المثقف - قضايا وأراء

الدين/الديمقراطية.. التباسات العلاقة في المجال الاسلامي (العراق انموذجا) (2)

yousif_mohsenالى / محمد مناتي صنيع وماجد جبر هاشم قتلتهم الدولة الفاشية البدوية العراقية

استقصاء المجال السياسي للديمقراطية، مسألة بالغة الاهمية فمن خلال هذه المنظومة القيمية

والمجتمعية يستطيع المجتمع البشري استعادت الخيارات الذاتية على المستوى الفردي والمستوى الجماعي، فضلا عن ذلك ان مشروع الديمقراطية هو مشروع للاستقلال والتحرر الاجتماعي والسياسي والاقتصادي، لذا يصطدم بشكل مباشر او غير مباشر بالثقافات العتيقة والاديان والهويات المتشظية للجماعات والايديولوجيات السياسية، التي تعبر عن نفسها دائما بالعنف والعنف الرمزي، وتشكل مأزقا كبيرا للتجارب الديمقراطية في المجتمعات الطرفية بشكل خاص .

وتمثل التجربة العراقية نموذجاً لهذه الاشكاليات، حيث لم تظهر لحد الان في المجتمع العراقي نظرية للدولة المدنية، والتي هي كيان سياسي لحفظ السلم الاهلي او تتحرر الدولة من انتمائها الديني او الطائفي او تتوفر لها القدرة على استيعاب التنوع والتعدد البشري وانفصال المجتمع المدني عن الدولة، وتكريس قطبية جديدة داخل المجال السياسي من خلالها يمكن تحقق انفصال المؤسسة السياسية عن المؤسسة الدينية، فضلاً عن التحولات التي تصاحب هذه الانفصالات، وتحول الدين الى وظيفته الجوهرية (الأخلاقية والإدماجية) للاجتماع البشري، وعدم تحكم الدين بالسياسة او تحكم السياسة بالدين .

 

فرضيات غوشيه

من خلال ثلاثة خطوط منهاجية تبلورت اطروحات مارسل غوشيه (Marcol . gauchet) (التاريخ السياسي للدين . علم جذور الفرد . مقاربات مصاعب ومأزق الديمقراطية) حيث استطاع غوشيه صياغة اطروحتين رئيستين في منظومته الفلسفته (ازالة السحر عن العالم ودين الخروج من الدين) ومن خلال هاتين الأطروحتين استطاع استكشاف العلاقة المعقدة والمتشابكة بين الدين / الديمقراطية .

حيث يرى ان الأديان سواء كانت الأديان التوحيدية الكبرى او الأديان الوضعية، عملت على تنظيم العالم الإنساني والعلاقات الاجتماعية وضبط طبيعة السلوكيات بين الجماعات البشرية والانماط السياسية، ومثلت الديانة المسيحية نقطة التحول الكبرى بعد ظهور ثيمة الآلة - الانسان .اوانسنة الدين، اما في الأديان الأخرى فقط استطاعت السياسة الاستحواذ على الشأن المقدس في التوظيفات البراغماتية والاستغلال الأيديولوجي متجاوزة التوظيفات والامكانيات الذاتية الهائلة التي يحتويها الدين في تقوية الاجتماع البشري وتكريس المنظومات القيمية والخلاص الاخروي والاخاء والتسامح بين الافراد وتحرير الانسان والمجتمع من الاستلاب المادي والروحي .

وهنا تمكن قدرة مفهوم (الخروج من الدين) للدخول في الديمقراطية. واندماج الأديان في الحداثة وتكيف العقائد الدينية مع المعطيات الشرعية للعالم الديمقراطي، حيث حصل الأندماج الكامل للدين المسيحي داخل اليمقراطية بما فيها الكاثوليكية الرسمية التي طالما كانت عاصية انتهى بها الامر الى الانضواء تحت بنى وقيم الديمقراطية، هذا التطور ترجم بشكل حاسم من قبل اللاهوت، واصبح من الصعب اشراك الدين في معيارية المجتمع البشري او في تنظيم السياسة ومن خلال هذه العملية يمكن تفسير انهيار البنية المؤسساتية للأديان التاريخية او التي تشكل المطلق الديني في المجتمعات الغربية وبالذات في المجتمع الفرنسي الذي اخذ فيه مشروع التنوير طابع عدائي للدين في حين اخذ فيه مشروع التنويري الأنجليزي مسار الأصلاح السياسي والمتصالح مع الدين اما المشروع التنويري الألماني فقد اندمج مع الأصلاح الدين .

 

الخروج من الدين

من اجل ان لا نقع في التباسات معرفة او سياسة فأن مفهوم الخروج من الدين ( (sortirdelareligion لا يعني التخلي عن المعتقدات الدينية وانما الخروج من عالم اجتماعي يكون فيه الدين بحد ذاته منظما بنيويا . يوجه الشكل السياسي للمجتمعات ويعين البنية الاقتصادية للروابط  الاجتماعية حيث ان المجتمعات الخارجة عن الدين هي تحديدا المجتمعات التي يمكن فيها اعتبار الدين بنية فوقية بالمقارنة مع بنية تحتية تعمل في غيابه على نحو تام وهو في المحصلة النهائية والانتقال الى عالم يستمر فيه وجود الأديان ولكن ضمن شكل سياسي وتنظيم اجتماعي لم تعد تعني يتحديدهما .

هذا المفهوم لا يناهض الدين من حيث الجوهر وانما يعادي المطامح الدنيوية للنخب الدينية ويحدد للمؤمنين الاحتفاظ بايمانهم الشخصي وبالاخلاص للعالم الآخر، مع امكانية دخولهم المجال السياسي المشترك والمستقل عن الدين في هذا العالم المعاصر كون السياسة لا تندرج في ذات الدين او نظامه المعرفي وانما يعود هذا الترابط الى صعف الانفصالات في الحقول السياسية والايديولوجية والفكرية في القرون الوسطى والى هشاشة الدورات الاقتصادية ما ادى الى التداخل بين هذه الحقول بشكل كبير وترابط الديني بالسياسي والسياسي بالاقتصادي في المجتمعات التقليدية : ويعني هذا المفهوم ضمان حرية الاديان والطوائف والجماعات الدينية في تنظيم بدون وصايا من الدولة ودخول الفضاء المدني حيث ان هذا الفصل بين الدين / الدولة يحمي الجماعات الدينية من تسيس الدين او تديين السياسية واستقلال كل منهم عن الاخر .

 

مسار العلمية

توصف العلمنة laigisme)) بانها فصل الدين عن الدولة والاستقلال التام في التنظيم الدنيوي وعدم الخلط بينهما ويحدد غوشيه ان وظيفة الدين هو اجتماع الانسان مع الخالق اما الدولة فهي اجتماع البشر مع بعضهم البعض وقد تزامن مسار العلمنة التاريخي في المجتمعات الغربية مع ثلاث لحظات شكلت قطائع معرفية في الفكر الغربي . الاصلاح الديني، انبثاق الدولة – الامة، اللحظة الليبرالية حيث ان الاصلاح الديني سحب احتكار الدين من قبل فئة محددة (رجال الدين) وتم توسيع التنوير الديني ليستوعب منجزات العقل البشري في حين شكل ظهور الدولة – الامة، نقطة تحول قصوى للمجتمعات الغربية بعيدا عن الصراعات الدينية التي عاشتها تلك المجتمعات رافقها انفصال الدولة عن الفضاء العمومي بحيث اصبحت الدولة تستمد شرعيتها من المجتمع وعملت على تبيئة المقدس وتحويله الى منظومة قيمية هذا الفصل يعترف بشكل كامل بالدين بوصفه جزء من النسيج المجتمعي وتحرير الديني من هيمنة المؤسسة الدنيوية (الدولة) وتحوله الى شان شخصي فردي خارج اطار علاقات الهيمنة وعدم خضوع التنظيم السياسي للمجتمع لغايات دينية، وانما السماح بتعايش غايات عدة مشروعة بهذا المعنى بوجود فصل قانوني ودستوري بين العامل السياسي والعامل الديني، وضرورة حيادية الدولة اتجاه الدين او الاديان وتقوم العلمنة على منظومة فلسفية من الانفصالات المتتالية والتامة، الدين الحقل الاقتصادي، حقل التعليم والثقافة، الحقل الفكري . العلوم الطبيعية . العام، الخاص، هذه الانفصالات تمثل الركيزة الاساسية للدولة القانونية الديمقراطية وذلك لخلق توازن مؤسساتي بوجه النزعات الشمولية الكليانية، والايديولوجيات السلطوية الاستبدادية السياسية والدينية وتتأسس هذه الدولة على المجال السياسي الموجود بذاته والمحكوم بصناعة هويته واخاضع لقوانين تسن بواسطة العقل التاريخي، وتعود الى الناس صانعي الشرعية ففي المجتمعات الغربية تداخلت الحداثة السياسية والفكرية مع تحرر الفرد من الخضوع للمطلق وبناء دول الفرد / المواطن . هذه التصورات قادت الى فكرة العقد الأجتماعي الذي مثل العتبة الأولى للعلمنة وادى الى نتيجتين اساسيتين متأتيين من تلك المعادلة وهما العلاقة الوثيقة بين مسألة الحرية الشخصية ومسـألة السلطة واضفاء الرهان السياسي على موضوع السيادة البشرية .

 

الدين / الديمقراطية

بعض المفكرين في الحقل السياسي والفلسفي يرون ان الدين يعد معوقا اساسيا للتجارب الديمقراطية خاصة في المجتمعات الطرفية من النظام الرأسمالي العالمي بسبب احتكار النخب الدينية (الحقيقة الإلهية)، ما يتطلب تكيفات اولية وتحرير الخطاب الديني من هيمنة المؤسسات الدينية وابعاد الدولة والتنظيمات الاجتماعية عن سيطرة الممارسات الدينية وبالعكس، نقد الأرث العلماني الاستبدادي .

فالديمقراطية تقوم اساسا على استقلال المجال السياسي عن المجال الديني وتتضمن استخدام قوانين وضعية الأدارة شؤون الدولة والافراد هذه الفصل بين المقدس والدولة يجعلها عرضة للمحاسبة من قبل المجتمع، حيث ان الدولة الديمقراطية تنتشر تحت طالع " المثولية " وهي تعبير عن المجتمع، حيث ان المجتمع يمثل نفسه بنفسه من خلالها ومن داخل ذاتها .هذه العملية تفترض ابتعاد الدولة، اي تمايزها البين عن المجتمع لتحقق نسبة التماثل بين هذين القطبين ومؤشر ارتفاع الحقوق الشخصية للأفراد على المستوى الأول. وتكمن عبقرية روسو في انه استفاده من المصادر الفلسفية التنويرية لصياغة المدلول الكامل للفكر الديمقراطي وامتلاك الديمقراطية السيادة المطلقة على الدولة واستحواذها الكامل على السلطة (سلطة القانون) التي تمثل تلاقي ارادات الأفراد عبر التقويض حيث ان الحرية البشرية لا تعرف معناها الحقيقي الا عن طريق المشاركة في السيادة التي تعود للجماعات السياسية وحدها الحق في ممارستها داخل نظام دولة القانون، حيث تتجلى كنظام سياسي في كافة المستويات، وتحول الأشخاص من كائنات لاهوتية الى كائنات سياسية مستقلين عن بنيتهم الدينية وخروج الدولة كأساس معياري من اي دين او نظرية دنيوية محددة هذه الحيادية الدينية والدنيوية للدولة هي جزء من التأسيسات الأولية للديمقراطية بمجالها القانوني والأخلاقي، ففي نقد فلسفة الحقوق عند هيغل يضع ماركس رؤيته للدولة الديمقراطية بوصفها الدولة السياسية التي تعبر عن المجتمع المدني، حيث الأفراد الاجتماعيين هم الأساس الطبيعي للدولة ووظيفتها تصفية جميع العلاقات الأقتصادية التي يكون فيها الأنسان كائنا مهانا وعاجزا ومبتعدا عن التاريخ وتطلق التنوع الفردي والمادي والفكري والروحي وتثبت دنيوية العلاقات الاقتصادية والاجتماعية وتأسيس التمايز الوظيفي بين الديني والسياسي عبر ضبط المجال الديني وطرق اشتغاله وتحديد الفضاء الخاص له وتلعب (الدولة) الدور الأكبر في هذا النظام الأجتماعي وتشكيل هوية الأفراد والمجموعات البشرية ويرى برهان غليون ان العلمانية تعني معنى واحد هو (المدنية) واسبقيه الاعتماد على العقل واخضاع جميع القرارات والأحكام المتعلقة بالشؤون العامة للنقاش الحر والعقلاني، ولا يمكن ان تقصي الدين او تستبعد المتدينين من الشأن السياسي وتعني حيادية الدولة ومؤسساتها تجاه الأديان ولاحتكام الى القانون في ضبط النظام الاجتماعي والايمان بالتنوع والتعدد المجتمعي وترسيخ قيم التعايش والتسامح بين الجماعات البشرية.

وتعتبر العلمنة الفرد هو وحدة موضع النص القانوني لابعاده عن كل وصايه تمارس باسم الهوية الدينية الجماعية او الهوية الثقافية المرتبطة بمنظومة حقوق الإنسان والتأكيد على المساواة كجزء من الفلسفة السياسية والديمقراطية والمثل العليا لعصر التنوير .

 

< 2 >

اسهاما بالجدل الدائر حول التماثل / التناقص بين الدين / الديمقراطية وارتباط هذا الطرح بالحقل الإسلامي فضلاًعن الأسئلة التي يواجهها حقل النظام المعرفي للدين يتطلب اولا طرح شبكة من التساؤلات التقاطعات الفكرية والسياسية والمعرفية والتاريخية، هل يتوافق (الدين) الإسلام اللامعين انثريولوجيا (ذلك لتعدد الإسلاميات التاريخية وتناقضها في الأحكام والشرائع) كنظام معرفي مع عناصر الفلسفة الديمقراطية؟

ماهو السياسي في الإسلام؟

وكيف تتم عملية الربط بين السياسي والحقل الأقتصادي؟ وهل هناك نظرية للدولة في الأسلام؟

وكيف تشكل شرعيتها السياسية؟

هل تستمد شرعيتها من الجماعات البشرية وتركيبات المجتمع السياسي؟ام من النصوص التأسيسية والتفويض الألهي؟ ام من مؤسسة اهل الحل والعقد او اجماع الأمة او اجماع الفقهاء؟ وكيف يتم دمج مفهوم الديمقراطية في بنية الدين الاسلامي واقامة تماثل بين الدين / الاسلام / الديمقراطية .

حيث ان الاسلام منظومة عقائدية قائمة على هوية ثابتة في حين ان الديمقراطية نظام تأسيسي مجتمعي يقوم على هويات متغايرة ومتعددة وديناميكية، لماذا تقدم القوى الأيديولوجية الكامنة حلف الخطاب الديني الاسلامي  توصيفات دينية - طائفية للمجتمعات تنافض مع تركيبة المجتمع السياسي (المجتمع العراقي انموذجا فاقعا لهذه التوصيفات) .

 قضية المرأة ومكانتها في النظام الثقافي البيطرياركي الديني ألم تتنافض مع العناصر الراديكالية في فلسفة الديمقراطية فضلا عن تناقضا مع حقوق الانسان؟

ألم يمارس القهر والتصنيف والتمييز ضد المرأة وفق شرعية دينية في الشهادة والمواريث والحقوق المدنية؟

اشكالية الفرد / الجماعة اللتان لم يتم حسمهما في الدين؟

ماهو موقف الدين / الأسلام / من الآخر الديني والسياسي والجنسي والعرقي؟ واخيرا لابد من التساؤل عن ما هي الديمقراطية في الحيز الثقافي الديني الاسلامي، وهنا يتطلب اخضاع هاتين العلامتين الدين / الديمقراطية للتفحص النقدي، التنويري، التاريخي، وكشف الفضاء المفاهيمي لكليهما .

مأزق المجال الاسلامية

 

ان طرح هذه الأسئلة بهذا الشكل الالتباسي يفسر ازمة النظام المجتمعي في تحين الثقافات لأن هكذا علاقات تمر عبر البنى الفكرية والمجتمعية المعقدة .ما يتطلب اعادة صياغة السؤال الأساسي عن كيفية انتقال بنية فكرية ونظام مفاهيمي ومقولاتي خاص بنية اجتماعية مختلفة وبالتالي اثره في التطور التاريخي لهذه البنية الاجتماعية مع الاخذ ينظر الأعتيار ان الديمقراطية مقولة خاصة بنية اجتماعية - رأسمالية حيث نجد داخل انساق هذا المفهوم علاقات التناقض والتناص للمجتمعات الغريبة والممارسات السياسية للفكر الغربي، نتيجة للتمزقات التاريخية التي يعشها العالمين العربي والاسلامي . اكتشفت الانتلجستيا الاسلامية (سحر الديمقراطية) بوصفه اليات للوصول الى السلطة السياسية والعودة الى الارث الثقافي والديني لتجاوز اخفاقات تشكيل الدولة واعادة انتاج مفهوم الشورى كنسق استعاري رمزي او تماثلي مع مفهوم الديمقراطية (ومن هنا نستطيع ان نفهم معنى الالحاح على ربط الديمقراطية وهي مفهوم حديث بالشورى ورفض استخدام المصطلحات الغربية عندما يمكن استبدالها بسهولة بمصطلحات عربية موروثة او ذات معنى دلالي اسلامي حيث تتمكن الرغبة في استهلاك الحداثة وتاهيلها ثقافيا (غليون . الدولة ضد الامة) وهنا يكمن مازق البنية المعرفية للانتلجستيا الاسلامية في البحث عن تحوير للديمقراطية كمفهوم وممارسة وايجاد صيغة اسلامية تقوم على عزلة عن السياق المجتمعي التاريخي حيث ان النظام المعرفي الاسلامي مسكون دائما بهاجس التأصيل واعادة انتاج المفاهيم الغربية الشاغلة في الانظمة المعرفية عبر ايجاد حقل مقاربات في المرجعيات الدينية والروايات والاساطير والخطابات التاريخية الخرافية ثم موضعة هذه المصطحات داخل هذا النظام واضفاء الشرعية عليه . وهذا يعود الى ان الخطاب الاسلامي يعاني من فراغا معرفيا في نظامه المقولاتي والمفاهيمي ويحلل الطيب البكوش الاشكالية اللسانية للمفهومين الثنائيين ديمقراطية / شورى عبر المنظومة الرمزية التاريخية ويرى ان النصوص المعتمدة بالنسبة الى مفهوم الشورى لست نصوص حقوق الانسان ونما هي نصوص سياسية يتم داخلها استبدال مفهوم ديمقراطية يلفظ شورى الذي له بعد ديني ذو صلة بالميراث الاسلامي حيث تجري هذه العملية لجعل مفهوم الديمقراطية اسلاميا مع الرفض الكامل للغرب المسيحي وتوصيف الديمقراطية بانها بدعة مرفوضة وهكذا تتم عملية مرور رفض الاخر الثقافي والسياسي والتاريخي عبر رفض (النظام المفاهيمي المقولاتي ) او الشفرة الرمزية حيث ان هذين المفهومين ديمقراطية / شورى ينتميان الى بنيتين سياسيتين وثقافيتين وفكريتين مختلفتين مختلفة ولهما حقلهما الابستمولوجي ومعجمها السياسي والصرفي الاشتقافي ولا يشتركان في النظام السيميائي فهما لا يتماثلان ولا يتطابقان فالديمقراطية مفهوم يحيل الى سلطة الاغلبية بينما تحيل الشورى الى النص الديني وسلطته في (الخاصة من القوم) ويحتوي على شفرة مشحونة بالرمزية الدينية ويستعمل كوسيلة للايحاء المتحكم بالتعبئة السياسية وهنا يهيمن الجانب السيمائي على الدليل اللساني من حيث التصور الثقافي .

اذا ان العقل السياسي العربي اسس مفهوم الشورى اعتمادا على كلمات داخل النص المقدس تفيد معنى التشاور وتعود مرجعيتها الى تقاليد سياسية قبلية وهي جزء من البنية الاجتماعية والاقتصادية السياسية في المجتمعات القبلية.

كما ان مفهوم الشورى يطمس القوة السياسية ويؤكد التطايق التلقائي بين التاريخ والمجتمع والسلطة هذه النزعة ما هي في الواقع الا وسيلة لترجمة فكرة الوحدة المجتمعية . هذا النوع من التنظيم ينبذ بطبيعة الحال اية تعددية سياسية ويستبقي تعددية الطوائف الدينية حيث ان اكثر اطروحات الانتلجستيا الاسلامية حول الشورى كمفهوم ومؤسسة سياسية كلاسيكية تخيلية لم يرتبط بالتراكم المعرفي حول طبيعة الدول السياسية في الاسلام . ان اعادة انتاج واستثمار هذا المفهوم يقع تحت ضغط الاسئلة السياسية داخل المجتمعات التي تحاول البحث عن ذاتها الثقافية والسياسية في عالم متحول

 

المحددات التيولوجية (الدين / الديمقراطية)

تعرف الديمقراطية في المنظومة الدينية الاسلامية كونها ليست ايديولوجية او نظام اقتصادي محدد المعالم او مجموعة تشريحية ناظمة بل هي اطار نظري لتنظيم لعبة التنافس بين الايديولوجيات وعند وضع هذه الفرضية تحت التفحص النقدي نجد انها تعاني من الهشاشة الفكرية والضعف المعرفي وذلك كونها ترى الديمقراطية آليات للوصول الى السلطة السياسية وليس بوصفها منظومة قيم وعلاقات انتاج وتعايش بين الجماعات البشرية وانساق للدولة .

ان الديمقراطية الحديثة ظهرت مع ولادة العصر الصناعي وفي الطور المتقدم منه وتقوم كنظام سياسي اجتماعي اقتصادي وفق تعبيرات المفكر فالح عبد الجبار على مجموعة من الاسس تعتمد الاتفاق والتعاقد الاجتماعي واحتكار وسائل العنف المشروع من قبل الدولة وهي نظام علاقات مؤسساتية وقانونية تعمل على ثلاث مستويات :

 

المستوى الاول: - انها نظام علاقات معقدة بين اعضاء وجماعات وطبقات مجتمع ما يتمتع ويعترف فيه كل فرد او جماعة او طبقة بالمساواة امام القانون على اساس حقهم في حرية النشاط الاقتصادي المنظم وفي حرية المشاركة السياسية وحرية المعتقدات الدينية .

المستوى الثاني: - انها نظام من العلاقات المعقدة بين المجتمع في كليته والدولة او بين المجتمع المدني والمجتمع السياسي . بناء على احتكارين ان المجتمع المدني وهو حقل الملكية والنشاط الاقتصادي والثقافي وان المجتمع السياسي هو ميدان احتكار وسائل العنف المشروعة وادارة القضاء دفاعا عن الحياة والملكية الفردية والثقافة والحريات ضد اي انتهاك لها سواء كان داخليا او خارجيا .

المستوى الثالث: - انها نظام تقسيم وظائفي مؤسساتي داخل المجتمع السياسي . اي في بنية الدولة وكل مكونات الدولة تقوم بوظيفة محددة بوضوح، ولكن هذه الوظيفة منفصلة مؤسساتيا . مثل السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية والسلطة القضائية ولكل مؤسسة نصيبها من السلطة هذا التنظيم العمودي والافقي للسلطة اسلوب يمنع تمركز السلطة . في حين نرى في النظام الثقافي الاسلامي محرمات تتمثل في عدم الاعتراف بالديمقراطية كنظام اجتماعي – سياسي لكونها مفهوما منتجا في الثقافة الغربية ومرتبط بالثقافة اليونانية المسيحية . ويقول مالك بن نبي اننا نعرف متى حدثت كلمة (الاسلام) في اللغة العربية انها لا شك من ابتكار القرآن ولكننا على جانب اقل معرفة فيما يخص مصطلح (ديمقراطية) ولا نعرف متى درج في اللغة العربية . هكذا نرى ان الصلة مفقودة بين المصطلحين وربما امكن القول مجازا نظرا لهذا التباعد من حيث التاريخ ومن حيث الجغرافية بانه ليس هناك ديمقراطية في الاسلام " ويعتمد مالك بن بني في تقرير احد الجوانب المهمة بين الديمقراطية بوصفها مفهوما سياسيا يقيد سلطة الانسان في الوجود التاريخي للنظام الاجتماعي وبين مفهوم الاسلام كونه نسقا ميتافيزيقياً يقيد خضوع الانسان الى سلطة الله .

حيث ان الاسلام يمتلك نسقا ايديولوجيا للتاويل المستمر ويؤكد التمايز والاختلاف عن الاخر ضمن مخزون تاريخي ضخم من الاستيهام وتضخيم الذات والشعور بالتفوق المستديم، لذا تم تكريس مجموعة من التصورات المعرفية داخل النظام الثقافي الاسلامي المتشكل تاريخيا من الانساق الشعبوية والراديكالية اذا لم تقم الانتلجستيا الاسلامية يمراجعة دقيقة وشاملة للآليات والمفاهيم الدينية والسياسية والمحددات الثيولوجية للحقل المعرفي والتي تمثل احد المقاومات القطعية بين الاسلام / الديمقراطية

 تابع القسم الثاني من الدراسة

............................

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها. (العدد: 1203 الثلاثاء 20/10/2009)

 

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 1141 المصادف: 2009-10-20 12:26:40