 آراء

صـراع التــيـارات

بشار الزبيديعن صحيفة (دير شبيغل) الألمانية

نُشر في: 25 فبراير 1959

ترجمة: بشار الزبيدي

أصغى مستمعو الإذاعة العراقية مجدداً وبعد فترة طويلة إلى الصوت المألوف لأحد أعظم أبطالهم الثوريين: انه العقيد عبد السلام عارف. المُنقلب، الذي شاركت كتيبته العسكرية كقوة مهاجمة ضد عرش الملك في بغداد. ولم يكن وقتها يدعوا إلى النضال من أجل الحرية العربية وإنما من أجل إقامة جمهورية العراق. وقد ألقى بطل الثورة خطابا دفاعياً هذه المرة. ولم يكن يصرخ كما هو معتاد في خطبه الحماسية، فكان يحتج بهدوء وبصورة متواضعة ضد اتهامه بالتخطيط لاغتيال رئيس الوزراء العراقي عبد الكريم قاسم، أحد كبار المتآمرين معه في انقلاب يوليو.

عارف الذي حقق النصر مع اللواء قاسم، قد ندد بإخفاقات النظام الإقطاعي المخلوع بعد نجاح الثورة، أصبح بعدها في موضع اتهام وقد بثت إذاعة راديو بغداد تسجيلات من المحاكمة السرية لزعيم العراق الجديد، عبد الكريم قاسم، للـ"الأخ الثوري " عبد السلام عارف.

الضباط المنقلبون، الذين حطموا سلالة بغداد الهاشمية وأعلنوا الجمهورية في 14 يوليو 1958، كانوا في حالة شجار حول سؤالهم عن جدوى نصرهم الذي حققوه؟. سياسة "لا للغرب" الموجهة للنظام القديم صاغوها معًا ؛ فيما قالوا نعم لمنهاج مستقبلي وتحدثوا عن ذلك بآراء مختلفة. وبالنسبة إلى اللواء قاسم، فإن الخلط في كلام عارف كان كافياً للحُكم عليه بالإعدام.

كان الجمهور العربي مذعوراً وهو يستمع لإذاعة راديو بغداد عن خصام الأشقاء الثائرين. وكان هناك تساؤل ما إذا كان عارف حقًا هدد اللواء قاسم بالمسدس أم - كما أكد عارف - أراد فقط الانتحار بدافع اليأس السياسي في عيون رئيسه المتآمر السابق. كانت تهم القتل العمد ضد عبد السلام عارف حزمة إجرائية ضعيفة.

كان العقيد عارف في قفص الاتهام حول تعاونه مع جمال عبد الناصر الذي لم يكونوا اتباعه أمراء إقطاعيين ضعيفين للقوى الاستعمارية الغربية، وإنما كانوا ثوريين يدعون للنضال من أجل الاستقلال العربي.

منذ عام 1952، وعندما اطاح العقيد جمال عبد الناصر بعرش "الملك فاروق"، كان الطريق المصري هو الطريق الوحيد لتحقيق هدف الحرية العربية والاستقلال العربي. وكان عبد السلام عارف يرى ضالته في القاهرة. مع اقتناعه بأن بغداد أصبحت لاعبا في النضال من أجل الروح العربية.

ما قدمه العقيد عارف امام المحكمة العسكرية في بغداد كان عملاً مشرفاً بين الشعوب العربية حتى وقت قريب: أراد عارف قيادة وطنه العراقي إلى معسكر حركة التوحيد والاستقلال العربية، (المعسكر الناصري). كان يدير اتحاد العراق بالتعاون مع الجمهورية العربية المتحدة التي شكلها ناصر.

كان يمكن فرض عقوبة الإعدام بحق عارف بعد تعاونه مع عبد الجمال ناصر. كان عبد الجمال ناصر يريد حشدًا عربيًا مفعمًا بالحيوية ولذلك دعا عارف للوقوف بجنبه.

بعدها صرح رئيس محكمة الشعب العراقي قائلاً:"لقد حررت ثورة 14 يوليو الشعب العراقي وستحرر جميع إخواننا العرب. خاصة الشعبين السوري والمصري ".

اتت التصريحات في ظل هتافات في شوارع بغداد، كانت تُرفع فيها صور جمال عبد الناصر أكثر من صور عبد الكريم قاسم .قبل أن يتم حظر عرض التقارير الإخبارية التي تظهر عبد الجمال ناصر بعد خلافات بين مؤيديه.

كان عبد الكريم قاسم، السياسي المبتدئ، يرفض الرضوخ للزعيم الشعبي الصريح ناصر. وضعت المنظمات الشيوعية السرية في الشرق الأوسط، وبموافقة موسكو، تجاربها في تنظيم ما يسمى تظاهرات الشوارع التلقائية المؤيدة لرئيس الوزراء العراقي غير المدرب عبد الكريم قاسم.

ولإظهار قوتهم، قامت المنظمات الشيوعية بمسيرة تتكون من حوالي 200,000 شخص عبر شوارع مدينة بغداد لحضور جنازة شهداء قتلهم أتباع ناصر. وقدمت الصحف العراقية الشيوعية شعارات لـ "القومية العربية الأصيلة والمتحررة"، فيما كانوا يرون بأن قومية عبد الناصر مجرد "خُرافة مغلوطة".

تردد قاسم لبعض الوقت قبل تسليمه مرسوم إلى رفيقه عارف، الذي كان في البداية نائباً لرئيس وزراء الحكومة الثورية، وأخبره علنًا أنه خائن للقضية التي كانت مشتركة بينهما. وقد أمر قاسم بإعفاء عارف من مناصبه وبتعينه سفيراً للعراق في ألمانيا الغربية في مدينة بون وكانت الخطوة من أجل تطبيق الامتناع السياسي عليه، وبعدما عاد للعراق من مؤتمر سري في القاهرة، أمر عبد الكريم قاسم بالقبض عليه في مطار بغداد. وحتى لا يثقل كاهل "وحدة الجبهة العربية"، انتظر قاسم حتى نهاية يناير لتنفيذ حكم الإعدام ضد عارف وبث المحاكمة السرية.

في هذه الأثناء، وبفضل متظاهريه الشيوعيين، تمكن اللواء قاسم من القضاء ليس فقط على الناصريين والعارفيين في العراق من خلال موجة من الاعتقالات، وإنما أيضًا حزب الاستقلال اليميني من خلال إضعاف وإدانة زعيمهم الأبرز، عدو بريطاينا القديم رشيد عالي الكيلاني.

قام الكيلاني في عام 1941 كرئيس وزراء للعراق بالتعاون مع سلاح الجو الألماني بدعم الانتفاضة الوطنية ضد الانجليز. بعد انهيار حركته اضطر إلى الفرار من بغداد. ومن طهران ذهب إلى ألمانيا، حيث استقبله أدولف هتلر كحليف عربي في الحرب ضد بريطانيا.

بعد الحرب، عاش الكيلاني في المنفى في المملكة العربية السعودية ومصر حتى انقلاب يوليو العراقي، حيث كان على اتصال مع حركة ناصر. ثم اعتقله قاسم بعد عودته للعراق.

لأول مرة منذ بداية النهضة العربية الناصرية، لم تعد الكوكبة السياسية في الشرق مصممة على إبقاء الأنظمة الإقطاعية ذات التوجه الغربي وكان يُعتبر المصري جمال عبد الناصر المصري الممثل الوحيد لمستقبل الشرق الأوسط.

بالإضافة إلى التجديد العربي الذي بناه ناصر على اطراف النيل، ظهر مركز جديد لحركة الحرية في العراق بعد قمع أصدقاء ناصر في العراق. لأن القوى الغربية وبسبب سياسة القوارب الحربية التي تتبعها على قناة السويس وتعلقها القوي بإسرائيل، كان يجب عليها الاعتماد على القوى التي تسعى للهروب من التجديد العربي بسبب قلقها من الثورات الاجتماعية التي يقودها ناصر، وحقيقة أن الاتحاد السوفيتي فقط من يمكنه الاستفادة من القطبية الجديدة للشرق الاوسط.

مع تسليم الأسلحة السوفيتية، وإعلان برنامج مساعدات سوفيتية للعراق، ودعوات من السياسيين العراقيين إلى إقامة علاقات مع موسكو وبراغ وبودابست، أثبتت الحكومة السوفيتية عزمها على دعم عبد الكريم القاسم لتحقيق الاستقلال بمعزل عن المسار المصري.

إن النكسة التي كان يعانيها ناصر على الأقل من الناحية النفسية - بسبب إصرار قاسم على استقلال العراق ستجعل المصري أكثر اعتماداً عليها.

وبسبب صداقة الولايات المتحدة مع إسرائيل، كانت تتوقع موسكو أن تظل الكتلة الشرقية في القاهرة شريك مرحب به أكثر من الغرب.

كتبت صحيفة "Neue Zürcher Zeitung" حول الصراع بين العراق الغني بالنفط ودولة الفلاحين الفقيرة مصر: "وضع ناصر في هذه الظروف لا يحسد عليه بأي حال من الأحوال." وفي المنافسة السلمية بين مصر والعراق شبه الشيوعي، تتمتع بغداد بمزايا واضحة على القاهرة. ولأول مرة، يُمكن اعتبار مناورة ناصر محدودة. "

سعى الجنرال المنقلب قاسم للحصول على دعم رعاته السوفيتيين من أنه يمكن أن يطور استقلاله عن جمال عبد الناصر إلى العمل الحر مع موسكو.

يثق السوفيتيون في جعل قاسم أداتهم، تمامًا كما كان رئيس وزراء الملوك الهاشميين العراقيين، نوري السعيد، الذي قُتل في انقلاب يوليو، طوال عقود هو الشريك الأكثر موثوقية في دبلوماسية الشرق الأوسط البريطانية.

قرر قاسم وضع اثنين من المنظمات الشيوعية التي قدمت له الذراع القوي للقتال ضد الجبهة الناصرية في العراق وهما "ميليشيا المقاومة الشعبية" واتحاد الطلاب تحت سيطرة الجيش، لكن لم يبذل رئيس الوزراء العراقي أي جهد في الأشهر السبعة من حكمه لاتخاذ أي إجراء سياسي آخر بهذا الصدد، بصرف النظر عن عدم رغبته في الارتباط مع ناصر. كان يتصرف مثل الجنرال نجيب الذي عزله ناصر. لم يكن يبدو أن لدى عبد الكريم القاسم أي قرارات أخرى يتخذها منذ أن أرهق طاقته وعزيمته في انقلاب يوليو.

لم تؤدِ أيضا المحاكمات الاستعراضية العديدة المذهلة إلى تصفية ممثلي الماضي، كان قاسم معروف بأنه لا يطبق أي من أحكام الإعدام ضد السياسيين في النظام السابق - كما أن إصلاح الأراضي ,القرار الأساسي للعراق الذي وعد به, لم يُنفذ بعد الثورة مباشرة.

ومع ذلك، فإن السوفيتيين لم يعتمدوا فقط على قاسم المتردد "العائم" الذي لا تزال تجاربه السابقة تنتمي إلى فئة المبتدئين في حنكة الدولة في الشرق الأوسط.

اعتمد الكرملين، الذي قدم دعمه إلى قاسم، على عاملين غامضين في العراق، اللذين تم تنشيطهما بمساعدة سوفيتية خفيفة ويمكنهما في أي وقت القضاء على قاسم إلا وهما (الشيعة والأكراد), إذ يعتبران ورقتان رابحتان لموسكو.

من بين ما يقرب من سبعة ملايين نسمة في العراق، يميل غالبية الشيعة في العراق إلى الوحدة مع إيران، حيث الإسلام الشيعي هو دين الدولة. إنهم يدافعون عن أنفسهم ضد الخوض في البحر السني للوحدة العربية الناصرية، وكانوا يدعمون مسيرة عبد الكريم قاسم المستقلة عن ناصر. ومع ذلك، إذا شعر رئيس الوزراء العراقي في يوم من الأيام بالضغوط من موسكو للوقوف مع القاهرة، فإن الدعاية المعادية للسنة التي يديرها مجموعة من الديماغوجيون الشيوعيين المدربين يمكنها أن تعبئ الشيعة لصالح قاسم.

بالنسبة إلى قاسم فأن قضية الأكراد أكثر إثارة للقلق فهم ليسوا من أصل عربي. وإن دعوة ناصر لتوحيد العرب لا تخصهم أبداً. الأكراد الذين يعيشون في مناطق متفرقة في تركيا والاتحاد السوفيتي وسوريا والعراق وإيران يحلمون بدولتهم. ويمكن أن تصبح هذه الأحلام، بدعم من السوفيات، تهديدًا خطيرًا للعراق.

اتخذت موسكو احتياطاتها: ففي أوائل شهر أكتوبر من عام 1958، عاد الزعيم الكردي الملا مصطفى البارزاني إلى العراق بعد أحد عشر عامًا في المنفى. ولم يقيم البارزاني بين شعبه في شمال العراق، بل في العاصمة بغداد وكان على استعداد للتعاون مع قاسم، كما صرح الكرملين السوفيتي.

عاد البارزاني الذي حصل على لقب قائد في الجيش الأحمر في المنفى السوفيتي، إلى المكان الصحيح حتى وأن كان هناك سياسة أقل تعايشًا للأكراد في العراق.

لعب البالغ من العمر خمس وخمسين عامًا آنذاك دورًا قياديًا في جميع الانتفاضات الكردية ضد حكومة بغداد منذ عام 1930: كان برزاني قائد الجيش الكردي في "الجمهورية الكردية المستقلة"، التي تم تأسيسها بدعم من السوفيتيين بعد نهاية الحرب الأخيرة في شمال إيران، قبل أن يفر من القضاء الإيراني إلى الاتحاد السوفيتي.

كانت لا تزال سمعة البارزاني بين زملائه من القبائل قوية للغاية بعد عقد المنفى، حيث في منتصف ديسمبر من عام 1958 كانت هناك شائعات بأن عبد الكريم قاسم قد وضع العائد إلى بغداد (البارزاني) رهن الإقامة الجبرية, مما أدى إلى اضطرابات بين الأكراد العراقيين.

ناصر الملا مصطفى البارزاني الشيوعيين العرب وعبد الكريم قاسم ضد ناصر. فيما صرح رئيس أكبر حزب شيوعي في الشرق، خالد بكداش من الحزب الشيوعي (المحظور) في سوريا، بأن حركة ناصر العربية تمثل سياسة "البرجوازية القومية"، في حين تتماشى سياسات قاسم مع المصالح الحقيقية للشعوب العربية.

ذكرت صحيفة " Neue Zürcher Zeitung " في يناير 1959: "إن الأحزاب الشيوعية العربية لديها في الأسابيع الأخيرة هدف واحد، وهو تشكيل اتحاد من الدول العربية، التي ينبغي أن تميل إلى الاتحاد السوفيتي ولكن كان الحزب السوري الشيوعي قد عارض بالفعل تشكيل الجمهورية العربية المتحدة سلفاً والسر وراء ذلك، لا شك في أن رأي الشيوعيين العرب أن موسكو ليست مهتمة بجعل جمال عبد الناصر شخصاً مبالغًا فيه, خوفا أن يستولي الأخير على آبار النفط (العراقية)، وقبل كل شيء لأن ذلك من شأنه أن يعطيه فرصة لإقامة إمبراطوريته الخاصة، والتي تعتمد اليوم على مساعدة من الشرق والغرب.

إن إمكانية إنشاء نقطة انطلاق للاتحاد الموالي للاتحاد السوفيتي في العراق، وحتى إدراج سوريا والأردن في هذه الجمهورية ذات التوجه السوفيتي، كانت ربما جزءًا من خطة في موسكو.

في ضوء هذا التوازن السلبي بعد نصف عام من سياسة قاسم، عبرت صحيفة "نيويورك هيرالد تريبيون" عن قلقها بالقول: "لأول مرة منذ اتفاق هتلر وستالين خلال الحرب العالمية على تقسيم الشرق الأوسط، يمكن أن يتحول تهديد النفوذ الشيوعي في أكبر منطقة نفطية في العالم إلى حقيقة".

وعندما استقال ستة وزراء من حكومة قاسم في منتصف فبراير احتجاجًا على الحكم الذي صدر بحق عبد السلام عارف، فسرت مجلة نيوزويك الأمريكية هذه الخطوة على أنها استقالة للسياسيين من التسلل الشيوعي المتزايد باستمرار.

ومع ذلك، فإن الإنجليز، الذين كانوا نشطين بالفعل في الشرق الأوسط قبل أن ينقسم العالم إلى معسكرين شيوعي وآخر غير شيوعي، اكتشفوا أن الأعضاء الجدد في حكومة قاسم، كما كتبت لندن تايمز، كانوا يشعرون بالانجذاب لخطة الاقتصاد الشيوعي ولكن لم يكونوا معجبين مغفلين بالساسة السوفيتيين. وكتبت صحيفة التايمز: "في بلد مثل العراق، لا يمكن المساواة بين روسيا كمصدر للمساعدة وبين الشيوعية كفلسفة سياسية في نفس الوقت".

كان تقف قوى الشرق التاريخية في الحقيقة وراء النزاع الدائر بين العراق ومصر أكثر من الفكرة الشيوعية. إن الاستعداد الذي أظهره قاسم في الشراكة مع الشيوعيين يمكن أن يصطدم في حقيقة أن وراء موقف قاسم ضد ناصر سيكون هناك تطوراً ثقيلاً وطويلاً.

إن التنافس بين بلاد ما بين النهرين وأرض النيل هو أقدم من تاريخ الشعوب العربية نفسها التي تعيش في هذه الأراضي اليوم. وبما أن هناك حركة استقلال عربية، سيبقى هناك توتر بين بغداد والقاهرة.

سياسة الامتناع الذي فرضها آخر رئيس وزراء للعراق، المحافظ نوري السعيد، على بلاده بشأن جميع قضايا الحركة الثورية العربية الجديدة، جعل من مصر لبضع سنوات القوة الوحيدة المفترضة لنهضة الشرق الأوسط. فيما أعاد انقلاب يوليو في العراق علاقة التنافس الطبيعية بين الدولتين في غضون عام.

ومع ذلك، فإن إدانة عارف ومقاتل الحرية القديم الكيلاني، اللذين فقدا الثقة في قوتهما في سنوات طويلة من جرائم نوري السعيد القسرية ولم يشهدا الخلاص إلا بعد بزوغ قوة عبد الناصر ومع ذلك، فقد تحول هذا التطبيع أيضًا من الاتحاد إلى المعارضة العدائية.

غالبًا ما تم وضع العراق في طليعة الكفاح في الشرق الأوسط، مما أبقى للواء قاسم إرثا هائلاً بين شعوب الشرق الأوسط، وهو ما يمكن لسيد بغداد الجديد أن يسخره لقضايا جيل الشباب.

تسيد الهاشميون، الذين سقطوا في بغداد عرش الأردن واحيوا بذلك الأمل في قيام إمبراطورية عربية كبرى. في أكتوبر 1918، انضم فيصل الهاشمي الذي كان حفيده الملك فيصل الثاني البالغ من العمر 23 عامًا والذي قتل في بغداد في يوليو 1958 ,كحليف للبريطانيين في دمشق في الحرب ضد الأتراك. يبدو أن الحلم القديم أصبح حقيقة. ففي هذه المدينة وقبل وصول الأتراك بقرون، حكم هنا "الخلفاء" العالم العربي.

الحلم لم يدم طويلاً وبعد ظهور الرغبات الفرنسية في سوريا، قامت بريطانيا، القوة الوقائية للهاشميين، بنقل عرش فيصل من دمشق إلى العراق. لم يغفر الهاشميون لبريطانيا هذا الانتهاك للوعد المقدم في الحرب.

كان نوري السعيد أمين الأسرة الهاشمية الحاكمة، يرى دائمًا في بريطانيا بأنها تمتلك التفوق الطبيعي في العراق، وبمساعدتهم حاول موازنة الوضع في البلاد، بمشاركة تشكيله من الشيوخ.

نوري السعيد صديق بريطانيا، الذي أوقف نصف الانتفاضات المناهضة لبريطانيا، أراد وضع خططه الخاصة بإعادة تصميم العالم العربي. وقبل سنوات من اهتمام مصر - التي كانت تفكر في استقلالها القومي في ذلك الوقت، قدم نوري في عام 1943 خطة توحيد الدول العربية فيما يسمى "الهلال الخصيب".

لقد دافع العراقيون عن تشكيل دولة اتحادية من العراق و "سوريا الكبرى" - تتألف من سوريا ولبنان وفلسطين والتي ينبغي فيها نقل السياسة الخارجية والدفاعية والاقتصادية إلى مجلس اتحادي دائم. وكان على اليهود الحصول على وطن مستقل داخل سوريا الكبرى.

إن تنفيذ هذه الخطة، التي ألهمت بوضوح السوفيتيون في مشروعهم الأخير لكونفدرالية صديقة للسوفيتيين، مع التركيز على بغداد، وقد أزاحت هذه الخطوة مصر إلى حد كبير من العالم العربي وأشارت إلى التفوق الإفريقي: وهو الطريق الذي يأتي منه (نهر النيل) شريان الحياة لمصر ولم تكن فيه المتطلبات الطبيعية موجودة.

ومع ذلك، لم ترغب مصر بغلق الباب مع خصمها القديم، العراق. كتب الخبير الألماني في الشرق الأوسط فريدريك فيلهلم فيرناو عن فشل مشروع خطة نوري السعيد: " دخول مصر نسف إطار مشروع نوري السعيد. في القاهرة عُقد مؤتمر عام للحكومات العربية وكان برئاسة زعيم حزب الوفد المصري مصطفى النحاس وأبدى العراقيون استعدادهم للتعاون العربي، وأيضاً دول شبه الجزيرة العربية، التي تم استبعادها من مسودة نوري السعيد. في الإسكندرية وبعد المفاوضات التمهيدية المطولة تم إنشاء بروتوكول الإسكندرية لخريف عام 1944، والذي تم على أساسه بعد نصف عام، إنشاء جامعة الدول العربية. "

في جامعة الدول العربية، سرعان ما أصبحت مصر أقوى الأعضاء. وما دام الملك فاروق وحزب الوفد يحكمان في النيل، فقد عملوا من أجل إنشاء جبهة فدرالية تابعة للجامعة. لم ترغب حكومة القاهرة في عرقلة الطريق إلى إفريقيا من خلال التعاون الفعال في العالم العربي. ولذا تبخرت لاحقاً أيضاً خطط الوحدة مع العراق.

وصف فيرناو الجبهات في جامعة الدول العربية: "إن الانقسام بين الحل الألماني الكبير والصغير يجد إلى حد ما نظيره في العالم العربي الحالي". يفكر الفيدراليون في جامعة عربية كبيرة، بما في ذلك أكبر عدد ممكن من الشعوب الناطقة بالعربية وهو ما يشبه الاتحاد المرتخ الذي يصعب تصوره. أراد الاتحاديون في بادئ الأمر جلب الدولة العربية الصغيرة وضمها إلى "الهلال الخصيب".

التزم الزعيم الشعبي جمال عبد ناصر في البداية بالفكرة الفيدرالية المتمثلة في العلاقات العرضية، والتي قدمت ميزة القدرة على سكب الجماهير بشعارات عربية شاملة وفائقة دون أن تترك الخط الثابت لسياسات مصر ذات الوجهين، العربي والإفريقي على حد سواء.

لم يكن ناصر قد خرج عن هذا المسار حتى فبراير 1958، أي بعد أكثر من خمس سنوات من وصوله إلى السلطة في القاهرة: لقد ربط سوريا بمصر، وأطلق عليها اسم "الجمهورية العربية المتحدة". وكانت فقط الدولة الإقطاعية في اليمن مرتبطة بإمبراطورية ناصر الجديدة.

لم يسعد ناصر بالنمو الإقليمي السوري. أدى الاختلاف في المستوى الاقتصادي بين دولتي الجمهورية العربية المتحدة إلى توترات فكانت سوريا مقارنة بمصر تعتبر بلد ثري وزادت هذه التوترات مع إعلان الجمهورية العراقية. فقد كان يشكو السوريون من أنهم دخلوا في اتفاق مع القاهرة، بسبب القلق من الانقلاب الشيوعي، بينما بعد بضعة أشهر، كان من الممكن إقامة علاقة مع الجار العراق، والذي أصبح الآن متحرراً من التبعية الغربية.

أثارت محاولات عبد الكريم قاسم لإعادة تشكيل قوات عراقية تقليدية مناهضة لمصر شائعات عن حدوث تغييرات ثورية جديدة قادمة في الشرق الأوسط. وحتى صحيفة "تايمز" اللندنية الحذرة أبلغت عن وجود انقلاب عسكري مُنتظر في العراق. فيما أكد خبراء الشرق الأوسط البريطانيين: أن في هذا الصراع لا يمكن أن تنتصر موسكو ولا القاهرة.

 

تعليقات (0)

لا توجد تعليقات على هذه المقالة حالياً.

شارك بتعليقك

0 Characters
المرفقات (0 / 3)
Share Your Location

الآراء الواردة في المقال لا تمثل رأي صحيفة المثقف بالضرورة، ويتحمل الكاتب جميع التبعات القانونية المترتبة عليها.

العدد: 4696 المصادف: 2019-07-15 02:05:30


Share on Myspace