوه بها،(قُلِ ٱدْعُواْ ٱللَّهَ أَوِ ٱدْعُواْ ٱلرَّحْمَٰن أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ ٱلْأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ)[29].(وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَىٰ فَادْعُوهُ بِهَا)[30].

يبقى الدعاء لغةَ الحب المكثّفة التي نتواصل بها مع الله، وتقوى لغة الدعاء حين السجود؛ فنكون في اللحظة الأقرب اليه جل شأنه.

***

إنتزال الجبوري

.....................

[1]  البقرة-37.

[2]  الأعراف- 23.

[3] أنظر: الطباطبائي، السيد محمد حسين. الميزان في تفسير القرآن، الجزء الأول. بيروت: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ط1، 1997، ص133.

[4]  الحشر-24.

[5]  الإسراء- 110.

[6]  الروم- 17-18.

[7]  غافر-60.

[8]  البقرة- 186.

[9]  الأرناؤوط، شعيب. تخريج صحيح ابن حبان. موقع المرجع الألكتروني. الإحسائي. عوالي اللئالئ، الجزء 1، ص119. مركز الأبحاث العقائدية.

[10]  ق- 16.

[11]  طه- 46.

[12]  آل عمران- 38.

[13] ابراهيم- 37.

[14]  المائدة- 114.

[15]  ص- 16.

[16] الأنفال- 32.

[17] آل عمران- 8

[18]  الكهف- 10.

[19]  الأعراف- 126.

[20]التوبة- 103.

[21]  الأعراف- 56.

[22]  الأعراف- 205.

[23]  الأعراف-55.

[24] المجلسي. بحار الأنوار، ج74، ص34.

[25] المجلسي، الشيخ محمد باقر. بحار الأنوار، ج91.. دار إحياء التراث، ص372.

[26]  القمي، الشيخ عباس. مفاتيح الجنان.

[27]  القمي، عباس. مفاتيح الجنان. مقطوعة من دعاء الإمام الحسين(ع) يوم عرفة.

[28] الإمام زين العابدين. الصحيفة السجادية، مناجاة المريدين.

[29] الإسراء- 110.

[30] الأعراف- 180.

سهيل الزهاويالمؤثرات الداخلية والخارجية على الحركة الفكرية في العراق

يرتبط تاريخ بلورة الوعي الوطني، ونمو الروح الوطنية، وظهور النشاط الفكري والثقافي في العراق، خاصة بين المثقفين والطلاب، ومساهماتهم في الحركة الوطنية العراقية ضد المغتصبين العثمانيين، بآثار الثورة الروسية (1905-1907) وانتصار الثورة البرجوازية التركية عام 1908.

هذا الوعي والنشاط الفكري والثقافي لم ينبع من فراغ، بل كان قائماً على تغيرات هيكلية في أوضاع البلدان العربية بشكل عام والعراق بشكل خاص، في إطار التغيرات الدولية في تلك الحقبة الزمنية.

التغيير الذي حدث في العراق هو نتيجة عوامل وطنية وعالمية، وكذلك الأفكار التي ظهرت خلال تلك الفترة لم تكن بمعزل عن تفاعل وتداخل العوامل الداخلية والخارجية.

لقد خضع العراق كسائر البلدان الاخرى للسيطرة العثمانية طيلة أربعة قرون (منذ بداية القرن السادس عشر إلى بداية القرن العشرين). سادت البلاد عهد التخلف، الظلم، الفساد، الاضطهاد، العادات، التقاليد، الحقوق القومية، الحملات العسكرية والتجنيد الإجباري. وكل ما سبق ذكره كانت له عواقب وخيمة على مستقبلها.

عانى العراق كغيره من البلدان العربية من نوعين من الاضطهاد: اضطهاد الرأسماليين الأجانب، بعد تغلغل رأس المال الأجنبي في نطاق الدولة العثمانية، واضطهاد السلطة الاستبدادية للدولة العثمانية. (1)

في مواجهة هذه السياسة التعسفية، كانت هناك حركات متواصلة عربية - كردية ضد القمع والاستغلال التركي لنيل الحقوق القومية. كانت المطالبة بالاستقلال الذاتي واللامركزية من أهم المطالب أهمية في ذلك العهد. لقد عبرت القوميات العربية والكردية في العراق عن مطامحها وإرادتها من خلال الثورة (ثورة بغداد في 13 حزيران 1831) أو من خلال الانتفاضات والعصيان التي اندلعت في كثير من المدن والأرياف، ومعظمهم من الفلاحين بقيادة بعض الملاكين الأحرار - أو الجمعيات والاندية. كان بعض هذه المؤسسات خارج القطر العراقي والبعض الآخر (عربي - كردي) ومعظم موظفيها من المثقفين والضباط والتجار (2)

أدى موقع العراق في الطرف الأقصى من الامبراطورية العثمانية المترامية الأطراف إلى عزله عن المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية في هذه الدولة.

ومع ارتباط العراق بالسوق الرأسمالي العالمي، خاصة بعد شق قناة السويس، أدى ذلك إلى نشوء البرجوازية، لكن تطورها كان بطيئاً، وانعكس ذلك سلباً على تغيير البنية المتحجرة للمجتمع العراقي، والحفاظ على نفوذ تلكم التقاليد الاجتماعية والدينية للمجتمع. وهكذا كان للعنصر الديني تأثير كبير في الحياة السياسية في البلاد.

ادى هذا النمو المشوه للرأسمالية إلى عجز البرجوازية، بسبب ضعف كياناتها وعلاقاتها مع الإقطاعيين ورأس المال الأجنبي، عن النهوض بالشعب وقادته في النضال المعادي للحكم الأوتوقراطي العثماني وضد تغلغل رأس المال الاستعماري.

بالمثل، كانت الطبقة العاملة في دور التبلور قليلة العدد، وكان غالبيتها من العمال الموسومين، وغير المرتبطين بمصانع كبيرة، وتحمل عبء التقاليد الاجتماعية، والخصائص القومية، والدينية والاقتصادية.

أما بالنسبة للفلاحين، فلم يكن لهم تنظيم آخر غير التنظيم الأبوي القبلي، الذي كان أساسه المادي حيازة الأراضي المشاعية للقبيلة التي تملكها الدولة، وأخذ هذا النظام بالتفكك منذ الثلث الأخير من القرن التاسعة عشر، فنضالات الفلاحين تمت تحت قيادة شيوخهم.

وفي هذه الفترة التاريخية، ظهر على المسرح السياسي ممثلون عن الفئات الاجتماعية الوسطية، من المثقفين والطلاب والضباط والتجار الصغار وهؤلاء اتسموا بتقلبات كبيرة في ميولهم وطموحاتهم.

في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين تم إنشاء عدد من المدارس الحديثة في العراق في المدن الكبيرة كبغداد، الموصل والبصرة وغيرها. تخرج منها عدد من المتعلمين المعاصرين، ومن خلال دراستهم في هذه المدارس تعرفوا على الأفكار الديمقراطية البرجوازية (الحرية، المساواة، العدالة) ومن الأمثلة على ذلك الثورة الفرنسية.

كما قامت المدرسة الرشدية والاعدادية العسكرية بتخريج عدد كبير من الضباط العراقيين الذين لعبوا دوراً مهماً في الحركة الوطنية.

ولم تهتم الدولة العثمانية بتأسيس التعليم العالي في العراق، وبعد اعلان الدستور تأسست مدرسة الحقوق في بغداد عام 1908.

ولابد من الاشارة إلى أن تخريج عدد من الطلاب العراقيين من معاهد وكليات اسطنبول والجامعة الامريكية والكلية العسكرية في تركيا، كان لهم دور بارز في تشكيل فئة المثقفين العراقيين.

في أواخر القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، افتقر العالم العربي الى معرفة وثيقة بحقيقته، واحتدم الصراع الفكري حول التجريدات العامة: الموقف من الإسلام والمسيحية، من الدعوة الإسلامية والدعوة العربية والتحري عن أسباب تخلف البلدان العربية وكيفية تجاوزها. (3)

لعب المسيحيون دوراً مهماً في هذا المجال وكانوا الرواد الأوائل للفكر العربي القومي، حيث كان المسيحيون يمثلون من الناحية الاقتصادية قطاعاً نشطاً في المجتمع العربي، كما تمتعوا بالحماية والامتيازات الفرنسية التقليدية داخل الدولة العثمانية، مما أتاح لهم الفرصة للنمو الاقتصادي في التجارة. لقد لعبوا اساساً دور الوسطاء بين العرب والعالم الغربي، وقد مكنهم هذا الوضع أيضا من التأثر بالفكر الغربي وحضارته، فضلاً عن اتصالهم بالفكر التبشيري من خلاله بالثقافة الأوروبية. (4)

وكان تأثير هذه الأفكار في العراق ضئيلاً باستثناء الحالات الفردية (5). لأن المسيحيين لم يلعبوا دوراً مهماً كنظائرهم في البلدان العربية، بصرف النظر عن العوامل التاريخية الأخرى.

تميز العراق بهيمنة التيار السلفي وايلاء أهمية بالفكر العربي القديم الذي يستمد ثقافته من علوم الدينية واللغة العربية التي يدرسها الدارسون في المساجد والمدارس المختلفة. (6)

وكان هذا التيار السلفي (اتجاه عربي إسلامي يتمثل فيه التغني بأمجاد العرب بماضيهم والتأكيد على العربية والشكوى من الظلم وسوء الإدارة التركية. أنه اتجاه يستند على التراث العربي الإسلامي). (7) عبارة عن حركة وطنية إصلاحية اتسمت بالمعارضة والرفض لأوضاع الفساد والتخلف والاستبداد العثماني وضد تغلغل رأس المال الأجنبي. انها دعوة لاتخاذ الأصول الدينية وتراث الماضي كأساس للتخلص من هذه الأوضاع، إلا ان تلك الإجراءات كانت ذات نزعة اتسمت بالتزمت والجمود والانغلاق وفقدان الرؤية الاجتماعية والتاريخية تماماُ، دون مراعاة التغيرات البنيوية التي حدثت داخل المجتمع العراقي.

وفي هذا يكمن سر ما نلاقي خلال هذه الفترة من أفكار مضطربة، حيث أحكمت الدولة العثمانية قبضتها حتى في أكثر حالات ضعفها واضمحلالها مستنداً إلى الفكرة الخلافة مدعيةً أن كل حركة قومية أو وطنية هي مروق من الدين ومرتد عن الإسلام. (8)

لم يكن الإسلام عقيدة طارئة في حياة المجتمع العراقي، بل مارس تأثيره لقرون، وأثر بشكل مباشر على العلاقات الأسرية والمجتمعية وحافظ على تقاليده.

بالإضافة الى ذلك، من سمات الإسلام أن القرآن والشريعة يحتويان على مبادئ تمتد للقواعد الأخلاقية والسلوكية للإنسان، ليس في الأسرة والمجتمع فحسب، بل في حياته الشخصية ونشاطه الاقتصادي والاجتماعي ايضاً. بالنسبة للمؤمنين، الإسلام ليس مجرد دين، بل هو أسلوب حياة. بالإضافة الى العوامل التاريخية التقليدية والاجتماعية التي أثرت بشكل أو باخر على تطور الحركة الفكرية العراقية خلال هذه الفترة.

بقيت طيلة القرن التاسع عشر والقرن العشرين بعيداً عن التيارات الفكرية الحديثة. قبل الاحتلال البريطاني لم يكن للعراق اتصالات وثيقة مع الأوروبيين على خلاف مصر وسوريا. تأثرت بشكل غير مباشر بالحضارة الأوربية والتي جاءت في الأغلب عبر تركيا نتيجة لارتباطها الوثيق بالإمبراطورية العثمانية. أتقن معظم المثقفين العراقيين اللغة التركية. كما تعرف الطلاب العراقيون على التيارات الفكرية الحديثة ايضا (9)

تأثير ثورة (1905 - 1907) الروسية على المثقفين العراقيين

منذ أواخر القرن التاسع عشر، أنشأ الاتراك حركة ثورية برجوازية في تركيا، وضمت الحركة المثقفين أغلبهم من الضباط الجيش والأطباء والموظفين الصغار الذين مثلوا مصالح البرجوازية ومالكي الأراضي الأحرار، وشكلوا تنظيماً سرياً عُرف باسم (الاتحاد والترقي). المنظمة السياسية الوحيدة للشباب الأتراك، فكانت مطالبهم الرئيسية أحياء الدستور.

بسبب الصراعات الداخلية في تركيا وتأثير الثورة الروسية عام 1905 التي قادها البلاشفة والحركة الثورية في القوقاز والثورة التي اندلعت في إيران عام 1905، نشأ وضع ثوري في تركيا (10)، مما أدى الى ثورة 3 تموز 1908. (11)

إن هذه الثورة وما حدث في إيران والصين تبرهن على (تقدم مئات الملايين من الناس) بتأثير ثورة 1905 الروسية

ولخص لينين بوضوح فائق تأثير ثورة 1905 على تطور حركة التحرر الوطني في الشرق (أن الرأسمالية العالمية وحركة روسيا قد أيقظتا آسيا نهائياً، بمئات الملايين من السكان المهانين في ركود القرون الوسطى قد نهضوا للحياة الجديدة، للنضال من اجل ابجدية الحقوق البشرية الديمقراطية) (12)

فإن أخبار الحركة الاشتراكية ثورة 1905 - 1907 أصبحت موضع اهتمام الأوساط الثقافية التركية (13)، والتي كانت بدورها مؤثرة على المثقفين والطلاب العراقيين المقيمين في الآستانة.

كما يؤكد السيد اسماعيل شاويس السياسي المعاصر لتلك المرحلة، أن الشباب الكردي المثقف قد اطلعوا على الأفكار الاشتراكية قبل ثورة أكتوبر وذلك أثناء دراستهم وعملهم في اسطنبول وغيرها من المدن الدولة العثمانية وحتى الأوروبية. (14)

وفي داخل العراق، كان لثورة 1905 انطباع ملحوظ وقد كتب في مجلة الرقيب "وهي من الصحف الحريصة على تطبيق الدستور" (15) التي تعاطفت مع الثورة الروسية الأولى عندما جاءت بقولها:

" أن مجلس الأمة الروسي محجوز، تنفذ عليه إرادة القيصر ويضطرب لاسم نيكولاي، وسيبيريا هي سجن أحرار الروس المجرمين في السياسة أو الذين يطالبون بالحرية الحقيقية أو بحقوقهم المغصوبة." (16)

وبعد إعلان الدستور تأثر المثقفون العراقيون بقوة بالأفكار التي انبثقت عن مصر وسوريا التي كانت جسراً بين العراق والثقافة الغربية، رغم إن معظم المثقفين لم يميلوا لممارسة دور فكري مماثل لنظرائهم المصريين والسوريين، لكن انعكست هذه الأفكار في كتاباتهم. (17)

لقد خلق السياسة الشوفينية التي انتهجها الاتحادين أزمة فكرية بين المفكرين العراقيين بعد أن تخلوا عن العهود التي التزموا بها أمام الأقليات القومية في مؤتمر باريس. (18)

اتضحت ملامح هذه السياسة خاصة عند بدء مجلس المبعوثان الثالث اجتماعه في 17 كانون الأول 1908. (19)

ولم يتخذ الوفد العربي أي موقف مستقل في الاجتماع، لكن معظم العرب كانوا غير راضيين عن الوضع. (20) وبذلك تلاشت الثقة والقناعة بمنظمة الاتحاد والترقي.

وقد انخرط المفكرون والكتاب والشعراء البارزون في النضال ضد الظلم والاستبداد العثماني والأوضاع السياسية والاجتماعية المتفسخة وضد التيارات الاستعمارية الأجنبية، مما خلق مدرسة جديدة في التفكير العراقي في مطلع القرن العشرين، وكانت هذه الحركة نتاج الأفكار التي قادها جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وعبد الرحمن الكواكبي وإبراهيم اليازجي وشبلي شميل وغيرهم. عارض كتاب آخرون هذا الاتجاه الذين تعرضوا للاضطهاد من جانب المؤسسات الدينية متهما إياهم بالإلحاد (21) وهو السلاح القديم الجديد يشهره الحكام الرجعيون والمستعمرون في وجه الإصلاحيين.

وكرد فعل للأوضاع القائمة في تلك الحقبة التاريخية أسفرت عن " تسيس الإسلام " من جهة وتطور الحركة البرجوازية في العراق ضمن التيار الديني، أي اتجاه الحركة كانت عربياً - اسلامياً ضد سياسة الاضطهاد والتتريك والتغلغل الإمبريالي.

كان هناك نزعة بين رجال الدين لمحاولة التوفيق بين الإسلام والتيارات الدينية الحديثة ورفضهم السلفية اللاعقلانية وكذلك التقليد الأعمى للغرب، ليتخذوا منها سلاحاً ماضياِ ضد سياسة التتريك وإثارة المشاعر الدينية كوسيلة فعالة لمكافحة التغلغل رأس المال الغربي الاستعماري.

كانت هذه الدعوة لتجديد الإسلام استمراراً خلاقاً في ظروف تاريخية لتراث قديم، وفي هذا الصدد تجدر الإشارة الى أن الحقيقة المعروفة أن الشيعة في العراق ورثوا عن المعتزلة مفهوم الاعتماد "المنطق والعقل".(22)

لقد تمخض الجدل والنقاش بين رجال الدين حول النظريات الفلسفية والاجتماعية ونظام الحكم الاستبدادي المطلق والملكي الديمقراطي ومنها الحكم الجمهوري (23) الى ظهور تيارين متناقضين أولهما اصلاحي معادي للاضطهاد القومي تمثل البرجوازية الصغيرة والثاني رجعي يناهض الدستور يمثل مصالح كبار الملاكين والإقطاعيين والأسر الأرستقراطية في المدينة.

ففي إطار الحركة الوطنية العراقية، وقفت طائفة من رجال الدين الشيعة المستنيرين إلى جانب القوى والفئات الاجتماعية عندما طالبوا بالدستور والحياة الديمقراطية ودعوا إلى الحركة القومية في إطار الدولة العثمانية.

قامت هذه الطائفة من رجال الدين بحملة دعائية واسعة لأفكارهم من خلال عقد الاجتماعات والندوات السياسية في المدارس الدينية والبيوت. (24) وشكلوا الحلقات الدراسية في الجوامع يدرسون فيها مبادئ العلوم الحديثة التي استمدوها من المجلات والكتب المصرية. (25) ونظم الأناشيد القومية والوطنية، وكما أيد رجال الدين تأسيس المدارس الحديثة التي اكتسبت قوة وقبولاً لحركة التجديد في الأوساط المحافظة وخاصة الأميين منها. (26)

وكانت هذه الجهود تتحرك نحو إنقاذ الإسلام السلطوي أو إبراز قسماته التاريخية كعقيدة أو اكتراث الحركة الوطنية "بعد تدهور الإسلام الرسمي" في أواخر العهد العثماني الى مذهب لا عقلي انعزالي. (27) فيهدف هذا التوجه الى تجديد الإسلام في إطار موقف إصلاح اجتماعي، الى جانب طابعه الديني والاصلاحي. انها محاولة للاستقلال الذاتي للعراق ضمن الدولة العثمانية وضد الاختراق الغربي للبلاد. مما يعني ان جوهرها كان ايضاً صراعاً سياسياً.

أما التيار الثاني التي تجمع حول جماعة المشورة وهي حركة اسلامية معادية للدستور كان محورها نقيب اشراف بغداد "السيد عبد الرحمن النقيب" يساندها الملاكين الكبار وبعض رجال الدين السنة فانضموا فيما بعد إلى الحزب المعتدل. (28)

ازدهرت الحركة السياسية ما بعد الدستور على أساس طائفي، فقد أيدت اكثرية رجال الدين الشيعة التجديد بينما عارض معظم رجال الدين السنة الدستور. ولكن لم تكن الارتباطات الطائفية هي التي تحدد الطابع السياسي لهذه الحركات بالدرجة الاولى. فمثلا وقف بعض رجال الدين الشيعة أمثال كاظم اليزدي ضد إعادة الدستور العثماني. (29) بينما وقف يوسف السويدي وهو من الطائفة السنية لا يفوقه منزلة إلا نقيب بغداد مع الحركة الدستورية. (30)

ساعدت رجال الدين في العراق من خلال نشاطاتهم الفكرية على جذب أكثر فئات الشعب تخلفاً، كما ساعدت على عزل العناصر الدينية المستبدة، التي حاولت أن تعيق عملية التجديد وارجاع مسيرتها الى الوراء مما يؤدي حسب تعبير لينين الى اصابة البلاد بالفساد. (31) وقد كان تأثير العامل الديني المتمثل بالتجديد ايجابيا على العمليات السياسية في هذه المرحلة التاريخية من حياة البلاد.

أن التيارات الفكرية التي ظهرت بعد إعلان الدستور، كانت ثمرة التناقضات الداخلية وفي تفاعلها وصراعها سلباً وايجاباً مع الحضارة الغربية. "أي أنها محصلة الصراع الفكري من أجل تحديد الهوية القومية والاجتماعية وتجديدها، أنها محصلة صراعات طبقية وقومية بين قوى داخلية."

كانت التيارات الدينية والعلمانية تتحرك في إطار فكر برجوازي متأرجح بين شرائحه وفئاته العليا والوسطى ولهم موقفاً سياسياً اجتماعياً إصلاحيا وسطيا. وهي دعوة عقلانية إصلاحية في الأساس ضد المؤسسات الرجعية.

مساهمة الطلبة في الحركة الوطنية العراقية بعد اعلان الدستور

اثارت شعارات قادة ثورة 1908 (حرية، عدالة، مساواة) في البداية مشاعر وعواطف الشعوب الخاضعة للدولة العثمانية الذين كانوا يعانون من الاضطهاد القومي على يد السلطة الغاصبة.

لقد شاعت على نطاق واسع بين الأوساط البرجوازية العربية بكافة شرائحها وفئاتها وهماً حول إمكانية تحقيق المطامح العربية بنشر اللغة العربية وتحسين أوضاع الولايات العربية والمحافظة على التقاليد والعادات العربية باعتبارها مظاهر اسلامية. وهو ما كانت تصبو إليها الحركة الوطنية العربية مع تأسيس أول جمعية عربية في الأستانة في الثاني من أيلول 1908 أي قبل الثورة بأقل من شهرين، وهي جمعية الإخاء العربي.

وقد سار الإخاء العربي على اثر جمعية *الاتحاد والترقي* وانطلقت قادة الإخاء من مبدأ الجامعة العربية واعترفت بما يسمى بالأمة الإسلامية. (33)

بيد أن الطابع البرجوازي للثورة ساعد على تدهور سريع في الاتجاهات الديمقراطية لحركة الأتراك الشباب. وبذلك كشفت عن الأهداف الشوفينية لقادة الاتحاديين الذين جاءوا بالدستور، فقد اتبعوا ذات السياسة السابقة للدولة العثمانية تجاه الشعوب الخاضعة لهم (فإذا كان السلطان يريد جعل الدعوة الإسلامية وسيلة للحفاظ على كيان امبراطوريته، فإن الاتحاديين تبنوا لنفس الغاية سياسة قومية بالضد من مصالح الشعوب الداخلة في نطاق الدولة العثمانية. بما في ذلك الشعب التركي.) (34) مما أدى إلى انسحاب العرب وبقية القوميات الاخرى، وبدأ العمل على تشكيل منظماتهم الخاصة بهم بعد أن أصيبوا بخيبة أمل جراء النهج غير المتوقع الذي سار عليه الاتحاديون بعد تسلمهم الحكم.

وبصدد الانتصارات الأولى التي أحرزتها ثورة تركيا الفتاة، كتب لينين (هذا الانتصار ما هو إلا نصف انتصار، بل حتى جزء أقل من انتصار، إذ أن نيقولاي الثاني التركي قد اكتفى آنذاك بوعده المتعلق ببعث الدستور المشهور) (35)

إن الوضع الجديد الذي ظهر في بداية القرن العشرين المتجسد في أزمة القمة، حيث دب الفساد في ماكينة الدولة العثمانية وتفسخ العلاقات الإقطاعية من جانب، وتشديد اضطهاد الجماهير الشعبية، كانا يفوقان كثيراً على إمكانية الحركة الوطنية الناشئة.

لم تكن قيادة هذه الحركة (قادرة على تحويل الرضوخ السلبي للاضطهاد إلى حالة نشطة من السخط والانتعاش) (35)

يشكل عام 1908 علامة مهمة في تاريخ الحركة الوطنية العراقية، فكما ذكرنا سابقا ويمكن إرجاع هذا التطور الى التغيرات الهيكلية التي حدثت في بنية المجتمع العراقي وفي تفاعلها السلبية والايجابية مع الحركة التحررية من أجل الإصلاحات الدستورية التي كانت تقودها جمعية " الاتحاد والترقي "، الأمر الذي أدى إلى ازدياد الوعي الوطني والقومي في صفوف الحركة الوطنية العراقية وأدى تراكم هذا الوعي الى حركة ضاغطة أدت الى تراجع الاتحاديين عن مواقفهم السابقة. وحفز الطلبة وسائر المثقفين لتبني مبدأ المعارضة ضد النظام العثماني والدعوة الى الحكم الذاتي واللامركزية.

لقد ساهم عدد غير قليل من الطلاب العراقيين الى جانب الضباط وسائر المثقفين، في تأسيس الجمعيات والمنظمات وعقد المؤتمرات في الخارج، بل إن بعض الطلاب العراقيين الذين درسوا في معاهد وكليات المدنية والعسكرية في اسطنبول بادروا إلى تأسيس عدد من الجمعيات قبيل الحرب العالمية الأولى.

لعب الطلبة العراقيين دوراً بارزاً في المنتدى الأدبي الذي تأسس في عام 1909. لم تكن لأهداف المنظمة الرسمية أي صلة بالسياسة، وكانت في الظاهر جمعية أدبية محضة، ولكن وفي الواقع كانت سياسية ومركزاً لتجمع الطلاب والمثقفين من العرب وتلقى فيها المحاضرات والخطب. (38) كما حصلت على مطبوعات ممنوعة من مصر والولايات المتحدة الأمريكية واستخدمت بالدرجة الأولى كستار لمنظمات القوميين العرب السرية. (39)

كما أرسل المنتدى مُوفَّداً الى الموصل وعقد اتصالات مع عدد من الطلبة ودعاهم الى تنظيم أنفسهم داخل أحزاب وجمعيات. (40) وقد نجح إلى حد كبير في بث الفكرة الوطنية في سوريا والعراق. (41)

بمبادرة من الطلبة العراقيين في اسطنبول تأسست في أيلول عام 1912 جمعية العلم الأخضر. (42) اقتصرت نشاطاتها على الأمور الادبية وتقوية الروابط والعلاقات المتينة وبث الوعي السياسي بين الطلبة. (43)

ساهم الطلبة في المؤتمر العربي الأول في باريس التي دعت إليها جمعية العربية الفتاة في عام 1913. (44)

لقد كانت لهذه الجمعيات والمنظمات وخاصة المنتدى الأدبي أثراً كبيراً في توعية الطلبة العراقيين الدارسين في الآستانة، وبعد تخرجهم لعب هؤلاء دورا مؤثراً في بث الوعي الوطني في صفوف الشعب العراقي.

أصداء ثورة 1908 التركية في داخل العراق

لقد استقبل العراقيون انتصار الثورة وإعلان الدستور بابتهاج وحماس عالين باعتبارها عهدا جديداً لتآخي القوميات على اختلاف عقائدها وخاصة في بغداد. أما في الموصل كان الدستور وسيلة للتخلص من الوالي مصطفى بك، ولم يشعر أهل البصرة بأي تأثير على وضعهم. (45) ومع ذلك انعكس تأثيرها بشكل رئيسي على المثقفين والمتعلمين. (46)

برزت الحركة الوطنية المعارضة لحكم الاتحاديين في شكلها الجنيني بعد إعلان الدستور. فقد أيدت المشروطية لكنها وقفت ضد سياسة التتريك، ولكنها لم تخرج عن إطار الدولة العثمانية. وعبرت عن نفسها في بغداد من خلال بعض المثقفين والصحفيين الذين التفوا حول صحيفة بين النهرين للتعبير عن رغبتهم في الإصلاح والتقدم وتحقيق حقوق الشعوب الخاضعة للسلطنة العثمانية في المساواة، وشكلوا فرع تابع لحزب الحرية والائتلاف في بغداد، والذي كان في الواقع حزباً تركياً يعارض سياسة الاتحاديين ويتعاطف مع مطالب القوميات غير التركية. (47)

وشهدت الصحافة انتعاشاً كبيراً عقب إعلان الدستور بعد أن كان هناك ثلاث صحف فقط في العراق تصدرها السلطة العثمانية باللغتين العربية والتركية في كل من مراكز الولايات الثلاثة " بغداد، البصرة، الموصل". بعد إعلان الدستور مباشرة بلغ عدد الصحف والمجلات ما يقارب السبعين. (48)

وكان الغاية من إصدار هذا العدد الهائل من الصحف والمجلات، تعود الى رغبة المثقفين في القيام بإصلاحات وطنية (49) وصارت هذه الصحف مناراً للاتجاهات السياسية والفكرية الإصلاحية التي أثرت في بلورة الوعي الوطني لدى الجماهير الشعبية.

لقد أدركت البرجوازية العراقية الناشئة ومثقفوها اهمية الدعوة الى تأسيس المدارس والمعاهد العالية والتدريس فيها باللغة العربية، (50) وقد اتخذت الدعوة من الصحافة والمجالس العمومية ومجلس المبعوثان ميادين لإثارة هذا المطلب. (51)

فقد نشر جريدة الايقاظ في البصرة سلسلة من المقالات تدعو إلى الإصلاحات في النواحي السياسية والإدارية والاقتصادية، ونادت بتأسيس المدارس ومجانية التعليم وتعميم اللغة العربية في معاهد التعليم ودوائر الدولة، وطالبت بتأسيس مدرسة الصناعة. (52)

كما نشرت الصحف الاخرى وخصوصا المفيد وصدى بابل والرياض والعرب وغيرها الدعوة لنشر التعليم. (53)

واندفع المثقفون إلى تأسيس المدارس الاهلية لتكون مركزاً لنشر الوعي الوطني في صفوف الطلبة. فتأسست " مدرسة تذكار الحرية " (54) في البصرة في تشرين الثاني عام 1908 ومدرسة " الترقي الجعفرية " (55) في بغداد والتي افتتحت في 12 كانون الأول 1908 وقد أصبحت هاتان المدرستان منتديين سريين يجتمع فيهما المفكرون والأدباء والكتاب ممن أن انضموا الى الحركات السياسية العراقية المعادية للاتحاديين وتعقد فيه الاجتماعات والندوات تحضره الطلاب. (56)

وأصبحت المدرستان المرتضوية والعلوية في النجف كنادي للطلبة، يطالعون فيها الصحف التركية والإيرانية والمصرية وتعرفوا من خلالها على التيارات الفكرية الحديثة وتعقد فيها الاجتماعات لبحث الأمور السياسية والأدبية. ولا تنحصر دور هاتين المدرستين، كوسائل التي ساعدت على نشر التعليم والثقافة الحديثة في محيط، كمحيط النجف فحسب، بل أن تأييد معظم علماء لفكرة تأسيسها ومنهجها اكسبت حركة التجدد قوة وقبولاً في الأوساط المحافظة ايضاً وخاصة الامية منها. (57)

إضافة إلى ذلك لعبت المدارس التي أنشأتها الدولة العثمانية في بعض أنحاء العراق دورا فاعلاً في خلق جيل جديد من المثقفين العصريين يرفضون الظلم والنظام الاستبدادي للدولة العثمانية وبدأوا بنشر الوعي والروح الوطنية والأفكار الحديثة في صفوف الجماهير الكادحة لإنارة أذهانهم تطلعاً نحو آفاق جديدة. (58)

بدأت الفئات المتعلمة والمثقفة ولا سيما طلاب الحقوق وأساتذتها، وكذلك بعض السياسيين في اتخاذ مواقف شديدة تجاه الدولة العثمانية، فانتشرت فكرة اللامركزية بعد تطور الفكر السياسي لدى الوطنيين العراقيين وأصبحت أكثر رسوخاً في أذهانهم في أوائل العقد الثاني من القرن العشرين نزوعا نحو الحكم الذاتي، بعد الاقتناع بعدم جدوى الارتباط بالأحزاب السياسية التركية. إلا أنه لم يصل الوعي الوطني إلى حد المطالبة بالاستقلال التام. وهكذا تشكلت في أواخر 1912 في بغداد جمعية جديدة تحت اسم " النادي الوطني" (59) التي كانت تحت تأثير العناصر الإقطاعية والكومبرادورية الأشد قوة.

وكانت الجمعية أدبية في مظهرها لكنها صارت مركزاً للنشاط السياسي للمثقفين العراقيين من خريجي المدارس العليا التركية وطلاب الحقوق وبعض الشباب من الفرات الاوسط وعدد كبير من الضباط العراقيين العاملين في الجيش العثماني. (60)

وسرعان ما ارتبطت جمعية النادي الوطني بجمعية الإصلاح في البصرة (والتي شكلها طالب النقيب في 28 شباط 1913)، في الواقع تبنت جمعية البصرة وبغداد برنامج حزب العثماني اللامركزية واصبحتا فرعين بارزين له (61)

لم يفهم قادة الحركة الوطنية العراقية واقع وطبيعة الدول الاستعمارية، حيث اتجه قسم منهم إلى التعاون معهم ضد الدولة العثمانية. وفي هذا الوقت ظهرت " منظمة اليد السوداء " التي بادر الى تأسيسها الطلبة الدارسون في الكليات والمعاهد المدنية والعسكرية في اسطنبول التي طالبت بحق تقرير المصير والتحرر الكامل من الدولة العثمانية، بقتل الخونة الذين يناوئون فكرة التحرر من السيطرة العثمانية. (62)

واتسمت الحركة الوطنية العراقية حتى الحرب العالمية الأولى بالميوعة وليست لها وجهة سياسية واضحة وموحدة ولم تكن عميقة الجذور لانعزالها عن الجماهير الشعبية وسرعان ما تفتت المنظمات التي تشكلت قبيل الحرب العالمية لأسباب اقتصادية بحتة.

التحركات الطلابية.. الإضرابات والمظاهرات

شهدت السنوات الممتدة بين عام (1908- 1913)، بداية نهوض حركة التحرر الوطني العراقي. اقتصرت أنشطة قادة الحركة الوطنية في هذه الفترة على الدعاية للأفكار القومية والوطنية. كانت السمة المميزة للحركة الوطنية هي عزلتها عن الشعب، مما جعل من الصعوبة عليها تنظيم الجماهير الشعبية أو قيادتها بثبات وربط النضالات التي دارت في المدن بحركات الفلاحين والانتفاضات من اجل الارض التي بلغت ذروتها في عامي (1913 - 1914). (63)

وبدافع الأوضاع السيئة القائمة داخل المدارس وضد السياسة الشوفينية للسلطة الجديدة ومحاولتها تتريك المدارس، خاضت الجماهير الطلابية سلسلة من الإضرابات والمظاهرات التي لم تتجاوز نطاق المقاومة العفوية، ولكنها ساهمت بشكل أو باخر في توعية الجماهير الطلابية وتحدي للظروف السائدة ومقاومة الظلم والاستبداد.

أثار النظام البوليسي الصارم في العهد العثماني استياءً واسعاً بين طلاب المدارس المختلفة وخاصة أساليب إدارات المدارس اللاتربوية واتباع هذه الإدارات التميز الاجتماعي والطبقي في تعامله مع الطلبة، حيث خصص غرف خاصة لأبناء الأثرياء، مما خلقت هذه السياسة تململ في صفوف الطلبة ولا سيما في عهد السلطان عبد الحميد.

عبرت الطلبة عن احتجاجهم على الأوضاع القائمة بأشكال مختلفة. فقد أقدمت الطلبة على كتابة الشعارات ضد السلطان عبد الحميد لقمعه الحريات والأفكار وتم توزيعها بصورة سرية داخل المدرسة. (64)

عندما ظهرت بوادر الحركة الدستورية في إيران عام 1905، أثار الرأي العام العراقي وطالب رجال الدين في النجف الى مساندة نضال الشعب الايراني في سبيل حقوقها الديمقراطية، وكان لهذا الحدث تأثيره الكبير على تفكير الطلبة في المدارس الدينية من خلال الطلاب الإيرانيين.

سارعت تلاميذ المدارس الدينية مع رجال الدين في تنظيم البرقيات ورسائل الاستنكار إلى السلطات الإيرانية تطالبها التقيد بالدستور ومجلس الشورى في عام 1906. (65)

في عام 1908 أطلقت الحركة الدستورية العنان لمبادرات الجماهير الشعبية، حيث تلقى الطلاب بفرح وابتهاج نبأ إعادة العمل بالدستور، وانطلقت المظاهرات الطلابية للاحتفال بهذا الحدث. (66) كما انضم العديد من الطلبة في النجف الى منظمة الاتحاد والترقي ودعوا الى نشر مبادئ الدستور عن طريق المدارس الدينية وجرى طبع النشرات على الة الرونيو وتوزيعها. (67)

أما في بغداد فقد ساهم الطلاب في نشاط الحركة التي برزت ضد الأساليب القسرية التي كانت إدارات المدارس تتخذها ضد الطلبة.

فقد أعلن طلاب المدرسة الحربية في بغداد الإضراب والتظاهر ضد مديرهم وأخرجوه عنوة. كما قرر طلاب الصف الخامس في الاعدادية الملكية في بغداد إعلان الإضراب احتجاجاً على سوء معاملة معاون مدير المدرسة مع الطلاب، وبعد لحظات خرجوا إلى ساحة المدرسة وبدأوا بتحريض بقية الطلاب على الإضراب والتضامن معهم، وحاول مدير المدرسة منعهم من الخروج إلا أن محاولاته بغلق الباب باءت بالفشل امام إصرار الطلبة، فكسروا باب المدرسة وانطلق جموع الطلبة قاصداً السراي لمقابلة الوالي.

قدم وفد مكون من ستة طلاب مطالبهم للوالي وطالبوا بمحاسبة معاون مدير المدرسة على السلوك غير التربوي تجاه الطلاب.

فقد احالهم الوالي الى مدير المعارف لدراسة مطالبهم إلا أن الأخير قد تواطئ مع مدير المدرسة ورفض مقابلة الوفد الطلابي.

استغل المدير تراجع بقية الطلبة عن مواقفهم، قررت الادارة طرد الطلاب الستة المساهمين في الوفد لمدة اسبوع. بسبب عفوية الإضراب وضعف التنظيم وعدم تضامن الطلبة مع الوفد ادى إلى فشل الإضراب وعدم إحراز النجاح في محاسبة معاون المدير.

بعد تعيين الوالي الجديد لبغداد اوعز الى المدعي العام بالتحقيق مع معاون المدير. ولكن المعاون خاف من مغبة سلوكه فهرب إلى أفغانستان عن طريق إيران، أعيد الطلبة الى مقاعدهم الدراسية واستقبلوا من قبل زملائهم باحترام وتقدير وأصبحوا من الطلبة البارزين في المدرسة وتألفت في المدرسة لجنة منهم بالإضافة إلى مدير المدرسة وأحد أعضاء التدريسية للإشراف على إصدار مجلة مدرسية أسبوعية باسم "لمعة معارف". (68)

كانت بداية التطور النوعي في نشاط الطلبة بعد تأسيس مدرسة الحقوق في عام 1908، حيث صارت المدرسة منطلقاً للحركات السياسية والقومية ضد الحكم العثماني، مما أرعب الوالي جمال باشا السفاح الذي تولى مهامه في 30 آب 1911. أصدر الوالي بياناً يدعو فيه عن أسباب إغلاق المدرسة بحجة واهية مفادها أن مدرسة الحقوق لا تليق ببغداد ولعدم وجود اناس متعلمين أكفاء للدخول فيها، (69) وعلى أثر صدور البيان، فقد عمت في بغداد سلسلة من الاحتجاجات على القرار المجحف بحق الطلبة. حيث وقفت جريدة ما بين النهرين موقفاً تضامنياً مع الطلبة.

ولم تكتف بنشر بيان الوالي بصدد إلغائه لمدرسة الحقوق، بل هاجمته ايضاً بعنف. وكان لهذه الاحتجاجات صدى واسع أدى إلى فشل محاولات الوالي إغلاقها، وأعيد فتحها بعد إصدار الأوامر له من اسطنبول. (70)

الحركة الاضرابية في مدينة الموصل

سادت مدينة الموصل بكامل أشكالها من الاقتصاد الإقطاعي، واتصفت العلاقات الاجتماعية والاقتصادية في هذه المنطقة بحرمان الفلاحين من الأرض وتركيزها بأيدي الإقطاعيين. وتميز بضمور كامل في العلاقات الأبوية البطرياركية. (71)

كانت مدينة الموصل نموذج حاد للظلم في تسجيل الطابو وتميز الإقطاع بكونهم يستمدون سيطرتهم من قوة الحكومة. فإن حائزي الأرض في الموصل لم يكونوا في وضع يسمح لهم بممارسة أي معارضة للسلطة الحاكمة. (72)

وكانت البرجوازية التجارية في الموصل مهتمة بالحفاظ على العلاقات السياسية مع تركيا، حيث كانت الموصل منذ فترة طويلة مركزاً ومحطة تجارية مع تركيا وسوريا. (73) وبقيت هذه العلاقات على الرغم من تراجع الصادرات بعد ربط العراق بالسوق الرأسمالية. (74) بالإضافة الى قوة النزعة الدينية التي كانت عقبة أمام تطور الحركة المناهضة للحكم العثماني. (75)

لهذه الأسباب وغيرها، لم يكن الوعي الوطني والقومي عميقاً وفعالاً قبيل الحرب العالمية الأولى.

لعبت الطبقة الوسطى ولا سيما المثقفين والطلاب في بث الوعي الوطني والقومي في صفوف الجماهير، وتميزت الموصل بنسبة عالية من المثقفين والطلاب بين سكانها بعد بغداد لكثرة المدارس فيها خلال العهد العثماني. (76)

وقد تشكلت في الموصل جمعية سرية من ممثلي التجار الصغار والضباط والمثقفين، اختفت بعد فترة قصيرة. (77)

أسست طلبة دار المعلمين في الموصل تجمع، كانت مهمته بث الروح الوطنية في صفوف الطلبة ومن خلال الأناشيد الحماسية التي اثارت الروح القومية في كل مناسبة. (78) وبتأثير المنتدى الأدبي تألفت جمعية "العلم" السرية من ممثلي المثقفين والطلاب في عام 1914 قبل الحرب العالمية الأولى بقليل. (79)

لقد جابهت الجماهير الطلابية سياسة التتريك التي انتهجها الاتحاديين وعبروا بالإضراب عن استيائهم لهذه السياسة الشوفينية.

ومن اهم الامور التي حدثت في هذا المجال، طالبَ الجماهير الطلابية في دار المعلمين بضرورة رفع مستوى المدرسة وإصدار التوجيهات الى المعلمين الأتراك بالتقيد في أداء واجبهم في التدريس بشكل كامل والامتناع عن المضايقة، بعد أن قام الاتحاديون بتعيين عدد من المعلمين المتعصبين للقومية وابعدوا نظرائهم الذين عملوا في الحركة الوطنية العراقية.

على إثر إقدام الإدارة في طرد ثلاثة من الطلاب النشطاء، عقد الطلاب اجتماعاً في المدرسة العلمية وقرروا الإضراب عن المدرسة حتى يتم إلغاء قرار الطرد، وانتخبوا ثلاثة طلاب متفوقين في دروسهم للخدمة في المدرسة العلمية عوضا عن مدرسيهم (80) وعندما تفاقم الوضع اضطرت الإدارة إلى استدعاء الشرطة..

وبعد مضي سبعة عشر يوماً أبرق الطلاب خلالها إلى مدير المعارف ومدير الداخلية ورئاسة الوزراء في الآستانة، برقيات تتضمن مطالبهم، وكما أرسلوا صور من تلك البرقيات إلى الصحف البارزة في اسطنبول.

لقد استجاب المسؤولون في دار الخلافة العثمانية لمطالب الطلبة واوعز الى الوالي التحقيق في القضية وشكل لجنة رباعية من وجهاء المدينة.

في الوقت الذي وصلت اللجنة إلى المدرسة، تجمعت الطلاب في فناء المدرسة وأخذت تهتف بشعارات وطنية حماسية تعبر عن روح التحدي والإصرار على النضال من أجل تحقيق مطالبهم، فاضطرت الإدارة الرجوع عن قرارها واعادة المفصولين إلى مقاعد الدراسة. (81)

الخلاصة

لو نظرنا عن كثب إلى هذه الانشطة والحركات الطلابية، نجد انها في معظم الحالات اتسمت بالعفوية وعدم الاستقرار في غالب الأحيان ولم تتحول الى حركة جماهيرية مطلبية واسعة تمكنهم من زعزعة قلعة الدولة العثمانية.

تعود اسبابه الى قلة الخبرة وعدم النضج السياسي الذي ميز الحركة الوطنية بشكل عام في تلك الحقبة التاريخية، فالمعارضة في العراق اعتبرت نفسها جزءً من المعارضة العامة داخل الدولة العثمانية أكثر من كونها قوة خارجية في إطار دولة تواقة إلى الاستقلال.

اتخذت الطلبة الإضراب كسلاح في كفاحهم لتصعيد روح التحدي والإصرار على مطالبيهم. على الرغم من أن بعض هذه الإضرابات صغيرة الحجم، إلا أنها أضافت قوة اجتماعية جديدة في الحركة الوطنية العراقية ضد الحكم العثماني الغاصب.

إن هذه التظاهرات والإضرابات الطلابية، قد خبرت الحركة الوطنية بأهمية العمل الجماهيري لتحقيق مطالبهم وفي نفس الوقت تشير الى مدى الوعي الذي حققه الطلبة.

***

سهيل الزهاوي

.....................

(1) لوتسكي، تاريخ الأقطار العربية الحديث، دار التقدم، موسكو، 1971، ص. 390 - 391

(2) سعاد خيري، تاريخ الحركة العربية المعاصرة في العراق الجزء الاول 1920 - 1958، ص. 17

(3) محمود أمين العالم، الوعي والوعي الزائف، دار الثقافة الجديدة القاهرة ص. 34

(4) د. محمد أنيس، محاضرات عن تاريخ الشرق الأوسط، الجزء الأول، ص. 25 عن مجلة دراسات عربية، العدد 2، السنة الخامسة عشر كانون الأول 1978، ص. 18

(5) د. وميض جمال عمر نظمي، ثورة 1920 (الجذور الفكرية والاجتماعية للحركة القومية العربية والاستقلالية في العراق)، الطبعة الثانية، بغداد 1985، ص. 65

(6) د. عبدالاله احمد، نشأة القصة وتطورها في العراق 1908 - 1930، طباعة ونشر دار الشؤون الثقافية "آفاق عربية" الطبعة الثانية بغداد 1986، ص. 4

(7) د. عبد العزيز الدوري «التكوين التاريخي للأمة العربية "، ص. 232- 233 عن حسين جميل، العراق شهادة سياسية 1908 1940، دار السلام، لندن 1987 ، ص. 8 - 9

(8) رفعت السعيد، الأساس الاجتماعي للثورة العرابية، مكتبة مدبولي، ص. 100

(9) -محمود العبطة، رجل الشارع في بغداد، 1972، ص. 201

(10- الثقافة الجديدة، العدد 76، تشرين الأول 1975، ص.124

(11) لوتسكي، نفس المصدر السابق، ص. 369

(12) البرافدا، 7 مايس، عن الثقافة الجديدة العدد 15 تموز 1970، ص. 67

(13) لوتسكي، نفس المصدر السابق، ص. 395

(14) الدكتور كمال مظهر أحمد، دور الشعب الكردي في ثورة العشرين العراقية، مطبعة الحوادث، بغداد 1978، ص. 56

(15) روفائيل بطي، صحافة العراق، الجزء الاول، بغداد، 1985، ص. 47

(16) الرقيب، العدد 9 بتاريخ 7 سفر 1327، السنة الأولى، عن عمر فياض، جذور الفكر الاشتراكي في العراق 1920 - 1934، دار ابن الرشد للطباعة والنشر، الطبعة الأولى 1980.

(17) وميض جمال عمر نظمي، نفس المصدر السابق، ص. 74

(18) لوتسكي، نفس المصدر السابق، ص. 402

(19) المقتطف، المجلد الرابع والثلاثون، يناير 1909، ص. 95، عن آفاق عربية، العدد الثالث، السنة الرابعة عشر، آذار 1989، ص. 61

(20) لوتسكي، نفس المصدر السابق، ص. 401

(21) وميض جمال عمر نظمي، نفس المصدر السابق، ص. 68

(22) وميض جمال عمر نظمي، نفس المصدر السابق، ص. 70

(23) د. عبدالاله احمد، نفس المصدر السابق، ص. 17

(24) حسن الاسدي، ثورة النجف، بغداد دار الحرية للطباعة، 1975، ص, 11-12

(25) د. علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث الجزء الثالث، بغداد 1972، ص. 8 - 9

(26) حسن الاسدي، نفس المصدر السابق، ص. 78 - 79

(27) وميض جمال عمر نظمي، نفس المصدر السابق، ص. 68

(28) آفاق عربية، العدد الثالث آذار 1989، السنة الرابعة عشر، ص. 61

(29) حسن الاسدي، نفس المصدر السابق، ص. 10

(30) وميض جمال عمر نظمي، نفس المصدر السابق، ص. 100

(31) افجيني بريماكوف، الشرق بعد انهيار النظام الاستعماري، دار التقدم، موسكو 1985، ص. 68

(32) جورج انطونيوس، يقظة العرب، ترجمة ناصر الأسد واحسان عباس، بيروت 1982، ص. 177 عن مجلة آفاق عربية العدد 3 آذار 1989، ص. 61

(33) لوتسكي، نفس المصدر السابق، ص.399

(34) الدكتور كمال مظهر، ترجمة محمد ملا عبد الكريم، كردستان في سنوات الحرب العالمية الأولى، الطبعة الثانية، بغداد 1985، ص. 95

(35) لينين، المادة القابلة للاحتراق في السياسة العالمية، مجموعة من المؤلفات الكاملة الروسية، المجلد 17، ص. 377، عن لوتسكي نفس المصدر السابق، ص. 397

(36) افجيني بريماكوف، نفس المصدر السابق، ص. 56

(37) لوتسكي، نفس المصدر السابق، ص. 402

(38) سليمان فيضي، في غمرة النضال، شركة التجارة والطباعة المحدودة، بغداد 1952 ص. 58

(39) لوتسكي، نفس المصدر السابق، ص. 403

(40) ابراهيم خليل، الحركة العربية في الموصل قبيل الحرب العالمية الأولى، ص. 84 - 85 عن مجلة آفاق عربية العدد 3 تشرين الأول 1979، ص. 54 - 55

(41) علي البازركان، الوقائع الخفية في الثورة العراقية، مطبعة السعد، بغداد

1954، ص. 12

(42) عبد الرزاق الحسني، تاريخ الاحزاب العراقية، الطبعة الثانية بيروت 1983،

ص. 19

(43) سليمان فيضي، نفس المصدر السابق، ص. 85

(44) تألفت الجمعية في سنة 1911 في فرنسا، لم يكن من بين مؤسسيها أعضاء

من العراقيين وقد انتمى إليها في الفترة ما بعد الحرب العالمية بقليل.

احلام جميل، الأفكار السياسية للأحزاب العراقية في عهد الانتداب 1922 - 1932،

منشورات مكتبة المثنى، مطبعة الزمان، بغداد 1985، ص. 5

(45) نجدت فتحي صفوت، العراق في مذكرات الدبلوماسيين الأجانب، منشورات

دار التربية والتحرير، بغداد، الطبعة الثانية 1984 مطبعة منير ص. 76- 7 - 78

(46) د. علي الوردي، نفس المصدر السابق، ص. 161

(47) وميض جمال عمر نظمي، نفس المصدر السابق، ص. 98 - 99

(48) عبد الرزاق الحسني، الثورة العراقية الكبرى، الطبعة السادسة، مطبعة

العرفان، صيدا لبنان 1972، ص.27

(49) سليمان فيضي، نفس المصدر السابق، ص. 71

(50) عبد الرزاق عبد الدراجي، جعفر ابو التمن ودوره في الحركة الوطنية في

العراق 1908-1945، دار الحرية للطباعة، الطبعة الثانية، بغداد 1980 ص. 32

(51) سليمان فيضي، نفس المصدر السابق، ص. 152 - 160 - 162

(52) روفائيل بطي، نفس المصدر السابق، ص. 51

(53) آفاق عربية، العدد 3 آذار 1989، ص. 62

(54) سليمان فيضي، نفس المصدر السابق، ص. 67 - 68

(55) عبد الرزاق عبد الدراجي، نفس المصدر السابق، ص. 35

(56) سليمان فيضي، نفس المصدر السابق، ص. 76

(57) آفاق عربية، العدد 3 تشرين الثاني 1979، ص. 54 وحسن الاسدي، ثورة

النجف ص. 78 - 79

(58) د. علي الوردي، نفس المصدر السابق، ص. 7-8

(59) وميض جمال عمر نظمي، نفس المصدر السابق، ص. 98 - 99

(60) عبد العزيز الدوري، التكوين التاريخي للأمة العربية، دراسة في الهوية والوعي 1984 ص. 236 عن مجلة آفاق عربية العدد الثالث آذار 189 ص. 62

(61) وميض جمال عمر نظمي، نفس المصدر السابق، ص. 99

(62) سليمان فيضي، نفس المصدر السابق، ص. 86

(63) لوتسكي، نفس المصدر السابق، ص. 398

(64) نصير الجادرجي، من أوراق كامل الجادرجي، بيروت، دار الطليعة للطباعة والنشر 1971، ص. 41

(65) هبة الدين الشهرستاني، مجلة العلم النجفية، العدد الأول، سنة 1910

(66) محمد صادق الحسيني، عمران في بغداد، ص. 213 عن مجلة آفاق عربية العدد 3 تشرين الثاني 1979

(67) حسن الاسدي، نفس المصدر السابق، ص. 78 - 79

(68) ناجي شوكت، سيرة وذكريات ثمانيناً عاماَ 1894 - 1974، الطبعة الثالثة، مطبعة دار الكتب، بيروت 1977، ص. 20 - 21

كان الوفد الطلابي مكون من " ناجي شوكت، بهجت زينل، فاضل محمود، مصطفى عاصم، عبد العزيز الخياط، ومزاحم الباجه جي".

(69) عبد الرزاق الهلالي، معجم العراق، الجزء الأول، مطبعة النجاح بغداد 1953، ص. 235

(70) روفائيل بطي، نفس المصدر السابق، ص.48 - 49

(71) ل.ن. كوتلوف، ثورة العشرين التحررية في العراق، ترجمة الدكتور عبد الواحد كرم، مطبعة اوفيست الديواني، بغداد 1985، ص. 63، 65،67

(72) وميض جمال عمر نظمي، نفس المصدر السابق، ص. 97، 98

(73) د. محمد سلمان حسن، التطور الاقتصادي في العراق، الجزء الأول، الناشر المكتبة العصرية، صيدا، بيروت، ص. 89

(74) د. محمد سلمان حسن، نفس المصدر السابق، ص. 131

(75) سليمان فيضي، نفس المصدر السابق، ص. 121

(76) د. علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث الجزء الخامس، مطبعة المعارف، بغداد 1977، ص. 53

(77) وميض جمال عمر نظمي، نفس المصدر السابق، ص. 98

(78) عبد المنعم الفلاحي، أسرار الكفاح الوطني في الموصل، الجزء الاول، مطبعة شفيق 1958، ص. 33

(79) عبد المنعم الفلاحي، صفحات مطوية من تاريخ الحركة القومية، صدى بابل الموصل العدد 158 9 أيار 1952، وميض جمال عمر نظمي، نفس المصدر السابق، ص. 98

(80) عبد المنعم الفلاحي، نفس المصدر السابق، ص. 116 - 117

(81) ابراهيم خليل، ولاية الموصل دراسة في تطوراتها السياسية " 1908 - 1922" بحث من مجلة الخليج العربي التابع لجامعة البصرة ص. 140 عن آفاق عربية العدد 3، تشرين الثاني 1979، ص. 54

 

 

اياد الزهيريكما توضح من الجزء الأول من المقال أن قصة طوفان نوح هي حقيقة تاريخية، وقد ذكرنا الكثير من الشواهد والأقول لكثير من العلماء والباحثين الذين أكدوا حقيقتها التاريخية، وأود هنا أن أذكر الباحث الكبير الأستاذ فراس السواح في تعليقه على أس الأسطورة، وتأكيده على وجودها الحقيقي قائلاً (ليست الأسطورة وفق هذا الأتجاه (ويعني النظرية التاريخية في تفسير الأسطورة) نتاج الخيال المجرد، بل ترجمة لملاحظات واقعية ورصد لحوادث جارية عبرها أنتقلت ألينا تجارب الأولين وخبراتهم المباشرة، وهي تعود في أصولها الى أزمان سحيقة سابقة للتاريخ المكتوب) (مغامرة العقل الأولى ص24). فالأسطورة في الواقع هي حقيقة، سواء كانت بسيطة أو مركبه، ولكنها تحولت بفعل خيال الشعراء الى أسطورة تتسم بالطلسمة والألغاز، وتحولت بفعل مدونيها ذوي الخيال الجامح من عقلية الى خيالية، ومن اللوغس الى ميثلوجيا. وعلى سبيل المثال فأن اليهود من الأقوام الذين نسجوا على هذه الحقيقة التاريخية في منوالهم التخيلي، وهم من ضمن مايشتهرون به، هو الخيال الشعري، وهنا نستشهد بقول الباحث الفرنسي غوستاف لوبون، حيث يقول فيهم (لم يكن لليهود فنون ولا علوم ولا صناعة، ولا أي شيء تقوم به حضارة، واليهود لم يأتوا قط بأي مساعدة مهما صغرت في أشادة المعارف البشرية، كما أنهم لم يجاوزوا أحط الأمم شبه المتوحشة التي ليس لها تاريخ) ولكنه من ناحية أخرى أشاد بقدرتهم الشعرية، وهذا ما جعلهم يبدعون في كتابة التوراة والتلمود.

يذكر المؤرخون أن تدوين ملحمة جلجامش والتي تحوي ضمناً أسطورة الطوفان البابلية بصيغتها الأقدم والتي تعود الى العصر البابلي القديم (2000-1600 ق.م) ولكن النص قد مر عبر فترة طويلة من التناقل الشفوي تقدر بالف عام أو أكثر، ومن الملاحظ أن ولادة نوح تسبق هذا التاريخ بكثير، فالنبي أبراهيم ولِد كما يذكر الأستاذ فراس السواح في عام 1800 ق.م (الأسطورة والمعنى ص329) في حين تذكر الوكيبيديا بين (2324 1850 ق.م) وأن النبي نوح سبق النبي أبراهيم بكثير، ولو نظرنا الى تاريخ تدوين ملحمة جلجامش التي تتضمن قصة الطوفان والتي يُقدر تاريخ كتابتها في 1700 م.ق، وهنا نرى الفارق كبير في الزمن بين النبي نوح وتارخ كتابة ملحمة كلكامش وفق المعطيات الموجودة لحد الآن، وهذا يؤكد أن حادثة الطوفان سبقت الزمن الذي دونت فيه ملحمة كلكامش 1700 ق.م، ويبدو أن الأقوام المختلفة من سومرية وبابلية وهندية وزرادشتية ويونانية وغيرها الكثير ممن كتب عن الطوفان، ونذكرهنا دراسة لأحد الباحثين المدعو (فان شوارز) الذي أحصر63 أسطورة من أساطير الطوفان في العالم (قصة الطوفان بين الحقيقة والأسطورة ص35)، ولكن هذا التناقل الشفوي الطويل بين البشر، وما طُبعت به من مطابع الخيال خلال هذا الزمن الطويل بين الحدث وتدوينه، وما ألبسوها من معتقدات وثقافة المجتمعات المحلية التي لا تمت بأي صلة للمعتقد أو الحادث الأصلي بأي صلة، فمثلاً الهنود كان لهم رواية للطوفان والتي جاءت في كتبهم المسمات (ساتاباثا براهما 700-300 ق.م) وهي قصة في مجملها قريبة من قصة فيضان نوح، والأختلاف كان في الشخصيات والأماكن، فالرجلين نوح ومانو كانا رجلين فاضلين، وكلاهما بنى سفينة، وكل واحداً منهم له ثلاث أولاد، فنوح مثلاً له (سام، حام، يافث) في حين كان لمانو قبل الطوفان أيضاً ثلاث أولاد هم (تشارما،شيرما، يابيتي\يافيتي)، كما كليهما رست سفينتهما على قمة جبل، والأمر كذلك في الرواية الزرادشتيه واليونانية مع فروقات شخصية ومكانية، وهذا يدل على ترسخ هذه الحادثة في ذاكرة وعقائد الشعوب المختلفة .

الذي يهمنا بالأمر هو ما يسوقه الدكتور الماجدي من تعسف واضح بالدفع الى أسطورية الحدث و تجريده من حقيقته الناصعة، وأن يضعه في حقل الأوهام، وهي واحدة من شطحات الدكتور خزعل الماجدي الكثيرة، وأسوق مثل واحد له، والذي يذكر في كتابه (أنبياء سومريون ص219 أن مدينة أريدو سكنها أدم وحواء والملك ألوم، في حين في ص 148 يقول أن أول ملك في أريد هو ألوم (أدم)) وياليت شعري ما الصحيح، هل آدم هو ألوم في صفحة ص148، أم أن آدم هو الشخص الثلث مع حواء وألوم؟ . كما من شطحات الدكتور خزعل الماجدي هو أدعائه بأن نوح ولد في حددود 2900 ق.م، وذلك في جدول التصريف الموجود في ص 371، في حين يرجح أن الطوفان حصل في 2900 ق.م في صفحة 383 في كتابه (أنبياء سومريون)، وهنا المفارقه، فهل يمكن لأنسان أن يبني سفينه وينجز هذه المهمة الصعبة، وهو قد يكون في هذه السنه في بطن أمه، أو عمره بضعة أشهر، وهذه أحد غرائب أستنتاجات الماجدي!. لم تتوقف مزاعم الماجدي وتناقضاته عند هذا الحد، حيث نراه يذكر في ص390 في كتابه المذكور أعلاه بأن الطوفان كان خاصاً، وكان مكانه الجغرافي هو منطقة شروباك (وهذه مدينة واقعة قرب الديوانية في وسط العراق)، ولكن بعد ذلك يقول بنفس الصفحة (ثم حين ينتهي الطوفان يظهر جبل... وتستقر السفينه على جبل نصير، الذي يرى بعض الباحثين أنه جبل (بيره مكرون)، طبعاً وليعلم القاريء أن هذا الجبل يقع في شمال العراق وتحديداً في منطقة السليمانية، والمسافة بعيدة بينهما، أذن فكيف يقول ان الطوفان بذات موقع محدود ويحصره في منطقة شروباك والمناطق المحيطة بها، ومرةً يقول ان السفينة رست على جبل بيرة مكرون. أن تتبعنا لشطحات وخربشات الماجدي سنجدها كثيرة، ومنها أنه يرجح بأن التوراة قد حددت زمن الطوفان من رواية برعوشا الذي كتبها المؤرخ (بيروسوس)، في حين أن هذا المؤرخ عاش في القرن الثالث ق.م، وأن التوراة كُتبت في القرن السادس ق.م، والسؤال : هل السابق يأخذ من اللاحق، أم اللاحق يأخذ من السابق!، وقذ ذكر ذلك في كتابه (أنبياء سومريون ص392) أن (التوراة قد حددت هذا الزمن من هذه الروايه).

فلو تتبعنا أستنتاجات الدكتور الماجدي لعرفنا مدى ضعفها وتهافتها، فهو يزعم أن أسطورة الطوفان التي تذكرها التوراة مستوحات من الأسطورة البابلية وذلك بحكم تواجد اليهود في بابل بسبب الأسر البابلي لهم . وبالمناسبة ليس الماجدي وحده من يدعي ذلك بل هناك الكثير من عرب وأجانب. أذن ينبغي أن تكون الروايتين متشابهتين بحكم التناص الحاصل بينهم، وان اليهود قد أستوحوا ذلك من البابلين، ولكن ما نجده في الملحمه البابلية التي هي بالأصل سومرية الأصل، تذكر أن الاله انليل منزعج من كثرة وضجيج البشر، في حين تذكر التوراة أن الله أنذر البشر عدة مرات بسبب طغيانهم، وأنذرهم بالعذاب أن أصروا في عنادهم وكفرهم وفسادهم، (كلم الرب متوشلح ونوح من جديد قائلا: "مرة أخرى أدعيا البشرية الى التوبة. كررا النداء قبل أن يحل عقابي بالناس، غير أن الناس لم يصغوا، بل تجاهلوا كلمات الأنذار) (أنبياء سومريون ص398)، وهنا فارق بين الروايتين في سبب الطوفان، أذن كيف الزعم بتناص غير منسجم، ومختلف مع بعضه في الهدف والغاية وكثير من التفاصيل . هنا أرجح أن الأثنين وأعني السومريون وكتبة التوراة قد أستسقوا معلوماتهم من التاريخ الشفوي الذي سبق الأثنين معاً، وهذا لا يعني أن أدعي بأن اليهود لم يتناصوا تماماً مع البابليون الذين تساكنوا معهم في بلاد بابل، لأني أومن بأن الأسفار التي يدعيها اليهود هي أسفار لا تمثل كتاب موسى ع وأنها من نتاجات حاخاماتهم، ومن متبنيات أفكار رجالاتهم، ولا علاقة لموسى بها.، وهناك الكثير من الأدلة على ذلك والتي يمكن الأطلاع عليها في كتب كثيرة تناولت هذا الموضوع، ثم من الملاحظ أن أتراحاسيس البابلي وهو نفس (أوتانابشتم) والذي يقابل نوح في التوراة والقرآن يكون وقد أكتسب الخلود، حيث يذكر الماجدي في كتابه (أنبياء سومريون ص389) عن أوتانابشتم (بأنه أتى بفعل عظيم وأنقذ البشرية من الطوفان فمنحته الخلود في دلمون. في حين أن نوح لم تذكره التوراة ولا القرآن بأنه من الخالدين،فأين التناص في ذلك ؟!. نذهب الى أمور أااخرى في كلا الروايتين البابليه-السومرية والتوراتية، حيث نجد كذلك هناك أختلاف في وصف السفينة، فمثلا يذكر لوح الطوفان الصغير الذي يعود للعصر البابلي القديم، والذي يصف سفينة الطوفان بأنها دائرية الشكل، ومصنوعة من الالياف النباتية (أنبيا سومريون ص388)، حيث جاء باللوح (هدم بيتك وأبن مركباً، اترك ماتملك، وخلص حياتك، ادفع المركب الدائري (القفة) الذي بنيته، وليكن طوله مساوياً لعرضه). في حين جا في التوراة وصف آخر مخالف تماماً، حيث تذكر التوراة المواصفات التي يبينها النص التوراتي (وهكذا تصنعه: ثلاث مئة ذراع يكون طول الفلك وخمسين ذراعاً عرضه وثلاثين ذراعاً ارتفاه) (أنبياء سومريون ص 395)، وليس هذا فقط، ففي الأسطورة البابلية تكون مادة صنع السفينه من القصب أو الحشيش، في حين مادتها في التوراة من الخشب (اصنع لنفسك فلكاً من خشب جُفر...) (انبيا سومريون –التوراة الفصل السادس ص395). كما نستطيع أن نسوق عامل أخر للأختلاف بين الروايتين السومرية – البابلية ونص التوراة، الا وهو زمن الطوفان، حيث يذكر الفصل السابع من التوراة (لأني بعد سبعة أيام أيضاً امطر على الأرض أربعين يوماً وأربيعين ليله...) أنبيا سومريون ص 400) في حين أن مدة الطوفان في الأسطورة الرافدينية تكون مدة الطوفان سبعة أيام من جدول مقارنة لمضمون قصة الطوفان (أنبيا سومريون ص410)، وكما جا أيضاً في ملحمة زيوسيدرا السومرية (وبعد ذلك، غمر الماء(الكوفان) الأرض واستدام ذلك سبعة أيام وسبع ليال...) (أنبيا سومريون ص 385)، وهكذا نكتشف الأختلافات الكثيرة بين الروايتين التي تدل دلاله واضحة على أن مصدر قصة الطوفان ترجع الى أصل قديم سبق الملحمة البابلية وما كتبه مدوني التوراة، ولكن كل صاغها بطريقته وأضفى عليها عناصره الثقافية الخاصة به، وهكذا قلنا في البداية أن الأسطورة تبدأ حقيقة، ولكن مع مرور الزمن تنسج الأقوام عليها من مخيلاتهم ويلبسوها ثوبهم الثقافي ويتبلوها بتوابلهم ليعطوها طعماً خاصاً بهم . لم تقف الأختلافات في الروايتين عند هذا الحد بل شمل حتى أسماء نوح وآباءه، فمثلاً نوح يقابله زيوسيدرا في الرواية السومرية وأتروحاسيس في النسخة البابلية وحتى أوتانابشتم، كما أن أب أتروحاسيس هو شروباك في الملحمة البابلية، في حين تذكر التوراة أن أبو نوح هو لامك، وقد جاء في التوراة سفر التكوين الفصل الخامس (وعاش لامك مئة واثنين وثمانين سنةً وولد أبناً ودعا أسمه نوحاً...) (أنبياء سومريون ص388). قد يقول قائل أنك ذكرت في البداية أن كل روايات الطوفان لها نفس السيناريو ولكن بأسماء وأماكن مختلفة، وهذا ما ينطبق على الروايتين البابلية – السومرية و التوراتية. هنا الأمر مختلف لأن الأختلاف بالأسماء ممكن وطبيعي عندما تكون الملاحم والروايات تنشأ في مناطق بعيدة، كملحمة طوفان مانو، وملحمة طوفان الأغريق، والرواية الزرادشتية، ولكن اليهود أمرهم مختلف لأنهم عاشوا بنفس بيئة البابليين وتشربوا بثقافتهم، خاصة وأن الماجدي يذكر بأن اليهود عاشوا بين ظهراني البابليون (لقد عاش اليهود بين البابليين أيام السبي، وتأثروا بدينهم تأثراً عميقاً..أنبياء سومريون ص408)، فلماذا أذن أختلفوا في الكثير من تفاصيل سردياتهم، وهذا ما ينفي الأعتقاد بحصول التناص بينهم في هذا الشأن تحديداً .

أن ما أنوي الوصول أليه من كل ماذكرته في هذين الجزئين وفي مقالات سابقة هو أن النص الأصلي هو أصل ديني سماوي، وهو المنتج الحقيقي له، وهو من سبق كل هذه النصوص سواء كانت توراتية أو سومرية وبابلية، وأغريقية وهندية، ونصوص أخرى من أنحاء العالم، وأن هذه النصوص اللاحقة هي تمثيل، وسلخ للنص الأصلي السابق، الذي تواجد في أزمان سحيقة، وهو الأب الشرعي لها، ولكن ينبغي التنبيه الى أن المعتقدات الغير سماوية، والتي ذكرت الطوفان هي كتابات تناصية، في حين أن الأديان السماوية هي نصوص أكدها الوحي، ولا يمكن أن نوصفها بالتناص لأنها نبعت من مصر واحد، لأن التناص يحدث بين طرفين مختلفين، الأول منتج والأخر منتحل ومستنسخ للأصل، ومعيد لأنتاجه. كما أن من الأهمية بمكان أن أُشير الى أني لم أتطرق للمقارنة بين هذه النصوص والقرآن الكريم، والسبب أن القرآن يختلف كثيراً في معرض تعرضه لقصة الطوفان، فهو لم يتطرق للتفاصيل التي تطرقت لها كل قصص الطوفان لأن القران فلسفته التذكره والعظه وليس التفاصيل التاريخية، كما أن الأختلاف أيضاً يأتي من نصه كُتب مباشرة حين نزوله مما أبعد عنه شبهة التحريف، وخير دليل على تفرد القرآن الكريم هو أن أبن نوح الذي عصى نصيحة أبيه لم توجد بكل ما كُتب بالسرديات السابقة سماوية الأدعاء أم بشرية . فالقرآن لم يدخل في عملية ترحيل النصوص، ولم يستدعيها من نصوص سابقة، أو يكون صدى لفكرة سابقة ولكن للأسف أُستخدم مفهوم التناص كسلاح عند البعض يبغي فيه زرع الشكوك في العقائد السماوية بدوافع قبلياتهم الأيديولوجية، أو خدمة لمؤسسات تندبهم لذلك كأداة من أدوات الحرب الناعمة على الأديان، أو قد يكون وهم في أذهان هؤلاء الباحثين، أو رجاء بالشهرة دفعت بهم الى هذه المزاعم التي يعتريها الكثير من الحلقات المفقودة، والربط المشوش، والذي يزيد من هذا الأعتقاد هو أعتراف الكثير من الباحثين بأن هناك الكثير من الألواح والآثار المفقودة، والتي تحمل الكثير من الدلائل والمعارف والتي قد تقلب الكثير من القناعات الموجودة في وقتنا هذا، وأخيراً أذكر كلام لعبد القاهر الجرجاني اللغوي المعروف، حيث يقول (مجرد التشابه في الفكرة أو المعنى العام أو حتى الصورة البيانية أو المخترع المبتدع من الأستعارة لا يكفي في الأدانة بالسرقة) قضايا النقد الأدبي القديم والحديث – محمد زكي العشماوي ص398). كما من الضروري للقاريء أن أُكد له بأنني لست ضد تنقية ونقد التراث، ولكني ضد تزيفة والتجني علية وتحريف معانيه ومقاصده .

***

أياد الزهيري

محمد محفوظالعدالة سبيل التعايش:

ولا يمكن أن تتعايش التنوعات كلها في إطار أمة واحدة ووطن واحد، إذا لم تسود قيم العدالة الواقع الذي تعيشه هذه التنوعات.. فالظلم بكل صوره وأشكاله، يفتت التنوعات ويشرذمها ويؤسس لمنطق الحروب والنزاعات المفتوحة بينها. ولا سبيل لتعايش حضاري بين التنوعات والتعبيرات المختلفة، بدون عدالة، تلغي كل حالات التهميش والتمييز، وتمنع سيادة منطق الغلبة والإلغاء، وتحافظ على كل أسباب العدالة في نمط العيش وأشكال العلاقة.

والعدالة التي نعتبرها سبيل التعايش الحضاري بين مختلف التنوعات تعني:

1) نبذ كل أشكال التمييز والإقصاء والإلغاء، واعتبارها من القضايا الرئيسة التي تهدد وحدة الوطن وأمنه. فحقائق التنوع بشكل مجرد لا تهدد الوحدة، ولا تلغي حالة التعايش، ولكن الذي يهدد الوحدة الاجتماعية والوطنية، ويلغي مستويات التعايش في الدائرة الوطنية، هو التأسيس الظالم على هذه التنوعات، عبر ممارسة كل أشكال التمييز ضد كل تنوع أو تعبير.

فالذي يهدد الوحدة، هو التمييز والتهميش والإقصاء. ولا سبيل لإنجاز مقولة العدالة، إلا بنبذ كل أشكال التهميش والإقصاء الذي تتعرض إليه بعض التنوعات. وهنا يتطلب أيضا الوقوف بحزم ضد كل محاولات التشويه التي تتعرض إليها بعض المدارس العقدية والفكرية والسياسية، وذلك لأن السماح إلى المغرضين إلى تشويه سمعة الآخرين الذين هم جزأ لا يتجزأ من الوطن والأمة، يعد وفق كل المقاييس تعريض كل مكاسب الوطن ووحدته الداخلية للكثير من المخاطر والأزمات. لذلك فإن رفضنا ونبذنا لكل أشكال التمييز والتهميش، لحرصنا الدائم على التعايش السلمي والوحدة الوطنية.

2) تكافؤ الفرص الوظيفية والإدارية والسياسية والثقافية، فلا يعقل أن تمنع كفاءة من خدمة وطنها من موقع تخصصها وتميزها بفعل انتماءها العقدي أو الاجتماعي أو السياسي. إن مقتضى العدالة، أن تكون جميع الفرص متاحة للجميع والأكفأ هو الذي يتحمل المسؤولية , فلا عدالة حقيقية إذا منعت بعض المواقع عن بعض الفئات والشرائح، كما لا تعايش حضاري بين التنوعات، إذا سادت عقلية الاستثناء والإقصاء لأسباب لا تنتمي إلى عالم العدالة والحضارة والإنسانية.

3) صيانة الحقوق الدينية والسياسية والثقافية، فلا يكتمل عقد العدالة، إلا بالعمل على صيانة حقوق الأقليات الدينية والسياسية والثقافية، عبر مؤسسات وقوانين دستورية، تتجاوز استقطابات اللحظة، وتؤسس لسياق وطني، يصون حقوق الأقليات كسبيل لتوطيد موجبات الوحدة الوطنية والاجتماعية.

4) تطوير النظام السياسي وإرساء دعائم ومتطلبات الديمقراطية فيه. وذلك لأن الداء الأكبر الذي يعرقل الاصلاحات ويعمق الفروقات الأفقية والعمودية في المجتمع، هو الاستبداد. ولا يمكن أن تحترم أقلية ما في ظل نظام سياسي مستبد. فلا بد من إرساء دعائم الديمقراطية على المستوى السياسي وتطوير وتوسيع بنية النظام السياسية والاجتماعية، حتى تتسنى الظروف المفضية إلى صيانة حقوق الأقليات ومشاركتها الفاعلة في بناء الوطن وتطوير الأمة. وإن تذويب الفوارق التقليدية المتوفرة في مجتمعاتنا العربية والإسلامية، يتطلب تأسيس الممارسة الديمقراطية التي تعلي من شأن القيم الإنسانية، ويتم تجاوز كل الحواجز التي تحول دون التلاحم الوطني المطلوب. ولمؤسسات التعليم والإعلام أدوار ووظائف رئيسية في هذا المجال.. بمعنى أن المناهج التعليمية في مختلف المراحل المدرسية وكذلك البرامج الإعلامية والثقافية بحاجة دائما إلى إبراز قيم الديمقراطية وحقوق الإنسان والتسامح، والابتعاد التام عن كل ما يجرح أو يشين بفئة أو شريحة في المجتمع.

فمؤسسات الديمقراطية وأطر وأوعية المشاركة في الشأن العام، هي القادرة على تذويب الفروقات التقليدية. بمعنى هي القادرة على إزالة كل عناصر التوتر والتأزم بين الفروقات التقليدية.

الحرية تعني غياب الإكراه:

فالمعنى البسيط والمباشر للحرية، يعني حرية الاختيار. ولا اختيار حر في ظل الإكراه. لذلك فإن الحرية تعني غياب الإكراه على المستويات كافة. بحيث أن الإنسان يمارس حقوقه ويلتزم بواجباته بعيدا عن الإكراهات المتعددة، التي تحول دون الممارسة السليمة لمفهوم الحرية.

وعلى المستوى التاريخي كان تطور مفهوم الحرية على الصعيد المجتمعي، هو من جراء نضالات مستميتة ومعارك ضارية من أجل تثبيت قيم الديمقراطية، وإنهاء كل عناصر الإكراه التي تحول دون التراكم الإيجابي لقيمة الحرية. ولا يمكن بأي حال من الأحوال، اعتبار القمع والإكراه والعنف، وسيلة من وسائل تنظيم الحياة الوطنية وضبط العلاقة بين السلطة والمجتمع. وذلك لأن هذه العناصر تزيد الأزمات وتعمق خيارات الإقصاء، وتزيد من فرص الحروب بين السلطة والمجتمع.

إن الحرية هي القيمة الأساسية التي تحقق مفهوم العدالة في بعدها السياسي والثقافي فلا عدالة سياسية بدون حرية سياسية تتجسد في حرية تشكيل الأحزاب والتكتلات السياسية وتجذير مفهوم تداول السلطة، كما أنه لا عدالة ثقافية، إذا لم تعطى الحرية لكل القوى والوجودات، لكي تعبر عن ذاتها وخصوصياتها الثقافية. فالعدالة لا تتأتى إلا بتوافر الحريات العامة على نحو حقيقي ونوعي.. فهي (الحريات بمعناها الشامل والمتكامل)، هي التي تنتج العدالة.. وإن الحرية هي التي حركت في نماذج تاريخية ومعاصرة عديدة، الأقليات أو زعامات وقيادات تاريخية تنتمي إلى الأقليات في مشروع الدفاع عن الوطن والأمة.

فالحرية هي التي توفر المناخ الطبيعي لتجاوز كل الحساسيات واستيعاب كل الأطياف والقوى في مشروع الأمة الجامعة والوطن المشترك. وبدون الحرية (أي مع سيادة الاستبداد) تنمو العصبيات، وتبرز الأطياف والخصوصيات وتتطلع إلى بناء كيانات خاصة بها. لأن مشروع الاستبداد همشها ومارس التمييز بأقسى صوره ضد وجودها وتطلعاتها المشروعة.

إن تسفيه مشاعر الآخرين، لا يقود إلى التضامن والوحدة، بل إلى الشقاء والمحنة. وهكذا نصل إلى حقيقة أساسية مفادها: أن اندماج الأقليات في مشروع الوطن والوحدة الوطنية أو القومية، يتطلب إعطائها الحرية لممارسة شعائرها وطقوسها الدينية وفسح المجال القانوني لتاريخها الثقافي، ولمساهمة ثقافتها الــراهنة في صياغة واقعها الخاص. حينذاك (أي حينما تمنح الأقليات الحرية)، سيتم الاندماج الطوعي والاختياري في مشروع الوحدة الوطنية والقومية. فطريق الوحدة يمر عبر الحرية فلا وحدة بدون حرية، ولا اندماج بدون قانون ودستور يحمي خصوصية الأقليات الدينية والثقافية.

وهذا لا يعني التشريع للكيانات الخاصة والدويلات الضيقة، وإنما نعتبر هذه الكيانات وليد طبيعي للاستبداد والديكتاتورية. لذلك فإن المطلوب احترام الخصوصيات الدينية والثقافية، لأنها الطريق الحضاري لخلق وحدة في الاجتماع السياسي.

الحرية بوابة الوحدة:

لكي ترتفع الأقليات والاثنيات من دوائرها التقليدية وكياناتها الذاتية إلى مستوى المواطنة الجامعة، هي بحاجة إلى عوامل موضوعية وسياسية، تساهم في إشراك هذه الدوائر والكيانات في بناء مفهوم الأمة.

ولقد علمتنا التجارب أن التعامل القهري مع هذه الكيانات الأقلوية والإثنية، لا ينهي الأزمة، ولا يؤسس لمفهوم حديث للأمة والوطن، وإنما يشحن المجتمع بالعديد من نقاط التفجر والتوتر، ويدفع هذه الكيانات إلى الانكفاء والانعزال، وبهذا يسقط مشروع الأمة والمواطنة الجامعة.

وخيار القمع والاستبداد خلال العقود المنصرمة، وفي مناطق عديدة من مجالنا العربي والإسلامي لم يقض على هذه المشكلة، ولم يؤصل لمنظور وحدوي جديد، يتجاوز فيه بشكل حقيقي وعميق مشكلة الكيانات الخاصة.

وإنما أدى خيار الديكتاتورية والقمع، إلى مسلسل رهيب من التهميش والتمييز على مختلف الصعد بحق أبناء الأقليات والأثنيات.

وفي المقابل وأمام هذه الهجمة الشرسة ضد هذه الكيانات، مارست الأخيرة عملية انكفاء وانعزال من اجل الدفاع عن ذاتها وخصوصياتها الأثنية أو القومية أو الدينية أو المذهبية.وفي المحصلة النهائية كان الوضع عبارة عن قمع وتهميش وتمييز وإلغاء تمارسها مؤسسة الدولة تجاه هذه الوجودات، لتذويبها بالقوة والقهر في الدائرة الوطنية أو القومية الغالبة، وممانعة مستميتة من قبل هذه الوجودات، ألصقتها بخصوصياتها وشخصيتها التاريخية وانغلاق تام في الدائرة الخاصة. ومن جراء هذه المسألة لم ينجز مشروع الأمة الواحدة، ولم يتحقق الإجماع والوحدة الوطنية على قاعدة طوعية واختيارية.. وإنما جعل المسألة الوطنية في خطر عظيم ودائم من جراء هذا الخيار المتخلف في التعامل مع مسألة الأقليات والاثنيات والقوميات المتوفرة في مجالنا العربي والإسلامي.. فالاستبداد فاقم المشكلة، والقهر عمقها وأضاف لها أبعادا جديدة، والتهميش والتمييز المقصود، حرك كل الكوامن والخصوصيات باتجاه المزيد من التشبث بها والالتزام بمقتضياتها.

وهذا يعني أن الديكتاتورية والاستبداد، لم يدفع هذه الدوائر إلى مصاف الأمة الواحدة، كما أنها لم تشعر بالاطمئنان التام تجاه كل شعار ومشروع وحدوي، تقف وراءه مؤسسة مستبدة وديكتاتورية عسكرية أو سياسية. وذلك لأن هذا المشروع الوحدوي، يخفي في واقع الأمر صراعا أقلويا وعصبويا، يتجذر ويتعمق في وسط الأمة بيافطة وحدوية وتوحيدية..

والمشروع الوحدوي الذي يستند على الديكتاتورية والاستبداد،يفضي إلى المزيد من الفرقة والتشرذم والتشظي والبعد عن كل متطلبات الوحدة.

لأن الوحدة الوطنية أو القومية، لا تنجز على قاعدة إفناء التنوعات الداخلية، وإنما عبر توفير الحرية لها، ولكي تمارس دورها في بناء الوحدة.. والخطاب الوحدوي الذي حارب الأقليات والاثنيات والقوميات الأخرى، باعتبارها مضادات للوحدة أو طوابير خامسة للقوى المعارضة للوحدة، انتهى المطاف إلى إقليمية ضيقة، لا يرى إلا الإقليم القاعدة، ولا يحترم إلا مصالحه وتحالفاته وواقعه السياسي. لدرجة نستطيع القول فيها، أنه لا يوجد قطر من الأقطار العربية، من يتعاطى مع مشروع الوحدة من موقع الجدية والخطوات المرحلية الدائمة الموصلة إلى هدف الوحدة.. وإنما يتم التعاطي مع هذا المشروع كشعار يخفي المصالح والمطامع الإقليمية، ولتبرير وتسويغ واقع الحال.. فالوحدة سيرورة تاريخية يتداخل فيها السياسي مع الثقافي والاقتصادي والنفسي، وهي بحاجة إلى عمل يتراكم مع بعضه البعض، لكي تخلق الحقائق والوقائع الوحدوية الموصلة إلى مشروع الوحدة الشاملة. ولكن وبفعل النزعة الشوفينية والعدمية لمشروع الوحدة الشاملة، نجد المفارقات العجائبية. خطاب وحدوي مركزي، ووقائع قطرية ضيقة، عاطفة جياشة تجاه الوحدة، وواقع يتم تبريره وإسناده مضاد للوحدة وموغل في الدوائر الضيقة، شعار وحدوي يتطلع إلى الوحدة بشوق وشغف، ومسيرة التجزئة وشرعيتها تأخذ مسارها في الوجود والممارسة.

لذلك نستطيع القول: أنه ليس كل خطاب وحدوي، يوصل إليها، بل على العكس من ذلك في كثير من الأحيان.. الخطابات الوحدوية (على المستوى الفعلي) تعمق الفروقات القطرية، وتتعامل مع واقع التجزئة من موقع استراتيجي، ينشد إبقاء الأمور على حالها.

لذلك فإننا بحاجة أن نعيد النظر في مشروع الوحدة، بمعنى أن التجارب والممارسات خلال الأربعة عقود الماضية، أوصلتنا جميعا إلى طريق مسدود في مسألة الوحدة. ولعلنا لا نعدو الصواب، حين القول، أن جذر الإخفاقات ليس في العوامل الخارجية التي وقفت ولا زالت تقف ضد مشروع الوحدة، بل في العوامل الداخلية، التي هي بحق المعوق الأساس والجوهري لهذا المشروع. ولعلنا نكثف هذه العوامل الداخلية في محور واحد هو: العلاقة بين مشروع الوحدة والاستبداد.

والتجارب الوحدوية الفاشلة، التي عمقت بفشلها وتراجعها وسلبياتها حالات التجزئة، كان السبب الأساسي في تقديرنا لفشلها وإخفاقاتها، هو في اعتماد هذا المشروع على ديكتاتورية عسكرية وسياسية لإنجاز هذا المفهوم الحضاري.

كما أن الوحدة التي تستند في خلق واقعها ومسيرتها الفعلية على سلطة مستبدة، لا تنجز الوحدة، بل تعمق خيار التفتيت والتشظي تحت مسميات ويافطات عديدة. فالاستبداد لا يخلق وحدة، بل تشظيا وتفتتا وانزلاقا نحو الحروب الداخلية المميتة لكل حيوية وفعالية باتجاه الوحدة ومتطلباتها السياسية والاجتماعية.

ولا نبالغ حين القول: أن من الأخطاء التاريخية الكبرى، التي وقعت فيها مشاريع الوحدة والتوحيد في مجالنا العربي والإسلامي، هو اعتمادها عسكرتاريا ديكتاتورية ونخبة سياسية مستبدة لا ترى إلا بلون واحد ولا تتعامل إلا بعقلية ضيقة، صحرت الواقع الاجتماعي، وأفقرت العمل السياسي والمدني، وخلقت الحواجز النفسية والفعلية الكبرى التي تحول دون الوحدة والتوحيد. لذلك لم نجن من هذه التجارب والممارسات إلا المزيد من التشظي والتجزئة والتشرذم.

وكمون قيمة الوحدة في قاع الوعي والعاطفة، ينبغي أن لا يدفعنا إلى تبني خيارات فوقية وشكلية لانجازها. لأن الخيار الخاطئ يفاقم العقد، ويبرز إشكاليات جديدة، تزيد من أزمات وعقبات مسيرة الوحدة.

كما أن الميل التاريخي نحو الوحدة والتوحيد في المجال العربي والإسلامي، من الضروري أن نقرأه بعمق، حتى يتسنى لنا خلق آليات مناسبة، تدفع هذا الميل التاريخي نحو مسيرة تصاعدية، إيجابية، تتجاوز مناخات الواقع السيئة. فالأزمة دائما ليس في قيمة الوحدة وإيجابياتها وآفاقها الكبرى التي توفرها على مختلف الصعد، بل في الطريق الذي تنتهجه النخب للوصول إليها..

الحرية شرط تجاوز الطائفية:

الحقائق التاريخية عنيدة، ومشروع الوحدة لا ينجز على أنقاضها. حيث تعلمنا التجارب أن كل المحاولات التي بذلت لتدمير هذه الحقائق التاريخية كشرط للوحدة باءت بالفشل، وذلك لأن هذه الحقائق متجذرة وتمتلك امتدادات عميقة في الجسم الاجتماعي.. لذلك نستطيع القول أن طريق الوحدة، لا يمر عبر محاربة هذه الحقائق، وإنما عبر احترامها وتوفير الحرية اللازمة لها، حتى تتوفر الظروف والمناخات المؤاتية لانخراطها الحضاري في مشروع الوحدة والتوحيد.

فالمشترك الوطني، لا يعني إلغاء الخصوصيات الدينية أو المذهبية والثقافية، وإنما يتطلب احترامها وفسح المجال لها، لكي تمارس دورها ووظيفتها في إثراء مفهوم الوحدة بمضامين حضارية، تتجاوز الرؤية الآحادية والنهج الإقصائي.

واحترام الأقليات وإعطاءها الحريات اللازمة يعني:

1. فسح المجال القانوني والاجتماعي والسياسي، لكي تمارس هذه الأقليات شعائرها الدينية بعيدا عن الضغوطات والتجاذبات. ومن الأهمية أن ندرك جميعا، أن من الحقوق الأساسية لكل إنسان، أن يمارس عقائده وشعائره في مناخ من الحرية والاحترام والقانون. وحينما لا تتوفر هذه الحرية، لا يعني انعدام ممارسة الشعائر،بل يعني أن الأقليات ستبحث لها عن طرق وأساليب أخرى لكي تمارس شعائرها وطقوسها.

2. فسج المجال الثقافي والسياسي، لكي تمارس الأقليات خصوصياتها اللغوية والثقافية. إذ أن لكل جماعة بشرية خصوصيات ثقافية. قمع هذه الخصوصيات، لا يفضي إلى وحدة، بل إلى أساليب جديدة، تمارس هذه الأقليات من خلالها خصوصياتها الثقافية.

لذلك فإن المطلوب دائما، أن لا تقمع ثقافة الأقليات، أو يتم التعامل معها بفوقيه واستعلاء.. المطلوب الحرية بكل آفاقها ومتطلباتها للثقافة والخصوصيات المعرفية لكل جماعة بشرية.

3. الشراكة السياسية والاقتصادية، حتى تنطلق الطاقات والقدرات في مشروع بناء الوطن وعمرانه.

والشراكة السياسية والاقتصادية، تقتضي تكافؤ الفرص، وفسح المجال للجميع بعدل للمشاركة في الإدارة والتسيير.

لهذا نستطيع القول: بأن مفهوم الشراكة السياسية والاقتصادية في بناء الوطن وإدارته تقتضيان إلغاء كل أشكال الإقصاء والتمييز، والشفافية في الإدارة وتسيير الشؤون العامة، ووجود عقد اجتماعي ـ سياسي ينظم العلاقة بين مختلف الدوائر والقطاعات، حتى تنتظم جميع الكفاءات الوطنية في مشروع البناء والعمران.

فالاستبداد والتمييز، لا يخلقان وحدة واندماجا، وإنما تحاجزا وانفصالا عميقا بين مجموع القوى والتعبيرات المتوفرة في الساحة. ولذلك فإنه لا شراكة حقيقية على المستويين السياسي والاقتصادي مع وجود الاستبداد السياسي، وذلك لأنه يفرغ هذه المقولة من مضمونها الحقيقي والفاعل. فالشراكة السياسية والاقتصادية، تتطلبان تفكيكا متواصلا للبنية الاستبدادية، حتى يتسنى للجميع وعلى قدم المساواة المشاركة في إدارة الشأن العام وتطوير الوطن وعمرانه وتنميته على مختلف الصعد والمستويات.

وبكلمة: إن العدل السياسي بكل ما تحمله هذه الكلمة من معنى ودلالات، هو الذي يوفر الأرضية المناسبة، لإنجاز مقولة الشراكة السياسية والاقتصادية لكل القوى والأطياف في البناء والإدارة والتسيير.

الحرية طريق المواطنة:

إذا توفرت الحرية والعدالة، توفرت عناصر العقد الاجتماعي الحقيقي، الذي يحافظ على الاستقرار ويعمق عوامل الأمن الشامل. فتتوفر كل العناصر المطلوبة لمفهوم المواطنة الحقة. فلا مواطنة بدون حرية وعدالة، فهما طريق خلق المواطن الصالح المدافع عن منجزات وطنه ومكتسباته، والمدافع عن ثغوره وحدوده، وهو الذي يكافح باستماتة من أجل عزة الوطن وتطويره. فالإنسان المقموع والمضطهد في وطنه، لا ينمو لديه حسن المواطنية بشكل إيجابي، وذلك لأنه باسم الوطن يضطهد ويقمع، وتحت علمه وشعاراته الوطنية تهان كرامته وتنتهك حقوقه. لذلك فإن طريق المواطنة هو الحرية وصيانة حقوق الإنسان والدفاع عن كرامته الإنسانية.

إن هذه القيم والمبادئ، هي التي تخلق عند الإنسان الحس الوطني الصادق. وبدون هذه القيم، تضيع المواطنية،و إذا ضاعت المواطنية ضاع الوطن.لذلك لا وطن عزيز بدون مواطنية عزيزة.

وإذا توفرت الحريات العامة، فهذا يعني توفر المناخ الملائم لتعبئة طاقات المجتمع، وبلورة كفاءات نخبته، وازدادت إبداعاته ومبادراته. وكل هذه الأمور من القضايا الحيوية لصناعة القوة في الوطن. ويخطأ من يتصور أن القهر والاستبداد والأساليب الأمنية المختلفة، هي القادرة على خلق المواطنية وحالة الولاء الصادق إلى الوطن.

إننا ومن خلال التجارب التاريخية العديدة، أن الحرية والشفافية وسيادة القانون والمؤسسات الدستورية، هو الكفيل بتعميق حس المواطنة الصالحة. فشعب الولايات المتحدة الأمريكية، أتى من بيئات جغرافية متعددة، وأطر عقدية ومرجعيات فكرية وفلسفية متنوعة، ولكن الحرية بكل آلياتها ومجالاتها ومؤسساتها، وسيادة القانون والمؤسسات الدستورية، هي التي صهرت كل هذه التنوعات في إطار أمة جديدة وشعب متميز.

فالحرية وحدها هي القادرة على خلق المواطنة الصالحة، وبدونها تتحول كل المشتركات عوامل للجمود والتخشب والبعد عن الحيوية والفعالية في كل مجالات الحياة. وإن المجال الإسلامي خلال العقود الماضية، دفع ثمن تهميش أقلياته وممارسة أقسى أشكال التمييز تجاه هذه الأقليات. حيث الحروب العبثية، التي أهدرت الكثير من الطاقات والثروات، والتدخلات الأجنبية السافرة في مصالح واستراتيجيات هذا المجال، حيث وجدت في سياسة التمييز والإقصاء الأرض الخصبة لإرباك الساحات الداخلية للعرب والمسلمين. والمحصلة النهائية لكل ذلك الشعور بالضياع وضمور الحس الوطني الصادق، والبحث الشره على المصالح الضيقة، حتى ولو كان ثمنها حرية الوطن واستقلاله.

ولا نعدو الصواب حين القول، أن جذر هذه الأزمة هو الاستبداد السياسي الذي يلتهم كل فعالية، ويقمع كل أمل وحيوية، ويزدري من كل تطلع وطموح.

فالاستبداد يدمر الأوطان ولا يحفظها، ويمتهن كرامة المواطنين، ويدوس على مقدساتهم وتطلعاتهم.

وحدها الديمقراطية التي تعيد الاعتبار إلى الذات والوطن، وتعيد صياغة العلاقة بينهما، فتنتج وعيا وطنيا صادقا، يحفز هذا الوعي على الدفاع عن عزة الوطن وكرامة المواطنين.

فالاستقرار السياسي والمجتمعي، يتطلب باستمرار تطوير نظام الشراكة والحرية على مختلف الصعد والمستويات، حتى يتسنى للجميع كل من موقعه خدمة الوطن وعزته.

والمواطنة التي نراها شرط إنجاز الحرية على الصعيد المجتمعي، ليست شعارا يرفع أو يدّون في الأنظمة الإدارية والإجرائية، بل هي منظومة متكاملة من الحقوق والواجبات، تدفع باتجاه تنمية مشاركة المواطن في قضايا وطنه المختلفة.. " ومن أجل تجسيد المواطنة في الواقع، على القانون أن يعامل ويعزز معاملة كل الذين يعتبرون بحكم الواقع أعضاء في المجتمع، على قدم المساواة بصرف النظر عن انتمائهم القومي أو طبقتهم أو جنسيتهم أو عرقهم أو ثقافتهم أو أي وجه من أوجه التنوع بين الأفراد والجماعات. وعلى القانون أن يحمي وأن يعزز كرامة واستقلال واحترام الأفراد، وأن يقدم الضمانات القانونية لمنع أي تعديات على الحقوق المدنية والسياسية، وعليه أيضا ضمان قيام الشروط الاجتماعية والاقتصادية لتحقيق الإنصاف. كما أن على القانون أن يمكن الأفراد من أن يشاركوا بفعالية في اتخاذ القرارات التي تؤثر في حياتهم، وأن يمكنهم من المشاركة الفعالة في عمليات اتخاذ القرارات السياسية في المجتمعات التي ينتسبون إليها " (6)

فالمشاركة الواعية بدون استثناءات ووصايات في شؤون الأمة والوطن، وقدرة كل مواطن إلى الوصول بكفاءته إلى أعلى المناصب والمستويات بصرف النظر عن منبته ومذهبه وقوميته، هو الذي يثري مفهوم المواطنة، ويجعل إنجازه مرهونا إلى حد بعيد إلى الحرية والديمقراطية. فلا مواطنة حقة بدون ديمقراطية سياسية، تعطي لكل المواطنين حق المشاركة والتعبير والاجتماع والتنظيم والإدارة. فطريق المواطنة بكل متطلباتها وشروطها، يمر عبر الديمقراطية، فهي التي تحقق مفهوم المواطنة، وبدونها نبقى سديما بشريا لا يشترك في تقرير مصيره، ويمارس عليه كل أنواع التمييز والتهميش.

ولا شك أن أحد الأسباب الرئيسة لانهيار الوعي الوطني الصادق، هو عدم التعامل الجاد والديمقراطي مع مسألة الأقليات. إذ خضعت هذه المسألة للعديد من الاستقطابات السياسية المختلفة، وتم استخدامها كورقة في الصراعات السياسية، دون أن تنبري قوى نوعية للقيام بمبادرات سياسية جادة، تسعى نحو بلورة رؤية متكاملة وممكنة لهذه المسألة في المجالين العربي والإسلامي.

ولنا في التجربة النبوية في المدينة المنورة خير مثال ونموذج، إذ أن المواطنة التي شكلها رسول الله (ص) لم تلغ التعدديات والتنوعات، وإنما صاغ دستورا وقانونا يوضح نظام الحقوق والواجبات، ويحدد وظائف كل شريحة وفئة، ويؤكد على نظام التضامن والعيش المشترك. إذ جاء في صحيفة المدينة: " وإنه لا يحل لمؤمن أقرّ بما في هذه الصحيفة، وآمن بالله واليوم الآخر، أن ينصر محدثا، ولا يؤويه، وإنه من نصره وآواه فإن عليه لعنة الله وغضبه إلى يوم القيامة، ولا يؤخذ منه صرف ولا عدل. وإنكم مهما اختلفتم في شيء (فيه من شيء)، فإن مرده إلى الله وإلى محمد (الرسول) وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما دامو محاربين.. وإن يهود بني عوف أمة مع المؤمنين: لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، ومواليهم، وأنفسهم، إلا من ظلم، أو أثم، فإنه لا يوتغ إلا نفسه، وأهل بيته " (7).

فسبيل المواطنة الصادقة، ليس التوحيد القسري والقهري للناس، وإنما بالحرية وسيادة القانون واحترام حقوق الإنسان وكرامته، نخلق مواطنا صالحا وفاعلا وشاهدا.

ومواجهة تحديات الخارج المختلفة، لا تتم عبر قهر الناس ومصادرة حقوقهم وحرياتهم،وإنما على العكس من ذلك تماما. فمواجهة تحديات الخارج، تتطلب انبثاق قوة وحدوية وتوحيدية في داخل الوطن، تأخذ على عاتقها تجميع الطاقات وبلورة الاستراتيجيات، والاستفادة من كل القدرات والإمكانات. وهذه القوة الوحدوية، لايمكن أن تبنى على قاعدة القهر ومصادرة الحقوق والحريات،وإنما على قاعدة صيانة الحقوق والكرامات، ومأسسة الحريات. إن هذه القاعدة الحضارية، هي التي تفشل كل عمليات ومحاولات الاختراق للجسم الوطني، وهي القادرة على إفشال كل الرهانات التي تسعى إلى تجزئتنا وتفتيتنا وانقسامنا.. " والديمقراطية بهذا المعنى هي تعظيم لقدرات المجتمع وتحصين له ضد الانفجارات الداخلية والاختراقات الخارجية. روح الديمقراطية، مثل روح الفيدرالية، لا تكمن في الآليات الشكلية بقدر ما تكمن في معنى تعظيم المشاركة وتعظيم الاستفادة من قدرات كل التكوينات الاجتماعية – ـ الاقتصادية، دون قهر أو استغلال من إحدى هذه التكوينات للتكوينات الأخرى. فليست الديمقراطية الليبرالية، مثلا، هي الشكل الأوحد أو الأنسب لكل الأقطار في كل الحالات. ولكن الأنسب والأمثل هو إتاحة الفرص المتكافئة لأبناء كل الجماعات الإثنية للمشاركة في إدارة مجتمعهم، وفي إنتاجه، وفي خدماته " (8).

والمجتمع الاستبعادي والمغلق، لايمكن أن تنمو في محيطه قيم الديمقراطية والتسامح، وذلك لأنه يستند على نظام اجتماعي مغلق، يحارب كل محاولة نحو الانفتاح والتواصل، ويقف موقفا مضادا من كل عمليات إعادة بناء المجتمع على أسس ومعايير جديدة..

والمطالبة بالديمقراطية، والشعور بضرورتها وأهميتها لواقعنا الراهن، ليس وليد التقليد الصرف للآخرين وأطوارهم التاريخية، بل هو من صميم واقعنا ومسيس حاجتنا إلى هذه الحريات، حنى نتمكن جميعا من الخروج من المآزق الكبرى التي نعاني منها، وتحول دون إنطلاقتنا الحضارية..

إن الديمقراطية بثقافتها وآليات عملها والمناخ الذي تخلقه على مختلف الصعد، هي القادرة على تفكيك الكثير من العقد والأزمات بأقل خسائر ممكنة. وإن رفض هذا الخيار والنهج، يفاقم من العقد والأزمات، ويدخلنا جميعا في حقبة الانفجارات الاجتماعية والحروب الداخلية، التي لا تزيد أوضاعنا وأحوالنا إلا سوءا وتدهورا.

وحدها الديمقراطية والحريات السياسية والثقافية، هي التي تؤسس لطريق جديد لمعالجة الأزمات من جذورها، وتنهي موجبات ديمومتها بأقل خسائر ممكنة على جميع الصعد والمستويات.

ولا يوجد شيء مهما علا شأنه يعوضنا عن قيمة الحرية. فحينما تتوفر كل أسباب القوة الاستراتيجية والعسكرية والشعبية، دون قيمة الحرية، فإن هذه الأسباب لا تباشر دورها المطلوب، ولا تقوم بممارسة تأثيراتها المنشودة.

فكاريزما جمال عبد الناصر والشعبية العارمة التي اكتسبها، لم يلغ حاجتنا إلى الحرية. والأحداث والتطورات اللاحقة في التجربة الناصرية، أكدت حيوية هذه القيمة، بل إن " الشعور الذي تولد لدى الرئيس الراحل جمال عبد الناصر بعد الهزيمة،والذي عبر عنه في مناقشات مغلقة ومفتوحة كثيرة. هو أن تحييد الجماهير وإقصاءها عن المشاركة في تشكيل القرار السياسي بالرأي ـ مهما كانت ثقتها في الصفات الاستثنائية لكاريزما عبد الناصر، ومهما كان اقتناعها بسلامة وصحة الاختيار أو القصد الوطني عند هذه الكاريزما ـ قد أسهم بشكل محسوس في إضعاف مركز القيادة السياسية، أمام مراكز القوى التي مارست صراعا على السلطة، استنزف قدرات هذا النظام، وعبث بمقدراته، ودفع به إلى هاوية الإخلال بأول واجبات أي نظام سياسي، ألا وهو الحفاظ على استقلال التراب الوطني " (9).

مع الحرية والديمقراطية، يبقى مشروع الوحدة ممكنا، وبدونها يبقى واقعنا ممزقا وراهننا متشرذما. ولاعلاج لمآزقنا العديدة إلا بالحريات السياسية الحقيقية التي تسمح لجميع القوى والتعبيرات من المشاركة النوعية في إدارة الشأن العام وتطوير الحقل السياسي والمدني الوطني. ومع الديمقراطية والحرية تبقى الأقليات عامل إثراء لمضامين الوحدة على المستويات السياسية والاقتصادية والحضارية.

وبدونها تبحث الأقليات عن مشروعها الخاص، وتتكور في دائرتها الخاصة.فيضيع الوطن الجامع، وتتبعثر مشروعات الوحدة والتوحيد.

وإذا أردنا للأقليات أن تعود إلى فضاء الوحدة ومجال التوحيد، فما علينا إلا إرساء دعائم الديمقراطية ومتطلبات الحريات الدينية والثقافية والسياسية، حتى تتجاوز مشروعاتها الخاصة وهواجسها الذاتية.

فالحرية والديمقراطية هي الوسيلة الحضارية الوحيدة، القادرة على إدماج الأقليات بشكل اختياري وإنساني مع النسيج العام. وذلك لأن الحريات تساهم بشكل أساسي في تنمية المشتركات وتفعيلها والدفع بها باتجاه خلق الوقائع السياسية والمجتمعية المنسجمة وحاجات ومتطلبات القواسم المشتركة.

إن الاندماج العام، لا يمكن أن يتم إلا على أرضية سياسية جديدة، قوامها الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان وسيادة القانون والدستور. وبالتالي فإن عملية الاندماج منوطة في عناصرها الكبرى إلى الأغلبية، حيث بإمكانها عبر الخطوات السياسية الجادة والنوعية نحو الانفتاح وتغيير قواعد اللعبة السياسية، أن تجعل المناخ العام مؤاتيا مع خيار الاندماج الوطني العام.

فالتقدم السياسي باتجاه الحريات، هو الذي يعالج مشكلة الأقليات. بمعنى أن عدالة العلاقة وديمقراطيتها بين الأغلبية والأقلية، هو الذي ينهي العناصر النابذة والنافرة في العلاقة بين الطرفين.

***

محمد محفوظ

....................

الهوامش

(1) د. سعد الدين إبراهيم، تأملات في مسألة الأقليات، ص 18، دار سعاد الصباح، مركز ابن خلدون للدراسات الإنمائية، القاهرة 1992م.

(2) المصدر السابق، ص 23.

(3) جريدة الحياة اللندنية، العدد (13923)، الأحد 29 أبريل / 2001م، مقال الاعتراف بحقوق الأقليات اعتراف بوحدة العالم وتنوعه. جورج طرابيشي.

(4) تأملات في مسألة الأقليات، ص 23، مصدر سابق.

(5) برهان غليون، نظام الطائفية من الدولة إلى القبيلة، ص 6، المركز الثقافي العربي، الطبعة الأولى، بيروت 1990م.

(6) مجلة المستقبل العربي، العدد (264)، (2/2001م). مركز دراسات الوحدة العربية، ص 118. دراسة الدكتور على الكواري: مفهوم المواطنة في الدولة الديمقراطية.

(7) الشيخ محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، الجزء (19)، ص 110 ـ 111، الطبعة الثانية، مؤسسات الوفاء، بيروت 1983م.

(8) تأملات في مسألة الأقليات، ص 237، مصدر سابق.

(9) عمرو عبد السميع، أحاديث الحرب والسلام والديمقراطية ـ الكتاب الثالث، ص 15، الدار المصرية اللبنانية، الطبعة الأولى، القاهرة 1998م.

علي رسول الربيعيلا يكتمل أيّ تحليل لظاهرة العنف ما لم تنافش المسوغات التي تقدّم كتبرير لاستعماله، وعليه فإنّ التّساؤل عمّا إن كان الواجب يقتضي استعمال العنف أو يبرّر بالفعل تعزيز الخيريّة وتحقيق العدالة على الرّغم من قبحه الجليّ وسوء عواقبه.

من نافلة القول الإشارة إلى أنّ هذا الموضوع كبير، معقد ومتعدّد الأوجه، وأنّ أيّ محاولة لمقاربة جيع أبعاده في دراسة واحدة ستؤدّي إلى السّطحيّة حتما. ومن ثمّة سيكون طموح هذه الدّراسة محدودا في تقديم مختصر لمخطّط عامّ للمسائل الأساس، وللمميّزات النّظريّة عن استعمال العنف. لذلك ستنطلق نقطة الشّروع في القسم الأوّل من رسم صورة مختصرة للموقف المؤسّس ممثّلا بالسّؤال: "لماذا يكون العنف وسيلة مشروعة لتعزيز العدالة؟ بينما يتصدّى القسم الثّاني للإشارة إلى الموقفين المهيمنين في الغالب على السّاحتين السّياسيّة والقانونيّة اللّذين يُستشهَد بهما للتّبرير وهما: حجّة الهوّيّة، وحجّة النّتائج أو العواقب. في حين يتصدّى القسم الثّالث لفحص ما تقدّم الحجّتان من مبرّرات ومطالب إن كانت قويّة بما يكفي لتستحقّ أن يُنْظَر إليها بالاعتبار، أم ضعيفة مهزوزة بما يؤكّد فشلها. ولا يعني ذلك عدم اللّجوء إلى استعمال العنف بالنّظر إلى ما تمّ التّوصّل إليه من فصل بين مواقف الفلاسفة المحدثين من عدم إمكانيّة تبرير العنف من حيث المبدأ تحت أيً شرط أو ظرف، لأنّ إمكانيًة استعماله تظلّ واردة في بعض الظّروف والأوضاع الخاصّة والمحدّدة جدّا. ومع أنّ هناك من الأوقات ما يتعيّن معه اللّجوء في ظروف استثنائيّة جدّاً إلى استعمال العنف وفق شروط صارمة لحفظ النّظام والأمن العامّ، إلاّ أنّ ذلك لا يسوّغ وضع نظريّة عامّة أو صياغة مبدأ عامّ كُلّيّ وشامل يمكن أن يُستند إليه باطمئنان في التّبرير.. ويتناول القسمان السّادس والسّابع ما تتطلّب هذه الظّروف الاستثنائيّة من شروط تقيّد استعماله بمجموعة من المبادئ الرّئيسة التي تخضع للفحص والتّدقيق والمساءلة.

العنف من أجل العدالة

قد يكون من المُغري تبنّي خطّ متصلّب ضدّ العنف دفاعا عن المواقف التي لا تقبل التّطبيع معه تحت أيّ ظرف حتى لو كان بقصد طلب العدالة أو تثبيتاً لها انطلاقا من وجهة نظر تعتبر أنّ هناك دائما بديلا عن العنف؛ وأنّ لهذا البديل نموذجا قويّا تمّ التّعبير عنه من قبل مفكّرين وسياسيّين بارزين من أمثال تولستوي، غاندي، مارتن لوثر كنغ، لكن وبدلا من ذلك ستتناول الدّراسة توضيح الأساب الأخلاقيّة المتينة التي تبرّر استعمال العنف حصراً.

فمن الممكن جدّا أن يصبح العنف في بعض الأحيان مبرّرا بحسب ما اشار إليه جيرت[1] على الرّغم من أنّه ليس بالإمكان إنكار شرّه المستطير. فمع أنّ أغلب أعمال العنف محرّمة من قبل العقل العموميّ وغير مبرّرة تماماً، إلاّ أنّ من الخطأ إنكار أنّ العقل العموميّ ذاته يطلب استعمالها في بعض الأحيان. ومدار السّؤال الابتدائيّ حول ماهية العقل العموميّ وحول ما يدفع به من مبرّرات لاستعمال العنف من حيث المبدأ انطلاقا من الواجب تُجاه العدالة، لفحص ما إن كان ذلك الواجب ممتدّا على نحو يشمل ذلك الاستعمال بقصد تحقيق العدل. علما أنّ الواجب تُجاه العدالة إجمالاً نوعان: واجب تأييد وواجب تعزيز. وكما أوضح ذلك جون راولز في الفصل السّادس من كتابه نظرية العدالة تحت عنوان "الواجب والالتزام" حيث يقول: "إنّ الواجب الطّبيعيّ الأكثر أهمّيّة هو دعم وتأييد مؤسّسات عادلة، ولهذا الواجب جزءان: الأوّل، علينا التّقيّد بالمؤسّسات العادلة والقيام بدورنا فيها حين تكون موجودة ومطبّقة علينا؛ وثانيا، علينا أن نساعد في تأسيس ترتيبات عادلة حين لا تكون موجودة على الأقل حين يمكن القيام بهذا بتكلفة أقلّ على أنفسنا".[2]

فواجب دعم العدالة يتجلّى في الالتزام بقبول مبادئها والعيش في ظلّها، وواجب تعزيزها يقتضي الالتزام بتيسير تطبيق تلك المبادئ وإنفاذها. لا يشمل ذلك دعم الإجراءات المنصفة حتى لو كانت طويلة وعلى حساب المغانم النّفعيّة فقطّ، ولكن يشمل أيضا الاستعداد الدّائم للاهتمام بالعدالة حتى عندما ينطوي ذلك على تكاليف شخصيّة ضمن حدود مقبولة مثلما قد يحصل عند حدوث مظاهرات سلميّة وغيرها من حالات العصيان المدنيّ.

فالواجب تُجاه دعم العدالة وتعزيزها له مضامين مختلفة تستند إلى الوضع القائم معتمدة على ما إن كنّا نعيش في مجتمع عادل أو في مجتمع غير عادل. ومفهوم راولز عن الواجب الطّبيعيّ يفترض عموماً أنّ بنية المجتمع الأساس تنتظم من النّواحي السّياسيّة والاقتصاديّة وفقاً لمبادئ العدالة المعترف بها، والمعلنة من قبل ذلك المجتمع نفسه. وبالتّالي، في حالة قريبة من العدالة كما أشار راولز، نحن ملزمون بالامتثال لقوانين غير عادلة بشرط ألاّ تتجاوز حدودا معيّنة: "قد يقال: إنّ الطاعة ليست مطلوبة أبداً في مثلها، لكنّ هذا القول خاطئ. حيث إنّ عدم عدالة قانون عموما ليس سبباً كافياً لعدم التّقيّد به (...) يجب الاعتراف بإلزاميّة القوانين غير العادلة حينما تكون الهيكلة التّأسيسيّة للمجتمع عادلة بشكل معقول تُقدّر الأشياء التي يسمح بها الوضع الراهن، شريطة ألاّ تتجاوز تلك القوانين حدودا معينة من اللاّعدالة".[3]

فراولز على حقّ هنا بالتّأكيد، ولكن ماذا لو كانت هناك قيود جدّيّة على العدالة في المجتمع؟ ماذا لو وجد المرء نفسه في يعيش مجتمع غير عادل بشكل فادح؟ ما هي الالتزامات التي تقع على عاتقه تُجاه العدالة عند انتهاك حدود معيّنة من اللاّعدالة؟ لم يناقش راولز هذه الحالات، لذلك وجب التّفكير بطريقة أخرى للكشف عن أنّها من ضمن الأسباب الرّئيسة المنشئة للعنف. فإذا كان المجتمع غير عادل بشكل كبير، وإذا انتهكت القوانين الحدود المعيّنة للعدالة التي تحدث عنها راولز فكانت غير عادلة، فإنّ العنف يصبح عندئذ ليس خياراً فحسب بل واجباً أيضا.

فالحجج عن الواجب تُجاه تعزيز العدالة من خلال استعمال العنف نوعان: حجّة آتية من ضرورته، والثّانية حجّة الاستراتيجيّة. ولعلّ ما أثاره أودي[4] وجيرس[5] على التّوالي من مبرّرات للعنف في هذا السّياق يمثّل هذين النّوعين من الحجج. فأودي لا يقبل الفكرة التي ترى أنّ اللّجوء إلى استعمال العنف قرار خاطئ دائما، ويعتقد أنّ قرار استعمال العنف لإيقاف العدوان النّازيّ كان واجبا أملته الضّرورة. لذلك فهو يرى أنّ الحجّة المضادّة التي لا تجد ضرورة لاستعمال العنف أبدا حتى لو تعلّق الأمر بوقف عمل عدوانيّ وهمجيّ لرجل مثل هتلر هي أوّل علامات الشّرّ. وعلى هذا الأساس فإنّ تقييمه للعنف يعتمد على إجراء تحليل دقيق لكلّ حالة فعليّة باعتبار أنّ ذلك أمر ضروريّ. فمع أنّه من المؤكّد استحالة وقف عدوان رجل مثل هتلر بغير طريق العنف؛ وبقدر ما يكون هنالك من سبب وجيه للاعتقاد بأنّ إعمال العنف سيكون رادعا لبربريّته، يظلّ اللّجوء إلى العنف المطلق خطأ فادحا في ظلّ وجود خيارات ممكنة أقلّ عنفا، أقلّ دمارا ودمويّة كالمساعدة على انقلاب، أو الإجبار بطريقة من الطّرق السّياسيّة والقانونيّة وبشكل تبرّره المبادئ الأخلاقيّة على إحداث التّغيير اللاّزم.[6]

لم يعارض جيراس[7] مضمون حجّة أودي مع التّأكيد في الوقت نفسه على أنّ العنف يشكّل في بعض الأحيان خيارا استراتيجيّا أمام ضحايا الظّلم، وجهدا مشروعا بما يتيح من إمكانية لتعزيز العدالة. ويواجه الرّأي المعارض للعنف الذي يعترض على استخدامه مطلقا بزعم أن ليس للعنف ما يبرّره، بحجّة مقنعة تدحضه تماما حينما تعتبر أنّ ما يمكن الإمساك به من مبدأ اللاّعنف على الحقيقة دائما، هو حرمان النّاس في مواجهة أي اضطهاد أو تهديد مهما كان رهيبا من جميع الأسلحة باستنثناء المقاومة السّلبيّة، معتبرا أنّه إذا لم تكن هذه الحجّة كافية لنسف هذا المبدأ من الأساس فليس هناك من الحجج ما يمكن أن يقوم ضدّه.

يريد جيرس[8] الإشارة في هذا السّياق إلى حقيقة مفادها أنّ التّاريخ يحفل بالعديد من الأمثلة المروعة عن العنف الذي يستخدم كوسيلة لفرض الظّلم، منبّها إلى أنّ الواجب يلزم بالسّماح بإمكانية محاربة ذلك الظّلم ولو بالوسائل العنيفة نفسها مادامت تلك الإمكانيّة هي السّبيل الوحيد.

وبطبيعة الحال، لا يعني هذا رفض التّساؤل عن مبرّرات العنف السّياسيّ أو العنف الثّوريّ، لأنّه إذا كان ممكنا تبرير أيّ نوع من العنف فإنّه لا يعني بالضّرورة أنّ ذلك العنف مبرّر بشكل تلقائيّ أو مقبول. فالإجابة بالإيجاب عن السّؤال "هل يمكن أن يكون العنف مبرّرا؟ يجب أن يتبعها سؤالان آخران بطابع نظريّ أقلّ وهما:

أوّلا، "ما الخير الذي يمكن أن يتأتّى من الشّرّ؟"

ثانيا، "أيّ نوع من العنف يمكن تبريره؟ وما مقدار هذا العنف المبرّر؟".

سيناقش الجزء الثّاني والثّالث والرّابع والخامس أدناه السّؤال الأوّل، حيث سيتمّ طرح حجّتين تحدّدان الخير المحتمل الذي يمكن تحقيقه بواسطة العنف مع أنّه شرّ معلوم، وهما حجّة الهوّيّة بالإضافة إلى الحجّة المتساوقة معها أي حجّة حساب النّتائج أو العواقب. أمّا السّؤال الثّاني فسيعالجه الجزءان السّادس والسّابع، حيث سيجري إدخال بعض المبادئ الرّئيسة على تقاليد الحرب العادلة.

الجزء الثّاني: حجة الهوّيّة

تختلف تعاريف العنف إلاّ أنّ معظمها تشترك في التّركيز على المعاناة والإصابة النّاجمة عن إعماله ممّا يترتّب عنه تقرير حقيقة مفادها "أنّ تبرير العنف يعني تبرير الشّرّ"، فلو لم يكن العنف شرّا لما احتاج لأن تُطرح مسألة تبريره. لذلك، ينبغي أن يؤخذ في الحسبان حجم الشّرّ الذي ينتج عن عمل من أعمال العنف، كما ينبغي أن يؤخذ بالاعتبار مطلب تعويض تلك الشّرور بخير أكبر. ولعلّ من تبرير العنف القول بخيريّته والاعتقاد بأنّه ليس سيّئا تماما، وهو ادّعاء يتعيّن على من يستحسنه تفسيره حتما. فهو جيّد بالنّسبة لمن؟ طبعا ليس بالنّسبة لضحاياه. يُنظر إلى العنف في بعض الثّقافات كطقس من طقوس المرور إلى الرّجولة فيعتبر جيّدا بالنّسبة للضّحيّة إلى حدّ تحدّد معه ذكورتها.[9] قد يستحقّ نيتشة اللّوم بوصفه أبرز مبرّري العنف عندما نفى نسبته إلى الظّروف الاجتماعيّة المحيطة معتبرا ضرورته للاندماج في الجماعة وإحراز القوّة باعتبارها مناط الفضيلة.[10]

إذن تعتمد حجّة الهوّيّة المبرّرات التّالية:

ـ كون العنف جيّدا إذا تمكّن مقترفه من إثبات هوّيّته الخاصّة كشخص ذي قيمة أخلاقيّة مساوية للآخرين تجعله ينال إعجابهم واحترامهم.

ـ كونه وسيلة لمناهضة القوى الاستعماريّة وهو الرّأي الذي حاز به فرانز فانون شهرة بما نال من تأييد من قبل جان بول سارتر وجوليا كريستيفا في حجاج مماثل. وسيأتي فيما يلي النّظر في حجج هؤلاء المؤلّفين الثّلاثة.[11]

نشر فانون[12] "معذبو الأرض" لأوّل مرّة باللّغة الفرنسيّة عام 1961 في ذروة الحرب الجزائريّة، وكانت حجّة هذا الطّبيب النّفسيّ الذي استلهم من خلالها خبرة معياريّة وعلاجيّة على حدّ سواء، تقوم على الاعتقاد بأنّ الاستعمار يشكّل نوعا خاصّا من العنف الذي لا يمكن إلغاؤه إلاّ إذا تمّ التّصدّي له بعنف مضادّ. وتتمثّل خصوصيّة عنف الاستعمار بالنّسبة له فيما للاحتلال من آثار مادّيّة ونفسيّة. يتمثّل العنصر المادّيّ في الجانب العلنيّ من أي احتلال وهو فعل الاستيلاء بالقوّة على ما ينتمي بقوّة الحقّ إلى الآخرين. فمن وجهة النّظر هذه، لم يكن احتلال فرنسا للجزائر حتى عام 1962 مختلفا عن أي عمل من أعمال العنف الإمبرياليّ، كما لم تكن حروب الإسكندر الأكبر، وحروب الإمبراطورية الرّومانيّة، وحروب الإمبراطوريّة البريطانيّة، وحروب الإمبراطوريّة الأمريكيّة منذ نهاية الحرب العالميّة الثّانيّة وإلى اليوم مختلفا عن ذلك في شيء بالإضافة إلى ما يستتبع العنف الجسديّ العلنيّ النّاجم عن الاحتلال من عنف نفسيّ أيضاً، وقد كان هذا الأخير محور تفكير فانون حول العنف.

ووفقا لفانون، يمثّل الاحتلال علاقة قوّة بين محتلّ يعتبر نفسه راشدا ومُستعمرين ينظر إليهم ذلك المحتلّ بوصفهم قاصرين، وهي علاقة غير متكافئة يرى فيها الأوّل نفسه متفوّقا، ويشعر معها الآخرون بالضّعف والدّونيّة. وقد كان هذا الشّعور بالدّونيّة هو مدار اهتمام  فانون الذي اعتبر الاحتلال هيمنة تقوّض الشّعور بالهوّيّة وعدوانا ينسف احترام الذات على المستوى الشّخصيّ لدى المُستعمَرين. وهو ما يستدعي بنظره عنفا مضادّا لإنهاء الاحتلال وتصحيح علاقة القوّة بعكس اتّجاه ما أقامه منها المحتلّ، لاستعادة الهوّيّة الثّقافيّة التي باستعادتها يستعيد المُستعمَرون احترامهم لأنفسهم وذواتهم. لقد أصبحت أطروحة فانون مؤثّرة بشكل كبير في الأوساط السّياسيّة والفكريّة بالعديد من البلدان ذات الماضي الاستعماريّ، حيث يتمّ الاحتجاج بها في أيّ نضال مسلّح حتى من قبل الأصوليّين الإسلامويّين. وهو ما حذا باستعداء مارثا كرينشاو[13] لهذه الأطروحة إلى حدّ جعلها تنسب لأفكار المثقّفين الثّوريّين من أمثال فانون "الأثر الكبير على الحركات المتطرّفة في الغرب المتقدّم" بشكل عزّز بزعمها الإرهاب وطوّر أساليبه فأحاله استجابة روتينيّة. واستعداء مارثا كرينشاو هذا لأطروحة فانون جعل ماسي تشير بحق  إلى أنّ النّقّاد يتفّهونها في أغلب الأحيان لجعلها تبدو كما لو أنّها تمجيد للعنف بحدّ ذاته.[14] وترى جوين تروتو[15] أنّ من الصّواب النّظر إلى فانون بوصفه سياسيّاً واقعيّا عندما يؤكّد أن العنف المقاوم للاحتلال ليس سوى استجابة لعنف ذلك الاحتلال ذاته. ولعلّ مقدّمة جون بول سارتر الشّهيرة لطبعة الكتاب عام 1961 كانت سببا لشعبيّة أسيء فهمها بالنّظر إلى ما استهلّها به من إشارة إلى العنف الابتدائيّ للمحتلّ الذي ليس له من هدف سوى حماية مصالح الفئات النّافذة والثّريّة لبلده كقوّة استعماريّة، واستنزاف ثروات المُستعمَرين وتدمير قدراتهم المادّيّة والمعنويّة للحيلولة دون نهوضهم مُنافسين على السّاحات السّياسيّة والاقتصاديّة والعلميّة. ولأنّه أيضا يوحي وبقوّة أنّ هدف العنف المضادّ هو اكتشاف الهوّيّة واستعادة تشكيل الذّات من النّواحي المادّيّة والنّفسيّة، يقول:[16] "نصبح نحن فقطّ عندما نرفض بشكل جذريّ وعميق ذلك الموقع الذي يريد الآخرون حشرنا فيه". ففي سياق نقاشه للاحتلال قدّم سارتر انطباعا واضحا بقدرة العنف الثّوريّ على رفع مرتكبيه إلى مستوى الأبطال ومصافّ النّبلاء والعظماء لأنّه يمكّنهم من استعادة إنسانيّة هدرها الاحتلال، ويشفيهم من الإحساس بالدّونيّة لاسيما عند تحقيق النّصر وطرد المُحتلّ بقوّة السّلاح.[17] ذلك أنّه عندما يغلي الغضب الثّوريّ ضدّ وضع مختلّ فإنّه يساعد على اكتشاف القدرات المكنونة ويستنهض هوّيّة مهدورة، فيسعف ذلك حتما في استعادة تشكيل الذّات واستثمار الإمكانيّات المتاحة لاستعادة الاعتبار.

كتبت جوليا كريستيفا[18] عن حتمية التّمّرد أيضا وهي متخصّصة مثل فانون في التّحليل النّفسيّ، ومن المستغرب فعلا عدم إطّلاعها على أطروحة رصيفها التي صاغها من خلال مؤلّفه "معذبو الأرض". فحججها حول الثّورة لا تختلف كثيرا عن حجج فانون وسارتر، وهي تقوم كذلك على فكرة تشكيل الهوّيّة، وتعتبر حرّيّة التّمرّد تأسيسيّة وليست مجرّد خيار متاح. والفرق في مطارحة الموضوع بين مقاربة فانون ومقاربة كريستيفا يتمثّل في تناول الإهانة، ففي الحين الذي أدان فيه فانون إهانة المحتلّ لعموم الأهالي بشكل خاصّ، اقتصرت كريستيفا على إهانة المواطنين الأكثر حرمانا بشكل عامّ، ومن ثمّة أمكنها تفسير نزوع المُهانين وميل المحرومين إلى الثّورة من أجل استعادة كرامة مهدورة.[19]

تؤيّد حجّة الهوّيّة إذن أنّ العنف يمكن أن يكون مقبولا ومبرّرا ولو بشكل جزئيّ، لأنّه يتيح لأولئك الذين تمّ إذلالهم قسرا إمكانيّة تسعف في استعادة هوّيّتهم الخاصّة وحقوقهم المسلوبة. وفي سياقها ركّز فانون في حجّته الأصل على الإذلال والبحث عن هوّيّة ضيّعها الاحتلال، بينما ركّزت كريستيفا في حجّتها على ما يتعرّض له المواطنون الأكثر حرمانا من إهانة.

الجزء الثّالث: نقد حجّة الهوّيّة

إن العديد من غير المتحمّسين لحجّة الهوّيّة مثل جون كين[20]، يوافقون على أنّ هناك أوقات يكون فيها العنف الجماعيّ عاملا مهما لرفع المعنويّات من أجل الوقوف ضدّ المعاملة غير العادلة وإبراز الشجاعة المطلوبة للوقوف ضدّ الظالمين لإعطاء الأمل في تحقيق العدالة، وهناك أمثلة كثيرة على ذلك، منها الثّورة الأمريكيّة، حروب الاستقلال الأيرلنديّة (1919-1922)، الحرب الجزائريّة (19.54-1962)، الكفاح المسلّح ضدّ الفصل العنصريّ في جنوب أفريقيا (1961-1994) والثّورة المخمليّة في أوروبّا الشّرقيّة عام 1989. وهناك أدلّة تجريبيّة من الوفرة بحيث تشير إلى ما يقوم به العنف من دور هامّ في البناء الاجتماعيّ للهوّيّات العرقيّة. ومع ذلك، يمكن اعتبار اللّجوء إلى حجّة الهوّيّة في تمجيد العنف رومانسيا محدود الحجّيّة. وهذا ما أشار إليه كين عند مناقشة أطروحة فانون حيث نوّه أيضا بما تضمّنت من نقاط القوّة.[21]

فدعوة فانون إلى العنف الثّوريّ ضدّ الاحتلال لا تقطع الشّكّ بيقين حول ما إن كانت ممارسة العنف تحقّق بالفعل وعلى وجه مضطرد تأثيرا تحرّريّا على الفرد العنيف. يشرح ذلك كين بالإشارة إلى أنّ اللّجوء إلى العنف كتكتيك لا يتأتّى من الإيمان بالإنسان، ولا من الاقتناع بالحداثة كصيرورة تسير بالتّاريخ في اتّجاه التّقدّم. فحجّة الهوّيّة تقع من وجهة نظره في مغالطتين:

ـ الأولى، هناك خطّ رفيع بين استخدام حجّة الهوّيّة للتّبرير وبين استخدامها كذريعة..

ـ الثّانية أنّ سقف الرّهان على هذه الحجّة مرتفع لا يمكن المجازفة بالرّكوب عليه لتبرير العنف في سياق وحيد وحصريّ هو سياق الاحتلال. فالواقع اليوم يؤكّد أنّ الجماعات الأكثر وحشيّة وهمجيّة تستخدم هذه الحجّة في تبرير عنف لا يمثّل فيه الاستعمار أساسا لقضيّة. وبعبارة واضحة جليّة، تسهّل حجة الهوّيّة تبرير العنف بيسر حيث يكون من الأحرى الحرص على محاربته، ومن الأجدى عدم إعطائه برصف الكلام ونحث المفردات أيّ مبرّر يظهره كسلوك صائب.

وأخيرا، حينما يتحدث سارتر[22] عن الرّفض الجذريّ والعميق لما يريد الآخرون أن يجعلوا منّا، وتصف كريستيفا[23] الثّورة بأنّها عمليّة جدليّة تقوم على النّفي حيث للسّلبيّة دور مركزيّ، فإنّ التّبرير بحجّة الهوّيّة اعتمادا على أسلوب الجدل هذا إنّما ينهج سبيلا سلبيّا لسوغ العنف وجعله يبدو إيجابيا بقصد إظهار ضرورته كفعل ناتج ينفي فعلا أصليّا سابقا... لكن لا يمكن تطبيق هذا المنطق على الأخلاق إذا كان الأمر يتعلّق بالعنف. فبحسب العقل الأخلاقيّ لا يمكن أن يتأتّى الخير من شرّ واحد فبالأحرى من شرّين اثنين، وبالتّالي لا تستقيم جدليّة النّفيّ لتنتصب مبرّرا صحيحا للعنف.

حجّة النّتائج أو العواقب

خلافا لحجّة الهوّيّة ترى حجّة العواقب أنّ الأعمال البشريّة تستمدّ قيمتها الأخلاقيّة من نتائجها حصرا، لذلك ليس لديها تخوّف من شرّ العنف الذي يكون بالنسبة لها مبرّراً كفاية طالما أنّه شرّ لا بدّ منه. فالعنف من منطق هذه الحجّة له ما يبرّره عندما يكون ضروريّا ووسيلة لا غنى عنها لمنع شرّ أكبر أو تعزيز خير أعمّ، وبهذا يكون اعتماده على النّتائج واضحا یجعل استخدامه أکثر شیوعا في تبرير اللّوء إلى استعمال العنف. والواقع أنّ مجموعة متنوعة من الباحثين مثل روبرت أودي، وبرنارد جيرت، وكاي نيلسن يستدعون هذه الحجّة التي تعتمد على النّتائج أو العواقب في تحليلاتهم. يشير أودي[24] إلى أنّ العنف المتوخّى كاستراتيجيّة لتحقيق الإصلاح الاجتماعيّ لاسيما عندما يتغيّى هذا الإصلاح تصحيح الأخطاء الأخلاقيّة الخطيرة، يمكن تبريره لتعظيم نسبة السعادة عند مقارنتها بنسبة المعاناة. مع إعطاء الأولويّة للحدّ من المعاناة على الزّيادة في السّعادة، ولزيادة السّعادة إلى الحدّ المقبول من الرّفاهية مقارنة بالزّيادات المماثلة التي تزيد عنه. ومن حقّ المجتمع أن يقرر عبر الآليّات القانونيّة والمؤسّساتيّة ما إن كان العنف مبرّرا في حالة معيّنة ينظر إليه فيها باعتباره وسيلة لتصحيح بعض الأخطاء الأخلاقيّة الخطيرة، وعبر التحقّق من عواقبه المحتملة على العدالة والحرّيّة ورفاه الإنسان، ثمّ بمقارنه النّتائج المحتملة بالبدائل الواعدة غير العنيفة.

يعرّف جيرت[25] العنف بأنّه انتهاك متعمّد غير مرغوب فيه للقواعد الأخلاقيّة الجارية مثل: (لا تقتل؛ لا تسبّب لنفسك ولا لغيرك ألما؛ لا تعطّل حقّ أحد؛ ولا تحرمه من الحرّيّة والمتعة ولا من الفرص المتاحة لتحقيق ذاته؛ لا تنتهك القواعد، ولا تعتدي على الغير)، ويعتبر أنّ أيّ سبب ممكن من الأسباب التي تدفع إلى انتهاكها يتطلّب موقفا عامّا صارما ينطلق من هذه القواعد الأخلاقيّة نفسها لأجل حمايتها. ويذهب[26] إلى الاعتقاد بأنّ الجميع ملزم بطاعة الحكم الأخلاقيّ الذي يخصّهم سويّا ماعدا أولئك الذين يدعون علنا ​​إلى انتهاكه باستعمال العنف لمنع شرّ حاصل أو درء شرّ محتمل. وعنده أنّ "استعمال العنف انتهاك مسموح به من قبل العقل العامّ عندما يكون الهدف هو منع شرّ حاصل أكبر بكثير من شرّ يسبّبه كسر قاعدة أخلاقيّة، ودرء خطر أكثر سوءا ممّا قد ينجم عن هذا الانتهاك". ومن ثمّة فهو يصرّ[27] على منع شرّ خطير بشرّ أقلّ خطورة، ودرء مفسدة أعظم أو ضرر أشدّ بمفسدة أو ضرر أخفّ، معتبرا أنّ الأمر الذي لا جدال فيه هو أن الشّرّ الذي يستوجب المنع بإعمال العنف أكبر وأشدّ بكثير من شرّ العنف. ويؤكد نيلسن[28] وهو يتناول مسألة تبرير الثّورة العنيفة تحديدا سائرا على  منوال أودري وجيرت، أنّ العنف يمكن تبريره على أساس النّتائج والعواقب، فيشير إلى أنّ "الاعتبارات المركزيّة ذات الصّلة بموضوع العنف ليست في معظمها حاسمة أو حصريّة بالضّرورة، لأنّها مجرّد إجراءات نفعيّة. ولأنّ الحاجة تدفع في ظروف خاصّة إلى موازنة العواقب المحتملة بعناية للّجوء إلى العنف. لأنّه إذا كان اللّجوء إلى العنف مفضيا للمزيد من المعاناة فإن استعماله سيكون خاطئا بالتّأكيد. أمّا إن كان من المرجّح أن تؤدّي أعمال العنف إلى تقليل المعاناة الإنسانيّة، ولا تضع عبئا غير عادل على بعض الأشخاص الذين يتمّ استغلالهم بقسوة فإنّ العنف يكون مبرّراً". فنيلسون يقصد أنّ الاعتبارات المركزيّة ذات الصّلة "نفعية" لتعلّقها بالنّتائج والعواقب. ويذكّر جيرس[29] بحقّ، أنّ الحكم القائم على حساب العواقب والنّتائج يجب ألاّ يعتمد على أيّ شكل من أشكال النّفعيّة الفلسفيّة، إذ لا يحتاج الحكم لأن يُوحّد بالاعتماد فقطّ على مقياس وحيد للمنفعة: (المعاناة / السعادة). ويمكن للاعتبارات القائمة على النّتائج أو العواقب أن تستخدم بدلا من ذلك عددا من المؤشّرات بما فيها الحرّيّة، المساواة والحقوق التي لا يمكن خفضها إلى مستوى المنفعة فقطّ. يشير نيلسن[30] إلى أنّ مبدأ النّتائجيّة يحكم مسألة العنف الثّوريّ الذي يصبح مبرّرا حينما يقلّل من البؤس والألم الإنسانيّ في كلّ مكان من العالم.

ولعلّ المنطق المتضمّن فيما طرح كلّ من أودي، جيرت ونيلس بعد مور[31] يمكن أن ينسب إلى "حساب التّفاضل والتّكامل"، فهذا جيرس[32] يوضّح أنّ "تقييم تكاليف وفوائد العنف المتوقّع يكون بالمقارنة مع استمرار الوضع الرّاهن". وبهذا المنطق تغدو حجّة العواقب مغايرة جوهريّا، أي إذا كان للعنف ما يبرّره بشرط أن يخلّص العالم من معاناة يمكن أن تكون موجودة ومستمرّة ما لم يحصل ليوقفها، فإنّ مبرّره يصبح باحتساب النّتائج اعتمادا على منطق ينسب إلى "حساب التّفاضل" هو الرّفاه المتحقّق الذي يربو مستواه في عالم يحدث فيه العنف عن مستواه في عالم لم يحدث فيه عنف. هذا ويمكن العثور أيضا على صعوبات تواجه التّنبّؤات العكسيّة أو المغايرة لاحتساب العواقب عند النّظر في نتائج العنف.

نقد حجّة النّتائج أو العواقب

هناك حجتان تعترض كلّ منهما لتبرير العنف وفقا لحساب التّفاضل والتّكامل للمعاناة:

ـ الأولى، حجّة المنحدر الزّلق أو الغامض:

وتتحدّث عن حدث واحد يحدث ليجعل حدثا آخر أكثر احتمالا لأن يحدث. ليكن (أ) و(ب) حدثان متمايزان بحيث إذا حدث (أ) تزداد فرص حدوث (ب). وبتطبيقه على سياق العنف يكون: يؤدّي حدوث [العنف المبرّر] (أ) إلى زيادة فرص حدوث العنف (غير المبرّر) (ب). ومع أنّ حقيقة حدوث (أ) تزيد من فرص حدوث (ب) إلاّ أنّها لا تعني حتميّة حدوث (ب)، ورغم ذلك فإن حقيقة حدوث (أ) التي تزيد من فرص حدوث (ب) كافية للنّظر فيها بوصفها مشكلة محتملة وخطيرة تواجه بجدّيّة حجة النّتائج والعواقب. ومن أمثلة ذلك: قد يبرر حساب المعاناة قتل إرهابيّ واحد لمنع قتل ألف من الضّحايا الأبرياء، لكن هل يبرّر حساب المعاناة أيضا تعذيب إرهابيّ واحد؟ فى سيناريو القنبلة الموقوتة اعتقلت الشّرطة ثلاثة يشتبه في قيامهم بزرعها في مكان ما فى المدينة، وعند الاستنطاق أصرّ المشتبه بهم على الصّمت. قبل انفجار القنبلة بدأت الشّرطة بتعذيب أحدهم أمام صاحبيه، ثم أطلقت النّار على رأسه. فتحدّث الآخران خوفا ممّا شهدا من تعذيب، وبذلك توصّلت الشّرطة منهما بشيفرة نزع الفتيل وتمّ إنقاذ عدد لا يحصى من الأرواح. يبدو من هذا السّيناريو أنّ حجّة حساب النّتائج والعواقب تبرّر قتل وتعذيب الإرهابيّ. لذلك يرى جيرت[33] أنّ كلّ قتل أو تعذيب من أجل المتعة أو الرّبح هو عمل غير أخلاقيّ بشكل واضح، لكنّ القتل والتّعذيب لمنع المزيد من القتل والتّعذيب عمل يسمح به العقل العموميّ في بعض الأحيان.

وخلافا لما يدّعي جيرت، لا يمكن أبدا تبرير تعذيب مشتبه به على الرّغم ممّا قدّم أريجو[34] من أسباب، لأنّ الأدلّة التّجريبيّة تفيد أوّلا، أنّ التّعذيب وسيلة غير موفّقة للحصول على المعلومات، فالإصابات الجسديّة تضعف القدرة الذّهنيّة على نقل الحقيقة، وقد تؤدّي إلى الموت قبل الأوان، كما أنّ الاستجواب المطوّل يقلّل من قيمة المعلومات التي يتمّ الحصول عليها لأنّه لا يمكن تحت التّعذيب تمييز التّصريحات الحقيقيّة عن الخطأ أو الخداع. ثانيا، تشير الأدلّة التّجريبيّة أيضا إلى أنّ التّعذيب يحفّز الإرهابيّين على العود ويوسّع من دائرة مناصريهم وأنشطتهم التّخريبيّة فيتكاثرون بدل أن تتقلّص أعدادهم. ثالثا، إذا سمح بالتّعذيب لمجرّد الاشتباه جرّ ذلك إلى التّغاضي عن تعرّض الأبرياء للتّعذيب أيضا. رابعا، قد يفضي إنشاء وحدة استجواب برعاية الدّولة إلى تدريب المستجوبين على أساليب التّعذيب المتطوّرة التي قد تستفيد من الأبحاث الطّبّيّة البيولوجيّة والنّفسيّة فيصعب الكشف عنها، ويؤدّي ذلك إلى تعطيل القوانين المناهضة للتّعذيب وإعاقة عمل المؤسّسات القضائيّة والحقوقيّة والصّحّيّة والأمنيّة للدّولة. وكإضافة خامسة، فإن دولة تقيم وحدات استجواب للتّعذيب ستفقد شرعيّتها الأخلاقيّة وتقوّض بالتّالي ما عليها من التزام سياسيّ إزاء المواطنين. فالاختلاف الأخلاقيّ بين دولة شرعيّة وبين أعدائها يكمن في جزء منه في كون الدّولة على عكس أعدائها، لا تستخدم أساليب التّعذيب التي تنتهك الحقوق الأساس للمواطن. وقد أشار سيزار بيكاريا[35] سنة 1764 إلى أنّ أيّ عقوبة مبرّرة بالعقد الاجتماعيّ لضمان استمرار الجميع على الالتزام به. وأشار أيضا معترضا على عقوبة الأعدام إلى أنّه لا يوجد أيّ مبرّر لعقوبات شديدة، كجزء من حجّته التي ترفض وجهة نظر لوك الذي يرى أنّ النّاس يفقدون حقّهم في العيش عندما يشرعون في حالة حرب مع أشخاص آخرين. فالدّولة بنظر بيكاريا لا تملك سلطة أخلاقيّة تخوّل لها استخدام عقوبة الإعدام، ولا تملك بالتّأكيد سلطة أخلاقيّة تسمح لها باستعمال التّعذيب.

ـ الثّانية، حجّة دورة العنف:

تنتصب هذه الحجّة أيضا ضدّ تبرير العنف وفقا "لحساب التّفاضل" ذلك أنّ العنف مثله كمثل كرة الثّلج، كلّما ازداد استخدامه ازداد مستخدموه فكبر منسوبه في دوّامة لا يهمّ بعدها إن كان ذلك العنف مبرّرا أو غير مبرّر. فعندما يستخدم [العنف الشّرعيّ] (أ) في مواجهة [العنف غير الشّرعيّ] (ب) يتجاوب الطّرفان مع بعضهما: (ب) مع مزيد من عنف (أ)، و(أ) مع مزيد من عنف (ب) وهكذا إلى ما لا نهاية. والطّبيعة الدّوريّة للعنف موثّقة توثيقا جيّدا[36] لأنّه عندما يحدث فإنه لا يكون في العادة حدثا معزولا عن حالات العنف الأخرى،  بل يكون جزءا من عملية مستمرّة تربط العديد من أعمال العنف التي تبرّر عملا معيّنا منها. ولا ينبغي أن تبرّر نظريّة العنف الضّرر الذي يمكن أن يلحق بالضّحايا فحسب، وإنّما أيضا بعواقبه المحتملة والمتوقعة التي تطلق دوّامة الانتقام والعنف المضادّ. تشير مارثا مينو[37] إلى أنّ ضحايا العنف يستجيبون عادة لمثل هذه الأحداث لا عن طريق الاستسلام وقبول التّعنيف بل عن طريق التّحريض وهو ما يلهم بدوره كلّ حلقة من حلقات الانتقام. ينطبق ذلك على جميع ضحايا العنف، سواء كانوا دولا ذات سيادة تعمل على الصّعيد الدّوليّ، أو مواطنين على الصّعيد الوطنيّ، أو أفرادا على المستوى المحلّيّ. والأدلّة التّجريبيّة على الطّبيعة الدّوريّة للعنف كثيرة جدّا تدلّ في مجملها على أنّه يتعيّن عند قياس تكلفة العنف أخذ آثاره المضاعفة بالحسبان، وهي العملية التي يفضي بها كلّ انتهاك إلى أعمال عنف مضادّ لكن بحجم أكبر.

الجزء السّادس: كيفيّة تبرير العنف

يرفض السّياسيّون أن يكون العنف مبرّرا على الإطلاق، ويرجع ذلك إلى التّوجّس من تبريره حتى عندما تكون هناك قضية عادلة خشية فقد الوسيلة التي من شأنها الحدّ منه عندما يُطلَق له العنان بالتّبرير. والحقيقة أنّ حجاجهم لا أساس له في الواقع بالنّظر إلى أنّ الخوف من تبرير العنف قد يفتح الباب على أعمال بربريّة مريعة، وأن أسوأ الفظائع ارتكبت باسم العدالة من جانب نفس الأشخاص الذين كانوا ضحايا للعنف. لكن هذا ليس كافيا لكي يقوم حجّة ضدّ استخدام العنف في المحاكم، فهذا أمر مفهوم. إنّ "العنف" لا يأتي جملة واحدة،  ومن ثمّة فإنّ أيّ تبرير له لا يشير من حيث المبدأ إلى النّوع الذي يقبل ذلك التّبرير حقيقة، ولا إلى المبرّرات الممكنة التي يمكن أن تحظى بالاعتبار. والمسؤولية في ذلك تقع على عاتق أولئك الذين يعتقدون أنّ العنف يمكن تبريره، لأنّهم لم يشرحوا بأقصى قدر من الدّقّة طرق التّبرير وأنواع العنف المبرّر. إنّ ما أطلق بعد أحداث 11 أيلول سبتمبر 2001 تحت مسمّى الحرب على الإرهاب عن سبيل المثال قد يبرّر بعض العنف ضدّ الإرهابيّين، ولكنّه بالتأكيد لا يبرر قصف الأبرياء، أو اغتصاب السّجناء الحربيّين، أو إضفاء الطّابع المؤسّسيّ على التّعذيب. فالمطلوب هنا هو صياغة مجموعة من المبادئ، وتحديد المسوّغات بصرامة تميّز بين مختلف الأنواع وتبيّن بوضوح تامّ الزّمان والمكان لكي تساعد على التّعاطي مع العنف والتّصدّي لأخطاره المحدقة.

فلأجل أن تكون هناك معايير مطابقة تسعف في تبرير العنف، لا بدّ من أن تراعي المبدأ الأساس الذي ينصّ على وجوب احترام كرامة الأشخاص في جميع الأوقات، وأن تتماشى مع مقتضيات حقوق الإنسان بوصفها قيما كونيّة. لقد اقترح جيراس[38] خطوطا تجعل من الضّروريّ عند تبرير العنف، البدء بصيانة الحقوق الفرديّة ضد الانتهاك لأنّها مطلقة، مع أنّ افتراض قداستها لا يعني عدم تجاوزها إذا كان ذلك هو الوسيلة الوحيدة لتفادي وقوع كارثة وشيكة ومحدّدة. وشرط الكارثة الأخلاقية الوشيكة هذا يزوّدنا بمبدأ أساس ونقطة انطلاق مفيدة تجعل من الممكن الاتفاق على عدد من المبادئ الأخرى ذات الطّبيعة الأكثر دقّة التي يجب أخذها بالاعتبار عند تبرير أيّ عمل من أعمال العنف. علما أنّ كلّ مبدأ من المبادئ مفتوح على عدد من التّفسيرات التي تجعل تطبيقه أكثر أو أقلّ صرامة، أكثر أو أقلّ تصلّبا. وفيما يلي سيتم تحليل أربعة مبادئ بشيء من التّفصيل الذي يقترح تفسيرا بأقصى معنًى ممكنٍ. بينما سيتم في الجزء السّابع أدناه إدخال مبدأ خامس غالبًا ما تهمله الأدبيّات المتعلّقة بالعنف أو الحرب العادلة. وهو مبدأٌ مفيد بوجه خاصٍّ في التّحقّق ممّا إن كان الإرهاب مبرّراً أم لا.

ــ أولا، مبدأ الدّفاع عن النّفس.

وينصّ هذا المبدأ على منع اللّجوء إلى العنف إلاّ لردّ فعل عنيف من أجل صدّ الاعتداء. ويجد مبدأ الدّفاع عن النّفس تأكيدا في القانون الدّوليّ، حيث تسمح المادّة 51 من ميثاق الأمم المتّحدة باستخدام القوّة في الدّفاع عن النّفس ضدّ هجوم مسلّح. غير أنّ هناك اختلاف في وجهات النّظر حول مسألة ما إن كان مبدأ الدّفاع عن النّفس مبرّرا لاستخدام عنف استباقيّ أو منع وقوع هجمات محتملة في المستقبل. يتوقّف الأمر على وجه الخصوص بالنّسبة لمؤيّدي العنف الاستباقيّ على تقييم الوضع عند احتمال وقوع هجمات في المستقبل، علما أنّ القانون الدّوليّ لا يعترف بشرعيّة الدّفاع الوقائيّ عن النّفس ويعتبره غير قانونيّ. بموجب ذلك، ينبغي التّمييز بين الدّفاع الوقائيّ عن النّفس وبين الدّفاع الاستباقيّ عن النّفس ويعبّران معا عن عقيدة عسكريّة ضيّقة تسمح بالابتداء والمبادرة المسلّحة المباغتة لهجوم متوقّع يحتمل أنّه على وشك الانطلاق، أو ردّا على هجوم وقع بالفعل ويتوقّع من منفّذيه المزيد من الهجمات. ويقينا فإنّ مبدأ الدّفاع عن النّفس يشير إلى السّماح بتبرير عنف لا مفرّ منه لصدّ عنف وقع بالفعل، لكنّه لا يشير يقينا إلى عنف ابتدائيّ يردّ على هجوم مفترض لم يخرج إلى حيّز الفعل ولم يبارح دائرة الاحتمال.

ــ ثانيا، مبدأ النّجاح المعقول.

وينصّ هذا المبدأ على عدم وجود ما يبرّر استخدام العنف إلاّ عندما يكون هناك احتمال معقول للنّجاح. مرّة أخرى هناك اختلاف في وجهات النّظر حول ما يشكّل "نجاحا معقولا". وفقا للمبدأ لا يشير مفهوم "النّجاح" إلى الأهداف المتوسّطة مثل تأمين المزايا والمواقع ذات الطّبيعة الاستراتيجيّة، ولكن إلى النّتيجة: أي إنهاء العنف وإخماد التّهديد الأصليّ تحديدا. وفحوى هذا المبدأ أنّه لا ينبغي إهدار حياة الإنسان، ولا حتى أثناء الحرب. فالمخاطرة بحياة النّاس عندما لا تكون هناك فرصة معقولة للنّجاح في إنهاء العنف وإخماد التّهديد الأصليّ تتناقض حتما مع ما للمبدأ من أسس تلزم باحترام سلامة جميع النّاس في جميع الأوقات بما فيهم أولئك الذين نذروا أنفسهم للموت من أجل سبب نبيل. بالإضافة إلى أنّ استخدام العنف غير النّاجح لن يؤدّي بفعل الطّبيعة الدّورية للعنف إلاّ للمزيد من البؤس والدّمار، ومن ثمّة فإنّ العنف لا يمكن تبريره إلاّ إذا كانت هناك فرصة معقولة للنّجاح. وإلى هذا يشير نيلسن[39] عن حقّ فيبيّن "أنّ الظّروف غير الأخلاقيّة وغير العقلانيّة التي تخيّم عند الانخراط في العنف تجعل كلّ شيء عبثا". وإليه يشير أيضا هوندريش[40] عند اعتماد مبدأ النّجاح المعقول في حجّة حساب النّتائج والعواقب لاستخدام العنف المبرّر.

ــ ثالثا، مبدأ التّناسب.

وينصّ هذا المبدأ على ضرورة أن يتناسب العنف المستخدم للرّدّ مع عنف الهجوم الذي يُتصدَى له. فاتفاقيّة الأمم المتّحدة الخاصّة بالحرب تعرّف هذا المبدأ على النحو التّالي: لا يجوز القيام في إطار الرّدّ على هجوم وقع بأيّ أعمال تسبّب أذًى أكبر من الضّرر النّاجم عن ذلك الهجوم حتى لو كان طفيفا. ويوضح ولزر[41] أن مفهوم النّسبيّة هذا لا يعني الضّرر المباشر للأفراد فحسب، بل أيضا "أيّ ضرر يلحق بالمصلحة الدّائمة للإنسانيّة التي يفترض ألاّ يطالها الضّرر سواء أثناء الحرب أو بعد نهايتها وتحقيق النّصر". وينطبق مبدأ التّناسب هذا ليس فقطّ على اتّفاقيّات الحرب، وإنّما لفرض الجزاءات المناسبة على كلّ مخالفة للأنظمة والقوانين أثناء التّنفيذ حتى تكون فعالة في ردع التّجاوزات.

ومرّة أخرى هناك اختلاف في وجهات النّظر حول الطّريقة التي ينبغي أن يفسّر بها مصطلح "التّناسب". تشير إحدى التّفسيرات إلى "المعاملة بالمثل" حينما يستخدم المعتدى عليه نفس العنف الذي استخدمه المعتدي ... ولا يمكن أن يكون هذا صحيحا لأنّ المبدأ في مثل هذه الحالة سيسمح باغتصاب المغتصب أو بتعذيب مقترف التّعذيب، وهي أعمال لا يمكن تبريرها بأي حال من الأحوال. ويشير تفسير آخر أكثر صرامة إلى "الاكتفاء"، أي إلى الحدّ الأدنى من العنف اللاّزم، ويتّسق هذا التّفسير مع الحدّ الذي يقضي به المبدأ الأساس وهو احترام حياة كلّ شخص وكرامته، وبذل كلّ الجهود لتقليل الإصابات والدّمار إلى أقصى حدّ ممكن.

ــ رابعا، مبدأ الملاذ الأخير.

وينصّ هذا المبدأ على إمكانية تبرير العنف أخلاقيّا إذا وفقط إذا استُنفذَت كافّة البدائل السّلميّة. ويعدّ هذا المعيار رئيسا في الأساس، حيث يشير ولزر[42] إلى ضرورة استنفاد كلّ الإجراءات السّياسيّة والقانونيّة وجميع الجهود الدّيبلوماسيّة بالوسائل وعبر القنوات المتاحة من وساطة وتحكيم قبل اتّخاذ قرار الحرب بالنّظر إلى الفظائع التي تجلبها الحرب بشكل لا يمكن التّنبّؤ به أو توقعه، والتي لا يمكن تجنّبها عند إعلانها والدّخول فيها. وغنيّ عن البيان أنّ مفهومي "الملاذ الأخير" أو "استنفاذ جميع البدائل" مفتوحان على العديد من التّفسيرات، فمتابعة لوالزر[43] يتعيّن تفسير مفهوم "الملاذ الأخير" بالمعنى الظّاهر المستفاد من العبارة.  فهو يشير إلى "صعوبة الوصول إلى ذلك "الملاذ" لأنّ الوصول إليه يستلزم محاولة الكثير من الأشياء في العديد من المرّات، وهو ما يعبّر عنه في السّياسة بفنّ التّكرار". ويعزّز هذا المبدأ الإحجام عن اللّجوء إلى العنف حتى عندما يكون لذلك العنف ما يبرّره، لأنّ العنف ظاهرة سيّئة خطيرة وخاطئة. وتبريره بحسب جيراس[44] يعني السّماح لفعل خطأ أخلاقيّا تحت طائلة الهروب من عواقب رهيبة جدّا إلى أخرى أكثر رعبا، وهو ما يوقع في خطأ مضاعَفٍ، لأنّ المبرّر منه من منظور، يتعذّر تبريره من منظور آخر، وبذلك "لا يصبح كلّ الحقّ".

الجزء السّابع: مبدأ التّقدّم التّدريجيّ

في محاولة لتحديد المبادئ التي قد تسمح باستخدام العنف، تظهر المبادئ الأربعة التي تمّ تفصيلها بشكل بارز في الدّراسات المتعلّقة بنظريّة الحرب العادلة، وبمفهوم قواعد السّلوك العادل في الحرب على وجه الخصوص. وهناك مبدأ خامس لم يحظ حتى الآن باهتمام مستحقّ يتعيّن على تلك الدّراسات إلحاقه بالمبادئ الأربعة، وهو مبدأ التّقدّم التّدريجيّ أو التّصعيد. وينصّ هذا المبدأ على البدء بالحدّ الأدنى عند ضرورة استخدام العنف، ثمّ التّحرّك بشكل تدريجيّ إذا لزم الأمر. وهو ما يعني الاحتكام إلى الخيارات والاستراتيجيّات غير العنيفة في إدارة الأزمات قبل اللّجوء إلى العنف على نحو ما هو مفصّل في مبدأ "الملاذ الأخير" وما أيّده هربرت ماركيوز[45]. حيث يظلّ من المتعيّن دائما وضمن مجموعة ممكنة من الاستراتيجيّات اعتماد أقلّ العنف قبل التّدرّج نحو استراتيجيات أكثر عنفا عند الفشل. ولإعطاء فكرة تقريبيّة عن كيفية عمل مبدأ التّقدّم التّدريجيّ في المواجهة السياسيّة يجب أن تكون الخطوة الاستراتيجيّة الأولى هي الحوار، وعند فشل هذه الخطوة يصبح ممكنا الانتقال إلى خطوات أخرى تتدرّج بشكل متصاعد في إعمال العنف، فيكون مثلا البدء بالعصيان المدنيّ غير العنيف، وعند الفشل يليه العصيان المدنيّ العنيف، وعند الفشل أيضا يكون اللّجوء إلى الصّراعات منخفضة الكثافة، ثمّ إلى الثّورة في الأقصى بعد الوصول إلى الباب المسدود. ففي الاستراتيجيّات غير العنيفة، وفي جميع الحالات يجب أن يتّبع العنف دائما مبدأ التّقدّم التّدريجيّ على أن تراعى القيم الأخلاقيّة والأعراف الجارية في إدارة الصّراع من أجل الحفاظ على الأرواح والممتلكات العامّة. وعندما يفشل اللاّعنف، وفقط عندما يفشل تستهدف الكائنات الجامدة بشكل محدّد ومحدود في المقام الأوّل، وعندما يفشل هذا التّخريب المحدود، يمكن التّفكير في استهداف الأشخاص المناوئين للخيارات العادلة والحلّ الدّائم. ومرّة أخرى ينبغي تطبيق مبدأ التّدرّج عند استهداف الأشخاص بتعريضهم لإصابات طفيفة قبل اللّجوء إلى إيقاع إصابات أكثر خطورة، حيث يتعيّن أن يكون القتل دائما هو آخر الخيارات الممكنة. فللعنف درجات ونوع كما يشير إلى ذلك نيلسن[46] الذي يقترح في هذا السّياق عن سبيل المثال، "التّمييز بين العنف ضدّ الممتلكات والعنف ضدّ الأشخاص".

إنّ التّقيّد الصّارم بجميع المبادئ التي نوقشت حتى الآن ضروريّ قبل التّفكير في العنف، وهو يقود إلى التّساؤل حول ما إن كانت المبادئ القائمة مبرّرة للإرهاب على قدر تبريرها للعنف السّياسيّ؟ قبل الإجابة عن هذا التّساؤل يكون من الجدير التّمييز بين العنف السّياسيّ وبين الإرهاب للتّأكيد على أنّ تبرير بعض العنف لا يبرّر تلقائيّا كلّ العنف، كما يشير إلى ذلك نيلسن[47] حينما يرى "أنّ الرّسالة التي تفيد ما يبرّر العنف في بعض الأحيان لا تعني ولا تشمل على الإطلاق الدّفاع عن الإرهاب". ففيما يتعلّق بالإرهاب، يعتمد الكثير على ما يعنيه هذا المصطلح بالضّبط علما أنّه مثير للجدل، مختلف فيه ومتنازع عليه. فإذا كان الإرهاب عن سبيل المثال كما يعرّفه والزر[48] بأنّه ذلك القتل العشوائيّ والتّعسفيّ الذي يستهدف الأبرياء، فإنّ الإرهاب لا يمكن تبريره تحت أيّ ظرف من الظّروف. لكن الإرهابيّين لا يستهدفون دائما الأبرياء كما يشير إلى ذلك فوليندوايدر[49]، فتخريب قاعدة عسكريّة ينعت بأنّه عمل إرهابيّ على الرّغم من أنّه لا يستهدف عزّلا وأبرياء، ولا هو قتل لأجل القتل. لقد توخّى نيلسون مانديلاّ[50] هذا النّوع من العنف السّياسيّ وأيّده قبل اعتقاله عام 1961، وبذلك لا يكون إرهابا لأنّه ليس انخراطا  في قتل أي شخص.

لكنّ المشكلة العالقة التي تخصّ الإرهاب هي اعتماد الإرهابيّين على القتل كاستراتيجيّة وحيدة يستمرّون عليها في الغالب، ما يضعهم موضع الخطأ والتّعارض مع جميع المبادئ والأعراف التي يتعيّن التّقيّد بها قبل اللّجوء إلى العنف الأقصى. فهم متعوّدون بالقتل على البدء معه من أعلى، وهذا يتناقض على وجه الخصوص مع مبدأ التّصعيد والتّقدّم التّدريجيّ، ويلغي ما لديهم من حجج لتبرير ما يقومون به. ويؤكّد بالتّالي حرصهم على أعمال القتل والتّخريب، وعدم رغبتهم في إعمال استراتيجيات أخرى يرون أن لا وقت لديهم يضيّعونه في استنفادها.

يذكّر جاجار[51] على حقّ تماما بأنّ الإرهاب ليس نوعا محدّدا من الصّراع، بل هو تكتيك يستخدم في أنواع ومراحل مختلفة منه. إذ لا ينبغي أن يكون الإرهاب مساويا لأيّ طريقة تخويف أخرى، فالإرهابيّون يستخدمون أساليب متنوعة من التّدمير وسفك الدّماء تجعلها منعدمة القيمة أخلاقيّا، وكلّ تبرير لها لا بدّ وأن يكون مضلّلا. فالسّؤال "هل يمكن تبرير الإرهاب؟" لا يمكن الإجابة عنه بحديث عامّ مجرّد من المعرفة الملموسة، وبالتّالي يجب أن يحلّ محلّه التّساؤل عن ماهية الإرهاب وإمكانيّة تبريره. نعم هناك إرهاب يستجمع عنفه شروط عدم التّبرير، وهناك عنف آخر أقلّ تطرّفا وشدّة قد تعتمد شرعيّته على السّياق ولا يمكن رفضه مسبقا لأسباب أخلاقيّة.

هناك حاجة إلى التّفكير في نهج قائم على المبادئ من أجل معرفة ما إن كان للإرهاب ما يبرّره في سياق معيّن ونوع معيّن. فإذا كان المبدأ الأساس بالإضافة إلى المبادئ الخمسة الأخرى التي تمّت مناقشتها في هذا الفصل قائمة تفرض التزاما دقيقا، فلا يوجد أيّ سبب يمنع من تبرير نوع معيّن من ذلك الإرهاب. يشرح مانديلاّ[52] في سيرته الذّاتيّة "الطّريق الطّويل إلى الحرّيّة" أنّه قد تمّ النّظر عند تخطيط الاتّجاه الذي اضطلع به الجناح العسكريّ للحزب الوطنيّ الأفريقيّ في أربعة أنواع من الأنشطة العنيفة: التّخريب، حرب العصابات، الإرهاب، والثّورة المفتوحة ومضى يقول: "بما أنّ حزب المؤتمر الوطنيّ الأفريقيّ كان متردّدا في اعتناق العنف على الإطلاق، فمن المنطقي أن يبدأ بالتّخريب كشكل عنيف ينتج عنه أقلّ قدر من الضّرر لدى الأفراد". ويشير هذا إلى أنّ مانديلاّ كان يفكّر بطريقة التّصعيد على غرار مبدأ التّقدّم التّدريجيّ، لذلك فهو يذكر أنّه لم يستبعد أنواعا أخرى من العنف فيقول: "وإذا لم ينتج التّخريب النّتائج التي أردناها، كنّا على استعداد للانتقال إلى المرحلة التّالية: حرب العصابات والإرهاب".

الجزء الثّامن: الخلاصة

هل يمكن تبرير العنف؟ يشير هذا الفصل إلى إمكانية تبريره على الأقلّ من النّاحية النّظريّة، لكن عمليّا يصعب القيام بذلك، بل يكون تبرير الإرهاب أصعب إن لم يكن مستحيلا. فبعد التقييم ودحض حجّتي الهوّيّة وحساب النّتائج أو العواقب اللّتين استُعمِلَتا في الغالب لتبرير استخدام العنف، يطرح هذا الفصل نهجا بديلا يدعو إلى الالتزام بمجموعة من المبادئ، انطلاقا من احترام حياة وسلامة جميع الأشخاص في جميع الأوقات كمبدأ أساس، تليه المبادئ الخمس المذكورة باعتبارها مبادئ رئيسة وهي: الدّفاع عن النّفس؛ النّجاح المعقول، التّناسب، الملاذ الأخير، والتّصعيد أو التّقدّم التّدريجيّ. فوفقا لهذه المبادئ تكون الغالبيّة العظمى من أعمال العنف لا أساس لها ولا مبرر. منها على وجه الخصوص أعمال القتل إلاّ في أشدّ الظّروف، مع أنّ هذا لا يعني أنّه من حيث المبدأ لا يمكن تبرير العنف، ويشمل ذلك الإرهاب.

***

الدّكتور عليّ رّسول الرّبيعيّ*

..............................

المصادر

Arrigo, J,M. ‘a Utilitarian   Argument Against Torture Interrogation of Terrorist’, Science and Enginaring Ethics,Vol.10,No.3

Audi,R. ‘On the Meaning and Justification of Violence’, in Jerome A. Shaffer (ed) Violence, New York, David Mkay Company, 1971

Beccaria, C, On Crimes and Punishments and Other Writings, Bellamy (ed), Cambridge, Cambridge University Press,1995

Crenshaw ‘The Causes of Terrorism’, in Bestman, C. (ed) Violence A Reader, Basingstok: Macmillan, 2002

Fullinwider, R. ‘Understanding Terrorism’, in S. Luper-Foy (ed), Problems of International Justice, Boulder, Co, Westview Press, 1988

Geras, N. ‘ Our Morals’, in N. Geras, Discourse of Extremity, London, Verso, 1990

Govier ,T. Forgiveness and Revenge, London: Routledge, 2002

Guies, T. Violence, Media and the Crisis of Masculinity, 2000

Honderich, T. Terrorism for Humanity: Inquiries in Political Philosophy, London, Pluto, 2003

Hook, S. Revolution, Reform and Social Justice, Oxford, Blackwell, 1976

Jaggar, A. ‘What is Terrorism, why is it Wrong, and Could it Ever be Morally Permissible?’ Journal of Social Philosophy, Vol .36, No .2. 2005

Katz, J. ‘Men, Masculinities, and Media: Some Introductory Notes’, Research Report, Wellesley Centrers for Women, Vol. 2, No. 2. 1999

Keane, J. Reflection on violence, London, Verso,1996

Kristeva. J. Revolt, She Said, Cambridge, MA; Semiotext(e) /MTT Press, 2002.

Mandela,N, Long Walk to freedom, London, Abacus, 1995

Martha, M. Breaking the Cycle of Hatred: Memory, Law, and Repair, Nancy L. Rosenblum (ed), Princeton, Princeton University Press. 2003

Murphy, J.93d Civil Disobedience and Violence, Belmont,CA: Wadsworth, 1971

Macey, D. Frantz Fanon: A Life, London, Granta Book, (2001)

Marcuse, H. ‘Ethics and Revolution’, in R.t. DeGeorge (ed) Ethics and Society, New York, Doubleday, 1966

Nietzsche. A Nietzsche Reader, Harmondsworth: Penguin, 1977

Nielsen. ‘On Justifying Violence ‘, Inquiry, Vol.24.1981

Presby, G. ‘on the Role of Violence in Liberation: A Comparison  to Gandhi and Mandela’, in L.R. Gordon, T.D. Sharpley-Whiting, and R.T WHITE(ed), Fanon: A Crirical Reader, Oxford, Blackwell.2002

Rawls, J. Theory of Justice, Cambridge, MA, Harvard University Press, 1971

Sartre, J.P. ‘Preface to Frantz Fanon’s Wretched of the Earth’, in Scheper-Hughes, N. and Bourgois, S,P 9ED0 Violence in War and Peace, An Anthology, Oxford, Blackwell, 2004,p 231

Solomon. A passion for Justice: Emotions and the Origins of the Social Contract, New York: Addison-Wesley, 1990

Tronto, J. ’Frantz Fanon’, Contemporary Political Theory, Vol 3, No3. 2004

Walzer, M. Just and Unjust War, New York, Basic Book, 1977

Walzer, M. ‘Terrorism; A Critique of Excuses’, in S. Luper-Foy(ed), Problems of International Justice, Boulder, Co, Westview Press, 1988

 هوامش

 [1] Gert.B Morality: Its Nature and Justification, New York, Oxford University Press, 1969

[2]    راولز جون، نظرية في العدالة، منشورات الهيئة العامة السورية للكتاب، دمشق، ترجمة ليلى الطويل، 2011، ص410

[3]   راولز جون، نظرية في العدالة ، ص 429.

[4] Audi, R. ‘On the Meaning and Justification of Violence’, in Jerome A. Shaffer (ed) Violence, New York, David Mkay Company, 1971.

[5] Gras, N. ‘Our Morals’, in N. Geras, Discourse of Extremity, London, Verso, 1990.

[6] Audi, R. ‘On the Meaning and Justification of Violence’ p 86

[7] Geras, N. ‘Our Morals’, p.23

[8] حول الوصف المتكرر عن كيفية فرض الظلم من خلال استخدام العنف خلال القرن العشرين، انظر:

Glover, J. Humanity: A Moral History of the Twentieth Century, Ney Haven, CT; Yale University Press, 2001

جيراس  مؤلف سياسي مؤثر وذو نفوذ،  فقد تبنى موقفا  يرى على اليسار البريطاني أن يدعم  الحرب ضد صدام حسين، فبالنسبة لأي اشتراكي  ليس هناك شر أكبر من الديكتاتورية الشمولية التي يجب أن تهزم باستخدام جميع الوسائل المتاحة.

[9]  انظر: الدراسة المثيرة للاهتمام بشأن ثقافة العنف والذكورية

Katz, J. ‘Men, Masculinities, and Media: Some Introductory Notes’, Research Report, Wellesley Centers for Women, Vol. 2, No. 2. 1999

وأيضا دراسته:

Guies, T., Violence, Media and the Crisis of Masculinity, 2000

[10] Nietzsche. A Nietzsche Reader, Harmonds worth: Penguin, 1977, pp. 100-101.

[11]  هناك أيضا مؤيدون لحجة الهوية وهم أولئك الذين يدافعون عن المقبولية الأخلاقية للانتقام، انظر على سبيل المثال:

Murphy, J. 93d Civil Disobedience and Violence, Belmont, CA: Wadsworth, 1971. Solomon. A passion for Justice: Emotions and the Origins of the Social Contract, New York: Addison-Wesley, 1990. Govier,T,. Forgiveness and Revenge, London: Rout ledge, 2002

[12] Presby,G., ‘ Fanon on the Role of Violence in Liberation: A Comparison  to Gandhi and Mandela’, in L.R. Gordon,T.D. Sharpley-Whiting, 1996, and R.T White (ed),Fanon: A Crirical Reader, Oxford, Blackwell. 2002

[13] Crenshaw, M. ‘The Causes of Terrorism’, in Bestman, C. (ed) Violence : A Reader, Basingstok, Macmillan, 2002.

[14] Macey, D. Frantz Fanon: A Life, London, Granta Book, (2001).

[15] Tronto, J. ’Frantz Fanon’, Contemporary Political Theory, Vol.3, No3.2004

[16] Sartre, J.P. ‘Preface to Frantz Fanon’s Wretched of the Earth’, in Scheper-Hughes, N. and Bourgois, S,P 9ED0 Violence in War and Peace, An Anthology, Oxford, Blackwell, 2004,p 231

[17]  المصدر نفسه، ص233

[18] Kristeva. J. Revolt, She Said, Cambridge, MA; Semi text(e) /MTT Press, 2002. P.12

[19]  المصدر نفسه، ص 13

[20] Keane,J., Reflection on violence, London, Verso,1996.

[21] Keane, J., Reflections on Violence, London, Verso, 1996.p.75

[22] Sartre, J.P. ‘Preface to Frantz Fanon’s Wretched of the Earth’, p.231

[23] Kristeva. J., Revolt, She Said,p.114

[24] Audi,R. ‘On the Meaning and Justification of Violence’, p.89

[25] Gert.B, Morality: Its Nature and Justification.

[26] المصدر نفسه، ص 612.

[27] المصدر نفسه، ص 623.

[28] Nielsen., ‘On Justifying Violence ‘, Inquiry, Vol.24. 1981, p.29. 

[29] Geras, N. ‘Our Morals’

[30] Nielsen. ‘On Justifying Revolution’, Philosophy  and phenomenological Research, Vol,37,1976-1977,p.527-528

[31] Moor, B. Poplitical Power and Social Theory: Seven Studies, New York, Harper Row,1962

[32] Geras, N. ‘ Our Morals’, p.27.

[33] Gert.B, Morality: Its Nature and Justification, p 623.

[34] Arrigo, J,M. ‘a Utilitarian   Argument Against Torture Interrogation of Terrorist’, Science and Engineering Ethics,Vol.10,No.3

[35] Beccaria, C, On Crimes and Punishments and Other Writings, Bellamy (ed), Cambridge, Cambridge University Press,1995

 [36] حول وجهة النظر التي  مفادها أن العنف يولد العنف، ومخاطر دورة العنف  التي لا نهاية لها انظر:

Hook, S. revolution, Reform and Social Justice, Oxford, Blackwell, 1976

[37] Martha, M. Breaking the Cycle of Hatred: Memory, Law, and Repair, Nancy L. Rosenblum (ed), Princeton, Princeton University Press. 2003

 [38] Geras, N. ‘Our Morals’,p.49

[39] Nielsen. ‘On Justifying Violence, P.35

[40] Honderich, T. Terrorism for Humanity: Inquiries in Political Philosophy, London, Pluto, 2003

[41] Walzer, M., Just and Unjust War, New York, Basic Book, 1977, p. 129

[42] Rawls, J. Theory of Justice, Cambridge, MA, Harvard University Press, 1971

[43] Walzer, M. ‘Terrorism; A Critique of Excuses’, in S. Luper-Foy(ed), Problems of International Justice, Boulder, Co, Westview Press, 1988, p.293

[44] Geras, N. ‘Our Morals’, 1990, p. 49

[45] Marcuse, H. ‘Ethics and Revolution’, in R.t. DeGeorge (ed) Ethics and Society, New York, Doubleday, 1966

[46] Nielsen. ‘On Justifying Violence‘ P.35

[47]  المصدر نفسه، ص 22

[48] Walzer, M. ‘Terrorism; A Critique of Excuses’

[49] Fullinwider, R. ‘Understanding Terrorism’, in S. Luper-Foy(ed), Problems of International Justice, Boulder, Co, Westview Press, 1988

[50] Mandela, N, Long Walk to freedom, London, Abacus, 1995

[51] Jaggar, A.‘What is Terrorism, why is it Wrong, and Could it Ever be Morally Permissible?’ Journal of Social Philosophy, Vol.36, No.2. 2005

[52] Mandela, N, Long Walk to freedom, p.336

 

محمد محفوظخلاصة الدراسة:

إن الدول في المجال العربي على نحوين: دول أيدلوجية تعمل بمختلف الوسائل بما فيها القهرية لتعميم أيدلوجيتها واقتحام مجتمعها بكل فئاته ومكوناته وشرائحه في بوتقة أيدلوجيتها.. وكل طرف أو مكون يرفض الانضمام إلى هذه الأيدلوجيا، فيمارس بحقه النبذ والإقصاء والعنف المادي والرمزي.. لهذا فإن صلة هذه الدولة بمواطنيها يتم عبر الأجهزة الأمنية، وإذا توفرت فيها بعض أشكال الديمقراطية، فهي شكلية وتمارس الاستبداد والقهر بقفازات ناعمة..

ودول تقليدية تعتمد في بنيتها الأساسية على حكم العائلة أو العشيرة أو أي شكل من أشكال الانتماءات التقليدية وهي أيضا بحكم بنيتها حاضنة للبعض وطاردة للبعض الآخر..

ولعل أحد الفروقات الأساسية بين الدولة الأيدلوجية والدولة التقليدية في التجربة العربية المعاصرة، هي أن كلا الدولتين وديكتاتوريتين واستبداديتين، واحدة باسم الأيدلوجيا الدينية أو الأيدلوجيا التقدمية، والأخرى باسم حكم العائلة وتقاليد المجتمع والحياة العامة في البلد..

فكلاهما ديكتاتوريتان تمارسان الاستبداد والإقصاء والنبذ بكل صنوفه.. ويضاف إلى هذا أن الدول الأيدلوجية هي بطبيعتها أيضا دولا قمعية.. بمعنى أن لأجهزتها الأمنية سطوة وصلاحيات هائلة لإدامة الاستقرار وحماية السلطة.. فهي دول ديكتاتورية وقمعية في آن.. وفي ظل هذه الدول فإن الأقليات الدينية تعاني العديد من المآزق والمشاكل المتعلقة بحريتها الدينية ومستوى مشاركة أبناءها في الحياة العامة..

وقناعة الدراسة الأساسية: أنه إذا لم تتغير بنية الدولة في المجال العربي من دولة أيدلوجية أو تقليدية إلى دولة مدنية – تشاركية – تعددية محايدة تجاه عقائد مواطنيها، فإن مشاكل الأقليات ستستمر وتزداد استفحالا..

والذي يزيد أزمة الأقليات في هذا السياق، هو طبيعة فكرها السياسي المحافظ، الذي يجعلها تحذر من الانخراط في مشروعات الإصلاح الوطني..

لهذا فإن الدراسة تعتقد: أن تطوير فكر الأقليات السياسي، ودفعه نحو الانخراط في مشروعات الإصلاح والتفاعل الخلاق مع قضايا التغيير السياسي، يساهم في معالجة مشكلة الأقليات في الدول العربية المعاصرة.. وتطوير الفكر السياسي للأقليات للخروج من نفق المحافظة إلى رحاب الإصلاح يعني النقاط التالية:

1- الانخراط في مشروعات سياسية وفكرية عابرة للمكونات التقليدية ومتجاوزة للانتماءات الطبيعية، والمساهمة في بناء كتل وطنية تطالب بالإصلاح وتعمل من أجله..

2- الانعتاق من ربقة الانكفاء والانزواء، وكسر حواجز الانطواء، والتفاعل الكامل مع شركاء الوطن..

لأننا نعتقد أن الطائفية في المجال العربي تمارس على نحوين أساسين وهما: النحو الأول: الطائفية الغالبة وهي تمارس طائفيتها بتبني سياسات النبذ والتهميش والإقصاء للآخر المختلف والاستمرار في دفعه عبر وسائل قسرية وناعمة للمزيد من الانكفاء وبناء الحواجز النفسية والاجتماعية والسياسية مع الآخر المختلف الديني أو المذهبي أو القومي..

والنحو الآخر: هي الطائفية المغلوبة وهي طائفية معكوسة تبرر انكفاء الذات وتسوغ المفاصلة الشعورية والعملية.. فإذا كانت الطائفية الغالبة تمعن في سياسات الإقصاء والتمييز، فإن الطائفية المغلوبة تمعن في سياسات الانعزال والنظرة النرجسية للذات.. والتحرر من النزعة المحافظة في الفكر والسياسة، يقتضي العمل على نقد وتفكيك أسس ومتواليات الطائفية المعكوسة المتعشعشة في نفوس وعقول الكثير من أبناء الأقليات الدينية والمذهبية والقومية في المجال العربي..

3- بناء العلاقة ونظام الحقوق والواجبات على أساس المواطنة المتساوية مع الاحترام التام لخصوصيات المواطنين الدينية والمذهبية..

والمواطنة بحمولتها القانونية والدستورية، هي بوابة الانتقال بمجتمعاتنا من حالة السديم البشري إلى المجتمع التعاقدي الذي يضمن حقوق الجميع، ويفتح المجال القانوني للجميع للمشاركة في بناء الأوطان واستقرارها السياسي والاجتماعي..

مفتتح:

ثمة مسائل وقضايا شائكة وحيوية في آن، تثيرها التطورات الإقليمية والدولية اليوم.. حيث مستويات التفتيت ودرجات التشظي. حيث الكيانات السياسية الكبيرة وما تسمى بالإمبراطوريات، التي قامت بالقوة واستمرت بالقهر والغصب والإرهاب. هذه الكيانات والتي تمتلك ترسانات عسكرية ضخمة بدأت بالتلاشي. حيث استيقظت كل الوطنيات والأثنيات والقوميات المقموعة خلال السنين المنصرمة وبدأت تبحث عن ذاتها وكيانها وخصوصياتها.

والذي يزيد المشهد قساوة ورعبا، هو تكاثر بؤر العنف الكامنة والصريحة والمفتوحة على كل احتمالات الفوضى وهوس استخدام القوة بلا وعي وبصيرة وعقل.

ولا نبالغ حين القول: أن تسعير التوترات وإشعال بؤر العنف بكل أصنافه وأشكاله، واستيقاظ كل التنوعات والخصوصيات، كل هذا من جراء العقلية الاستبدادية والعنفية، التي سادت في مناطق عديدة من العالم، واستخدمت كل قوتها وجبروتها وغطرستها لمحو خصوصيات الأمم والمجتمعات، ولطمس حقائق تاريخية ومجتمعية متجذرة في العمق الحضاري للأمم والأوطان.

الاستبداد جذر الأزمة:

فالعنف والقهر والاستبداد، هو الذي أيقظ الخصوصيات بنحو سلبي، كما أن إرهاب الدولة وغطرستها وتغّولها وسعيها المحموم لدحر ما عداها، هو الذي أدى إلى تسعير التوترات وتفجير الاحتقانات في مواضع ومناطق عديدة من العالم.

وعلى هدى هذا نستطيع القول: أن كل الكيانات والوجودات، التي تأسست على قاعدة الوحدة القسرية والقهرية لتنوعاتها وتعدداتها، فإن مآلها الأخير هو التشظي والتفتت، والإمبراطوريتين السوفيتية واليوغسلافية نموذجان صريحان لذلك.

فالوحدة القهرية لا تفضي إلى استقرار مستديم، بل تؤسس لاحتقانات وانفجارات ونزاعات جديدة محورها التداعي والتآكل الوحدوي، واليقظة العنيفة لكل الخصوصيات والهويات المقموعة.

ولا ريب إننا بحاجة إلى حياة سياسية سليمة، تفسح المجال لكل التعبيرات والقوى بدل إقصائها وقمعها، وإلى فضاء عام حر، يساءل الواقع، وينقد الممارسات، ويحاسب المقصرين والمستهترين بالقانون. ونحتاج أيضا إلى مواطنة نشطة تعبر عن آمالها ومصالحها ونفسها بمشاركة سياسية وديمقراطية فاعلة، لبلورة الخيارات والرهانات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية الوطنية.

 والتمييز بكل صوره وأشكاله، والتهميش بمجالاته وآلياته، لا يفضيان إلى الوحدة والاستقرار السياسي والمجتمعي، وإنما يؤسسان الظروف الذاتية والموضوعية معا لتشظي الواقع، واستيقاظ العصبيات بكل زخمها وعنفها وعنفوانها.

وإن منطق الاستبداد يؤبد الأنظمة، ولا يفضي إلى الاستقرار، وإنما يفاقم العيوب، ويعمق التوترات، ويفجر الخصوصيات.

وإننا بحاجة إلى تحول نوعي وتطور استراتيجي في فكرنا السياسي والاستراتيجي، يعمق خيار الديمقراطية في واقعنا، ويسعى نحو صناعة حقائقه ووقائعه، ويحارب كل موجبات الاستبداد وحالات التهميش والتمييز، ومواقع النبذ والإقصاء.

لهذا نحن بحاجة أن نعيد قراءة مسألة الأقليات والخصوصيات الذاتية في المجالين العربي والإسلامي.. وهذا ما نحاوله في السطور القادمة..

مفهوم الأقليات:

بعيدا عن المضاربات الأيــدلوجية والسياسية، بإمكاننا أن نحدد معنى الأقليات بأنها: التكوين البشري، الذي يتمايز مع جماعته الوطنية في أحد العناصر التالية (الدين ـ المذهب ـ اللغة ـ السلالة). وهذا التمايز تعبير عن التنوع الطبيعي بين البشر.

فالأقليات هي " أي مجموعة بشرية تختلف عن الأغلبية في واحد أو أكثر من المتغيرات التالية: الدين أو اللغة أو الثقافة أو السلالة. ولا يعني ذلك كل من يختلف عن الأغلبية في أحد هذه المتغيرات هو مناوئ للقومية العربية أو لمطلب الوحدة. فهناك من بين أفراد بعض هذه الأقليات من ناضلوا في سبيل قضية الوحدة، وأسهموا مساهمات رائدة في الفكر القومي العربي. لذلك فإن توصيف جماعة معينة كأقلية لا يعني بالضرورة أي حكم مسبق على اتجاهاتها نحو مسألة الوحدة. والعبرة كما قلنا هي ما إذا كان أي من هذه المتغيرات (الدين ـ اللغة ـ الثقافة ـ السلالة) يضفي على مجموعة بشرية معينة قسمات اجتماعية ـ اقتصادية ـ حضارية تلون سلوكها ومواقفها السياسية في مسائل مجتمعية رئيسية " (1).

" والجماعة الأثنية تستخدم في العلوم الاجتماعية، لتشير إلى أي جماعة بشرية يشترك أفرادها في العادات والتقاليد واللغة والدين وأي سمات أخرى متميزة بما في ذلك الأصل والملامح الفيزيقية والجسمانية " (2).

وبالتالي فإن الحديث سيتجه إلى الأقليات الأقوامية والدينية والمذهبية.. " ففي أفريقيا السوداء، التي يناهز تعداد سكانها اليوم (750) مليون نسمة، توجد (54) دولة، وتوجد في مقابلها (2200) أثنية تتكلم بمثل هذا العدد من اللغات. وفي آسيا أكبر قارات العالم من حيث تعداد السكان، يعيش اليوم (5ر3) مليار نسمة، يتوزعون بدورهم على أكثر من (2000) أثنية وينطقون بأكثر من (2000) لغة ويعتنقون ديانات شتى.

فاندونيسيا مثلا، وهي رابع أكبر دولة في العالم، ويقطنها (215) مليون نسمة، يتوزعون على (300) أثنية وينطقون بـ (365) لغة. والفليبين، بلد الـ (100) أثنية ولغة. ويصل تعداد الأثنيات والأقليات الأثنية في لاوس إلى (70)، وفيتنام إلى (55)، وتركيا إلى (66)، وإيران إلى (21) وبنغلاديش إلى (52) والنيبال إلى (30).

وفي العالم اليوم (188) دولـــة أعضاء في منظمة الأمم المتحدة، ولكن هناك في المقابل (8000) أثنية و(6700) لغة.

ولقد أقرت كندا في عام (1988م) لسكانهـــا الهنــــود (850) ألفا يتوزعون بين (600) قبيلة بوضعية ثقافية خاصة، وأفــــردت بندا خـــاصا من قانــــونها الاتحادي (البند 27) لتكريس حق الأفراد الذين ينتمون إلى أقلية أثنية أو لغوية أو دينية في التمتع بتقاليدهم الثقافية الخاصة وبممارسة شعائرهم الدينية والتكلم بلغاتهم الخاصة وتعليمها. ولقد أنشأت كندا أخيرا للهنود المعروفين باسم (الأينويت) من سكانها منطقة مستقلة ذاتيا لها برلمانها الخاص وعاصمتها الــخاصة ومدارسها الخاصة، وحتى شــركة طيرانها الخاصة، مع أن تعداد الهنود الأينويت لا يزيد عن (35) ألف نسمة. والسويد أباحت تعليم (265) لغة في مدارسها، بما فيها لغات الجاليات المهاجرة كالعربية والسريانية والتركية. وأقرت ايطاليا في عام (1999م) قانونا تشريعيا لحماية الأقليات اللغوية، ومنحت وضعية إدارية وثقافية خصوصا لخمس من محافظاتها في جزيرتي صقلية وساردينيا وفي جبال الألب والتيرول " (3).

وإن درجة التميز وحدته وعمقه الاجتماعي والسياسي وأهدافه وتطلعاته القريبة والبعيدة، مرهون كل هذا إلى حد بعيد إلى طبيعة التعامل الذي تمارسه السلطات السياسية والاجتماعية. فإذا كان التعامل جافا وبعيدا عن مقتضيات العدالة والحرية، فإن الشعور بالتميز الذي يفضي إلى تمييز وتهميش من قبل السلطات، سيؤدي إلى المزيد من التميز والتشبث بالخصوصية، وسيدفعه هذا الشعور العميق بالتميز بتبني خيارات واتجاهات تزيد انفصاله الشعوري والعملي عن المحيط العام.

 إما إذا كان التعامل مرنا وسياسيا وبعيدا عن العقلية الأمنية وممارساتها وهواجسها وأعمالها، فإن درجة الشعور بالتميز تتضاءل وإمكانية الاندماج الطوعي تتعمق وتتواصل.. فـ " ملاحظة التميز في هذه الصفة أو الصفات المشتركة في أفراد جماعة معينة، وتباينها عن جماعات بشرية أخرى، ينطوي على عنصر ذاتي وعلى عنصر موضوعي. العنصر الموضوعي هو وجود الاختلاف أو التباين بالفعل في أي من المتغيرات المذكورة أعلاه (اللغة، أو الدين، أو الثقافة، أو الأصل القومي والمكاني، أو السمات الفيزيقية). أما العنصر الذاتي فهو إدراك أفراد الجماعة وإدراك الجماعات الأخرى القريبة منها لهذا التباين والاختلاف. وهو يؤدي إلى الشعور بالانتماء إلى جماعة معينة في مواجهة الجماعات الأخرى " (4). فدرجة الشعور بالتميز الذي يؤدي إلى تبني سياسات واتجاهات انفصالية يرتبط بشكل أساسي بطريقة التعامل السياسي والاجتماعي والقانوني مع هذه الأقليات.

فالسلطة النابذة والمستخدمة لكل أنواع القوة المادية الغاشمة لفرض الاندماج وتغييب التميز الطبيعي، تزيد بشكل أو بآخر من فرص بذور مشكلة الأقليات وعقدها الاجتماعية والسياسية.. أما السلطة التي تبحث عن نظام للتضامن والتعامل الحسن والحضاري مع هذه الأقليات، نظام يلبي متطلبات الأقليات الدينية والثقافية والتعليمية والاجتماعية، كما يلبي متطلبات الوحدة والاستقرار.

هذا النظام المرن والحيوي، هو الذي يزيل كل التوترات، ويحد من نزعات التهميش والتميز.. بل نستطيع القول: أن النظام السياسي والاجتماعي المرن والمتسامح، يتمكن من توظيف الشعور بالتميز لدى المجموعات البشرية، في بناء الوطن وإزالة كل عناصر التوتر.. أي أن الديمقراطية تجعل دور التميز دورا وحدويا، اندماجيا، بعيدا عن كل أشكال التقوقع والدوائر المغلقة. فالمساواة في الحقوق السياسية والمدنية، يجعل كل المجموعات البشرية، تباشر دورها الإيجابي في الحفاظ على أمن الوطن ومكتسباته السياسية والاقتصادية والحضارية. وهذه المساواة لا تتأتى إلا بتحقيق المشروعية الدستورية والمؤسسية للاختلاف والتنوع والتعدد في الوطن الواحد.

ولا بد من القول: أنه كلما قلت وتضاءلت مستويات الاندماج، كلما برزت في المجتمع مسألة الأقليات وتداعياتها السياسية والاجتماعية والثقافية.

بمعنى أن وجود الأقليات في أي فضاء اجتماعي، يتحول إلى مشكلة، حينما يفشل هذا الفضاء ولعوامل سياسية واجتماعية وثقافية عديدة في تكريس قيم التسامح واحترام الآخر وصيانة حقوق الإنسان والمزيد من الاندماج والانصهار الوطني. حينذاك تبدأ المشكلة، وتبرز الخصوصيات الذاتية، وتنمو الأطر التقليدية لكي تستوعب جماعتها البشرية بعيدا عن تأثيرات المحيط وإستراتيجياته المتجهة صوب فرض الانصهار وقهر الخصوصيات الذاتية.

إن الأقليات كمفهوم وواقع مجتمعي، لا يكون في قبال ومواجهة القوميات والوطنيات، ويسيء إلى جميع هذه المفاهيم من يجعل من مفهوم الأقليات مواجها لمفهومي القومية والوطنية، لأنه من المكونات الأساسية لكل قومية ووطنية هويات متعددة أما دينية أو مذهبية أو أثنية أو لغوية.. ولعل من الأخطاء الكبرى أن " تعالج الطائفية كما لو كانت إحدى ترسبات التاريخ الأيدلوجي العربي وتجلياته المرضية، وتفسر بقاءها ببقاء الجهل واستمرار الأميّة، أو تربط أحيانا بينها وبين الوعي الديني بشكل عام. وهي ترى أن الحل الوحيد لها هو مواجهتها بالوعي القومي والعلماني وبالتنوير الفكري والقضاء على من يمكن أن يتهم بنشرها والعمل على الترويج لها. وهي لا تجعل منها إذن قضية كبرى من قضايا التنمية والتطور السياسي والاجتماعي العربي، وإنما قضية ملحقة بغيرها. وتنظر إلى التهابها الراهن في بعض المواقع كأثر من آثار تراجع الأيدلوجية القومية العربية. فبالتأكيد على هذه الأيدلوجية القومية والدعوة لها ونشرها يمكن في نظرها القضاء على الطائفية، وهذا يعني باختصار أن الوعي الطائفي هو نقيض الوعي القومي، وأن هذا النقيض أصبح يعبّر عن الماضي أكثر مما يعبر عن المستقبل، وأنه لا بد زائل من تلقاء نفسه متى ما تم التأكيد على الوحدة والشعور القوميين وضرب على يد كل من يسعى إلى استغلال الشعور الطائفي البغيض والمتقادم " (5).

ولا نبالغ حين القول: أن أحد الأسباب الرئيسة لسقوط الإمبراطوريات وتداعي الكيانات السياسية الكبرى، كان بفعل الاستبداد وغياب الحريات النوعية الناظمة للعلاقة والمصالح بين مجموع التعبيرات والأطياف المتوفرة في المجتمع. وإن هذه الإمبراطوريات والكيانات والدول، بدأت الانحدار حينما ساد التمييز بين القوميات والأثنيات، وغاب التضامن الداخلي على قاعدة المواطنة الواحدة، وبرزت كل النزعات الاستبدادية، التي حاولت الاستفادة من كل أسباب القوة للغلبة على الأطراف الداخلية الأخرى.

ومسألة الأقليات بكل عناوينها ومسمياتها، من المسائل الحساسة في المجالين العربي والإسلامي، وتحتاج إلى قراءة ودراسة عميقة لواقعها وصولا إلى بلورة رؤية حضارية متكاملة في طريقة التعامل معها وكيفية اندماجها الطوعي والاختياري مع النسيج الوطني والمجتمعي. ولعلنا لا نعدو الصواب حين القول، أن الكثير من النكبات الاجتماعية والانفجارات السياسية، كان من جراء عدم التصدي الجاد لعلاج هذه المسألة في الواقعين العربي والإسلامي.

نقد العلمانوية:

على المستوى التاريخي، نجد أن علمانية الحركة القومية، وعلمنة مشروع الوحدة، لم يلغ مسألة الأقليات ولم يعالجها وفق نسق حضاري يحترم خصوصياتها ويشركها على قدم المساواة في اجتراح دورها في مشروع الوحدة. وعلى المستوى الواقعي، نجد أن العديد من الكيانات السياسية العلمانية، لم تستطع أن تتجاوز عصبيات الواقع والدوائر التقليدية المتوفرة في المجتمع. بمعنى أن العديد من الوجودات السياسية العلمانية، هي عبارة عن يافطة حديثة لواقع تقليدي، عصبوي.. فالكثير من الأحزاب هو واجهات لواقع تقليدي. لذلك فإن العلمانية في التجربة العربية والإسلامية، لم تستطع أن تتجاوز بشكل حضاري خصوصيات الواقع ودوائره الخاصة المتوفرة. فلا يزال المجال العربي إزاء علمانية مبدونة (إذا جاز التعبير). حيث تمارس الاضطهاد والاستغلال بمضامين موغلة في القدم. فالتجربة العلمانية العربية، مارست السياسة بآليات متخلفة وتنتمي إلى عصور الانحطاط، واستقوت على غيرها من الوجودات والتعبيرات، بالاستقواء بالعصبيات التي جاءت على المستوى النظري كحل لتجاوزها ومنع تأثيراتها السلبية.. فالممارسة العلمانوية أضحت في مناطق العالم العربي، ممارسات طائفية، حيث الاحتماء بطائفة ضد أخرى، وممارسات قومية شوفينية، حيث الاستناد بقومية وقمع القوميات الأخرى.. وهذا أدى في المحصلة النهائية إلى أن التجربة العلمانوية العربية، أنتجت وبزخم جديد كل الصراعات والنزاعات الداخلية، والتي جاءت كوصفة نهائية لعلاجها وإسقاط موجبات بقائها. فتحولت على مستوى التجربة العملية، إلى إضافة جديدة إلى الصراعات العميقة التي كانت تعاني منها مجتمعاتنا. وهذا يدفعنا إلى القول: أنه حينما تغيب الديمقراطية والحريات النوعية، تتحول كل الشعارات والمضامين الحديثة، إلى واجهات لإنتاج الأزمات التقليدية والعقد الكامنة في المجتمعات العربية والإسلامية.

فالديمقراطية هي الشرط الذي لا بد منه للسير نحو تطوير البنى السياسية والثقافية والاقتصادية للمجتمع..كما أن الديمقراطية هي التي تدفع السيرورة الاجتماعية للتعاون والتضامن والاندماج بين الأقليات على أسس أكثر عدالة وتسامحا ومساواة.. فالاستبداد والديكتاتورية، هي التي جعلت الواجهات الحديثة ذات محتوى أو طابع طائفي أو قومي محض.وبهذا غابت المواطنية، وسادت البنى الطائفية والقومية المغلقة والمنعزلة في آن..

فالأمن الشامل والدائم، هو وليد العدل السياسي والاجتماعي والاقتصادي، وكل محاولات وإجراءات استتباب الأمن لا فعالية لها ما دام مفهوم العدل لم يتحقق في الواقع المجتمعي. وترتكب الدول والمجتمعات أخطاءً فادحة، حينما تنشد الأمن والاستقرار بعيدا عن متطلبات العدالة وحقائق الحرية والمساواة. والدين كمنظومة مفاهيمية متكاملة، ليس هو مصدر التعصب الطائفي أو الأثني، وإنما الأوضاع السياسية والاقتصادية الشاذة والظالمة، هي التي تدفع المجموعات البشرية المتضررة من هذه الأوضاع إلى البحث عن وسائل لحماية ذاتها في خصوصياتها وإنتماءاتها العميقة. كما أن المجموعات البشرية المستفيدة من الأوضاع، فإنها تتشبث بخصوصياتها، لكي تحافظ على مكتسباتها ومصالحها. لذلك فإن مصدر التعصب والتطرف، هو الأوضاع السياسية والاقتصادية الظالمة، التي تمارس فرزا عميقا لكل فئات المجتمع على قاعدة انتماءاتهم المذهبية والأثنية والسياسية والأقوامية.

والقضاء على هذا التعصب والتطرف، لا يتم عبر محاربة الدين وأشكال التواصل معه بل عبر مواجهة الظروف السياسية والاقتصادية، التي عمقت هذا التعصب، وعملت على بناء واقع سياسي على قاعدة التمييز والتهميش لفئات اجتماعية، والامتيازات والثروات والمناصب لفئات اجتماعية أخرى.. فالأداء السياسي الظالم والبعيد عن مقتضيات العدالة والمرونة والتسامح، هو المسئول عن كل حالات التعصب والتطرف بكل أشكاله ومستوياته.

وإن الاستقرار السياسي والمجتمعي، القائم على احترام تعدديات المجتمع وتنوعه الفكري والسياسي، هو الذي يؤدي إلى نضوج خيار التمازج والتداخل والتواصل المتبادل بين مجموع تعبيرات المجتمع والأمة.

ويبدو أننا من دون فهم واقع الأقليات والأثنيات في المجالين العربي والإسلامي، وبلورة المعالجة الحضارية لهذا الواقع. من دون هذا سيبقى الواقع الداخلي والمجتمعي للعرب والمسلمين، يعاني الكثير من الأزمات والاختناقات والنكبات، لأن العديد من الصراعات والحروب الصريحة والكامنة، تجد جذورها ومسبباتها العميقة في هذا الواقع الذي يتم التعامل مع الكثير من عناوينه وقضاياه بعيدا عن مقتضيات العدالة والديمقراطية.

 وحينما نلح ونصر على ضرورة قراءة هذه المسألة ودراستها بشكل معمق، لا نريد تبرير واقع الانقسام والتجزئة، أو نشجع أصحاب المصالح في الخارج للاستفادة من هذا الفسيفساء أو التناقضات، وإنما نريد إعادة بناء مفهوم الوحدة الوطنية على قاعدة أكثر حرية وعدالة ومساواة. ولا يمكننا الوصول إلى ذلك دون الاعتراف بهذه المشكلة، والعمل معا من أجل بلورة المعالجة المناسبة لها.

فإننا نقف بقوة وحسم ضد كل محاولات التفتيت والانقسام، كما إننا نقف بنفس الدرجة ضد كل محاولات التجاهل والظلم والتعسف والتعدي على الحقوق تحت أي مبرر كان.فالوحدة الوطنية الصلبة، لا تبنى على أنقاض تجاهل حقوق الأقليات بل إننا نرى أن بوابة الوحدة الوطنية، هو أن ينال المجتمع بكل قواه ومؤسساته وفئاته الحرية اللازمة للتعبير عن آماله ومطامحه، وإدارة شؤونه بما ينسجم ومصالحه العليا.

وعندما ينال المجتمع حريته، وتتعمق في فضائه الممارسة الديمقراطية، تزول كل هواجس الخوف، وتضمر كل نوازع الاستقلال الذاتي والانفصال. فالديمقراطية بكل آلياتها ومؤسساتها ومقتضياتها، هي التي تعمق خيار الوحدة الداخلية، وتبنيه على أسس متينة وقواعد حضارية صلبة. فالتعدد الثقافي واللغوي في سويسرا (حيث هناك ثلاث مجموعات ثقافية ـ لغوية كبرى) لم يمنعهم من بناء وحدة داخلية حضارية تعطي لكل مجموعة حقوقها دون أن تنحبس وتنعزل هذه المجموعة عن المحيط العام ومتطلبات الوحدة الوطنية. كما أن الديمقراطية الهندية، هي التي سمحت لأربعين جماعة ثقافية ـ لغوية، من بناء دولة مقتدرة ومجتمع ديمقراطي يمتلك تجربة تاريخية متواصلة في الحرية والتسامح بين المجموعات المتعددة التي يتشكل منها المجتمع الهندي.

فالتعدد والتنوع لا يمنعان الاندماج والوحدة الاجتماعية والوطنية.. الذي يمنع كل هذا هو الاستبداد وغياب العدالة والمساواة. فلو توفرت الديمقراطية وتجسدت العدالة السياسية والاقتصادية، فإن الاندماج والوحدة الداخلية تكون متحققة من جراء ذلك..

***

محمد محفوظ

 

سناء عبدالقادر مصطفىالاصلاح النقدي وتغيير سعر الصرف في النرويج، ومدى استفادة العراق من هذه التجربة

المبحث الأول - تطور نظم السياسة النقدية في النرويج بعد العام 1816

كانت السياسة الرامية إلى استقرار أسعار الصرف لفترة طويلة تقليدا في النرويج. ومن الناحية العملية، تم ذلك فيما يتعلق بالعملات الفضية أو الذهبية أو الفردية أو فيما يتعلق بمتوسط سعر صرف لعدة عملات. وقد جرت العادة على أن تأتي فترات تعويم سعر الصرف في النرويج بعد انهيار نظم مختلفة لأسعار صرف ثابتة.

مرت النرويج بفترة طويلة من التضخم المرتفع خلال فترة الاتحاد مع الدنمارك. وفي العام 1816، تم تأسيس البنك المركزي النرويجي (نورجيس بنك- Norges Bank) وتم طرح speciedaler كوحدة نقدية نرويجية جديدة في التداول. وكان من المفترض أن يكون ل speciedaler قيمة فضية ثابتة، إذ تم تأسيس صندوق (Silver Fond) فضي ليكون بمثابة ضمان للأوراق النقدية الصادرة عن البنك المركزي النرويجي. وكان الناس منذ البداية يتداولون speciedaler بحرية[1].

وابتداءً من العام 1823 وضع تكافؤ(قيمة اسمية) لهذه العملة كحق تفتدى به أوتبادل مقابل مقدار معين من الفضة، وقد اقترب معدل الاسترداد تدريجيا من قيمة التكافؤ المعتمدة. في العام 1842، تم تأسيس معيار الفضة. ولم يكن معيار الفضة نظاما دوليا متفقا عليه على نطاق واسع لسعر الصرف الثابت. وقد أنشئ هذا النظام لأول مرة في سبعينيات القرن التاسع عشر[2].

تحولت النرويج من معيار الفضة إلى معيار الذهب في العام 1874. وفي العام التالي، انضمت النرويج إلى اتحاد العملات الاسكندنافية، الذي يعتبر الكرونات كوحدة نقدية والتي هي الكرونة النرويجية والكرونة السويدية والكرونة الدنماركية. وبمساعدة معيار الذهب، تم ربط الكرونة بعملات أخرى من خلال التزام البنك المركزي النرويجي باستبدال الذهب بسعر صرف ثابت. وكان لدى البنك المركزي مخزون من الذهب يستخدم لتثبيت سعر الذهب في الكرونات في عمليات بيع وشراء الذهب في السوق بفاعلية كبيرة. وكانت بلدان أخرى قد حصلت بالفعل، أو حصلت في نهاية المطاف، على نفس الترتيب. وعندما حدث الكساد الكبير في العام 1931، علقت معظم البلدان حقها في استبدال الذهب بسعر الصرف الثابت. ثم تم استبدال معيار الذهب بفترة عامين من التبادل العائم الى العام 1939 وقبل ربط الكرونة النرويجية بالجنيه الإسترليني والدولار الامريكي الى بداية الحرب العالمية الثانية في 1941. وقد طبقت شروط خاصة بالتبادل خلال الحرب العالمية الثانية 1941-1945.

وبعد ذلك، حدد سعر الصرف أساسا من خلال اتفاقات دولية مختلفة لفترة طويلة. وشملت هذه الاتفاقيات : اتفاقية بريتون وودز – Bretton Woods Agreement (1946-1971)، ومعاهدة سميثسونيانSmithsonian Agreement - (1971-1973)، ومعاهدة الثعبان للتعاون الأوروبيEuropean Snake Agreement- Europeiske Slangesamarbeidet(1972-1978). ويعني نظام بريتون وودز بعد الحرب العالمية الثانية أن عددا من عملات البلدان مرتبطة بالدولار الأمريكي، الذي كان بدوره مرتبطا بالذهب. وهذا يعني أن السياسة النقدية في الولايات المتحدة كانت بمثابة نقطة ارتكاز اسمية وتحكمت إلى حد كبير بتطورات أسعار الفائدة والتضخم في العالم. أصبح من الصعب تدريجيا على الولايات المتحدة أن تحتفظ بقيمة الدولار ثابتة بالنسبة للذهب، ويرجع ذلك جزئيا إلى ارتفاع التضخم والعجز الكبير في الحساب الجاري فيما يتعلق بالحرب الفيتنامية [3].

وبعد انهيار اتفاق بريتون وودز في العام 1971، طرحت الكرونة لبضعة أشهر، ثم أصبحت مرتبطة مرة أخرى باتفاقيات أسعار الصرف الثابتة: ومنذ العام نفسه، انضمت النرويج إلى اتفاق سميثسونيان الذي كان خليفة اتفاق بريتون وودز. وينطوي الاتفاق على المساواة الجديدة بين عملات المشاركين وهوامش التقلبات الجديد وتمت إزالة دور الذهب كنقطة ارتساء(ارتكاز). غير أن التطورات الاقتصادية الأساسية المختلفة في البلدان المشاركة جعلت من الصعب الحفاظ على التكافؤ.

وقد اقامت دول المفوضية الاوروبية تعاونها الخاص فى العملة فى العام 1972 وهو ما سمي بالتعاون الاوروبى فى مجال الثعابين والذى انضمت النرويج اليه ايضا . في السنة الأولى، تم الجمع بين الثعبان واتفاق سميثسونيان. وكان يطلق على هذا المزيج اسم "الأفعى في النفق"، لأن هوامش التذبذب بين عملات دول الجماعة الأوروبية كانت أضيق من هامش التذبذب مقابل الدولار. انهارنظام سميثسونيان "السعر الثابت" في العام التالي. وبعد ذلك، أصبحت العملات الرئيسية الثلاث الدولار الأمريكي والين الياباني والمارك الألماني عائمة. واصلت الدول الأوروبية تعاونها مع الثعابين، ولكن دون الإشارة إلى الدولار. وخفضت قيمة الكرونة عدة مرات داخل "الثعبان"، وفي العام 1978 تركت النرويج هذا النظام.

وبعد ذلك، تم تحديد سعر صرف الكرونة من خلال مختلف أشكال سعر الصرف الثابت المعلن من جانب واحد. وفي العام 1978، أنشئت سلة عملات مرجحة تجاريا من جانب واحد، وارتبطت الكرونة بها. وكان الغرض من ذلك هو الحد من التعرض لخفض قيمة العملة في بلدان أخرى. وفي وقت لاحق، خفضت قيمة الكرونة عدة مرات، وذلك جزئيا عن طريق تعديل الأوزان في مؤشر سعر الصرف. وفي العام 1990، ربطت الكرونة بالوحدة النقدية الاوروبية. ورغبت الحكومة النرويجية في ربط الكرونة بشكل أوثق بالتعاون في مجال العملات الأوروبية.

ولكن في خريف العام 1992، أصبح الضغط على الكرونة والعملات الأوروبية الأخرى قويا لدرجة أنه أصبح من الصعب الحفاظ على أسعار صرف ثابتة. انهار التعاون السريع في أسعار الصرف، وبنفس المستوى انهارت أسعار الصرف في العديد من البلدان المجاورة للنرويج، إذ انخفض سعر صرف الكرونة انخفاضا حادا. بعد ذلك تغيرت الكرونة حتى العام 1994. وفي الفترة من العام 1994 إلى العام 2001، كان الهدف هو الاستقرار في قيمة الكرونة قياسا الى العملات الأوروبية، ومن الناحية العملية قياسا ومقارنة بالوحدة النقدية الأروبية ومن ثم باليورو، ولكن دون وضع حدود للتقلبات الثابتة. وقد وضعت السياسة النقدية النرويجية انطلاقا من هذا الهدف.

ومنذ بداية التسعينات، بدأ عدد من البلدان في تطبيق ما يسمى بهدف التضخم للسياسة النقدية. وفي النرويج، وضعت الحكومة مبادئ توجيهية جديدة للسياسة النقدية في آذار/مارس 2001. ويتمثل الهدف التشغيلي للسياسة النقدية في التضخم السنوي لأسعار الاستهلاك بما يقرب من 2.5 في المائة بحيث لا يتغير بمرور الوقت. وفي الوقت نفسه، تساهم السياسة النقدية في تحقيق الاستقرار في تطورات الناتج والعمالة.

المبحث الثاني- السياسة الاقتصادية في النرويج

يمكن تعريف الاقتصاد النرويجي بأنه اقتصاد مختلط وهو مزيج من اقتصاد السوق واقتصاد مخطط جزئيا ويمكن تسميته برأسمالية الدولة لأن الأخيرة تملك بما لا يقل عن 51% من أسهم أهم المشاريع الاقتصادية التي يعتمد عليها الاقتصاد الوطني النرويجي. وتقوم الدولة بتوزيع المنافع والأعباء في المجتمع من خلال التشريعات الاقتصادية والسياسة الضربية.

وتتفاوض عدة منظمات مهنية ونقابية مع الحكومة حول توزيع السلع والأعباء وبالأخص منظمات المزارعين حول دعم الدولة لهم لجعل تكاليف انتاج المنتجات الزراعية أقل عبئًا عليهم.

وتراقب الدولة كل شيء في المجتمع النرويجي وتلتزم جميع الوزارات و المشاريع الاقتصادية والمؤسسات المالية العامة والخاصة بايصال المعلومات الى الجهاز المركزي للإحصاء.

يمتلك القطاع الخاص أجزاء كبيرة من وسائل الإنتاج وتمتلك الدولة والمقاطعات والبلديات شركات الى جانب الدولة في النرويج. ويصبح من الشائع أن تحول الدولة شركاتها إلى شركات ذات مسؤولية محدودة، لكنها تحتفظ بأكثرية الأسهم (أكثر من 50٪ من الأسهم). ولذلك يتسائل البعض حول من يملك البنوك وشركات التأمين والمصانع والمحلات التجارية والأراضي والغابات والمستشفيات والمدارس والاتصالات في النرويج؟

تقوم الحكومة النرويجية برسم السياسة الاقتصادية للبلد، ولكن يجب أن تأخذ موافقة البرلمان عليها حتى تدخل حيز التنفيذ. وتقدم الميزانية إلى البرلمان في أوائل شهر تشرين الأول ويتم التعامل معها في اللجان المختلفة وتستكمل إجراء التغييرات عليها ومن ثم يتم تمريرها من قبل البرلمان قبل عطلة عيد الميلاد وتلتزم الحكومة بتنفيذها على صعيد الواقع العملي.

من أجل الوصول إلى أهداف السياسة الاقتصادية، فإن الحكومة النرويجية لديها العديد من الأدوات الإقتصادية ولكننا سوف نركز على الأدوات التالية:

1 . السياسة المالية

السياسة المالية هي السياسة الاقتصادية التي تعمل بها الحكومة في المقام الأول من خلال ميزانية الدولة، والموازنة العامة للدولة هي خطة أو توقعات بالإيرادات والنفقات الحكومة للسنة المالية المستقبلية.

بلغ الناتج المحلي الإجمالي في النرويج حوالي 620 2 مليار كرونة في العام 2015 . كانت نسبة الزيادة في الأعوام 2016، 2017 والمتوقع في 2018 هي 1.0 و 1.7 و 2.4 بالأسعار الجارية على التوالي. أن حصة الفرد الواحد في النرويج من الناتج المحلي الإجمالي هي أكثر بنسبة 48% من حصة الفرد الواحد في دول الإتحاد الأوروبي في العام 2016.

وتؤدي عادة الضريبة العامة والإعفاءات الضريبية إلى تنشيط الاقتصاد الوطني، في حين أن الحد منها سيكون له تأثير عكسي. كما يمكن للدولة في أوقات النشاط الكبير زيادة مستوى الضرائب الإعتيادية والضرائب على إعادة استثمار الأرباح من أجل حل المهام المشتركة العاجلة، لكن الدولة يجب أن تكون حذرة عندما تريد كبح جماح الاقتصاد الوطني.

وإذا كانت السلطات السياسية غير راضية عن توزيع الفوائد والأعباء في المجتمع، فيمكن استخدام ميزانية الدولة. عادة ما تسمى هذه السياسة بالتوزيع. يمكن للدولة استخدام الميزانية لتغيير التوزيع في المجتمع. من خلال دفع معونات إلى الأسر الأكثر فقرا وفي الوقت نفسه رفع الضرائب على الأغنياء، وبالنتيجة سيحصل الفقراء على فوائد أكبر في حين يتحمل الأغنياء أعباء أكثر (مبدأ الضرائب التصاعدية). في ميزانية الدولة، تمنح الدولة المال للبلديات والمقاطعات. وبهذه الطريقة، تكون ميزانية الدولة مهمة للرعاية والخدمات الإجتماعية والصحية على المستوى المحلي.

إن سياسات المال والائتمان هي تدابير عامة (حكومية) تهدف إلى التأثير على الشروط والظروف النقدية والائتمانية في البلاد. هذا موضوع واسع النطاق، لكننا سنركز فقط على السياسة السعرية في البلد وتأثيرها على سعر صرف الكرونة النرويجية.

وتخول مسؤولية إجراء السياسة النقدية في المملكة الى البنك المركزي النرويجي Norges Bank وفي هذا البنك يمكن للبنوك على مختلف أنواعها أن تودع رؤوس أموالها. يسمى سعر الفائدة الذي تتلقاه البنوك على الودائع في البنك المركزي بمعدل الإدارة. وعادة ما يكون المعدل الأساسي هذا هو العامل الأهم لسعر الفائدة على الودائع والإقراض في البنوك الخاصة.

يحدد البنك المركزي النرويجي المعدل الأساسي من بين أشياء أخرى تحدد من تأثير التضخم الذي يعني الإنخفاض في القيمة النقدية، أي كمية أقل من السلع والخدمات مقابل مبلغ معين من المال. أن ارتفاع التضخم يؤدي بالحكومة

الى إنفاق الأموال طالما يفقد رأس المال قيمته الحقيقية كما يبينه الرسم البياني رقم 1.

3855 السياسة النقدية

ان التضخم المنخفض والمستقر في النرويج هو الهدف الأساس لمعدل الاستهلاك القياسي خلال سنة تقويمية والذي يقاس بنسبة معينة.

كلف السياسيون النرويجيون البنك المركزي بإدارة سعر الفائدة النقدي بحيث يبلغ معدل التضخم السنوي حوالي 2.5 في المائة. وسوف يرتفع سعر الفائدة إذا اعتقد البنك المركزي أن التضخم سيبدو أكثر من 2.5% سنوياً، وينخفض إذا كان تضخم الأسعار يبدو أقل بكثير. ويمكن تعزيز تأثير تغيرات أسعار الفائدة لأن أسعار الفائدة تؤثر أيضًا على سعر صرف الكرونة. نطرح هنا مثال بسيط لفهم لهذا السياق:

أ- مع انخفاض أسعار الفائدة، سيوفر المزيد من الطلب على القروض وانخفاض في عرض رأس المال المتاح بالكرونة النرويجية. وبالتالي، عادة ما يؤدي انخفاض سعر الفائدة إلى زيادة الطلب على العملة النرويجية وبالتالي ضعف الكرونة. وبهذا أصبحت السلع المستوردة أكثر تكلفة ويتبع ذلك زيادة التضخم المحلي. من ناحية أخرى، يؤدي ضعف الكرونة إلى زيادة أحجام الصادرات لأن السلع النرويجية أرخص في الخارج.

ب- وبأسعار فائدة أعلى، سيكون التأثير هو عكس ذلك، إذ أن ارتفاع سعر صرف الكرونة سيخلق مشكلة تصدير منتجات الصناعات النرويجية. وسوف يؤدي هذا إلى افلاس الشركات المنتجة والمصدرة وتسريح الكثير من الأيدي العاملة [4] .

المدخرات العامة

يشكل النفط والغاز جزءاً مهماً من ثروة النرويج الوطنية. وقد أعطى ذلك عائدات مغرية للنرويج وفرصة فريدة لزيادة رأس المال للأجيال القادمة. ولذلك استثمرت النرويج بكثافة في صندوق نفطي بلغ رأسماله حتى حزيران العام 2019 أكثر من 11000 مليار دولار[5]. وبسبب التقلبات الدورية لسعر بيع البرميل الواحد من نفط الشمال يمكن تخفيض قيمة الصندوق أو زيادته بمئات مليارات الدولارات في فترة زمنية قصيرة.

المبحث الثالث - صندوق النفط

تأسس صندوق النفط الحكومي في العام 1990 ولكن أعيدت تسميته في العام 2005 إلى صندوق المعاشات التقاعدية الحكومي-العالمي والذي يدار من قبل البنك المركزي النرويجي ويستثمر رأسماله في الأسهم والأوراق المالية في جميع أنحاء العالم لأمرين:

1- مبدأ التنمية المستدامة

2- أسباب سياسة المال والائتمان

مبدأ التنمية المستدامة

أن الغرض من صندوق المعاشات التقاعدية الحكومي هو تمويل نفقات التقاعد المستقبلية للتأمين الوطني وذلك لأن مصروفات التقاعد في خطة التأمين الوطنية سوف تزداد بشكل كبير. وبهذه الطريقة، يمكننا أن نضمن للمستقبل أولئك الذين يأتون بعدنا ويتجنبون دفع أعباء كبيرة على الأجيال القادمة كما يقول النرويجيون.

وتأثر توجه السياسة النقدية بموعد وطبيعة تطبيق السياسة المالية اثناء فترة جائحة كوفيد-19 في العام 2021، إذ واجهت السلطات المالية النرويجية عملية موازنة صعبة. فمن ناحية، لم تنته الأزمة بعد، وهناك عدم يقين يتعلق بحالة العدوى والتقدم المحرز في التطعيم. وهذا هو السبب في أن البرلمان قرر تمديد التدابير الخاصة التي تستهدف الأشخاص والشركات على حد سواء حتى أيلول/سبتمبر 2021.

وفي الوقت نفسه، من المهم تقليص خطط الدعم كلما أصبحت الحالة أكثر طبيعية. وإذا تم تمديد التدابير إلى أبعد مما يجب في المستقبل، فهناك خطر منع إعادة الهيكلة الضرورية في قطاع الأعمال. وقد يضيع العمال فرص التقدم بطلب للحصول على عمل جديد، وقد تظل البطالة عند مستوى أعلى مما كانت عليه قبل الأزمة. وبالإضافة إلى ذلك، فإن الاعتبارات الطويلة الأجل تجعل من المهم عكس اتجاه الارتفاع الحاد في الإنفاق خلال الأزمة.

وخلال العام 2020، تم سحب 300 مليار كرونة من صندوق المعاشات التقاعدية الحكومي العالمي لتغطية العجز في الميزانية الحكومية. وكان قرار استخدام الصندوق صائبا. إن الصدمة الاقتصادية للأبعاد التي شهدناها ستقابل بأدوات قوية. ويعمل الصندوق كحاجز عندما يتعرض الاقتصاد لاضطرابات. وفي الوقت نفسه، فإن الصندوق هو صندوق للأجيال: "سيتم توزيع الوفورات في الصندوق بين أولئك من الذين يعيشون اليوم وأولئك الذين يأتون بعدنا" كما قال مدير البنك المركزي النرويجي  Øystein Olsen أويستاين أولسين [6].

وفي العام 2020، غطى الصندوق كل أربعة كرونات من الإنفاق على ميزانية الحكومة المركزية. ولكن حدث هذا أيضا في السنوات الأكثر طبيعية، إذ كانت التحويلات كبيرة. ففي العام 2019، تم أخذ ما يقرب من 18 % من النفقات – وهذا يعادل كل ستة كرونات - من الصندوق. وبما أن الصندوق نما بشكل كبير، فقد كان ذلك ممكنا دون انتهاك القاعدة المالية.[7]

وعلى مدى عقد من الزمن، أصبحت الميزانيات العامة تعتمد اعتمادا كبيرا على العائد على الصندوق الحكومي للمعاشات التقاعدية العالمي. وقد أنشئ الصندوق لحماية الاقتصاد النرويجي من تقلبات أسعار النفط. واليوم، تم استخراج أجزاء كبيرة من الموارد في هيئة الأوراق المالية الوطنية واستثمارها في الأسهم والسندات الدولية. لقد نما الصندوق بشكل كبير. وقد أتاح ذلك مجالا للمناورة في السياسة المالية. ولكن هذا جعل النرويج أيضا أكثر عرضة للتقلبات في أسواق الأوراق المالية الدولية. وهذا يعني تم استبدال ثغرة أمنية بأخرى.

لقد بيًن الوضع الاقتصادي في العام 2020 بوضوح مدى السرعة التي يمكن أن تتحول بها أسواق الأسهم في كلا الاتجاهين. وكان الانخفاض أكثر حدة والتحسن أسرع مما كان من قبل. وفى غضون 22 يوما انخفض مؤشر سوق الاسهم العالمى بنسبة 20 %. ولكن الأسواق تحولت بسرعة. وفي وقت مبكر من الربع الثاني، تم عكس أسوأ أرباح ربع سنوية للصندوق إلى واحدة من أفضل أرباح الصندوق. فقد ترك الصندوق وراءه عدة سنوات من العائدات القوية أعلى مما هو متوقع. وهذا لا يوفر أساسا لتعديل التوقعات بشأن العائدات في المستقبل وربما على العكس من ذلك.

ويقدر العائد الحقيقي المتوقع للصندوق بنسبة 3 في المائة سنويا. وفيما يتعلق بقرار زيادة حصة الأسهم في الصندوق تم تحديث هذا التقدير آخر مرة في العام 2016. كان حجمان أساسيين في الحساب وهما: أولا، العائد المتوقع على حافظة الدخل الثابت وثانيا، حجم قسط السهم، وهو الدفعة الإضافية التي نتوقعها من خلال المخاطرة في سوق الأسهم [8].

ويتم استثمار معظم محفظة الدخل الثابت للصندوق في السندات الحكومية ذات الاستحقاق الطويل. وعندما تنخفض أسعار الفائدة، يرتفع سعر السندات. ولذلك، ظل العائد على حافظة الإيرادات الثابتة للصندوق مرتفعا خلال فترة انخفاض أسعار الفائدة. لكن هذا فوز لمرة واحدة وقد انخفضت أسعار الفائدة الآن إلى مستوى منخفض تاريخيا، وانخفض العائد المتوقع على حافظة الدخل الثابت للصندوق في الفترة المقبلة. وقد ارتفعت أسعار الأسهم ارتفاعا حادا في السنوات الأخيرة. لقد دفع للنرويج بشكل جيد لتحمل المخاطر في سوق الأوراق المالية. ولكن لا يمكن الافتراض أن المكاسب ستكون بنفس الارتفاع في الفترة المقبلة.

وإذا كررنا اليوم الحساب من العام 2016، فإن التغير في مستوى سعر الفائدة وحده كان سيخفض تقدير العائد الحقيقي المتوقع من حوالي ثلاثة في المائة إلى نحو 2 في المائة سنويا [9]. هذه التقديرات غير مؤكدة أساسا. وقد تكون العائدات الفعلية أقل أو أعلى بكثير من هذا التقدير، كما أظهر تاريخ الصندوق. ومع ذلك، فإن هذا أمر لا يمكن أن نأخذه في الاعتبار عند صياغة الميزانيات الحكومية في المستقب

سياسة المال والائتمان

ومن أجل كبح جماح الاقتصاد النرويجي، سيتم تقليص التدفقات النقدية والائتمانية في الاقتصاد النرويجي لأن الأخير لا يتمكن من استيعاب الفائض الضخم من مداخيل صناعة النفط التي تؤدي إلى ارتفاع درجة نشاط الاقتصاد الوطني مع نقص الموارد المتاحة مثل العمل. وسيؤدي هذا التطور مرة أخرى إلى زيادة الأجور والأسعار التي لا يمكن السيطرة عليها والتي ستؤثر على تصدير المنتجات النرويجية وفقدان السلع النرويجية الأسواق خارج العالم. لذلك قرر البرلمان النرويجي أنه لا يمكن استخدام سوى جزء من العائد السنوي من صندوق النفط في النرويج لتغطية عجز الموازنة الحكومية. في حين سيتم استثمار باقي عوائد النفط في الخارج حتى لا يتأثر الاقتصاد النرويجي مباشرة. والذي يقوم بهذه المهمة هو البنك المركزي النرويجي- نورجيس بنك Norges Bank و صندوق التقاعد الحكومي Oljefondet أو Statens pensjon fond utlandet [10].

ويتمثل الهدف العام للبنك المركزي (بنك البنوك) في تعزيز الاستقرار الاقتصادي في البلاد. وهذا هو جوهر مهمة دولة الرفاه الاقتصادي في النرويج. وان التضخم المنخفض والمستقر شرط مسبق وضروري لتحقيق الاستقرار الاقتصادي.

ومن الشروط الهامة الأخرى لتقدم البلد هو الاستقرار في النظام المالي ونظام الدفع الفعال والآمن. وكذلك العمل بتفعيل نظام تسوية المصارف، وهو جوهر نظام الدفع من البنك المركزي. وبما أن البنك المركزي هو بنك البنوك، فهو يتدخل حينما تجف قنوات القروض الأخرى. كما يقوم بمراقبة النظام المالي باستمرار، فحينما تعصف اضطرابات كبيرة بالاقتصاد الوطني النرويجي، سوف تتغير الحياة العملية للمواطنين النرويجيين فجأة. وعند ذاك سوف يلعب البنك المركزي دورا رئيساً في استقرارالأسواق وخصوصاً سوق العمل بالدرجة الأولى.

يختلف مصدر القلق من سنة الى أخرى . ففي العشرينات من القرن العشرين الماضي في أيام رئيس البنك المركزي السابق نيكولاي ريج (1872-1957 Nicolai Rygg)، كانت المشكلة هي المصارف المعسرة التي لا تتمكن من الدفع . وخلال الأزمة المالية في العام 2008، واجه البنك المركزي النرويجي أزمة شاملة في النظام المالي الدولي. وهددت أسواق رأس المال المجمدة حتى المصارف الصلبة القادرة على الدفع. وفي مرحلة مبكرة، كانت هناك مخاوف من أن يؤدي الوباء الذي أصاب البلد في العام 2020 إلى اندلاع أزمة مالية في ثلاث حالات مختلفة. ولكن مع المبدأ التوجيهي المشترك للبنك المركزي، كان لا بد من حماية النظام المالي.

وفي بداية وباء كوفيد-19، لم يكن هناك سوى قدر ضئيل من السيولة في السوق، وكان سعر السيولة المتاحة مرتفعا بشكل غير متناسب. وافق البنك المركزي على توسيع دعم السيولة. وكان الغرض هو المساهمة في الأسواق التي تعمل بشكل جيد وضمان أن يكون لخفض أسعار الفائدة في السياسات أثرعلى أسعار الفائدة للأفراد والشركات الخاصة كما يعكس ذلك الرسم البياني رقم 2.

3856 السياسة النقدية

وتستند التدابير التي تم تنفيذها على بعض المبادئ الهامة:

أولا، يتم تحويل المخاطر إلى البنك المركزي بأقل قدر ممكن. وإذا كانت الاجراءات مواتية للغاية، فإن البنك المركزي يخاطر بتقويض دوافع البنوك الخاصة لاتباع سياسة ائتمان وسيولة سليمة. ويجب أيضا أن يكون أولئك الذين يخاطرون على استعداد لتحمل الخسائر.

ثانيا، لا تمنح القروض إلا للمصارف الصلبة القادرة على الدفع. ولا يساهم البنك المركزي في إعادة تمويل البنوك. ومرة أخرى، هناك مبدأ هام هو الأساس. إذا كان للمخاطرة أن تأخذ بأموال المجتمع، فإن أموال الحكومة هي التي ستستخدم. وسوف يتخذ القرار الممثلون المنتخبون من قبل الشعب.

ثالثا، ينبغي أن يكون نطاق ومدة التدابير الموجهة إلى الأسواق المالية محدودة، لأن التدابير التي تأخذ حيزا كبيرا ويحتفظ بها لفترة طويلة تضعف آليات السوق العادية.

وتمشيا مع هذا المبدأ الأخير، تم وقف التدابير الخاصة التي نفذها البنك المركزي بالنسبة للأسواق المالية خلال الجائحة.

المبحث الرابع - الهدف الرئيسي للسياسة النقدية هو التضخم المنخفض والمستقر

التضخم المنخفض والمستقر هو الهدف الرئيس للبنك المركزي النرويجي لأن التضخم المرتفع باستمرار مكلف بالنسبة للمجتمع. وهذا يؤدي إلى عدم اليقين بشأن قيمة المال ويجعل من الصعب التخطيط. وفي الوقت نفسه، هناك ميزة لارتفاع معين في الأسعار، لأنه يساعد في مرونة الاقتصاد الوطني النرويجي كما يعتقد أويستاين أولسين مدير البنك المركزي النرويجي [11].

3857 السياسة النقدية

في أيام رئيس البنك المركزي السابق نيكولاي ريج (Nicolai Rygg)، كان ارتباط الكرونة النرويجية بالذهب هو المرساة. واليوم، يهدف البنك المركزي إلى إبقاء التضخم السنوي لأسعار الاستهلاك قريبا من 2 في المائة مع مرور الوقت. ولكن لا ينظر البنك بعين واحدة الى هدف التضخم. وما دامت هناك ثقة في أن التضخم سيكون منخفضا ومستقرا مع مرور الوقت، فإن التقلبات في التضخم حول الهدف المنشود لا تكلف سوى القليل من التكاليف الاجتماعية والاقتصادية في النرويج.

ان إدارة التضخم مسألة مرنة [12]. تساعد السياسة النقدية في تحقيق إنتاج المنتجات وتشغيل العاطلين عن العمل بشكل مرتفع ومستقر وفي مواجهة تراكم الاختلالات المالية. فتشغيل العاطلين عن العمل بأعداد كبيرة مفيد لخلق القيمة وتمويل خطط الرعاية الاجتماعية، وتحسين المستوى المعاشي للفرد. ويمكن أن تؤدي الاختلالات المالية إلى حدوث تراجع حاد في الاقتصاد. ولذلك، في الحالات التي تنخفض فيها أسعار الفائدة انخفاضا شديدا، سيراعي أيضا خطر تراكم الاختلالات في سوق الائتمان والإسكان. ومع ذلك، لا يمكن للسياسة النقدية أن تتحمل المسؤولية الرئيسية عن ضمان الاستقرار المالي. ويجب ضمان ذلك من خلال تنظيم المؤسسات المالية والإشراف عليها[13].

المبحث الخامس - السياسة النقدية يمكن أن تساعد المزيد من الناس في الحصول على العمل

أن هدف التضخم متناظر. ويسعى البنك المركزي النرويجي إلى تجنب التضخم المنخفض جدا والتضخم المرتفع جدا. ومن ناحية أخرى، فإن هدف العمالة المرتفعة والمستقرة غير متماثل - وكلما زاد عدد العاملين، كان ذلك أفضل. وحقيقة أن البطالة ترتفع بسهولة أكبر من انخفاضها وتفرض إلى أن لابد وأن يتصرف المسؤولين عن السياسة المالية في النرويج

3858 السياسة النقدية

بسرعة مع خفض أسعار الفائدة عندما يتباطأ النشاط فجأة. ولنفس السبب، ينبغي أن يكون تأني في رفع سعر الفائدة حتى لا يكبح جماح الزيادة في وقت مبكر جدا. يوضح الرسم البياني رقم 4 احتمالية العمل بعد عام واحد من تسجيل العاطل عن

العمل كغير مستخدم - سواء كان عاطلا عن العمل، أو في تدابير سوق العمل، أو في فئة اللذين يتقاضون ما يسمى بدل تعويضات العمل أو الأشخاص ذوي الإعاقة[14].

ومن تحليل البيانات في الشكل البياني رقم 4 يمكننا أن نلاحظ أمرين:

أولا، احتمال التقدم إلى العمل أعلى في فترات الطلب المرتفع على العمل منه في الحالة العادية.

ثانيا، ينطبق هذا أيضا على غير المسجلين كعاطلين عن العمل. وقد يكون هؤلاء الأشخاص معرضين لخطر استبعادهم من سوق العمل. ولذلك فإن العمالة المرتفعة والمستقرة لا تتعلق بانخفاض البطالة فحسب، بل أيضا بحجم القوة العاملة. ويجب أن نتجنب حدوث انكماش اقتصادي يترك أثرا في شكل انخفاض المعروض من اليد العاملة. ومن خلال كبح زيادات أسعار الفائدة إلى حد ما، بحيث يزداد الطلب على العمالة، يمكن للبنك المركزي أن يساهم في زيادة عدد الأشخاص القادمين إلى العمل. ومع ذلك، إذا زاد التوظيف زيادة كبيرة وسريعة، فإن نمو الأجور يميل إلى الارتفاع. ويميل التضخم إلى أن يحذو حذوه. وقد شهد النرويج في السابق أن ارتفاع أسعار السلع والخدمات المنتجة محليا آخذ في الازدياد في أعقاب الارتفاع الحاد في التوظيف كما هو واضح من الرسم البياني رقم 5.

3859 السياسة النقدية

ويتمثل دور السياسة النقدية في المساهمة في تحقيق أعلى فرص عمل ممكنة، ولكن دون تسريع التضخم. ولا يمكن للسياسة النقدية أن تتحمل المسؤولية الرئيسية عن العمالة. إن توجه النظام التعليمي، وخطط الضمان الاجتماعي، وسياسة سوق العمل أمور مهمة وحاسمة بالنسبة إلى عدد الأشخاص الذين سوف يدخلون سوق العمل. وإذا زاد المعروض من اليد العاملة، سيكون هناك مجال أكبر في المستقبل لزيادة العمالة دون تسريع التضخم كما يعكسه الرسم البياني رقم 5.

تحسن سوق العمل

السياسة النقدية هي خط الدفاع الأول لإدارة حالة الأسواق المالية وتقابل فترات الركود الاقتصادي بتخفيض في أسعار الفائدة. ولكن إذا تعرض الاقتصاد لصدمات كبيرة، فلابد وأن تلعب أجزاء أخرى من السياسة الاقتصادية دورا مركزيا. وعندما أصاب وباء كوفيد- 19 المجتمع النرويجي، قام البنك المركزي بتخفيض معدل الفائدة الرئيسية إلى الصفر. وفي الوقت نفسه، نفذت السلطات السياسية تدابير مالية إلى حد غير مسبوق في التاريخ النرويجي الحديث. وكان الهدف هو الحد من الانكماش وتأمين دخل الأسر المعيشية والشركات، كما هو واضح من الرسم البياني رقم 6.

3860 السياسة النقدية

غير أن التدابير المضادة لا يمكن أن تحول دون ترك عدد كبير من العمال فجأة بدون عمل. وكان خطر أن يترك الوباء أثرا دائما في سوق العمل سببا هاما في إبقاء معدل السياسة العامة الرئيسي عند مستوى يمنخفض تاريخيا لأكثر من سنة. وحينما يمكننا أن نرى الجانب الخلفي من المرآة في العامين 2020 و2021 يمكننا أن نؤكد أن العمالة في النرويج ارتفعت بشكل أسرع مما كان متوقعا. وفي خريف العام 2021، تجاوز عدد العاملين مستوى ما قبل الوباء. ولم تعد هناك حاجة إلى سياسة نقدية توسعية بنفس القدر كما هو واضح من رسم بياني رقم 7. وقد رفع سعر الفائدة الآن مرتين، وقد أشار البنك المركزي إلى أنه سيواصل الارتفاع [15].

3861 السياسة النقدية

ارتفاع التضخم

وبعد عامين من اندلاع الوباء، يمكننا أن نلاحظ أن النشاط في الاقتصاد النرويجي قد انتعش بشكل جيد. ونحن نرى الشيء نفسه في العديد من البلدان من حول النرويج وخصوصا السويد والدنمارك.

ولكن شيئا ما قد يكون على وشك أن يتغير. وبعد عدة سنوات من انخفاض التضخم، شهدنا مرة أخرى أرقام تضخم مرتفعة في النرويج وبين شركاء النرويج التجاريين على حد سواء. وفي النرويج، يعزى هذا الارتفاع بشكل خاص إلى الارتفاع غير العادي لأسعار الكهرباء خلال فصل الشتاء 2022. وقد تلقت الأسر المعيشية والمؤسسات على حد سواء فواتير كهرباء مرتفعة. وربما يكون جزء كبير من التحسن مؤقتا. ولكن ارتفاع أسعار الكهرباء في فصل الشتاء قد يكون إنذارا مبكرا. ويعني التحول في اتجاه سياسة المحافظة على البيئة بشكل أكثر بأن النرويج ستشهد على الأرجح أسعار طاقة أعلى وأكثر تقلبا في الفترة المقبلة مما اعتاد الشعب النرويجي عليه [16]. ولهذا فقد قامت الحكومة النرويجية بدعم فواتير الكهرباء للمواطنين والمنشئات الاقتصادية ضمن نظام معين بعد سخط شعبي عارم وجمع أكثرمن نصف مليون توقيع من المواطنين بطلب شعبي تبناه الحزب الاشتراكي اليساري النرويجي . ناقش البرلمان النرويجي هذا المطلب الشعبي وخرج بقرار الى الحكومة بضرورة دعم المطلب الجماهيري لمدة ثلاثة أشهر(كانون الأول وشباط وآذار)على الأقل. كان هذا نتيجة تصدير الطاقة الكهربائية الى ألمانيا وحدوث نقص في الاستهلاك المحلى، مما اضطرت شركات الكهرباء الى استيراد الكهرباء من الدنمارك. قامت النرويج بتصدير الكهرباء بقيمة 2.9 مليار كرون في حين استوردت الكهرباء بقيمة 637 مليون كرون في العام 2020[17] .

3862 السياسة النقدية

ولا يقتصر ارتفاع الأسعار في الخارج على ارتفاع أسعار الكهرباء فقط، وإنما أي ارتفاع في الطلب، تحفزه سياسة اقتصادية واسعة للغاية. وفي الوقت نفسه، فإن إنتاج عدد من السلع محدود بسبب التأخير في سلاسل التوريد العالمية. وقد ارتفعت أسعار الشحن والمواد الخام بشكل كبير، وجرى نقل وتحويل تكاليف انتاج عالية إلى أسعار سلع أخرى. وفي العديد من البلدان، قلصت أيضا أسواق العمل. ففي الولايات المتحدة، ارتفعت الأجور بعد سنوات عديدة من ضعف زيادة الأجور للعمال الأميركيين. وعلى الصعيد الدولي، ازدادت المخاوف بشأن ما إذا كان التضخم سيظل مرتفعا، وسارعت عدة بنوك مركزية بتشديد السياسة النقدية كما يعكسه الرسم البياني رقم 8.

وكلما طال أمد حالة عدم الاتساق بين العرض والطلب، زاد خطر تسارع التضخم. ومع انخفاض القيود المفروضة على مكافحة العدوى، من المرجح أن يتحول بعض الطلب من السلع إلى الخدمات. وقد يؤدي ذلك إلى تخفيف الضغوط في أسواق السلع الأساسية. ومن ناحية أخرى، فإن الأسروالعوائل لديها الكثير من المدخرات، التي يمكن تحريرها لزيادة الاستهلاك عندما يعاد رفع القيود والاجراءات التي تتخذها الحكومة النرويجية في مجابهة جائحة كورونا في المجتمع النرويجي.

تستعرض المصارف المركزية التغيرات المؤقتة في التضخم في إدارة السياسة النقدية، وتعكس الزيادة في الأسعار التي تخص المواطن النرويجي، كما شهدنا مؤخرا ارتفاع أسعارالطاقة الكهربائية، ندرة لا يمكن أو لا ينبغي للسياسة النقدية أن تحاول التصدي لها. وفي النرويج، هناك أيضا تقليد يقوم فيه الشركاء الاجتماعيون باستعراض التقلبات غير المتوقعة في الأسعار والتكاليف إلى حد كبير. ولن يتسنى للتضخم أن يتسارع إلا إذا طالبت مجموعات عريضة، سواء من واضعي الأسعار أو أصحاب الأجور، بالتعويض عن ارتفاع التكاليف. وإذا حدث هذا، فإن مهمة البنك المركزي هي تشديد السياسة النقدية.

ويأتي ارتفاع التضخم بعد عقود من انخفاض التضخم على الصعيد العالمي. وكانت زيادة التجارة والمنافسة بين البلدان أحد التفسيرات الهامة لضعف تنمية الأسعار. وفي الوقت نفسه، ساهم النمو المرتفع في القوى العاملة، ويرجع ذلك جزئيا إلى هجرة اليد العاملة، في كبح نمو الأجور في العديد من البلدان.

قد يكون هدف برامج التشغيل هذه تغيير الاتجاه. وحتى قبل أزمة جائحة كوفيد-19، رأينا دلائل على أن العولمة تتباطأ. وربما عزز الوباء أيضا اتجاها يرى فيه المزيد من الأعمال التجارية الحاجة إلى تأمين خطوط الإمداد الخاصة بها وتركيز جزء أكبر من سلسلة الإنتاج أقرب إلى العملاء. وفي الوقت نفسه، فإن شيخوخة السكان تعني أن المعروض من العمالة يزداد ضعفا في العالم الغربي. ومع ذلك، يبدو أن الفترة التي عانت فيها عدة بلدان من تضخم منخفض للغاية قد انتهت. ونتيجة لذلك، قد تواجه المصارف المركزية مفاضلة أكثر بين هدف التضخم وهدف دعم الاستخدام للأيدي العاملة من مختلف الاختصاصات.

المبحث السادس - التقلبات في قيمة صندوق المعاشات التقاعدية الحكومي العالمي وإصلاح المعاشات التقاعدية

وفيما يتعلق بدوره كمصرف مركزي، فإن لبنك النرويج المركزي مهمة اجتماعية هامة أخرى، وهي إدارة الثروة المالية للبلد، صندوق المعاشات التقاعدية الحكومي العالمي كما يسمى في مملكة النرويج.

ومنذ الإيداع الأول في أيار/مايو 1996ازداد حجم الصندوق عما كان يتصوره أي شخص. وقد حققت الاستثمارات عوائد جيدة. وعلى مدى الفترة بأكملها، حقق البنك المركزي أموالا من استثمار البلد في الخارج أكثر مما وضع في الصندوق. وقد زادت الأموال بأكثر من الضعف، كما يعكس ذلك الرسم البياني رقم 9.

3863 السياسة النقدية

وتربط القاعدة المالية استخدام الحكومة لعائدات النفط بقيمة الصندوق. ومع زيادة قيمة الصندوق بشكل حاد، حذا حذوه استخدام عائدات النفط في ميزانية الحكومة المركزية. وفي السنوات التي سبقت الوباء، كان الصندوق يغطي كرونة واحدة من كل ست كرونات، كما هو واضح من الرسم البياني رقم 10.

3864 السياسة النقدية

ويعني الوضع المالي العام القوي أن النرويج أمة محظوظة، ولكن ثروة الدولة الضخمة تنطوي أيضا على بعض التحديات التي تحتاج إلى معالجة. وتعلمت النرويج من الخبرة التي هي أكثر من خمسين سنة كدولة نفطية شيئا مهما، بأن أسعار النفط تتقلب. وفي هذا الصدد، فإن آلية الصندوق والقاعدة الضريبية تدبيران هامان. وقد نجح البلد في حماية الميزانيات العامة من التقلبات الواسعة في عائدات النفط. واليوم، تم تحويل جزء كبير من ثروة النفط والغاز إلى الاستثمارات في أسواق الأوراق المالية العالمية. وقد حلت التقلبات في الأسواق المالية محل الخطر الذي كانت تشكله أسعار النفط في السابق على الثروة الوطنية.

في الرسم البياني رقم 11 وضع البنك المركزي النرويجي أرقاما حول ما يمكن اعتباره تقلبات طبيعية في قيمة الصندوق، كمقياس للمخاطر التي يواجهها النرويج. ويبين الحساب أنه يمكن التوقع أن يختلف العائد على الصندوق في غضون فترة تزيد أو تنقص بمقدار 10%، والتي تبلغ قيمتها الحالية نحو 200 1 ملياركرونة نرويجية. ولكن ليس نادرا أن يتوقع خسارة أكثر من هذا، وهو ما يمكن أن يحدث كل ست سنوات.

3865 السياسة النقدية

وكما قال مدير البنك المركزي النرويجي أويستاين أولسين في تقريره السنوي Øystein Olsen في الاجتماع السنوي لأعضاء ادارة البنك وممثلي مختلف المؤسسات المالية: "لا يمكننا حماية أنفسنا من مثل هذه الآثار. لأن التقلبات هي الحالة الطبيعية للأسهم وأسواق الأوراق المالية الأخرى. كما أننا لا نملك أي ضمان بأن الأسواق سوف تتحول بسرعة وأن رأس المال سوف يعاد بناؤه في العام التالي بعد الانتهاء من رفع جميع الاجراءات الوقائية في المجتمع النرويجي بسبب جائحة كورونا. ولأن الصندوق يستثمر في العديد من الأصول، في العديد من البلدان، وفي عدد كبير من الشركات. ولذلك سنشارك في الانتعاشات الواسعة النطاق ولكننا نشارك أيضا في جميع الانتكاسات التي تحدث في الكثير من الاقتصادات العالمية"[18].

ومن الواضح فإن قيمة الصندوق ستتذبذب وسيكون لها عواقب هامة على توجه السياسة المالية في البلد. وبمرور الوقت، تشير القاعدة المالية لاستخدام عائدات النفط إلى أن العائد الحقيقي المتوقع للصندوق في المتوسط سوف يستخدم. ولطالما أن الصندوق يكبر، فمن المغري ان يكون النرويج في أعلى الهرم. .وليس من السهل مراقبة متى يكون العائد سلبيا، ففي حالة حدوث تأثير كبير، فإنه أيضا لا معنى له.

ولا يزال للقاعدة المالية العامة دور تؤديه كمبدأ توجيهي طويل الأجل في السياسة المالية. وهو يدعم فكرة صندوق النفط كصندوق للأجيال. ولكن بدلا من استهداف مسار ال 3 في المائة، من الحكمة أن نضع استخدام عائدات النفط دون العائد الحقيقي المتوقع. وإلا، فإننا نخاطر بأن نضطر إلى تناول كميات منتظمة من رأس مال الصندوق.

وبالنظر إلى المستقبل، فإن التطورات في الأسواق المالية العالمية ستعني الكثير للصندوق. في الآونة الأخيرة، إذ يسبب ارتفاع التضخم والإشارات إلى أن أسعار الفائدة ترتفع بشكل أسرع مما تم تسعيره في السوق في عدم الارتياح بين المستثمرين. وقد يتباطأ الصعود الطويل في سوق الأسهم. وسيؤدي ارتفاع أسعار الفائدة أيضا، خلال فترة انتقالية، إلى خفض قيمة محفظة سندات الصندوق.

وقد تتسم التطورات في الفترة المقبلة أيضا بالتغيرات الديموغرافية والتوترات بين البلدان والتجارة العالمية الأقل تكاملا. ونواجه أيضا انتقالا ضروريا إلى اقتصاد منخفض الانبعاثات. ذلك، فإن ما يحدث في الخارج سيترك أثرا سلبيا في الصندوق. وفي الأساس، لا توجد أماكن آمنة تماما، وهذا مايعطي أمثلة صارخة على الحقبة التاريخية التي نعيش فيها.

وفي العام 1904، خصصت السلطات النرويجية أموالا لطباعة الكتب المهمة . وقالت إنه يجب استخدام صندوق الاحتياطي الحكومي فقط " في أوقات الحاجة". وحينما تم إنهاء العمل بالصندوق في العام 1925، كان الصندوق في الواقع فارغا تقريبا. وكان السبب هو عدم مسك الدفاتر االمحاسبية بشكل جيد ومبدع من قبل القائمين عليها. وكذلك أن الأموال استثمرت في عدد قليل من الأصول - وخاصة السندات الحكومية البريطانية والفرنسية والألمانية – وهي الأصول التي كانت تعتبر أكثر الاستثمارات أمانا في ذلك الوقت. بعد الحرب العالمية الأولى، كانت قيمة السندات الحكومية الصادرة عن ألمانيا وفرنسا قريبة من الصفر، واختفت الكثيرمن الأصول في صندوق الاحتياطي ظظظ[19].

ان الفكرة الاساسية التي كانت تقف خلف ستراتيجية الاستثمار في صندوق النفط كانت مختلفة تماما بسبب انتشار المخاطر. وهذا يقلل من مخاطر انخفاض قيمة الاستثمارات بشكل كبير في نفس الوقت. ويقف خلف ذلك أيضا اعتراف بأن النرويجيون لا يستطيعون التنبؤ بكيفية تطور العالم.

ويجب أن يكون القائمين على ادارة الصندوق منفتحين ومستعدين لحدوث ما هو غير متوقع. لقد رأينا كيف يمكن أن تؤدي الأحداث المفاجئة، مثل الأزمة المالية العالمية في العام 2008 ومؤخرا جائحة كورونا، إلى انخفاض قيم الصندوق. ومن الآن فصاعدا، قد يواجه نموذج الإدارة تحديات جديدة. ومن المفيد أيضا تحليل سيناريوهات مختلفة لما يمكن أن يحدث. ومع ذلك، من الخطر اتخاذ خيارات استراتيجية أكبر تتعلق ببعض الآفاق المستقبلية. وينبغي أن يظل التنويع الواسع النطاق ركيزة أساسية من ركائز الاستراتيجية المالية.

هذا وقد وافقت هيئة التمويل النرويجية Finans Norgeعلى اقتراح إنشاء حساب معاشات تقاعدية خاص بها. ومع ذلك، تشدد على أن هذا الإصلاح الكبير لا ينبغي تنفيذه إلا عندما يكون من المؤكد أن نظام المعاشات التقاعدية يعالج عشرات المليارات من صناديق المعاشات التقاعدية التي يمكن نقلها في فترة قصيرة من الزمن وأن المستهلكين قد تلقوا معلومات كافية. وقدمت وزارة المالية النرويجية في 3/8/2020 ردودا استشارية بشأن اللوائح التنظيمية على التشريعات المتعلقة بحسابها الخاص للمعاشات التقاعدية.

"ونتطلع إلى أن تكون القواعد المتعلقة بحساب المعاشات التقاعدية الخاص بنا سارية المفعول، وتؤيد المقترحات المتعلقة بالقواعد التنظيمية التكميلية. كما نود أن نؤكد على أن وزارة المالية قد نفذت عملية جيدة وواسعة لإعداد اللوائح" كما صرحت بذلك مديرة صندوق التقاعد والتأمين على الحياة النرويجي في مؤسسة التمويل النرويجية (Finans Norge) ستيفي كيرولف بريتز [20]Stefi Kierulf Prytz.

ويترتب على حساب المعاش التقاعدي المنفصل عدة تغييرات رئيسية في معاش الاشتراكات المحددة حاليا. وبموجب القواعد الجديدة، تحول شهادات رأس مال المعاش التقاعدي تلقائيا إلى حساب المعاش التقاعدي للموظف في نظام معاشات الاشتراكات المحدد لصاحب العمل. وفي كل مرة حينما يغير فيها الموظف وظيفته يكون لديه حساب معاش تقاعدي جديد ينشأ مع مقدم المعاش التقاعدي لصاحب العمل الجديد، إذ يتم ينقل المعاش المكتسب سابقا إلى الحساب الجديد. ويمكن للموظف أيضا اختيار الجهة التي تقدم معاشه التقاعدي الخاص. وهذا ينطوي على تغييرات هيكلية واسعة النطاق في سوق المعاشات التقاعدية، كما أنه جعل من الضروري إنشاء بنية تحتية جديدة. ووفقا لستيفي بريتز، فإن مؤسسة التمويل النرويجة بصدد استكمال تسجيل شركة حسابات المعاش المصرفية المساهمة، التي ستسهل على الموردين تبادل المعلومات اللازمة فيما بينهم.

مع حساب المعاشات التقاعدية الخاص بهم، يتم تقديم الخيار الأول الرقمي، مما يعني أنه يتم إبلاغ العملاء عبر القنوات الرقمية ما لم يختاروا الانسحاب. "وهذا يسهل التواصل الجيد والفعال بين المورد والعميل. ومن الإيجابي أن قواعد الاختيار الأول الرقمية أقترحت للدخول الى حيز التنفيذ منذ الأول من شهر أيلول/ سبتمبر 2020، حتى يتمكن الموردون من إبلاغ عملائهم قبل دخول القواعد القانونية حيز التنفيذ" كما أكدت ستيفي كيرولف بريتز .

وهكذا قرر البرلمان النرويجي أن يحصل جميع الموظفين الذين لديهم معاش تقاعدي محدد الاشتراكات على حساب معاش تقاعدي منفصل. وهذا ينطبق على حوالي 1.4 مليون موظف يعملون في القطاع الخاص.

أدخل التشريع المتعلق بحسابات المعاشات التقاعدية حيز التنفيذ في 1 كانون الثاني/يناير 2021 حسب قرار البرلمان النرويجي. وكذلك قرر البرلمان النرويجي إزالة شرط أنه يجب على المواطن النرويجي العمل لمدة 12 شهرا مع صاحب عمل من أجل الحصول على مدخرات التقاعد الخاصة به.

وتم إنشاء حساب منفصل للمعاشات التقاعدية، حيث تم نقل ما يقدر بنحو 1.5 مليون شهادة رأس مال تقاعدي إلى نظام معاشات الاشتراكات المحدد لصاحب العمل ويقدر بعشرات المليارات من الكرونة النرويجية. وقامت وزارة المالية النرويجية بوضع جميع التدابير اللازمة للقيام بهذه الخطوة بطريقة صحيحة.

الخاتمة

من خلال ما تقدم آنفا نكون قد توصلنا الى أهم النتائج:

وجود مؤسسات اقتصادية ومالية رصينة في مملكة النرويج متمثلة في البنك المركزي النرويجي ووزارة المالية وصندوق المعاشات التقاعدية الحكومي العالمي و هيئة التمويل النرويجية Finans Norgeهدفها عند الضرورة الاصلاح النقدي وتغيير سعر الصرف حتى يحقق رفاهية المواطن النرويجي.

تملك الدولة بما لا يقل عن 51% من أسهم أهم المشاريع الاقتصادية التي يعتمد عليها الاقتصاد الوطني النرويجي. وتقوم الدولة بتوزيع المنافع والأعباء في المجتمع من خلال التشريعات الاقتصادية والسياسة والضريبية .

وتتفاوض عدة منظمات مهنية ونقابية مع الحكومة حول توزيع السلع والأعباء وبالأخص منظمات المزارعين حول دعم الدولة لهم لجعل تكاليف انتاج المنتجات الزراعية أقل عبئًا عليهم.

تسيطر الدولة على قطاعات الاقتصاد الوطني الرئيسة، مثل قطاع النفط الحيوي وعلى قطاع الموارد الطبيعية في البلاد مثل الطاقة الكهرومائية والأسماك والغابات والمعادن، ويعتمد النرويج اعتماداً كبيراً على قطاع النفط الذي يمثل ما يقرب من نصف الصادرات وأكثر من 30% من عائدات الدولة.

الاعتماد على التخطيط الاستراتيجي الطويل الأمد (خطط لمدة 10 سنوات) وخطط اقتصادية خمسية تلائم طبيعة النرويج وتناسب بيئته الاجتماعية من أجل تحقيق أهداف التنمية الاقتصادية-الاجتماعية المنشودة.

إن نظم المعلومات في المؤسسات والمشاريع الإنتاجية التي لها علاقة مباشرة بالإقتصاد الوطني هي من الدعائم الأساسية المساهمة في حل معظم مشاكل النظام الإقتصادي من خلال اتخاذ القرارات الرشيدة والقضاء على البيروقراطية الإدارية وكذلك التداخل في المهام الإدارية بين الوحدات التنظيمية المختلفة حتي يتم الاصلاح النقدي وتغيير سعر الصرف.

امكانية استفادة العراق من تجربة مملكة النرويج في الاصلاح النقدي وتغيير سعر الصرف - التوصيات

انشاء صندوق سيادي لاستثمار عوائد ومداخيل بيع النفط العراقي وخصوصا في الوقت الحاضر بعد ارتفاع سعر بيع البرميل الواحد من النفط الى حوالي 130 دولار أمريكي .

اتخاذ قرار من قبل البنك المركزي العراقي بأن لايزيد معدل التضخم في العراق عن 2.5 % سنويا

تثبيت سعر صرف الدينار العراقي مقابل العملات الأجنلية وخصوصا الدولار الأمريكي

سيطرة الدولة عن ما لايقل عن 51% من أسهم المشاريع الاقتصادية التي يعتمد عليها تطور الاقتصاد الوطني العراقي

ادخال نظام الحكومة الالكترونية في جميع مجالات ادارة الاقتصاد الوطني

ادخال نظم االمعلومات في المؤسسات والمشاريع الإنتاجية التي لها علاقة مباشرة بالإقتصاد الوطني والتي هي من الدعائم الأساسية المساهمة في حل معظم مشاكل النظام الإقتصادي من خلال اتخاذ القرارات الرشيدة والقضاء على البيروقراطية الإدارية وكذلك التداخل في المهام الإدارية بين الوحدات التنظيمية المختلفة .

محاربة الفساد بجميع أنواعه المستشري في جميع دوائر الدولة وفي كافة المستويات وفي جميع قطاعات الاقتصاد الوطني العراقي والقضاء عليه، لأنه يشكل حجر عثرة أمام تقدم هذه القطاعات.

السيطرة على جميع المنافد الحدودية في العراق من قبل الهيئات المختصة سيطرة تامة وبدون ذلك لا يتمكن العراق من التقدم خطوة واحدة في طريق الاصلاح الاقتصادي والاداري.

القضاء على غسيل رؤوس الاموال العراقية التي تهرب الى خارج العراق وتستثمر في البنوك العربية والاجنبية وتعتبر هذه الخطوة من الخطوات المهمة في الاصلاح االنقدي وثبات سعر صرف الدينار العراقي.

تفعيل عمل البنك المركزي العراقي ليكون بحق بنك البنوك وكذلك ديوان الرقابة المالية

تفعيل عمل الجهاز المركزي للأسعار التابع لوزارة التخطيط العراقية، حتى يأخذ دوره في مراقبة الأسعار في جميع قطاعات الاقتصاد العراقي

تفعيل عمل الجهاز المركزي للتقييس والسيطرة النوعية (COSQC)حتى يأخذ دوره في مراقبة نوعية وصلاحية المنتجات في القطاعين العام والخاص . وهو وكالة تابعة للحكومة العراقية تعمل على تعزيز التقييس ومراقبة الجودة وينتمي إلى المنظمة الدولية للتوحيد القياسي .

ما بعد الخاتمة: كلمة لابد وأن تقال في نهاية البحث:

ألقى نيكولاي ريج (1872-1957 Nicolai Rygg)، محافظ البنك المركزي السابق خطابه السنوي الأخير يوم الاثنين 12 فبراير 1940. وحينما استؤنف هذا التقليد بعد الحرب العالمية الثانية، كان ذلك مع محافظ جديد للبنك المركزي اسمه كونار يان (Gunnar Jahn)1941 -1954 . ويمثل التوقيت أيضا فجوة زمنية هامة في السياسة الاقتصادية النرويجية. وقد تم التخلي عن المثل الأعلى المتمثل في وجود بنك مركزي مستقل يتمتع بسلطة صنع القرارعلى أدواته الخاصة. وأصبح المصرف في المقام الأول ممارسا لقرارات الحكومة، وخدم سعر الفائدة أغراضا أخرى غير التضخم المنخفض والمستقر. أربعون عاما ستمر قبل أن يتأرجح البندول مرة أخرى. في العام 1986، عادت المسؤولية عن سعر الفائدة إلى البنك المركزي. وتمثلت المهمة في إبقاء سعر الصرف ثابتا. ومرة أخرى، كان الغرض هو استقرار الأسعار.

وفي عالم من تحركات رأس المال الحرة، تعرضت سياسة سعر الصرف الثابت لضغوط في أواخر العام 1990 وبالنسبة للنرويج، كانت التطورات في صناعة النفط والنمو القوي في عائدات النفط عاملين حاسمين أيضا بالنسبة للمبادئ التوجيهية الجديدة للسياسة الاقتصادية التي اعتمدت في العام 2001: "فقد استلمنا القاعدة التجارية للسياسة المالية وهدف التضخم للسياسة النقدية" [21]. "لقد خدمنا هذا النظام بشكل جيد لأكثر من 20 عاما، في وقت تعرض فيه الاقتصاد أيضا لاضطرابات قوية. ولكن كان هناك تعلم على طول الطريق. أحد الدروس المستفادة هو أن السياسة الاقتصادية الصارمة القائمة على القواعد ليست مناسبة".[22]

وبالنسبة لتحديد أسعار الفائدة، فإن هذا يعني أن إدارة السياسة النقدية يجب أن تكون مرنة ويجب أن يكون هناك توازن بين توقعات التضخم والتطورات في الناتج والعمالة. كما لم يعد من الممكن استخدام القاعدة المالية كمبدأ توجيهي صارم للسياسة المالية من سنة إلى أخرى.

واجه البنك المركزي تحديات مختلفة في تاريخه الممتد على مدار 206 سنوات، تختلف كثيرا عن زمن نيكولاي ريج. ولكن الاقتصاد سوف يستمر في التحول، ويجب أن تكون النرويج مستعدة لأزمات جديدة غير معلنة. تظل المهام الرئيسية للبنك المركزي كما هي: المساهمة في الاستقرار الاقتصادي وضمان الثقة في النظام النقدي.

واختتم هذا البحث بالاستشهاد بقول مدير البنك المركزي النرويجي أويستاين أولسين(2011-2022) في محاضرته السنوية أمام المجلس الاداري للبنك وممثلين عن القطاعات المالية المختلفة في النرويج في 17 شباط من هذا العام 2022:

"شكرا جزيلا لأولئك الذين استمعوا لي خلال فترة وجودي في البنك المركزي، يأتي محافظو البنوك المركزية ويذهبون. لكن البنك المركزي لا يزال قائما وسوف يبقى دائما مهما تبدلت الأحوال"[23].

***

أ. د. سناء عبد القادر مصطفى

..........................

المصادر العلمية باللغتين النرويجية والانكليزية:

Norges Banks skriftserie nr. 34, Kap. 7. Prisstabilitet Tekstboks3: Pengepolitiske regimer i Norge etter 1816. Norske finansmarkeder – pengepolitikk og finansiell stabilitet, Oslo 2004.

Eitrheim, Ø., J.T. Klovland og L.F. Øksendal (2016) A Monetary History of Norway, 1816-2016. Cambridge University Press, og Lie, E., J.T. Kobberrød, E. Thomassen og G. F. Rongved (2016) Norges Bank 1816-2016.

Grytten, O.H. (2008) “Why Was the Great Depression not so Great in the Nordic Countries? Economic Policy and Unemployment”. Journal of European Economic History, 37, 369–393, 395–403.

Norges Bank (2021) “Norges Banks likviditetspolitikk: Prinsipper og utforming”. Norges Bank Memo2/2021.

Norges Bank (2022) “Norges Banks håndbok i pengepolitikk”. Norges Bank Memo1/2022.

Hylland, A. (2005) «Statens reservefond 1904–1925. Et forsøk på å binde politisk handlefrihet?» Penger og kreditt 3/05. Norges Bank.

Stefi k. Prytz og Tone Meldalen, Finans Norge. En historisk pensjonsreform. 3/8/2020, Oslo,Norge.

Tale av sentralbanksjef Øystein Olsen til Norges Banks representantskap, torsdag 18. februar 2021.Oslo, Norge.

Refinitiv Datastream og Statistisk sentralbyrå, Norge, 2022.

vibb.no./strom/flyt/.

Kilder: NAV, Statistisk sentralbyrå og Norges Bank

Personer 20–60 år. Gjennomsnitt for årene 1996–2017. Måletidspunkt 4. kvartal.

Langtidsledige: Personer som var ledige også i de to foregående kvartalene.

Norges Bank (2022) “Norges Banks håndbok i pengepolitikk”. Norges Bank Memo1/2022.

Næringslivet i Norge. No.wikipedia, 10. okt. 2015.

Norges Bank, Investment Managemet.no. Oslo, Norge.2022.

Norges Bank (2021) “Norges Banks likviditetspolitikk: Prinsipper og utforming”. Norges Bank Memo2/2021.

nbim.no/oljefondet.

Kilder: NAV, Statistisk sentralbyrå og Norges Bank

Personer 20–60 år. Gjennomsnitt for årene 1996–2017. Måletidspunkt 4. kvartal.

Langtidsledige: Personer som var ledige også i de to foregående kvartalene

[1]. Norges Banks skriftserie nr. 34, Kap. 7. Prisstabilitet Tekstboks 7.3: Pengepolitiske regimer i Norge etter 1816. Norske finansmarkeder – pengepolitikk og finansiell stabilitet, Oslo 2004.

[2]. كان يوجد لدى البلدان الاسكندنافية وألمانيا وفرنسا معايير الفضة. في حين كان يوجد لدى عدد من البلدان، بما في ذلك المملكة المتحدة، معايير ذهبية. ولدى بعض آخر من البلدان مزيج من معايير الذهب والفضة.

[3]. تم الانتهاء من اتفاق مدينة بريتون وودز الأمريكية في العام 1944. وكانت القيمة المركزية الأولية تعني سعر صرف دولار واحد بمقدار 4.03 كرونة نرويجية. في حين كان الحد الأقصى للانحراف بين أسعار الصرف 1 في المائة. وتم تعديل القيمة المركزية للكرونة مقابل الدولار إلى 7.14 كرونة في العام 1949.

[4]. Næringslivet i Norge. No.wikipedia, 10. okt. 2015.

[5]. www. Norges Bank, Investment Managemet.no. Oslo, Norge.

[6] Tale av sentralbanksjef Øystein Olsen til Norges Banks representantskap, torsdag 17. februar 2022.

[7] Finansdepartementet og Norges Bank, 2019

[8] Tale av sentralbanksjef Øystein Olsen til Norges Banks representantskap, torsdag 17. februar 2022.

[9] Norges Bank (2021) “Norges Banks likviditetspolitikk: Prinsipper og utforming”. Norges Bank Memo 2/2021.

[10] www.nbim.no/oljefondet.

[11] Tale av sentralbanksjef Øystein Olsen til Norges Banks representantskap, torsdag 17. februar 2022.

[12] Norges Bank (2022) “Norges Banks håndbok i pengepolitikk”. Norges Bank Memo 1/2022.

[13] نفس المصدر السابق1

[14] Kilder: NAV, Statistisk sentralbyrå og Norges Bank

Personer 20–60 år. Gjennomsnitt for årene 1996–2017. Måletidspunkt 4. kvartal.

Langtidsledige: Personer som var ledige også i de to foregående kvartalene

[15] Norges Bank, Oslo, Norge. 2022

[16] Refinitiv Datastream og Statistisk sentralbyrå, Norge, 2022.

[17] www.vibb.no./strom/flyt/.

[18] التقرير السنوي لمدير البنك المركزي النرويجي – أويستاين أولسين، 17/2/2022. أوسلو، النرويج

[19]. Hylland, A. (2005) «Statens reservefond 1904–1925. Et forsøk på å binde politisk handlefrihet?» Penger og kreditt 3/05. Norges Bank.

[20] Stefi k. Prytz og Tone Meldalen, Finans Norge. En historisk pensjonsreform. 3/8/2020, Oslo,Norge.

[21] Tale av sentralbanksjef Øystein Olsen til Norges Banks representantskap, torsdag 18. februar 2021.Oslo, Norge:

[22] نفس المصدر السابق

[23] نفس المصدر السابق

 

اياد الزهيريكما ذكرنا في حلقات سابقه عن مفهوم التناص، وهو بالأصل مفهوم أدبي ظهر في منتصف ستينات القرن الماضي على لسان الناقدة اللسانية الفرنسية (جوليا كريستيفا)، والذي يُعرف في أبسط أشكاله هو " مجموعة من النصوص التي تتداخل في نص معطىً) (التناص النظرية والممارسة) . لقد وظف هذا المفهوم من قبل بعض المؤرخين كأداة أركيلوجية لأكتشاف أصل النصوص المتداولة في كتابات مختلفة العنوان والمكان، ومن هؤلاء الدكتور خزعل الماجدي، الذي حاول أن يستخدم هذا المفهوم لأسباب أيديولوجية الغرض وليس علمية بحته من أجل الطعن في أصل الأديان، وهو يمثل نموذج للعلمانية المتطرفة، حيث يعتبرها على حد زعمه بأن حادثة الطوفان ذات أصل غير ألهي، بل أن مرجعيتها هو الأساطير القديمه، وخاصة أساطير الحضارات القديمه من سومرية وبابلية، وفرعونية، وآشورية، والذي يقول رأيه فيها، بأنها (ومعروف أن حكاية نوح والطوفان هي أعادة صياغةٍ عبرية متأخرة لحكاية زيوسودرا السومرية والطوفان) (كتاب- أنبياء سومريون 344 خزعل الماجدي)، وهو القائل في مقدمة كتابه (أنبياء سومريون ص15) (أن المصدر المقدس للكتب المقدسة لم يكن المقدس نفسه بل كان نصوص الماضي الدينية وغير الدينية التي سبقت النصوص، أو ما كانوا يطلقون عليها بالنصوص الوثنية، وهي نصوص أديان الحضارات التي سبقت التوحيد... وهذا يعني ببساطة أن تلك النصوص موضوعة وليست منزلة من المقدس نفسه).

أنا أعتبر النص واحد من أهم الآثار والأدوات التي يمكن أستثمارها في معرفة مجرى التاريخ، والتعرف على مسار الأنسانية في تطورها المعرفي والديني، ولكن هناك الكثير من الألواح الطينية التالفة والمفقودة، كما أن أكتشاف الكتابة بشكل متأخر قد أضاع الكثير من الحقائق، وفقدت الكثير من الحلقات التي أستغلها البعض ومنهم الدكتور خزعل في تمرير ما يحلو له من أفكار هو مسبقاً يعتقد بها، حتى وقع الكثير من دارسي الأنثربولوجي بنفس ما وقع فيه دارون في كتابه أصل الأنواع، والذي يعترف فيه الرجل بأن هناك الكثير من الحلقات المفقوده في سلسلة تطور الكائنات الحية، حتى أصبحت نظرية أصل الأنواع من المسلمات التي لا يمكن الشك بأصل الأنسان القرد بالرغم من الكثير من الأنتقادات العلمية التي وجهت لها، والأمر نفسه حدث مع أصل الأديان الذي تعرض لعثرات البعض، ولسوء أستخدام البعض الآخر، والأمر نفسه تعرضت له الدراسات التاريخية من حالات تزيف وأدعاءات ينفثها البعض من مستشرقين وعلمانيين متطرفين، يحاولون لوي عنق التاريخ جرياً وراء مقاصدهم السياسية والآيدلوجية، لذا تكون دراسة التاريخ والغوص في ثناياه والسير في مغاراته لأستجلاء ما خفي من الحقائق الدارسة في بحاره العميقة من الأمور الصعبة والخطرة، والتي تحتاج الى الكثير من الفطنه والذكاء، كما تحتاج الى الشجاعة، لأنك قد تصطدم بحقائق تجبرك على أتخاذ موقف تغير به قناعة سابقة طالما أتكأت عليها ومثلت لك حجر الزاوية في عقيدتك . فهذه مهمة تحتاج الى فرسان فكر لأنهم يحاربون أوهام تحولت عبر الزمن الى حقائق في عقول الكثيرين وترسخت في نفوسهم، وبنوا عليها قناعاتهم التي رسموا عليها طريق حياتهم، وأقاموا عليها آمالهم .

من المهم قبل الخوض في الموضوع أن نعرف أن الأسطورة لم تكن كلها منسوجه من الخيال، بل هي تتأسس على حقيقة واقعية، وبعد طول زمن وأنتقالها عبر أجيال وأمكنة بعيدة يُضاف لها من خيال الشعوب والأفراد، كل وحسب بيئته الثقافية والأجتماعية والدينية. والأسطورة دائماً تقف على حدث واقعي كبير وهائل، مثل قائد كبير خارق القوة أو حدث مثل الطوفان والزلازل، فيبنون للأشخاص أسطورة، مثل أسطورة هرقل في الملاحم الرومانية وأسطورة كاكا الحداد في الأدب الكردي وهكذا . فالأسطورة تبدأ بذرة، أي حدث حقيقي، فمثلاً هناك آراء تقول بحقيقة جلجامش وأنه شخصية حقيقية، وكما يقول الدكتور منذر الحايك في كتابه (الفكر الديني في الملاحم الرافدينية ص 21) (كان جلجامش لزمن بعيد يُعد شخصية أسطورية لكن الآن يوجد أتفاق بين الباحثين على أن جلجامش وجدَ حقيقة، وأنه كان ملك "أوروك" في جنوب بلاد الرافدين التي كانت واحدة من دويلات المدن السومرية في زمن عُرف بفجر السلالات عام 2600 ق.م تقريباً) . فجلجامش ملك لمملكة أوروك، ويتصف بالقوة والنفوذ،فأقرن أسمه بحادثة الطوفان الشهيرة والتي أصقعت أهل البلاد التي وقعت بها هذه الحادثة، وهذا الحدث سيعطي لشخصية جلجامس صورة أسطورية وموقع مهم، فنسج الأديب الذي كتب ملحمة جلجامش هذه الملحمة وجعل من جلجامش بطل لها، وهذا أحد أسباب شهرت جلجامش لهذا اليوم، فملحمة جلجامش نُظمت في عام 1700 ق .م، كما جاء بالنسخه الآشورية (ملحمة أتراحاسيس)، في حين أن تداولها سبق هذا الزمن لسنيين طويله قد يُعد بالآلاف، ومن المعروف أن السرد القصصي الشفوي كلما طال الزمن به يتعرض للأضافة والطرح، فكيف بأسطورة تناقلتها الأجيال آلاف السنين . فحادثة الطوفان أثبتها كثير من الجيلوجين والمؤرخين وأن هناك طوفاناً كبير حدث في جنوب العراق، وفي نينوى (مدخل الى نصوص الشرق القديم ص238) وهناك من يقول في شبه الجزيرة العربية كما جاء في كتاب (طوفان نوح بين الحقيقة والأوهام). كما يمكننا الأشارة الى ما كتبه المؤرخ بيروسوس الذي عاش بالقرن الثالث قبل الميلاد، والذي يؤكد حدوث الطوفان، حيث يذكر (أن وابل من المطر المتساقط على جبال أرمينيا سبب بفيضان دجلة والفرات في حدود 3200 ق.م في حين يذكر فريق من الأمريكان أنهم عثروا على أخشاب السفينة في متحجرة ترجع الى عام 1500 ق.م (الأساطير بين المعتقدات القديمة والتوراة- علي الشوك)، كما هناك الكثير من البحوث العلمية التي تؤكد حدوث قصة الطوفان، ومنها ما يذكره الأستاذ علي الشوك في كتابه المذكور أعلاه ص 152، حيث يذكر أن ممن ناقشوا حادثة الطوفان من منطلق علمي هو أليكساندر كوندراتوف، والذي يؤكد (أن قصص الطوفان ليست مقصورة على شعب من الشعوب، فهي متداولة بين سكان الجزر الشرقية في المحيط الهادي، واليابانيين، والصينيين، والبورميين والهنود، والهنود الحمر، فضلاً عن شعوب البحر المتوسط)، بالأضافة الى أن هناك كتاب علمي باللغة الأنكليزية صدر عام (1999) لمؤلفيه العالمين الجيوفيزيائيين (وليم ريان) و(والتريتمان) في صفحة 320، وقد تُرجم للعربية عام 2005 في بغداد عن حقيقة هذه الحادثة (جريدة الزمان ص14 في يوم 25 يوليو 2014 م، وقد تسنى للباحثين أستكشاف الأدلة الآثارية واللغوية المثيرة التي أفضت الى أن الفيضان قد تسبب في حدوث تشتت بشري سريع امتد الى غرب أوربا، وآسيا الوسطى والصين ومصر والخليج العربي. فحادثة الطوفان ذُكرت في سرديات مختلفة سواء كانت سومرية أم بابلية أم قرآنية أم توراتية، كما ذُكرت في حضارات عديدة ولكن الفرق هو في الشخوص والسيناريو.فمثلاً في الميثلوجيا الأغريقية والرومانية تم ذكر قصة الطوفان، وكانت شخصياتها تتمثل ب (ديوكاليون وبيهرا) الذين أنقذوا أولادهم وأما في الأساطير الأيرلنديه تكون بطلة الحادث الملكة (ساسير وبلاطها) عن (أسطورة الطوفان والنظرية العلمية – سامي المنصوري -الحوار المتمدن العدد 4405)، كما جا ذكر الطوفان في كتاب المجوس (أَستا)، وجا في كتاب (تاريخ الأدب الهندي) (شاتاباتا برهمانا) أن مانو يقوم بدور نوح، كما أن هناك الكثير من التنقيبات التي تدل على هذا الحدث العظيم، والتي هي كثيرة ولا يسع المقام الى ذكرها جميعا، ولكن لعل أحدها هو ما قام به عالم الآثار (ليونارد وولي) المولود عام 1880 م في بريطانيا حيث أكتشف خلال تنقيباته في موقع أور السومرية طبقة سميكة من الرواسب الطينية تتراوح بين (1.5-2) متر، وهذه لا تتشكل الا من خلال الفيضانات، ولكن لا يمكنني أن أكتفي بما أستشهد به الغربيون فقط من دون ذكر عالم الآثار العراقي الدكتور طه باقر الذي يذكر في كتابه (ملحمة كلكامش) (أن منطقة طوفان نوح كانت في السهل الرسوبي في جنوب العراق، حيث كان يسكن النبي نوح، وان الطوفان حادثة واقعية تاريخية حدثت في طيات الماضي البعيد من تاريخ العراق القديم، ولفداحتها تركت تأثيراً بليغاً في عقول الأجيال المختلفة فتناقلتها بالروايات الشفوية، ونظراً للشبه الكبير في رواية الطوفان بين ملحمة كلكامش وبين رواية نوح في التوراة، فأننا نعتقد أن كلتا الروايتين ترجعان لحادثة واحدة) وهذا ما أرجحه بأن هناك حادثة سبقت ملحمة جلجامش بزمن طويل، وعليها بُنيت أسطورة جلجامش التي يدعي الدكتور خزعل الماجدي بأنها هي الأصل والمصدر لأسطورة الطوفان كما يسميها هو. ويعتقد الدكتور طه باقر (أن الطوفان حدث في السهل الرسوبي لجنوب العراق في نهاية جمدة نصر في حدود 3200 ق،م والى نهاية عهد فجر السلالات في بداية الألف  الثالث ق.م ولم يكن الطوفان العظيم حادثاً معزولاً ومحلياً، بل عالمياً وهذا سبب مهم ما يؤهل للكارثة ان تكون معروفة في جميع أنحاء العالم ليتم تسميتها بالطوفان العظيم)، وأنا لا أرجح عالمية الطوفان لأسباب علمية ذكرها البعض بسبب أستحالتها علمياً نسبة لكمية المياه المطلوبة أذا طبقوا نظرية الأواني المستطرقة، ولكن هذا لا ينفي حجم المساحة الكبيرة التي شملتها الحادثة ولكن لا يسعني لتبيان شهرة حادثة الطوفان ومدى أنتشارها بالآفاق الا أن أذكر ما كتبه الكاتب أحمد عزمي في مقالته (الطوفان) والمنشورة في صفحة رصيف الألكترونية بتاريخ 25/11/2016 (ربما لا توجد رواية أو حكاية أو أسطورة أكثر شيوعاً في الثقافات والحضارات والأديان المختلفة مثل رواية الطوفان، فعلى سبيل المثال أحصى الباحث والمؤلف النمساوي (هانز شيندلر بيلامي1901-1982) أكثر من 500 أسطورة عن الطوفان في جميع أنحا العالم .... وكان لمعظم الحضارات القديمة، كما في الصين وبابل وويلز وروسيا والهند وأمريكا وهاواي والدول الأسكندنافية وسومطرة وبيرو نسختها الخاصة من قصة الطوفان الهائل الذي أغرق الأرض)، فمن كل ذلك هل يمكن أن تصمد نظرية دكتور خزعل الماجدي في أن قصة الطوفان عبارة عن أسطورة سومرية أختلقها الخيال السومري.

 يتبع

***

أياد الزهيري

 

الصفحة 1 من 5