عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

أقلام حرة

كان احد الصالحين بمدينة فاس يردد متجولا في المدينة العتيقة بصوت جهوري: يا جميل الستر. كلمة دخلت اعماق القلب فتركت في تساؤلات عدة من اجل فهم تجلياتها المتعددة التي جعلت هذا الصالح يردد طول حياته فقط هاته الكلمة ويشير للآخرين لقيمتها ان هم فهموا اشاراته

ان كلمة "جميل الستر": لهي فعلا من تجليات المحبة الإلهية ولباس كمالات الإفضال وأقمشة النوال، حيث إن العلاقة بين العبد وربه تتجلى في أسمى صورها من خلال مفاهيم عميقة تلامس الروح والوجدان، ومن أروع هذه المفاهيم وأجلها هو كلمة "جميل الستر". فهي ليست مجرد غطاء مادي يستر العيوب، بل هو فيض من المحبة الإلهية، وعطاء رباني يحيط بالإنسان في دنياه وآخرته، فيحميه من عورات النقص والزلل، ويزينه بجمال الكمالات والافضال فالله، عز وجل، هو الحبيب الذي يستر عباده، ويحب الستر، كما ورد في الحديث الشريف: "إن الله حيي ستير يحب الحياء والستر" أخرجه أبو داوود في سننه والنسائي .

فالستر في الدنيا والآخرة: رحمة إلهية متواصلة، حيث يتجلى جميل الستر الإلهي في حياة الإنسان على مستويين: الدنيا والآخرة. ففي الدنيا، يستر الله عيوب عباده وذنوبهم، فلا يفضحهم أمام الخلق، ويمنحهم فرصة التوبة والإنابة. وهذا الستر ليس تفضلا فحسب، بل هو دعوة للتأمل في عظمة الخالق الذي يمهل ولا يهمل، ويستر ليعطي الفرصة للإصلاح. وفي الآخرة، يكون الستر الإلهي أوج العطاء، حيث يستر الله على المؤمنين ذنوبهم ويغفرها لهم، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة" رواه مسلم.

وهذا يؤكد أن الستر المتبادل بين العباد هو انعكاس لصفة الستر الإلهية.

لقد أشار القرآن الكريم إلى لباس التقوى كأعظم لباس يستر الإنسان، فقال تعالى: ﴿ولِباس التَقوى ذَلك خير﴾ [الأعراف: 26]. وهذا اللباس ليس من القماش، بل هو من الإيمان والعمل الصالح، يستر الإنسان من عورة الفجور والانحراف. وعلى هذا المنوال، تتعدد ألبسة الستر التي تحمي الإنسان من عورات النقص والضعف:

ـ لباس التقوى يستر من عورة الفجور: وهو اللباس الروحي الذي يحصن النفس من الوقوع في المعاصي والآثام، ويجعلها تتزين بالطاعات والفضائل.

ـ لباس العافية يستر من عورة السقم: فالعافية الشاملة في البدن والدين هي ستر من كل بلاء ومرض، وهي نعمة عظيمة تستوجب الشكر، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو: "اللهم إني أسألك العفو والعافية في الدنيا والآخرة" .

ـ لباس الصحة يستر من عورة المرض: فصحة الجسد هي ستر من آلام الأسقام وضعف البدن، تمكن الإنسان من أداء واجباته والتمتع بنعم الحياة.

ـلباس الغنى يستر من عورة الفقر: فالغنى الحلال يقي الإنسان ذل الحاجة وسؤال الناس، ويحفظ كرامته وعزته.

-لباس العلم يستر من عورة الجهل: فالعلم نور يبدد ظلمات الجهل، ويرفع قدر صاحبه، ويحميه من الوقوع في الأخطاء بسبب عدم المعرفة.

ـ لباس الفرقان يستر من ظلمة الالتباس: وهو القدرة على التمييز بين الحق والباطل، والهدى والضلال، كما قال تعالى: ﴿إِن تتَقوا الله يجعل لكم فرْقانا﴾ [الأنفال: 29]. وهذا اللباس يحمي العقل من الحيرة والشك.

ـلباس اليقين يستر من عورة الوهم: فاليقين بالله تعالى وبوعده الصادق يثبت القلب ويطمئنه، ويحميه من التخبط في أوهام الشكوك والظنون.

ـ لباس الأمن يستر من عورة الخوف: فالأمن من أعظم النعم التي يمن بها الله على عباده، يزيل عنهم القلق والاضطراب، ويمنحهم الطمأنينة، كما في قوله تعالى: ﴿وَآمنهم من خوف﴾ [قريش: 4].

ـ لباس النعمة يستر من عورة النقمة: فالشكر على النعم يحفظها ويزيدها، ويقي الإنسان من الوقوع في سخط الله الذي يجلب النقم.

تتوالى ألبسة الستر لتشمل جوانب أخرى من حياة الإنسان، فكل فضيلة هي ستر من رذيلة تقابلها:

ـ لباس الرضا يستر من عورة السخط: فالرضا بقضاء الله وقدره يمنح النفس سكينة وطمأنينة، ويحميها من التذمر والاعتراض.

ـ لباس الصبر يستر من عورة الجزع: فالصبر عند الشدائد والمحن هو حصن يحمي القلب من الانهيار واليأس، ويقويه على مواجهة التحديات.

ـ لباس التواضع يستر من عورة الكبر: فالتواضع يرفع صاحبه في الدنيا والآخرة، ويحميه من آفة الكبر التي تحبط الأعمال وتفرق القلوب.

ـ لباس الحلم يستر من عورة الغضب: فالحلم وكظم الغيظ يزين الإنسان بالوقار والرزانة، ويحميه من عواقب الغضب المدمرة.

ـ لباس الأنس يستر من عورة الوحشة: فالأنس بالله وبذكره، وبالصالحين، يملأ القلب طمأنينة وسعادة، ويطرد عنه وحشة الوحدة والضياع.

ـ لباس القناعة يستر من عورة الطمع: فالقناعة بما قسم الله تحرر النفس من عبودية المادة، وتجعلها غنية بالله، بعيدة عن شقاء الطمع والجشع.

ـ لباس العزة يستر من عورة الذل: فالعزة بالله ومنه، لا من المخلوق، ترفع الإنسان وتحفظ كرامته، وتحميه من الخضوع لغير الله.

ـ لباس الحياء يستر من عورة الوقاحة: فالحياء زينة للمرء، يمنعه من فعل ما يشين، ويحفظ له كرامته وهيبته.

ـ لباس الإخلاص يستر من عورة الرياء: فالإخلاص لله في الأقوال والأعمال هو جوهر العبادة، يحميها من شوائب الرياء والسمعة، ويجعلها مقبولة عند الله.

إن الله حِبّي جميل الستر لهو مفهوم شامل يمتد ليشمل كل جوانب حياتي كلها، في علاقتي بربي إلى تعاملي مع نفسي ومع الناس. إنها دعوة للتأمل في نعم الله التي لا تعد ولا تحصى، وحث على التحلي بالفضائل التي تستر عورات النفس وتزينها بالكمال. فمن أراد أن يستر الله عليه في الدنيا والآخرة، فليستر على إخوانه، وليتزين بألبسة التقوى والعافية والعلم واليقين، وليجعل الله حبيبه وستيره في كل أحواله.

***

د. محمد غاني – كاتب من المغرب

يمثل استلام العباسيين للسلطة بداية عهد جديد في تاريخ الخلافة الاسلامية فقد دشن الخليفة الاول هذا العهد بأنه عهد استبدادي عند ما لقب لفته ب (السفاح) ثم اعقبه الخليفة الثاني الذي شيخ عليه العباسيون لقب (المنصور) لانه انتصر على عمه عبد الله بن علي الذي ثار في الشام مطالباً بالخلافة لنفسه الا انه هزم وهرب إلى البصرة ثم تم قتله ، وقد سار خلفاء بني العباس على هذا النهج حتى سقوط الدولة العباسية.

مولده ونشأته

لم يحدد المؤرخون تاريخاً لسنة مولده كما انهم اختلفوا في مكان ولادته فقد قيل انه ولد في بلاد فارس وقيل انه ولد في البصرة وكان معاصراً للدولتين الاموية والعباسية، نشأ في البصرة وتعلم فيها على يد علماء البيان واللغة ورجال الدين حيث تحول من المزدكية إلى الإسلام. يقول عنه الدكتور احمد كمال زكي في كتابه: الحياة الأدبية فى البصرة (ان ابن المقفع كان فارسي الاصل علوي الهوى.. وقال عنه ايضاً... (باستثناء الجاحظ استطيع ان ازعم ان ابن المقفع أهم شخصية بصرية على الاطلاق ويكاد يكون ظاهرة فردية..).. اما الجاحظ فقد وصفه (انه الجواد الفارسي الجميل..) واعتبره من البلغاء والمترجمين) ذلك لانه ترجم ثلاثة كتب في المنطق لا رسطو وترجم الكتاب الهندي (كليلة ودمنة) وانه كان يترجم عن الهندية والفارسية.

اثر الفسفة الافلاطونية في كتابات ابن المقفع

اتجه فلاسفة ومفكري وكتاب الاسلام اولاً الى (ارسطو) لان طريقتة التجريبية كانت أقرب إلى نزعتهم العلمية ثم اخذوا يتبعدون عنه تدريجياً وينحازون الى افلاطون لانه كان اقرب الى الروح الاسلامية فهو يقول بخلود الروح والى محاسن الاخلاق والعدالة وكان ابن المقفع احد الكتاب الذين تأثروا بالفكر الافلاطوني فقد احتوت مؤلفاته على التركيز في كثير من الآراء التي جاء بها افلاطون مثل غلبة القول على العقول والنفس التي اعتبرها مضادة للعقل و كتب كذلك عن الغضب والخير والشر والحسد والموت والكذب حيث اعتبره رأس الذنوب كما انه كان يدعو الى إقامة دولة عادله يحكمها الفلاسفه على غرار جمهورية افلاطون الخيالية.

مقتل ابن المقفع

عندما تسلم المنصور مقاليد الخلافة ثار عليه عمه عبد الله بن علي في الشام مطالباً بالخلافة لنفسه فارسل اليه المنصور جيشاً يقوده أبو سلم الخراساني لكن عبد الله بن علي تمكن من الفرار الى البصرة حيث سليمان بن علي شقيقه والياً عليها ، ولما علم المنصور بذلك كتب إلى سليمان ان يسلمه اياه ولكن سليمان انكر ذلك، يقول اليعقوبي في تاريخه.. (ولما بلغ ابا جعفر مكان عبد الله بن على فوجه إلى سليمان فانكر ان يكون عنده ثم طلب الامان فكتبه له ابو جعفر على نسخة وضعها ابن المقفع باغلظ العهود والمواثيق الا يناله بمكروه والا يحتال عليه في ذلك بحيلة، فان انا فعلت فالمسلمون براء مني ومن بيعتي

 فلما وقف ابو جعفر على هذا المقال قال: من كتبه ؟ قيل: ابن المقفع فكان ذلك سبباً لميتة ابن المقفع) تاریخ الیعقوبی ج2  ـ ، ص ٣٦٨. وقد سمي هذا التعهد ب (رسالة الصحابة) ويبدو ان هذا التعهد قد ازعج المنصور رغم انه قد وقع عليه

لقد تجمعت عدة عوامل ساعدت على قتل ابن المقفع منها: انه كان طويل اللسان حيث كان يسخر من والي البصرة (سفيان بن معاوية) ويعيره بامه ، كما انه انتقد السلطة العباسية عن طريق ترجمة كتاب (كليلة و دمنة)، اما السبب المباشر فكان كتاب العهد لعبد الله بن علي - بالاضافة إلى اتهامه بالزندقة ، لقد خلق ابن المقفع لنفسه اعداء كثيرين وقد هدده والي البصرة قائلاً له (والله يا ابن الزنديقة) سأحرقك في الدنيا قبل الآخرة) ، وامر الوالي رجاله ان يقطعوا جسد ابن المقفع وصله وصله ويرمونه في التنور ، ويروى ان الجلاد عندما كان يضع اطراف ابن المقفع في النار يجبره على اكلها بعد شوائها.

واخيراً ما كان على ابن المقفع ان يسخر من ولي نعمته والي البصرة وان يتحدى جبروت الخليفة المنصور وان يتجنب الطغيان العباسي وهكذا مات ميتة بشعة وكانت من صنع لسانه ويده.

***

غريب دوحي

 

بات من المعروف ان الذكاء الاصطناعي هو تقنية رقمية حديثة، تسمح بإنشاء محتوى متنوع، مثل توليد النصوص، وانشاء الصور، ومقاطع الفيديو، والموسيقى، وبشكل يجعلها تبدو للمستخدم كأنها واقعية تماماً.

وتجدر الإشارة الى ان المحتوى المولد هو محتوى يتم إنشاؤه بواسطة الذكاء الاصطناعي باستخدام برامج خاصة، دون تدخل بشري مباشر في صياغة النصوص المولدة، حيث يمكن أن يكون هذا المحتوى نصوصًا، او صورًا، او مقاطع فيديوية، أو موسيقى.

وبات يمكن استخدام المحتوى المولد بالذكاء الإصطناعي، وتوظيفه في إنشاء إعلانات جذابة للتسويق، والترويج. كما يمكن استخدام المحتوى المولد أيضاً لاغراض الترفيه، وإنشاء أفلام، وموسيقى، وألعاب فيديو، اصافة إلى امكانية استخدامه لاغراض تعليمية، ولإنشاء دروس، ومواد تعليمية تفاعلية.

ولعل من بين أهم التحديات التي تواجه التوليد الآلي بالذكاء الاصطناعي هي، اشكالية جودة المحتوى، وكيف يمكن ضمان جودته ليتناسب مع غرض استخدامه، دون تزييف.

ويظل تعزيز الإبداع والابتكار من بين ابرز التحديات التي تواجه استخدام الذكاء الاصطناعي في انتاج المحتوى المولد . فالإبداع الآلي هو القدرة على إنشاء محتوى جديد ومبتكر، بواسطة الذكاء الاصطناعي، تحكمه البيانات المغذية، والتي تمكنه من ان يخلق محتوى جديدًا ومبتكرًا.

ولا ريب ان الذكاء الاصطناعي في ظل ثورة المعلومات والرقمية الحالية، بات وسيلة تقنية للإبداع والابتكار الآلي، وتوليد المحتويات المختلفة، الامر الذي يعزز قدرات المستخدم، ويعمل على تحسين تجربته في الانتفاع من هذه التقنيات المتطورة، في مختلف المجالات.

***

نايف عبوش

ما هو الفرق بين الإنسان والحيوان؟ قال تعالى: {وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم ۚ مَّا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ ۚ ثُمَّ إِلَىٰ رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [سورة الأنعام: 38].

الفرق بين الدواب والإنسان هو أن الله عز وجل ميز الإنسان بالعقل الحر ليختار طريقه بنفسه في الحياة الدنيا، أما الحيوان فهو مسير، وهذا لا يعني أنهُ بلا عقل، فالله سبحانه قد خلق كل حيوان بغرائز الحياة التي تناسبه وتناسب نوعه.

كل الحيوانات لها نظام حياة يشبه نظام حياة الإنسان، الفرق أن الإنسان يعيش الحياة بعقل وتفكير، والحيوان يعيشها وفق غرائزه الفطرية، وهذه حقيقة قرآنية: (إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُم) لها طريقة تزاوج وتكوين أسر، ولها طريقة تواصل خاصة مع بعضها.

دلالة "الحيوان" في النص القرآني

ولكن السؤال الأهم: ما هو الحيوان؟ ما معنى كلمة حيوان؟ هذه الكلمة ذُكرت في القرآن الكريم مرة واحدة في سورة العنكبوت، قال الحق سبحانه: {وَمَا هَـٰذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ ۚ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [سورة العنكبوت: 64]. وقد فسر الشعراوي -رحمه الله- هذه الآية وقال: (الحيوان هو منتهى الحياة، أي الحياة التي لا موت بعدها، ولا أغراض تشغل عنها. وقوله تعالى {لَهِيَ الْحَيَوَانُ} أي هي الحياة الحقيقية، لأن كل شيء فيها حيّ. في الدنيا، نحن نرى الجماد ميتاً، والنبات فيه حياة نمو فقط، والحيوان فيه حياة حسّ وحركة. أما في الآخرة، فالمادة نفسها ستنطق وتتكلم؛ الجلود تشهد، والأيدي تتكلم، والأرض تُحدث أخبارها. فإذا كان الجماد في الآخرة ينطق ويسمع، فقد صارت الدار كلها "حيواناً"، أي داراً تنبض بالحياة في كل ذرة من ذراتها، لا موت فيها ولا سكون، بل هي حياة ذاتية بكلمة "كُن" من قيوم السموات والأرض.)

أسرار اللغة: وزن (فَعَلان) والحركة المستمرة

من الناحية اللغوية والتسمية، كلمة "حيوان" في اللغة العربية هي مصدر مشتق من مادة (ح ي ي)، وإذا تأملنا سر كلمة (حيوان)، نجدها على وزن (فَعَلان)، وهو وزن في لغتنا العربية لا يُطلق إلا على ما اشتدّت حركته وفار نبضه؛ كالغليان والجولان. وكأن الله يخبرنا أن حياة الآخرة ليست سكوناً أبدياً، بل هي فوران من الحيوية والنشاط الذي لا يهدأ، حيث كل ذرة في الكون تنبض وتتحرك بأمر باريها.

ومن ملامح الدقة اللغوية، أن لفظة (إنسان) في بعض وجوهها الصرفية تلتقي مع (حيوان) في ذات الوزن الذي يوحي بالحركة والاضطراب؛ وكأن الإنسان في رحلته الدنيوية 'حركة نسيان' وقلق دائم، لا يهدأ صخبه ولا يستقر نبضه إلا حين ينتقل إلى الآخرة ليكون 'حركة حياة' مطلقة وصادقة.

وسُمي الإنسان إنساناً لأنهُ عهد إليه فنسي، قال تعالى:

{وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا}

فالنسيان طبيعة متأصلة في البشر، سواء نسيان العهد أو نسيان النعم، وهو ما يجعل الإنسان دائماً في حاجة إلى "الذكر" و"التذكير".. ينسى نعم الله عليه، ولا يتفكر في ما حوله من نظام بديع وخلق عظيم، ويظل يلهو ويلعب في الحياة الدنيا حتى يموت وهو لا يفكر في حقيقة الحياة وحقيقة الموت. هو دابة إن كان عالة على غيره، وليس من حياته فائدة.يصبح كدابة تأكل وتشرب لأنه نسيّ أنه مستخلف على الأرض، وأن الروح التي فيه أمانة تحتاج للبقاء بقرب خالقها سبحانه.

فالإنسان إن ظل في غفلته يرتكس ليصبح (دابة) تحكمها المادة، لأن كماله الإنساني لا يتحقق إلا حين يدرك أن وجوده الحقيقي مرتهن بكونه (حيواناً) بمعناه الأخروي؛ أي كائناً يفيض بالحياة المطلقة التي تتجاوز حدود الجسد والغريزة.

وأسم إنسان مشتق من "الأُنْس" (أَنَسَ)، لأن الإنسان يأنس بغيره ويؤنس به،  والأنس البشري في الدنيا ليس سكوناً، بل هو حركة بحث دائمة عن سكن وطمأنينة وسط ضجيج اللهو. فبينما يتقلب الإنسان في وغفلته، يظل يتحرك شوقاً لما يألفه ويطمئن إليه.

الحياة المحضة.. مواجهة الحقائق

الحياة الحقيقية هي في دار الآخرة فقط فهي الحيوان، لأن الحياة هناك "محضة" وصادقة، لا زيف فيها ولا مواراة. هناك تنطق الجوارح وتُكتشف الحقائق، فتصبح حياة حقيقية لأنها عارية من الخداع، نابضة بالصدق في كل تفاصيلها. إذاً فنحن كلنا حيوانات لكننا لا نعرف ما معنى حيوان؛ نحن لا نزال في الحياة الدنيا نلهو ونلعب، ولن نعرف معنى الحيوان إلا في الدار الآخرة، فما الحياة الدنيا إلا حياة زائفة، لكننا نهتم بها أكثر من اهتمامنا بالآخرة التي فيها الحيوات الحقيقية، وفيها حيوان وحيوية لكل ما كان ميتاً فينا وحولنا.

وفي نهاية المطاف، نحنُ لسنا مجرد أسماء عابرة في سجلات الوجود، ولا أجساد تستهلك أيامها في صراع الغرائز، أو أنصاف نبحث عن من يكملنا، لسنا هنا لنبحث عن الأنس والإيناس فقط. نحن هنا (أناسٌ) تتقاذفنا رياح اللهو، نلبس أقنعة الدنيا ونظنها وجوهنا الحقيقية، لكننا في الجوهر مشروع لـ (حياة) لم تبدأ بعد. الآخرة هي 'الحيوان' لأنها الدار التي ستكف فيها الأشياء عن الصمت، وتتحرر فيها الروح من قيود المادة، وتصبح كل نبضة فيها صدقاً محضاً. فاحذر أن تعيش في الدنيا بقلب (دابة)، فتفوتك في الآخرة حقيقة (الحيوان).

***

بقلم الحرية: فاطمة الدفعي

قرأ مقالةً مكتوبة بلغة متعالية، فتساءل: هل فهمتم ما قرأت؟.. وإنفعل بشدة وأضاف: إذا لم تفهمها هذه الفئة المثقفة من النخب، فكيف بعامة الناس؟

هناك خلل في أساليب الكتابة والتعبير عن الأفكار فيما يُنشر ويتصدر وسائل الإعلام، أي أن الهوة واسعة بين المكتوب والمنطوق والقارئ والمستمع، فالكتابة لا تنفع والخطاب لا يصدع، فلكل منهما مداراته التي تدور في عوالمها البعيدة عن بعضها.

تتعجب من مقدمات أفذاذ الأمة الأوائل، وكيف يحاولون تبسيط ما يسطرونه، ومدى إجتهادهم في تجسيد وعي الفكرة المطروحة، ومع ذلك يعتذرون عن الإسهاب إن وجد، ويوضحون معاني المفردات التي يستخدمونها إن شعروا بأنها غير جلية.

فالغاية إيصال الفكرة إلى المتلقي وإقناعه بها، وليس التدويخ وإصابته بوجع الرأس والغثيان والنفور.

نكتب ولا يقرأون، لأن ما نكتبه يعمي العيون، ويغلق منافذ البصائر، ويحطم الألباب، ويوصد ألف باب وباب، ويساهم بالخراب والهروب إلى الأرض اليباب.

و"من يكتب يقرأ مرتين"

"....بل ولكني أقول: إنتفع بما تقرأ"

"إقرأ قليلا، ولكن إستوعب كل كلمة قرأتها"

فهل نستطيع الكتابة بمفردات واضحة، وبعبارات بسيطة جذابة؟!!

غوامضُ من يراعِ الجهلِ جاءتْ

تُخاطبنا بما غفلتْ فساءَتْ

إذا صنعَ المدادُ لنا كلاماً

صلاحُ رسالهِ بشرٌ تعافتْ

فلا تكتبْ بإبْهامٍ ورمْزٍ

ودَعْها في إبانتِها تواصَتْ

***

د. صادق السامرائي

 

معظم الديانات فيها مخلّص سيأتي في نهاية الزمان وينقذ البشرية من وجيعها، وهذا التصور متوارث عبر الأجيال، فيبررون به المظالم والقهر والعدوان، ويمنحون السلوكيات السلبية تسويغا عقائديا.

يُقال أن الأمة بعد تدمير بغداد سنة (1258) ميلادية، إنتشر فيها بأن ما جرى هو آيات نهاية الزمان، وأن الدنيا ستفنى وتغيب، ويُقال أيضا أن السيوطي (849 - 911) هجرية، وضع كتابا قبل نهاية الألف الأولى يبرهن فيه أن الدنيا ستنتهي قبل دخولها في الألف الثانية للهجرة.

ومن الغرائب وفي مجتمعات متقدمة كانت قد تجهزت لحلول الألفية الثالثة الميلادية بتصورات وتوقعات مرعبة ودخلت مؤسساتها في حالة إنذار، وتنفست الصعداء عندما بدأت الألفية الثالثة دون تداعيات وأحداث تنذر بنهاية الدنيا.

واليوم تجد العديد من المواقع والوسائل التواصلية، تتداول القول بأن ما يحصل هو من علامات نهاية الزمان، وأن الموعود الفلاني سيظهر ويقود جيش الحق ليهزم به جيوش الشر والباطل.

هذه ربما وسيلة لا برهان واقعي يؤكدها، وإنما هي من إنتاج الخيال الذي يطارد سرابات الغيب ويتفاعل مع دخان الأفكار المقهورة، وتسيّدت على الوعي الجمعي، وتأبى أي إقتراب عقلي.

والبعض ألف كتبا عن نهاية التأريخ، وكأن القدرات البشرية الإبداعية لها حدود معينة، وقد بلغتها وعليها أن تنتهي بموجبها، لأن الأرض قد حصلت على خلاصة ما يستطيعه خلقها.

الزمان صيرورة أزلية – أبدية، مرهونة بالدوران الأرضي، فمَن يدري متى بدأت الأرض بالدوران، ومتى ستتوقف لينمحق ما عليها؟

ويبدو أن الدوران مطلق ومرتبط بالإرادات الكونية، التي تحافظ على الوجود الفضائي المتسع الأبعاد والمتمدد إلى ما لانهاية، فكيف يصح في الأفهام أن الأرض ستعلن تعبها وعدم قدرتها على مواصلة الدوران، وهي مأسورة بأفلاك ذات جاذبيات وآليات فيزيائية تجهلها أعظم العقول الآدمية؟

وما أوتيتم من العلم إلا قليلا والله أعلم!!

و"يسألونك عن الساعة أيان مرسها، قل إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة يسألونك كأنك حفي عنها قل إنما علمها عند الله ولكن أكثر الناس لا يعلمون"

و"إن الله عنده علم الساعة"!!

تدورُ بنا ولا ندري هَواها

وهلْ بَلغتْ بدُنيانا مُناها

بأكْوانٍ مُقيَّدةٍ بجَذْبٍ

ونيرانٍ تُصارعُ مُحْتواها

سَتأكلنا إذا حقّتْ ثقوبٌ

تأزَّلَ أو تأبّدَ مُبتغاها

***

د. صادق السامرائي

لم يكن شهر رمضان المبارك في حقيقته مجرد امتناع عن الطعام والشراب لساعات محددة من النهار، بل هو مدرسة إنسانية متكاملة تعيد بناء الإنسان من الداخل وتهذبه، وتعيد ترتيب أولوياته، وتمنحه فرصة سنوية فريدة لمراجعة ذاته وحساباته، وضبط سلوكه وتهذيبه، والارتقاء بروحه وعمله بشكل فعال ومتميز. فالصيام ليس حالة من التوقف أو الكسل عن العمل وأداء المهام، كما يظن البعض، بل هو طاقة روحية عميقة قادرة على تحفيز الإنسان ليصبح أكثر وعياً بنفسه، وأكثر قدرة على ضبط انفعالاته، وأكثر التزاماً وانضباطاً في حياته المهنية والاجتماعية.

إن العاملين في المؤسسات والدوائر المختلفة قد ينظر البعض منهم إلى رمضان باعتباره شهراً يقل فيه النشاط والإنتاج، غير أن النظرة العميقة والسليمة لهذا الشهر المبارك تكشف أنه فرصة ذهبية لتعزيز قيم العمل والانضباط والإخلاص، وإعادة بناء العلاقة بين الإنسان وعمله على أساس من المسؤولية والرسالة والضمير المهني الخلاق. فحين يدرك الإنسان أن الصيام عبادة بينه وبين الله تعالى، فإنه يتعلم معنى المراقبة الذاتية، واستشعار رقابة الضمير الأخلاقي في كل ما يقوم به من عمل أو تصرف.

لقد قال رسول الله ﷺ "كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به" (متفق عليه)، وهذه الخصوصية للصيام تجعل الصائم يعيش حالة من الصفاء الروحي والصدق الداخلي، حيث يتدرب على الإخلاص الحقيقي بعيداً عن المظاهر والادعاءات الكاذبة. وعندما تنتقل هذه الروح إلى بيئة العمل، يصبح الموظف أكثر التزاماً بواجباته وأدواره الوظيفية، وأكثر حرصاً على أداء عمله بإتقان وجودة، لأنه يدرك أن العمل أيضاً أمانة ومسؤولية والتزام.

ومن أبرز ما يقدمه رمضان للعاملين هو تعزيز الانضباط الذاتي، فالصائم يتدرب يومياً على التحكم في رغباته الأساسية، مثل الطعام والشراب، رغم قدرته على الوصول إليها، لكنه يمتنع عنها التزاماً بأمر الله. وهذه القدرة على ضبط النفس تنعكس بصورة مباشرة على السلوك المهني؛ فالإنسان الذي يستطيع أن يضبط شهواته الأساسية، يستطيع أيضاً أن يضبط انفعالاته وغضبه وتوتره وضغوطه في العمل والتحديات التي يواجهها.

وقد أشار النبي ﷺ إلى هذا المعنى بقوله "فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل إني صائم" (متفق عليه). إن هذا التوجيه النبوي العميق يحمل بعداً نفسياً وتنموياً وسلوكياً مهماً، حيث يعلم الإنسان إدارة مشاعره وانفعالاته، وضبط ردود أفعاله في المواقف المختلفة. وفي بيئة العمل، يصبح الموظف الصائم أكثر هدوءاً واتزاناً وقدرة على التعامل مع الضغوط المهنية بروح إيجابية وثابة.

كما يمثل رمضان فرصة حقيقية لتعزيز مهارة إدارة الوقت، إذ إن الصائم يعيش وفق نظام دقيق من المواعيد المرتبطة بالسحور والإفطار والصلوات والعبادات. عنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضى الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ‏ صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمِّيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعَدَدَ. رواه مسلم. وهذا التنظيم الزمني يعيد تشكيل علاقة الإنسان بالوقت، ويجعله أكثر وعياً بقيمته وأهمية استثماره. فالعامل الذي يدير وقته بوعي يستطيع أن يحقق توازناً بين عمله وعبادته وحياته الأسرية والاجتماعية.

ولا يقتصر تأثير الصيام على الجانب الروحي والنفسي فحسب، بل يمتد أيضاً إلى البعد الصحي والجسدي والتنموي والاقتصادي والاجتماعي. فقد أظهرت العديد من الدراسات الحديثة أن الصيام المنتظم – المشابه لما يعرف بالصوم المتقطع – يسهم في تحسين عمليات الأيض في الجسم، وتنظيم مستويات السكر في الدم، وتقليل الالتهابات، وتحفيز عمليات تجديد الخلايا. وهذا يعني أن الصائم الذي يلتزم بنمط غذائي متوازن يمكن أن يحافظ على طاقته وصحته، مما ينعكس إيجاباً على أدائه في العمل.

ومن الجوانب المهمة أيضاً أن رمضان يعزز روح التعاون والتكافل الاجتماعي بين العاملين. ففي هذا الشهر تزداد قيم العطاء والإحسان، ويشعر الإنسان بمعاناة المحتاجين والفقراء، مما يدفعه إلى المشاركة في الأعمال الخيرية ومبادرات التكافل الاجتماعي. وهذا المناخ الإنساني يخلق بيئة عمل أكثر ترابطاً وتعاوناً، ويقوي العلاقات الإنسانية بين الزملاء والقادة.

كما أن رمضان يمثل فرصة لإعادة بناء الثقافة المؤسسية القائمة على القيم. فالمؤسسات التي تشجع موظفيها على استثمار هذا الشهر في تعزيز قيم الصدق والأمانة والانضباط والتعاون، تسهم في بناء بيئة عمل صحية ومتوازنة. إن الموظف الذي يعيش هذه القيم في حياته الروحية يكون أكثر استعداداً لتجسيدها في سلوكه المهني اليومي.

ومن المهم أن يدرك العاملون أن رمضان ليس شهراً للتراجع أو تقليل الإنتاجية، بل هو فرصة لإعادة شحن الطاقة النفسية والروحية، مما ينعكس على جودة الأداء والعمل. فالإنسان عندما يعيش حالة من السلام الداخلي والطمأنينة الروحية يصبح أكثر قدرة على التفكير الإيجابي والإبداع في العمل.

وفي هذا السياق يقول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة: 183). فالتقوى هنا ليست مجرد شعور ديني، بل هي حالة من الوعي العميق التي تدفع الإنسان إلى الالتزام بالقيم الأخلاقية في كل مجالات حياته، بما في ذلك عمله ومهنته ومسؤولياته الاجتماعية. إن رمضان في جوهره برنامج سنوي لإعادة بناء الإنسان؛ جسداً وروحاً وعقلاً وسلوكاً. فمن أحسن استثماره خرج منه أكثر توازناً وقدرة على مواجهة الحياة، وأكثر التزاماً بقيم العمل والعطاء والإنتاج.

وخلاصة القول، أن رمضان ليس موسماً عابراً في حياة العاملين، بل هو فرصة حقيقية لصناعة إنسان أكثر وعياً بنفسه، وأكثر التزاماً بعمله، وأكثر قدرة على العطاء. فالصيام يعلمنا أن الإرادة يمكن أن تنتصر على العادة، وأن الإنسان قادر على تغيير نفسه نحو الأفضل إذا امتلك العزيمة الصادقة والنية المخلصة.

فليكن رمضان هذا العام نقطة انطلاق جديدة في حياتنا المهنية والإنسانية، نراجع فيها أنفسنا، ونجدد فيها نياتنا، ونعيد فيها بناء علاقتنا بالعمل على أساس من الإخلاص والانضباط والمسؤولية، حتى يصبح العمل عبادة، والإنجاز رسالة، والعطاء طريقاً إلى رضى الله تعالى.

***

د. أكرم عثمان

11-3-2026

 

منذ القدم، والعقل البشري يعمل على إيجاد الحيلة المناسبة للتملّص من بعض الالتزامات الثقيلة المفروضة عليه، والتحايل على النصوص القانونية للوصول إلى مبتغاه، وتُعرَّف الحيلة، بوجه عام، بأنها الرغبة في الوصول إلى الغرض بطريق خفي، باستعمال نوع من الحذق والفطنة، وقد عرفت المجتمعات الإنسانية عبر تاريخها الطويل كثيرًا من الشرائع والقوانين التي وجد فيها البعض عبئًا وعثرة في طريق تحقيق طموحاتهم الشخصية، فاضطروا إلى الالتفاف على القوانين عن طريق اللجوء إلى وسائل خفية، منها الحيلة الشرعية أو المخارج، وكلاهما في الاصطلاح بمعنى واحد، هو التحايل على النصوص لتحقيق غرض معين دون الوقوع في مخالفة القواعد الشرعية، أو بمعنى تجنّب هدم الأصل الشرعي وهي من الموضوعات التي دارت حولها كثير من الآراء والمناقشات بين فقهاء الشريعة والقانون، بين مؤيدٍ لها ومعارض .

ويعتقد بعضهم أن هذا النوع من الحيل ممارسة حديثة أوجدها الواقع السياسي والاقتصادي الجديد، واتخذها البعض وسيلةً للإثراء غير المشروع، في حين أنها وسيلة قديمة رافقت ظهور القوانين، بدءًا من القانون الروماني الذي يُعدّ من أقدم القوانين الوضعية التي تأثرت بموضوع الحيلة؛ إذ استخدمها الملوك، وجاء من بعدهم الخلفاء والحكام الذين أوغلوا في الالتفاف على القوانين ومخالفتها، ومن طرائف الحيل الشرعية التي أوردها إبن المعتز في كتابه طبقات الشعراء، وكذلك إبن قتيبة في كتابه الشعر والشعراء قصة الشاعر إبراهيم بن هرمة مع الخليفة المنصور (714م – 775م)، وابن هرمة رجل مخضرم عاصر بعضًا من حكم الدولة الأموية وجزءًا من عصر الدولة العباسية، وعُرف بخفة الظل وإدمان الخمر؛ إذ كان من المستهترين بالشراب والمدمنين عليه، وقد جُلد الحدّ مرات في خلافة أبي العباس السفاح ولكن بعد مجيء المنصور إلى الخلافة، اختاره ليسامره ويُسرّي عنه، على الرغم من أن الأخير لم يكن يحب الشراب، ويذكر المصدران آنفا الذكر أن إبراهيم بن هرمة، بعد أن أنهى إنشاد قصيدة أمام المنصور وقد استحسن شعره، قال له: «سل حاجتك». فقال: «أن تكتب إلى عامل المدينة ألا يحدّني إذا أُتي بي سكران»، فقال له المنصور: «هذا حدّ من حدود الله عز وجل، فلا يجوز لي أن أُعطّله»، فقال: «فاحتلّ لي يا أمير المؤمنين "، فكتب المنصور إلى عامل المدينة: «من أتاك بابن هرمة سكران فاجلده مائة جلدة، واجلد ابن هرمة ثمانين». فتحاماه رجال الشرطة، وكانوا يمرّون به مطروحًا وهو سكران، فيقولون: «من يشتري مائة بثمانين؟».

***

ثامر الحاج أمين

على مدى العصور كان الناس يبتكرون الوسائل القادرة على تخزين مياه الأمطار، وحتى في الدول الغربية كانت البيوت القديمة فيها خزانات لمياه الأمطار، التي يستخدمونها لحاجات متنوعة. وهناك العديد من السدود التأريخية التي تساهم في تخزين مياه الأمطار في الوديان، وكذلك الأرض تساهم بكنز المياه التي نستخرجها بحفر الآبار.

والأنهار في حقيقتها خزانات مياه، ولو أنها تجري نحو البحار، لعدم قدرتها على إستيعاب مياه المطر، ولهذا إن لم تجد منافذَ لسكبها فأنها تفيض وتتسبب بسيول عارمة.

والمجتمعات التي تتشكى من شحة المياه عليها أن تتعلم مهارات تخزين مياه الأمطار، في الوديان والأنهار والبحيرات الإصطناعية، وحتى في قلب الصحارى والفيافي، فالتقنيات المعاصرة ذات قدرات غير مسبوقة في إنشاء خزانات المياه.

يهطل المطر بغزارة والناس لا تعرف غير الإستغاثة، وإدانة الحكومات على تقصيرها في إدامة وإنشاء البنى التحتية، وشبكات تصريف المياه.

الواقع يحتم على الجميع التفكير بطريقة مغايرة، وأن تتكاتف الجهود لبناء الخزانات المستوعبة لمياه الأمطار، ففي كل مدينة أو قرية يجب أن يتم إنشاء ما يمكن من خزانات مياه الأمطار، لإستثمارها في الري وغيرها من المشاريع الإقتصادية، فالمطر خير ودعوة لصناعة الحياة الحرة السعيدة، فالمطر يعني الحياة، فلا تحاربوا أصلها.

"وجعلنا من الماء كل شيئ حي"!!

أمْطرتْ خيراً وفيراً غامراً

فأتانا الماءُ سيلاً هادرا

لا تُهينوا طيباً في أرْضنا

فتحيلوهُ خبيثاً جائرا

إحْفظوا ماءً ليومٍ رامضٍ

يَرتجي الصَديانُ فيهِ النادرا

***

د. صادق السامرائي

الاختلاف شيءٌ طبيعي في الحياة، ولا يوجد فيها اثنان متفقان على كل شيء، كما ليس في المجتمع رأيان متطابقان قط، إنما لكل فرد فيه وجهة نظر ورؤية مختلفة تخضع رصانتها لمستويات الوعي والمتبنيات الفكرية، وكذلك الاستعداد لتغيير القناعات عند اكتشاف الخطأ، وينبغي أن نتقبل هذه الحقيقة بكل قناعة وأريحية، وأن يبقى الاختلاف في حدوده الطبيعية؛ ذلك أن أسوأ العقول هي التي تحوّل الاختلاف إلى خلاف يجرّ إلى الكراهية ومن ثم القطيعة، ولنا في حكمة الزعيم غاندي مثال على ذلك في قوله: (الاختلاف في الرأي ينبغي ألا يؤدي إلى العداء، وإلا لكنت أنا وزوجتي من ألدّ الأعداء!)

ومن خلال مواقع التواصل الاجتماعي أخذنا نكتشف أن العديد من الأشخاص الذين كنا نتوسم فيهم رجاحة العقل والوعي المتميز وصفاء الأفكار، ظهروا للأسف أنهم غير ذلك، فقد وجدناهم من خلال تفاعلهم وردود أفعالهم على الأحداث أنهم سطحيون، تدفعهم العاطفة والرؤى الضيقة في إطلاق آرائهم وأحكامهم على ما يدور في الساحة من تغيرات اجتماعية وسياسية. والمؤسف أنه في حال إبداء رأي مخالف لآرائهم تظهر حقيقة ضحالة تفكيرهم وضيق عقولهم ونزعاتهم العدوانية، وكذلك تدني تربيتهم في الرد على الاختلاف، وقسم كبير يتخذ من المختلف معه عدوًا، فيذهب إلى الطعن في شرفه وتهديده، ويجعل من الاختلاف طريقًا إلى الكراهية والقطيعة حتى مع أقرب المقربين، وطبعًا هذا يعكس طبيعة متبنياته الفكرية والثقافية؛ ذلك أن التعليق على فكرة تأتي في منشورما يعكس ثقافة وتربية والتزام صاحب التعليق، وكذلك هوية الجهة التي استمد منها ثقافته وأخلاقه.

وعلى الصعيد الشخصي كثيرًا ما أجد نفسي مختلفًا مع طروحات البعض، الاّ ان هذا الاختلاف لا يدفعني إلى حظر المختلف معي وإقصائه من قائمة أصدقائي، على الرغم من اشمئزازي ومقتي الشديدين للضحالة التي تصل إليها أحيانًا طروحاته المنشورة. إنما أبقيه ضمن القائمة مع الإهمال وعدم التفاعل مع منشوراته، وذلك للتعرف على المزيد من شخصيته وتعزيز القناعة بصواب موقفي .

عليه أُدين بالفضل للفيسبوك الذي كشف حقيقة شخصيات كنت أعتقد أنها على درجة من الوعي والثقافة ورصانة الهوية التي يدّعيها ويتظاهر بها وكانت تحظى بتقديري وتقييمي العاليين الاّ ان التجربة والمواقف والتعليقات والتفاعل مع المنشورات كشفت لاحقًا ومن خلال ما رشح على صفحاته من أفكار وطروحات شيئًا مخيبًا يدعو إلى المراجعة وإعادة التقييم، وسبب ذلك أن النظرة إلى هذه الشخصيات كانت بعين أعمتها المجاملة وحسن الظن، وخير من جسّد هذه الغفلة بيت المتنبي العظيم : (وعين الرضا عن كل عيبٍ كليلة)، بالمقابل، هناك من الشخصيات التي كانت بعيدة عن اهتمامي ومتابعتي وجدت فيها نموذجًا للعطاء ونكران الذات والمواقف الرائعة، سواء على صفحات الفيسبوك أو في المواقع والميادين الأخرى، وهذا الفضل طبعًا يعود إلى الفيسبوك، الذي يحلو لي وصفه بـ "السونار" الذي كشف لنا باطن الشخصية ووضعها في حجمها الطبيعي.

***

ثامر الحاج أمين

التضليل: إخفاء بعض الأمور لئلا يهتدي الباحث إلى ما يريد.

وهو عملية توجيه الناس نحو فهم خاطئ للواقع، بتقديم معلومات غير صحيحة أو ناقصة أو مشوهة، بهدف التأثير على إرادتهم أو قراراتهم، ويتم بتقويض الحقيقة ونشر معلومات كاذبة، فيتحقق التأثير المتعمد على أفكار الناس، ويلعب الإعلام دوره وكذلك وسائل التواصل المعاصرة.

والعلاقة بين الحرب والتضليل متكاملة، فالإعلام بأنواعه يقود حملات تضليلية للتمويه على ما يدور في ميادين الحروب، وما ينتشر من أخبار معظمها توجيهية ومهندسة للهيمنة على العقل الجمعي وتعطيله، وتحويله إلى متلقي ساذج يصدّق ما يسمع، فيتحول إلى وعاء فوضوي، وموجودات واهية، تتبع وتطيع ولا تستطيع إبداء رأي.

المنهاج البحثي في مجتمعاتنا معدوم لأن المجتمع لم ينشأ على هذا الأسلوب من الإقتراب المعرفي، وإنما يخنع لمنطلقات السمع والطاعة، وتستحوذ عليه الشعارات التي ترددها وسائل الإعلام، ويتناولها المتسلطون عليه في خطاباتهم، فيعيش مأخوذا بها، وفي حالة إحتقان إنفعالي.

التضليل من أساسيات صناعة القطيع البشري، ووضع الناس في خنادق التدمير الذاتي والموضوعي، وتحويلهم إلى أدوات تسخرها القوى المُضلله لها لتأمين مصالحها ونأكيد رغباتها، ولهذا تجد المُضللين في نعيم فارهين والمنكوبين بتضليلهم في قيعان الجحيم الدنيوي.

ويبدو أن التضليل ركن فعّال من أركان الحياة القاضية بتأمين البقاء وتحقيق إرادة الأرض الجائعة لمزيد من الأبدان.

أضاليلٌ بها الإعلامُ يَشدو

وأفهامٌ بما سُقيتْ سَتغدو

تُصنّعُ رأيَها دوماً لتَطغى

وتَمْضي نحوَ قاضيةٍ وتَعْدو

أكاذيبٌ مُزوّقةٌ ببُهتٍ

جَميلةً مُحبّبةً سَتبْدو

***

د. صادق السامرائي

نعم.. أنا من أبناء الراديو. من ذلك الجيل الذي كان يفتح نافذته على الدنيا بصوت الإذاعة. كنت أضع أذني على الراديو القديم الخشبي، فأرى العالم كله في صندوق صغير لا صورة فيه. وكان الصندوق يحدثني فأصدقه، كان يهمس لي فأسمعه، كان ينقل لي نبض الكون فأحس به.

والآن.. يأتيني نبأ من هناك. من البرنامج العام. من أحمد الحديدي.

أتعرفون ما دهشتي؟ ليست في البرنامج نفسه، ولا في فكرته، لكن في الجرأة التي يتطلبها هذا المشروع. في زمن الصورة، حين أصبحت الكاميرا تراقبنا في كل مكان، وحين صار التلفزيون يصرخ في وجوهنا ليل نهار، تأتي إذاعة عريقة لتقول لنا ببساطة.. أغمضوا أعينكم.

هذه جرأة تحتاج إلى شجاعة. لأن الصورة قتلت الخيال. قتلت الملكة العجيبة التي كان يمتلكها أجدادنا، كانوا يسمعون صوت أم كلثوم فيتخيلونها بعيونهم، يرسمون لها ألف وجه ووجه. أما نحن فرأيناها على الشاشة فماتت صورتنا التي في الخيال.

هذا الدعاء الذي يقدمه أحمد الحديدي يوميا، وهو الإعلامي الذي نعرفه مثقفاً ومحاوراً، يتحول إلى مبتهل. لكنه لا ينشد، لا يتغنى، هو يتأمل.. يتأمل روائح النقشبندي وطوبار كما يتأمل الفنان لوحة زيتية نادرة. يقف عند عبارة "بسطت يدي" ولا يمر عليها مرور الكرام. يقول: انتبهوا.. لم يقل رفعت، لأن البسط غير الرفع. البسط فيه ضراعة واستجداء، والرفع فيه ثقة. وهذا هو الفرق بين من يقرأ القرآن ومن يعيش القرآن. بين من يستمع إلى الابتهال ومن يتذوق الابتهال.

لقد جئنا إلى الدنيا وتركنا خلفنا زاداً روحياً عظيماً. تركنا سيد النقشبندي الذي كان إذا قال "مولاي إني ببابك" شعرت أن الله أقرب إليك من حبل الوريد. وتركنا نصر الدين طوبار الذي كان يطير بك في آفاق السماء بصوته الأقرب إلى البكاء منه إلى الغناء. وتركنا محمد عمران الذي كان يجمع في صوته بين أصالة المقامات الشرقية وعمق التصوف المصري.

وهؤلاء كانوا مدرسة. مدرسة في الذوق، مدرسة في الإحساس، مدرسة في الفهم العميق للدين. لم يكونوا مجرد حفاظ للقرآن، كانوا عشاقاً للكلام الجميل. كانوا يعرفون سر النغم، ويعرفون متى يخفضون الصوت ليكون أخشع، ومتى يرفعونه ليكون أروع.

والسؤال الذي يحيرني أين ذهب هذا كله؟

أين ذهب ذلك الزمن الجميل الذي كان الراديو فيه معلماً للذوق العام؟ الذي كنا ننتظر فيه "ركن السهرة" و "في رحاب القرآن" كما ينتظر العاشق لقاء حبيبته؟

لقد هزمتنا الصورة. هزمتنا الشاشة الصغيرة التي لا تنام. صرنا نرى كل شيء، لكننا لا نتخيل شيئاً. صرنا نعرف وجوه المذيعين والمطربين، لكننا فقدنا قدرتنا على الرؤية بالقلب.

وهذه مأساة.

مأساة أن يأتي رمضان وقد تحول إلى شهر المسلسلات والإعلانات، بعد أن كان شهر الروح والخشوع. مأساة أن نبحث عن الله في القنوات الفضائية فلا نجده إلا نادراً، بينما كنا نجده في الراديو القديم كل يوم.

أحمد الحديدي في هذا الدعاء الرمضاني يفعل شيئاً عجيباً. إنه يعيد تركيب الصورة المفقودة. بالكلمة. لا بالصورة المرئية، بالصورة المسموعة. يهمس كأنه صديق عمره . وهذا هو الإعلام الذي نريده. إعلام الروح لا إعلام الجسد. إعلام القلب لا إعلام الصراخ.

لقد مللنا الصراخ. مللنا الفضائيات التي تتحول إلى ساحات مصارعة. مللنا البرامج التي لا تخرج عن نمط واحد ضيف يهاجم وآخر يدافع، ومذيع يصرخ ليرفع نسب المشاهدة. وفي هذا الجو المشحون، يأتي دعاء هادئ مدته دقيقة أو أقل، لا يعتمد إلا على صوت مبتهل عذب رقراق سلسبيل.

إذاعة البرنامج العام بهذه التجربة تثبت شيئاً مهماً، أنها لا تزال حية، لا تزال تعرف جمهورها، لا تزال تقدم محتوى يليق بتاريخها العريق. هي تقول لنا العمر ليس عيباً، العمر خبرة. خبرة تمتد لعشرات السنين، خبرة جعلتها تعرف أن المستمع المصري لا يزال يحتفظ بقلب مفتوح للجمال، وروح عطشى للطمأنينة.

وما أجمل أن يكون رمضان هو شهر هذه العودة. شهر الزاد الروحاني. شهر نخرج فيه من دوامة الحياة اليومية، من صخب العمل والمواصلات، لنتفرغ قليلاً لأنفسنا.

لأن الإنسان كائن لا يعيش بالخبز وحده. يعيش أيضاً بالجمال، بالروح، بالإحساس بأن هناك من يسمعه ويراه ويعلم ما في قلبه.

وأذكر في ليلة من الليالي، كنت عائداً متعباً، الطريق طويل والزحام يخنق الأنفاس. فتحت الراديو على البرنامج العام، فإذا بالحديدي يقدم دعاء رمضاني . وكأن الرسالة كانت موجهة إلي وحدي. كأن الكون كله توقف ليخبرني لا تقلق.. هناك من يسمعك.

وهذه هي المعجزة الحقيقية للإعلام. ليس في نقل الخبر، ولا في صنع الحدث، بل في القدرة على لمس القلوب. على أن تصل الكلمة إلى روح المستمع كما تصل القطرة إلى العطشان.

الحديدي في هذا الدعاء يقدم جرعة روحانية، يقدم تأملاً عميقاً، يقدم نموذجاً للإعلامي الموسوعي الذي يستطيع أن ينتقل من الحوار  إلى التحليل، ثم إلى التأمل الروحي، بكل سلاسة واقتدار. وهذا هو الإعلامي الحقيقي. ليس من يقرأ النصوص، لكن من يعيش ما يقدمه. ليس من يمر على الكلمات مرور الكرام، بل من يقف عندها ويتأملها ويشرحها للناس.

وما أحوجنا إلى هذا النوع من الإعلام في زمن اختلطت فيه الأوراق، وتنافست الفضائيات في إثارة الغرائز، ونسينا أن للإنسان روحاً تحتاج إلى غذاء كما يحتاج الجسد إلى طعام.

تحية للبرنامج العام. تحية لأحمد الحديدي. تحية لكل من يؤمن بأن الإعلام رسالة لا تجارة. وبأن الكلمة الطيبة يمكن أن تغير حياة إنسان. وأتمنى من كل قلبي أن يستمر هذا الدعاء ، ليس في رمضان فقط، بل طوال العام. وأن تحذو إذاعات أخرى حذوه، فتقدم محتوى راقياً يليق بذوق المستمع العربي.

لأن المستمع العربي، رغم كل شيء، لا يزال يتوق إلى الجمال. لا يزال يبحث عن صوت يذكره بأن الحياة ليست كلها معارك وصراعات. الحياة فيها أيضاً مساحة للتأمل، مساحة للصلاة، مساحة للابتهال.

رمضان كريم.. وكل عام وأنتم بخير.

***

د. عبد السلام فاروق

 

جلست اليوم في غرفتي، مع مدونتي للمرة لم اعدها لكنها تجاوزت الحد من المساحة هذا هو الاشعار الذي وصلني عندما بدأت في كتابة ما يلي، وأحسست بأن الوقت صار لحظة تأمل… عن الوعي في تضارب بين انه نعيم ام جحيم

لماذا هو بشع هكذا

او نعمة هكذا

اتفلسف عنه كأني الومه ...

الوعي، يا جماعة، قوة غريبة، لا تتركنا كما نحن كأنها تحركنا تغيرنا تدفعنا عن مسارنا احيانا

 يفضح الحقيقة فينا، يجعلنا ندرك من نحن وسط متاهة الحياة لا يكتفي بذلك فقط بل يكشف عن الاقنعة التي نرتديها احيانا مصدقين انها هيا حقيقتنا، وأحيانًا يثقل كاهلنا لدرجة أننا لا نريد أن نعي أكثر، فنهرب منه خائفين من مواجهته.

نحن البشر نحيا بين الخيال والواقع، بين الوهم والضروريات، ونميل أحيانًا للابتعاد عن ما يجب علينا فعله، لأن الحقيقة المؤلمة أصعب من أن نتحملها. لكن الاستسلام للوهم لا يغير شيئًا عن مقولة لعل يوما ما ؟ لكن اليوم الذي ننتظره لن يأتي إلا إذا تحركنا نحن باتجاهه، بخطوة واعية وبحدود محددة، نضعها لنحمي أنفسنا ونرشد خطواتنا لعلها تفرج لعل عندما نبدأ التحرك بهذه القوة المدركة عن الحقيقة نصبح اكثر وعيا لما نعيشه .

فعندما لا يكون الإنسان واعيًا، تدخل إلى رأسه أفكار بلا أساس ولا صحة، وعندما يواجه الحقيقة، تصدمه خيبة أمل. لذلك، يجب ان لا نحمل أنفسنا ما لا نعرف حقيقتَه، ونتخذ من التخطيط والاستكشاف في أول الطريق، حتى لا تضيع سنواتنا في محاولات يائسة… وأمل زائف بدون صحة ولا أساس من الوجود ندفع ثمنة لاحقا

 لذلك فلنعرف حقيقة الامر من بدايتة ونكشفه على حقيقته اهو سطحي يختبئ وراء قناع العمق ام العكس

لذلك الايمان بقوة الحقيقة من اليداية تختصر الطريق للنهاية .

الوعي إذن ليس مجرد إدراك، بل هو رحلة فلسفية نحو الذات، وسلاح للتوازن بين ما نريد وما يجب علينا، بين الخيال وما هو حقيقي. هو الذي يجعلنا نعي، نقرر، نضع الحدود، ونتحرر من الوهم، لنعيش الحياة بفهم أعمق، وبشغفٍ حقيقي للوجود.

يتبع ...

مع خالص التقدير والاحترام،

***

تيفراني أمنية

 

هل يزول الجمال باعتياد رؤيته؟ وهل الأُلفة ترفع الكلْفة؟ ربما يَضعف أثر الجمال المادّي المتّصف بالثبات مع اعتياد رؤيته، كالمباني الشاهقة والجسور الفارهة والآثار العتيقة، والتي نشهق حين نراها لأوّل وهلة، ولكن مع تكرار رؤيتها وكثرة المرور عليها، يتراجع الشهيق إلى إعجاب ثم اعتياد، بعكس الجمال المعنوي الحقيقي المتجدّد العطاء، والذي لا يفقد أبدا بريقه، بل يزداد جمالا فوق جمال رغم كثرة تداوله أو ارتياده. وكذلك الألْفة، قد ترفع الكلْفة بين الأقران والأصحاب حتى قيل: "أخوك مَن لا يتكلّف لك"، ولكن تبقى الكلفة قائمة فيما عدا ذلك، فلا تبرّر الألفة أن ينادي الولد أباه أو أمّه أو شيخه أو معلّمه باسمه المجرّد، وإن حدث ذلك فهو خارج عن سياق التوقير وإطار الأدب. طالعْت مؤخّرا كتابا في التاريخ الإسلامي يتحدّث فيه المؤلف الفاضل عن جيل الصحابة العظام باسمهم المجرّد! فيقول: وكان عمر، وقال أبو بكر، وفعل معاوية، وهكذا، وكأنه يكتب عن شخصيات روائية في سياق حدث درامي! ولكنه في الوقت ذاته، حرص على أن يتصدر اسمه غلاف الكتاب مسبوقا بلقب دكتور.. هل كثرة جريان قلمه في الحديث عن الصحابة أزال هيبتهم من سنّ يراعه؟ ولا أقول أزال هيبتهم من قلبه، فعلمي أنه لهم محبّ وموقِّر. لا أدري، ما المانع من أن يسبق أسماءهم بقوله: الصدّيق، أو الفاروق، أو ذو النورين، أو الخليفة، أو سيدنا، أو الصحابي، أو يُعقّب بالترضّي عنهم؟ هل يضيره التكرار، أم أنه يبيح رفع تاج الوقار عنهم تحت زعم الموضوعية عند التناول الأكاديمي التاريخي؟ أليس هؤلاء مَن قال فيهم ربنا سبحانه وتعالى: " مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ" الفتح ٢٩، ومدحهم النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بقوله: (خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ)، وفيهم قال ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: (إِنَّ اللهَ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَوَجَدَ قَلْبَ مُحَمَّدٍ صلّى الله عليه وسلّم خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ فَاصْطَفَاهُ لِنَفْسِهِ فَابْتَعَثَهُ بِرِسَالَتِهِ، ثُمَّ نَظَرَ فِي قُلُوبِ الْعِبَادِ بَعْدَ قَلْبِ مُحَمَّدٍ، فَوَجَدَ قُلُوبَ أَصْحَابِهِ خَيْرَ قُلُوبِ الْعِبَادِ، فَجَعَلَهُمْ وُزَرَاءَ نَبِيِّهِ، يُقَاتِلُونَ عَلَى دِينِهِ). إن جمال هؤلاء الصحابة الأجلاء هو من الصنف المعنوي الحقيقي المتجدد العطاء، وأُلفتهم ليست من النوع الذي تُرفع فيه الكلْفة، إذ جمعوا بين الإيمان والعلم والجهاد، وكانوا وما زالوا نجوما ساطعة حملَت إلينا عبق النبوّة وطراوة الإسلام، ولا أقلّ من أن نرفعهم فوق ما اعتدْناه من خطابنا العادي عند الحديث عن الأشخاص ذوي الحيثية والذين نجلّهم بالقول: الدكتور الفلاني أو الأستاذ والشيخ العلّاني. يُذكر أنّ توقيرهم رضي الله عنهم، يبدأ بحبّهم، ثم ردّ غيبتهم، والدراية عنهم، والاقتداء بهم، قبل ما ذكرناه آنفا من الثناء عليهم عند الحديث أو الكتابة عنهم. وقد أحسن القحطاني الأندلسي حين أوصى في نونيته قائلا:

قُـل خـير قـولٍ في صحابة أحمد ...

 وامدح جميع الآل والنسوان​

*

دَع ما جرى بين الصحابة في الوغى

 بسيوفهم يوم التقى الجمعان​

*

فقتيلهم مـنهم وقـاتلهم لـهم ...

وكلاهما في الحشر مرحومان​

*

والله يـوم الحشر ينزع كل مـا ...

 تحوي صدورهم من الأضغان​

بقي القول، أنّ اللغة تصنع الهيبة، وما يتردّد ذكره على القلم واللسان لا شك يترك بصمته في القلب، ثم يفيض على الجوارح ويطبع السلوك بطابعه، وهنا مكمن الخطر الداعي للانتباه.

***

د. منير لطفي

هناك ظاهرة راسخة في كتاباتنا وتحليلاتنا، مفادها أن المجتمع فيه العديد من التنوعات الإثنية والعقائدية، وكأن مجتمعاتنا تنفرد بهذه الخواص لوحدها.

فهل وجدتم مجتمعا متجانس الأعراق في أية بقعة أرضية؟

الدول الغربية فيها كافة الأنواع البشرية، فلماذا لم تحسب ذلك معوقا وعاهة وطنية؟

التنوع في الدنيا يصنع سبيكة إجتماعية، ويعزز القدرات وينمي الطاقات، وفي مجتمعاتنا نحسبه مشكلة كبيرة، والعلة الحقيقية في الكراسي الجاهلة الخالية من الوعي الوطني.

ألا تخجل الأقلام التي تكرر هذه الطروحات البائدة المجردة من الفهم الإنساني المعاصر؟!!

إنه لعيب مشين أن تبقى النخب تتمنطق بتعدد الحالات في مجتمعاتنا، وهي في حقيقتها من أقل مجتمعات الدنيا تنوعا.

لو تأملت أي مدينة أوربية ستجد فيها تنوعات تتفوق على أية دولة في أوطان الأمة، ولتعجبت من اللغات والثقافات والعادات والتقاليد المتباينة.

فلماذا يتكرر الإدّعاء؟

يبدو أنه لتبرير عجز الكراسي عن التفاعل الوطني وتأمين حقوق المواطنة وقيمة الإنسان، والإعتماد على ما يساهم في سطوتها وإستلابها للبلاد والعباد، فمن الأضمن لبقائها فترة أطول في الحكم، أن تطلق ذريعة التنوعات التي تمنعها من تحقيق ما تسعى إليه من الأهداف والبرامج والخطط، وهي أكذوبة أكل عليها الدهر وشرب.

لماذا لا يوجد دستور وطني يضمن مصالح الجميع؟

لماذا لا تتبدل أنظمة الحكم إلا بسفك الدماء؟

لماذا التفرد بالحكم وتحويله إلى سلوك إستحواذي إنتهابي غنائمي، لا يسمح لغير المتسلطين على الشعب، من التصرف بثرواته، وتأكيد مراميهم الشخصية بعيدا عن المواطنين، الذين إذا طالبوا بحقوقهم، آوتهم سجون العذاب والتغييب.

فهل سنتحرر من هذه الفرية؟!!

شعوبٌ في تنوّعِها اقْتدارُ

وشعْبٌ في تنوّعهِ انْهيارُ

بدِسْتورٍ سَبائكُ مُرتَقاها

وأقوامٌ يُفتّتُها الشِجارُ

بألوانٍ تُزيّنُها تباهَتْ

بلادٌ في تَفاعُلها انْتصارُ

***

د. صادق السامرائي

حققت المرأة انجازات ونجاحات كبرى بعد حرب طويلة خاضتها لإنتزاع حقوقها من قبضة المجتمعات التي لا تؤمن بقدراتها! لكن للأسف ما زال هناك بعض السيدات اللواتي يعانين لمجرد أنهن ولدن نساء. على الرغم من ذلك، هن لن ولم يستسلمن، بل عل العكس ما زلن يكافحن حتى النهاية لتغيير الصورة النمطية حول المرأة ومساعدتها في إثبات نفسها على أنها تماماً كالرجل وحتى أفضل منه أحياناً في الكثير من المجالات. باختصار، المرأة هي الصوت الصارخ في المجتمع والمناضلة لتحقيق المساواة بينها وبين الرجل. إياك أن تنسي أنك امرأة قوية، مضحية، مسؤولة وشجاعة، وإياك ابنتي اختي أن تدعي أي أحد يردعك عن تحقيق أحلامك وأمنياتك، بل قفي صامدة وحاربي حتى النهاية. فمن اجلك خلقت بهجة الأعياد،ولك وحدك تنسج الشمس من خيوطها حروف الحب، فيكفيك فخراً انك الام والزوجه والأخت والابنة والصديقة والقلب الكبير. تليق بك سيدتي الحياة، وتزهو بك المحافل صباح لخير لك سيدتي المرأه المناضله والإنسانة، والأم، ليومك الثامن من اذار

في هذا الصباح اسمحوا لي ان ارسم أولاً أجمل وأطهر صباح الخير المعطر بالياسمين والفل والجوري الى المراه العراقية والعربية الغاليه هي الأم الحنونه والأخت والزوجه والشموع التي تنير الدرب والأيام، هي المناضله التي حملت النضال والكفاح وكانت بجانب الرجل في كل ميادين العمل الكفاحي والسياسي والاجتماعي هي،أم الشهيد والجريح والأسير، وهي الأسيرة والشهيده والمبعده والمعذبه والقائده، وهي سر الحياة ومصدر القوة هي الحنان والطفوله والفرح والتفاؤل والأمل، هي النصف الأهم في كل الحياة. وفي هذا اليوم أقف أحتراماً وتقديراً الى المرأه العراقية المناضله، وأتقدم منها واليها بكل عبارات التهاني الثوريه والتحيات الورديه بمناسبة يوم المراه العالمي إلى المراه العربية وكل النساء في العالم في هذا اليوم الذي يجب ان ننحي فيه أولاً إلى أجمل الأمهات، أمهات الشهداء

ولا ننسى التحيه الأجمل إلى العاملات في كل مناحي الحياة وإلى المرأه المناضلة في الشتات وفي المخيم والقرية والمدينة والخيم وتحت انقاض الدمار والتشريد والمعاناة التي تجسدت في عالمنا العربي .نحتفل ومعنا كل كلمات الحب والتقدير والاعتزار معنا كل أزهار وأغاني آذار .نحتفل ومعنا كل التحيات الحاره التي تليق بالمراه العربية المناضله التي قدمت نفسها للوطن وصافحت الشمس وزينت الأرض بشموخها وصمودها وتضحياتها لترتقي مع الفرح الوطني، لتبقى رمزاً لكل نساء العالم في الثامن من آذار نقف وننحني لدورك لشموخك لصمودك لعطائك الجميل، في آذار نرسم لكن ألف تحيه وألف ورده وألف زهرة إقحوان وشقائق النعمان، في آذار يا سيدتي  أقول أنت الانسانه والمناضله وأنت ما زلت وستبقين الحكايه التي لا تنتهي، فأنت المرأه الأجمل والأحلى والرمز كنتِ وستبقين الشمعه التي تضيئ من أجل بناء المجتمع.

كل عام والمرأة رمز الجمال والقوة والإبداع، وكل عام وأنتِ قادرة على صنع الفرح وتغيير العالم بلطف قلبك وعظمة روحك.

***

ذكرى البياتي

 

{فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِن شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيْمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ أَن يَا مُوسَىٰ إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ} [سورة القصص: 30]

لا إله إلا الله... كيف تحمل نبي الله موسى -عليه السلام- ذلك؟ بل كيف كان إحساسه في تلك اللحظة؟ إنها لحظة موت وحياة بالنسبة لنبي الله؛ موتٌ من الخوف، وحياة جديدة وسعادة كاملة لا توصف. إنها لحظة اكتمال المشاعر؛ اكتمالٌ للخوف والرهبة والخضوع، وللسعادة والرضا، وهذه اللحظات لا يصل إليها إلا الأنبياء -عليهم السلام-.

عندما يتوقف الكلام إجلالاً

[إِنِّي أَنَا اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ].. هذه اللحظة تفوق الخيال، وتعجز أمامها المشاعر، ويتوقف الكلام لحظة إجلالٍ لنداءٍ من السماء؛ نداء رب العالمين بعظمته وجلاله ينادي نبيه ليعرّفه عليه سبحانه، ما أعظمه وما أرحمه، إنه الله رب العالمين.

لا أعلم هل أغبط نبي الله موسى -عليه السلام- على ذاك الشرف العظيم، وأن رب العالمين ناداه وسمعه وكلمه -فما أعظمها من سعادة وما أعظمه من تكريم- أم هل أُشفق على قلبه الذي سمع نداء ربه وخالقه العظيم؟

الهروب من الذنب إلى الغفران

ذاك القوي خاف وارتجف وولى مدبراً عندما رأى عصاه تهتز، الرهبة والخوف لم يكونا من العصا بل من رب العالمين؛ من الذي لو أراد لجعل العصا عقاباً وعذاباً، لكنه جعلها آية لعلهم يتذكرون. ونبي الله موسى خاف أن يعاقبه ربه على ذنوبه لذلك ولى مدبراً، ولم يرجع إلى عصاه حتى أمنه الله عز وجل:

{يَا مُوسَىٰ إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (9) وَأَلْقِ عَصَاكَ ۚ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّىٰ مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ ۚ يَا مُوسَىٰ لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (10) إِلَّا مَن ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَّحِيمٌ (11)} [سورة النمل].

"يا موسى أقبل ولا تخف إني لا يخاف لدي المرسلون".. وحدهم المرسلون الذين أعطاهم الله الأمان.

{يَا مُوسَىٰ أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ ۖ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ} [سورة القصص: 31]. ليس فقط من الحية، بل هو من الآمنين من كل شيء؛ من أعدائه، ومن خوف نفسه، ومن ذنوبه.

نعم، هو تذكر أنه قتل منهم نفساً وهذا ذنب عظيم، وهو نبي عظيم لم يقل "ربي هل غفرت لي؟"، لم يسأله لأنه يعلم أن الله يغفر الذنوب جميعاً، ولكن ليطمئن قلبه قال: {قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ}.

هذا هو يقين الأنبياء وأدبهم مع خالقهم العظيم. لقد قال له الله تعالى: "إنك من الآمنين"، لذلك هو لم يخف أن يقتله بنو إسرائيل لذات القتل، ولكن خشي أن يكون القتل جزاءً لذنبه؛ كان خائفاً من الذنب وليس من الموت، كان خائفاً أن ينال جزاء ما اقترفت يداه، فاعترف لربه بكل أدب؛ اعتراف التائبين الواثقين بربهم، المؤمنين به إيماناً لا يخالطه تشكيك.

فأين نحن من ذنوبنا؟

{وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنبٌ فَأَخَافُ أَن يَقْتُلُونِ}.. فما بالنا بذنوبنا التي لا تُعد ولا تُحصى ونحن مسلمون؟ هذا نبي معصوم ونحن لسنا أنبياء ولسنا من "الآمنين" صكّاً، هذا وهو قتل كافراً (خطأً)، فما بالنا بذنوبنا التي لا نخاف أن ينالنا العقاب بسببها في الدنيا وفي الآخرة؟

من الذي يؤمننا من أنفسنا سوى خالقنا وعالم سرنا ونجوانا؟ فلماذا لا نهرب من الخوف إلى الله؟ ونهرب من الذنوب إلى الغفور الرحيم؟ ونهرب من الضياع إلى الأمان، ومن القلق إلى السكينة؟ لنهرب ولا نلتفت، ونعود لله بكل ذنوبنا، ندعوه ونسأله الأمان، ونسأله السداد، ونسأله أن يشرح صدورنا لآياته ولكتابه العظيم.

***

بقلم الكاتبة: فاطمة الدفعي

الجيل المعاصر وخصوصا المولودون منذ مطلع القرن الحادي والعشرين، غاطس في أعماق المحيطات، وأجيال القرن العشرين غاطسة في الغدران والمستنقعات، والبرك المعرفية الصغيرة. والفرق بين الجيلين، لا يمكن التنبؤ بمعطياته، فالإختلاف شاسع ومتجدد وبسرعة لا تعرف التباطؤ والتراجع والإنكسار، إنها توثبات وتطلعات لمستقبل متواكب مع متغيرات المكان والزمان.

فالدنيا تحولت إلى شاشة صغيرة بحجم كف اليد أو أصغر، والأخبار تصل للناس فورا حال حصولها، فالمجتمع البشري يمتزج وتضاءلت الفروقات المعرفية والدراية والوعي الإنساني، وأصبح الإعلام بمختلف وسائله المتطورة يجاهد للسيطرة على رؤوس البشر، وصناعة الآراء المتوافقة مع مناهجه.

كنا نخرج من المدرسة ونتجمع حول عربة اللبلبي والشلغم والباقلاء ولفات البيض المسلوق والدوندرمة و"اللاكستك"، واليوم تزدحم أمام المدارس عربات المؤثرات العقلية، والمخدرات، وغيرها من مذهبات الرؤية الواعية والإدراك.

ما هو شكل الدماغ المعاصر، وكيفيات نشاطاته العقلية، سؤال ينهض بقوة وأنت تلشاهد طفلا دون الخامسة من العمر منغمس بتفاعلاته المثيرة مع الشاشة الصغيرة.

الدوائر الدماغية ستتبدل وتواصلاتها ستتغير، وما يراه الجيل المعاصر لا يتصل برؤية الجيل المغادر، فلكل زمان مقتضياته ومنطلقاته.

الفرق شاسع بين زمن المراوحة وعصر مسابقة سرعة الصوت والضوء.

فهل نستلطف القنوط في حفرة ونواصل الحفر حتى نندفن فيها؟!!

عقولُ الخلقِ في زمنِ الرقاءِ

كأنوارٍ مُشعشعةِ الضياءِ

تغيّرَ واقعٌ ومَضى بجيلٍ

إلى أمَلٍ بعاليةِ ارْتقاءِ

على عَجلٍ تدورُ بنا تِباعاً

وتأخُذنا إلى أفقِ السَماءِ

***

د. صادق السامرائي

انها رحلة القلب إلى نور اليقين في رحاب الروح، حيث تتراقص المعاني وتتسامى الكلمات، نجد أنفسنا أمام مشهد بهي، مشهد الكأس الذي يتغنى بساقيه، ويتلذذ بمشروب هو منتجه.  ليس الحديث هنا عن كأس خمر مادية، ولا عن ساقي للنبيذ، بل هو استعارة بديعة لرحلة القلب في طلبه للوصل، وسعيه نحو النور الاصلي.

هنا، يتجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا كساقٍ يملأ الأكواب، بل كـساقي للقلوب، يمد يده الشريفة صلى الله عليه وسلم لتسقي أواني أرواحنا الظمأى من شراب المحبة

انها يد النبوة الممتدة عبر العصور، فيد رسول الله صلى الله عليه وسلم، المعنوية التي حملت مشعل الهداية، لم تنقطع عن العطاء بوفاته الجسدية صلى الله عليه وسلم، بل امتدت لتشمل كل عصر ومصر، تسقي قلوب المؤمنين براح المحبة. فدارت كؤوس الراح وعم الانشراح، لا بشرب مادي، بل بالصلاة على رسول الله، حيث يسقي المؤمن نفسه بنفسه، مستمدا من نوره وهديه. وفي هذا التجلي الروحي، يصدح حال العارف قائلا: شرابي لي مني وسري في الأواني

حاشا يكون الثاني أنا الشارب المشروب.

إنها ذروة الفناء في المحبوب، حيث تتلاشى الثنائية، ويصبح الشارب والمشروب واحدا في عين الشهود، في إشارة إلى أن سر المحبة النبوية يتجلى في كل قلب مؤمن، ويصبح جزءًا لا يتجزأ من كيانه.

رحلة التحول: من الظلمات إلى النور

إن هذا الشراب الروحي، شراب محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ليس مجرد شعور عابر، بل هو قوة تحويلية عظيمة تنتشل القلب من وهدة الظلمات إلى فسيح الأنوار. إنه رحلة مباركة يقطعها المؤمن، ينتقل فيها من:

- ظلمات الشك إلى نور اليقين: فبمحبته تتجلى الحقائق وتتضح البراهين، ويهدأ القلب المضطرب.

- ظلمات الوهم إلى نور الحقيقة: حيث تتكشف زيف الدنيا وزخرفها، وتظهر الحقائق الكونية كما هي.

- ظلمات الجهل إلى نور العلم: فسنته صلى الله عليه وسلم بحر لا ينضب من المعرفة والحكمة.

- ظلمات الرياء إلى نور الإخلاص: إذ تصبح الأعمال كلها لوجه الله، خالصة من شوائب المراءاة.

- ظلمات السفاهة إلى نور الخلق الحسن: فيتأدب المؤمن بآدابه، ويتجمل بأخلاقه الكريمة.

- ظلمات القبض إلى نور البسط: فينفرج الصدر وتتسع الروح، وتزول ضيقة الهموم.

ـظلمات الغفلة إلى نور اليقظة: فيستيقظ القلب من سباته، ويدرك عظمة الخالق وجمال المخلوق.

- ظلمات الشرود إلى نور الذكر: فيطمئن القلب بذكر الله، وتستقيم الجوارح على طاعته.

الارتقاء الروحي: الرحيق المختوم وبؤبؤ عين الروح هذا الاتصال العميق بساقي القلوب، رسول الله صلى الله عليه وسلم، يرتقي بالمؤمن إلى درجات عليا من الروحانية، عبر ما يمكن تسميته بـ الرحيق المختوم. إنه رحيق يطهر القلب من وسخ الماديات والتعلقات الدنيوية، ليتحول إلى عطر المسك الفواح، نقاء وصفاء. في هذه المرتبة، يشهد القلب شهادة لا إله إلا الله، ليس مجرد نطق باللسان، بل شهادة شهود بؤبؤ عين الروح. إنها رؤية قلبية تتجاوز البصر، تدرك أن لا محبوب إلا الله، وأن كل محبة دونه هي سراب. هنا، يصبح القلب مرآة صافية تتجلى فيها أنوار الحق، ويغدو المؤمن جزءا من هذا النور المتدفق.

أنين الشوق وحضور الغائب وفي ختام هذه الرحلة الروحية، يبقى الشوق أنينا لا ينقطع، وحضورا لا يغيب. فمهما بلغ العبد من القرب، يظل قلبه يهفو إلى المزيد، وتظل عيناه تذرف الدمع شوقا إلى من كان سببا في هدايته ونوره. وفي هذا المعنى العميق، يتجلى حال المحب في قوله:

وتبكيهم عيني وهم في سوادها

ويشكو النوى قلبي وهم بين أضلعي.

إنها مفارقة بديعة، فالحبيب حاضر في سواد العين، وفي أعماق القلب، ومع ذلك يشكو المحب النوى والفراق. هذا ليس فراقًا حقيقيا، بل هو شوق الروح إلى الكمال، وتوق القلب إلى المزيد من القرب والوصال. فمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم هي مفتاح الحياة الروحية، وهي الجسر الذي يعبر بنا من ظلمات أنفسنا إلى نور الحق، ومن فناء الدنيا إلى بقاء الآخرة. فلنجعل من هذه المحبة زادنا، لنرتوي من كأس لا ينضب، ونسير على درب لا يضل، حتى نلقى الساقي المحبوب من حوضه الشريف، ونفوز بالنظر إلى وجهه الكريم.

***

د محمد غاني - كاتب، المغرب

بابل مدينة عراقية قديمة تقع آثارها إلى الجنوب من بغداد جاء ذكرها في التوراة والقرآن، ازدهرت فيها الحضارة مرتين كعاصمة للعراق مرة في العهد البابلي القديم الذي اشتهر فيه الملك حمورابي الذي حكم بين عامي ( ١٧٩2 - ١٧٥٠) قبل الميلاد ومرة اخرى في عهد الملك نبوخذ نصر الذي حكم بين عامي (٢٤ ١١-١١٠٢ ) قبل الميلاد - تعرضت الى الغزو الفارسي الاخميني عام (٥3٩) قبل الميلاد بقيادة الملك الفارسي (كورش )، زارها المؤرخ اليوناني ( هيرودوتس) عام (٥٤0) قبل الميلاد ووصف سكانها وقصورها وشوارعها ومعابدها، ثم غزاها الاسكندر المقدوني عام (33۱) قبل البلاد واتخذها عاصمة له باعتبارها مدينة عالمية كانت تضاهي مدن روما واثينا الا انه توفي فيها عام (323) قبل الميلاد.

مظاهر الحياة الاجتماعية في بابل

1-  طراز البيوت البابلية: عندما زار هيرودوتس بابل كتب مشاهداته: في کتاب خاص عن قصورها وبيوتها لقد كانت البيوت لا تختلف عن بعضها حيث المظهر الخارجي وهي تتميز بجدار بسيط مبني من الطين ومطلي بالجبس بلا نوافذ وكانت الابواب مصبوغة باللون الاحمر لطرد الأرواح الشريرة وكان البابلي اذا دخل بيته يمر اولاً ببهو صغير فيه ابريقاً لغسل اليدين ثم فضاء مكشوف تنتشر فيه الاشجار ثم الغرف التي لا تحتوي على نوافذ تسرب الحرارة وكانت غرفة الضيوف (الديوانية)، تقع جنوب الدار تجنباً لاشعة الشمس، وكانت البيوت تحتوي على مطبخ - ثم حوض التصريف مياه الامطار عبر انابيب   تصل إلى الشارع، وكانت هناك بيوت مبنية من القصب - اما ادوات المنزل فتتكون من الأواني الفخارية مثل الصحون والسكاكين.

2-  الزواج والاسرة:- كان البيت البابلي مملكة للنساء فلا يخرجن من البيت الا نادراً وكان البابلي يكتفي بزوجة واحدة والمرأة تقضي، اوقاتها بتربية الاطفال وغسل الملابس والطبخ والحياكة وكانت المرأة تساعد زوجها في اعماله الزراعية وخاصة في موسم الحصاد اما الرجل فيقضي وقته في العمل خارج البيت، وكانت العوائل الغنية تمتلك الخدم حيث تقوم الخادمة بغسل ارجل صاحبة المنزل وتمشيط شعرها ومساعدتها في الذهاب إلى المعبد وكانت المرأة البابلية تستعمل الزيت المعطر والصابون لتسريح شعرها اما الرجال فانهم يستخدمون الحمامات البخارية الساخنة للاستحمام، وكانت العطور من الأمور اليومية للنساء وتستعمل النساء ايضاً الصبغ الاسود للحواجب والإهداب واحمر الشفاه وللخدود ووضع الحناء في باطن اليد وكانت المرأة البابلية تحمل على الدوام حقيبة فيها مرأة ومشط وملقط لتنظيف الاذن وسكين. اما الحلي الذهبية والفضية فكانت تستعمل من قبل النساء والرجال على حد سواء.

3-  الملابس والحلي:- كانت ملابس الرجال والنساء متشابهة إلى حد كبير ولها نفس الطول وكانت الملابس عبارة عن رداء خفيف يصل إلى الركبة اما النساء من الاغنياء فملابسهن عبارة عن اثواب مخططة لامعة وللوقاية من البرد وكان الرجال يلبسون المعاطف الصوفية ويرتدي الاغنياء احذية جلدية ويتكون غطاء الرأس من عصابة ملفوفة حول الرأس وتخفي المرأة المتزوجة شعرها بمنديل وترتدي العباءة وكانت النساء يتبادلن الهدايا فأحسن هدية تريدها المرأة البابلية هي الحجل او السوار الذهبي او القلادة الذهبية – اما الرجال فيلبسون الخواتم والاساور الذهبية بينما يكتفي الفقراء بالاساور النحاسية. وتلبس المرأة الاقراط الذهبية أيضاً على هيئة عناقيد العنب.

4- الطعام والشراب:- يفضل البابليون الاكلات النباتية مثل الخيار والبصل والقرع والرقي والبطيخ وكانت المرأة تطبخ انواع المرق مثل الفاصوليا و العدس والذرة والمادة الرئيسية هي الخبز الرقيق جداً ويفضل البابليون أكل التمر والرمان والتفاح والعنب ويأكلون لحوم الدجاج والبط والسمك ولحم الغزال والارنب ويفضلون الحليب واللبن والعسل واللوز والتوابل ويعدون الحلويات في ايام الاعياد ويتناولون البيرة المصنوعة من الحبوب ويشربون المشروبات  الروحية المصنوعة من الشعير ومن عصير العنب، ويتناولون وجبة خفيفة عند الصباح اما الوجبة الرئيسية فعند المساء فالبابليون يفضلون وقت المساء بسبب انخفاض درجة الحرارة.

 اما الاطفال فيلعبون في الشوارع في كرة مصنوعة من القماش او بالقوس و النشاب، اما النساء فيجلسن في وسط البيت سوية وهن وهن تبادلن اطراف الحديث بعد ذلك تقوم احدى النساء بالغناء وتقوم صاحباتها بالضرب على الطبول لقضاء وقت الفراغ، وهكذا كانت الى الحياة في مدينة بابل القديمة

***

غريب دوحي

 

{فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (75) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَّوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (76)} [سورة الواقعة]

إن المسافات التي بين النجوم هي مسافات زمنية، وليست كالمسافات الأرضية، بعضها لا وجود له، وقد اندثر منذ زمن طويل لكن ضوءه لم يصل إلى زمننا إلا الآن، فالمسافة التي بيننا وبين النجوم لا تقاس بالساعات العادية، بل بالسنين الضوئية. نحن في الكون لا شيء، نحنُ أصغر من كل قياس، أعمارنا لن تكمل ثانية بالنسبة لهذا الكون العظيم، أجيال متعاقبة، وسنين متتابعة، وحضارات تمر وتندثر، جيوش وحروب تقام وتنتهي، انتصارات وخسائر، جمعناها في كتب أسميناها تاريخ، ليأتي نجم واحد فيخبرنا أننا لسنا شيئاً وأنه غير موجود اندثر منذ آلاف السنين.

نحن أصغر من أن نعرف تغيرات الكون، أو أن ندرك عظمته، نحن نسير بسرعة كبيرة بينما الكون يسير ببطء، اندثار نجم في الفضاء وضوؤه لا يزال يصلنا لأننا نسير بسرعة جنونية. أوقاتنا هي الأسرع في الكون، وهذه السرعة ليست إلا انعكاساً لعجلة الإنسان وطيشه في عمرٍ قصير، بينما تتجلى عظمة الخالق في "التؤدة" والصبر الكوني الذي يسبق مداركنا. لذلك سيصل ضوء النجم إلينا رغم أنه غير موجود وقد اختفى لكنه يشبه السفر عبر الزمن، إنه قسمٌ عظيم سبحان الله العظيم، خدعتنا مواقع النجوم، والنجوم أرشدتنا، وهدينا بضوئها في ظلمات برنا وبحرنا، وهي في الفضاء ترانا كنملٍ يسير بسرعة جنونية، يهلك وادي ويبنى آخر، كم نحن خاسرون، وكم أننا مغرورون، ولسنا شيئاً.

{وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ۖ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [سورة النحل: 12]

وسبحان من أقسم بالعصور والأزمان.. بسم الله الرحمن الرحيم {وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)} [سورة العصر].

نحن خاسرون في سباقنا مع الزمن، فاشلون في كسب الوقت، وإدراك حقيقته، نحن ضائعون في متاهات زمنية معقدة، أفكارنا قديمة من ماضينا الذي يندثر، بعضها لا زالت متوهجة ومتجددة، وبعضها لا فائدة لنا إن تمسكنا بها. وكما تندثر النجوم ويبقى ضوؤها يتوهج في أعيننا البسيطة العاجزة عن تفسير عظمة الخلق وبديع صنع الخالق سبحانه جل جلاله؛ هناك أناس كالنجوم اندثروا لكنهم ما زالوا يضيئون لنا الطريق بعلمهم الذي تركوه لنا، هم منارات نهتدي بها في ظلمات عصرنا، هم فقط يرشدوننا إلى الطريق بوصاياهم وخبرتهم النابعة من إيمان قلوبهم، فأعمالهم الصالحة هي الفائزة في سباق الزمن. لكن لا يجب أن نجعلهم أساس العلم في عصرنا فهم منبع نور نهتدي به لما يُصلح حالنا، هم الذين يرشدوننا لطرف الخيط، ونحن من يحيك الأفكار بما يناسبنا، ويناسب زماننا.

***

بقلم الكاتبة: فاطمة الدفعي

في أحد شوارع العاصمة، اثناء الظهيرة، حالة اختناق شديدة، توقفت السيارات في صفوف طويلة متلاصقة، محرّكاتٌ تزمجر بلا جدوى، وأبواقٌ تصرخ بذعر وجنون.

الإشارات الضوئية تلمع عبثاً، لا أحد يصغي، ولا قانون ، سوى استعجالٍ أعمى.

السائقون يتسلّلون بين الفتحات الضيّقة يتدافعون نحو حادث اصطدام وقع في الجانب الثاني من الشارع!

عجيب ؟؟ تتساءل:

من يقود من؟

الشارع أم الفوضى؟

وما السرّ في توقف الحركة في هذا الجانب؟

من الصعب أن تجد تفسيراً لهذا السلوك، أن تخضعه لأي منطق! هل يجوز وصفه سلوكاً مرضياً، أم ظاهرة نفسية–اجتماعية مركّبة رصدها علم النفس الاجتماعي في مجتمعات عديدة ؟ مع اختلاف في حدّتها وأشكال تعبيرها تبعاً للظروف التاريخية والضغوط الاجتماعية والنفسية.

لم تتوقف أسئلتي، في محاولة لتخفيف حالة التوتر التي اجتاحتني ..

ما طبيعة هذا السلوك؟

لماذا التوقف، التجمهر، التحديق، التصوير عند وقوع حادث في الجهة المقابلة من الشارع؟ كنت حينذاك أراجع ما تبقى في ذاكرتي من مفاهيم قرأتها في الأدبيات النفسية، أهمها:

- الفضول المرضي.

- التفرّج الجماعي .

- الارتياح المضمر.

- الشماتة الصامتة أو الخفية من دون إعلان.

أحاول أن أكون إيجابياً في التفسير، أفترض أنه سلوك لا واعٍ في الغالب، لا يصدر عن نية شريرة مباشرة، بل عن آليات دفاع نفسية واجتماعية.

من دون تجاهل الآليات وردود الأفعال الأخرى التي تظهر أثناء الحادث، منها:

- آلية "الحمد لله على السلامة"

حين يرى الفرد أذىً أصاب غيره لا نفسه، يتسلل شعور داخلي بالنجاة:

"الشر مرّ من هنا… لكنه لم يمسّني" هذا الإحساس يولّد راحة نفسية خفية قد تُساء قراءتها بوصفها سعادة.

- المقارنة الاجتماعية.

يقيس الإنسان وضعه عبر الآخرين.

الحادث يصبح – لا شعورياً – مرآة:

- أنا سالم الآن !

- مصيبتي أقل.

وهذا يمنح شعوراً مؤقتاً بالاستقرار في عالم مضطرب.

- الاعتياد على الصدمة:

في مجتمعات عاشت حروباً بلا معنى، وحصارات وعنفاً يومياً، ثم موتاً متكرراً عبر الأزمنة.

يتراجع التفاعل العاطفي الطبيعي، ويحلّ محله فضول بارد أو مراقبة شبه محايدة. يلجأ فيها المرء إلى تفريغ القلق الجمعي عبر التحديق والتصوير، والتجمهر.

أفعال بسيطة تعطي الفرد وهم السيطرة على حدث مفزع لا يستطيع تغييره. بل يظل يتحدث عنه ببرود من دون مشاركة بالأذى.

سؤال أخير:

هل لدى الشعوب الأخرى سلوك مماثل لهذه الظاهرة؟

نعم، أقول وبوضوح.

لكن الفرق الجوهري: إن الفضول يبدو عابراً في المجتمعات المستقرة.

خلاف المجتمعات المجهدة نفسياً، ومنها مجتمعنا العراقي

فيبدو السلوك أكثر حدّة، وخطورة، حين يتجرد المرء من إنسانيته. ويتحول إلى شاهد محايد على الألم.

***

د. جمال العتّابي

بين يديّ كتاب قديم، أغلفتُه مُهترئة وصفحاتهُ صفراء، ينبض بالحياة رغم صمت الغلاف. ألتفتُ حولي فأرى شاشة مضيئة، أصواتًا تتقاذف الأخبار، وموجات متسارعة من المعلومات التي لا تتوقف. وفي هذا العصر، يهمس في داخلي سؤالٌ لا يزول: هل سيختفي الكتاب الورقي، أم أنه سيبقى متجذرًا في قلوبنا كما تبقى نبتة الصبار في صحراء قاحلة؟

الكتاب الورقي ليس مجرد صفحات تُقرأ، بل هو ذاكرة ملموسة. يلمس أصابعنا، ونشم رائحته، ونشعر بملمس الورق وكأننا نلمس الزمن ذاته. بين طياته، تلتقي الأجيال، وتظل الكلمات تهمس كما همست لأول مرة. كل كتاب ورقي هو مأوى، ومقام، وجسر بين من سبقونا ومن سيأتون بعدنا.

نعم، التكنولوجيا سريعة، وأجهزة القراءة تضع مكتبة كاملة في جيبك، لكنها لا تمنحك تلك اللمسة التي تأخذك بعيدًا، ولا ذلك الصمت الذي يسمعك صوتك الداخلي. المستقبل الرقمي لن يقتل الكتاب الورقي، لكنه يضعه في مواجهة مع تحديات العصر. ربما سيصبح الكتاب الورقي نادرًا، كما تصبح بعض النجوم في السماء أكثر إشراقًا حين يندر ظهورها، وربما يصبح كل كتاب ورقي كنزًا لكل من يحب أن يتأمل، أن يلمس، أن يعيش تجربة القراءة كطقوسٍ عميقة.

وفي النهاية، المستقبل للكتاب الورقي ليس مجرد مسألة بقاء أو اختفاء، بل مسألة قلبٍ لا يزال يريد أن يشعر، وعقلٍ لا يزال يريد أن يتأمل، وروحٍ لا تزال تبحث عن صمتٍ يحضن الكلمات. فالكتاب الورقي، رغم كل العوائق، سيظل يحلم معنا، كما نحلم نحن به، وسيظل يزرع فينا مساحة للدهشة، ومسافة للتأمل، ومسارًا للحرية.

***

صابر الحميدي - تونس

 

يُقال أن (200000) رسالة دكتوراه من (170) جامعة عربية، لم تنتج شيئا نافعا، سوى زيادة الألقاب والمرتبات.

لا يُعرف مدى صحة القول، لكن الملاحظ أن الرسائل السائدة تبحث في موضوعات لا تساهم في البناء والتغيير، وتجنح إلى الإستنتاجات النظرية المستندة على مصادر بائدة ومكررة.

الرسائل تبحث في الشعر والأدب واللغة والتأريخ، وتندر الرسائل المهتمة بموضوعات معاصرة ذات قيمة معرفية تؤهل الأجيال للإنطلاق في مسيرة بناء ورقاء.

يزداد عدد الجامعات ومعها يتكاثر الخريجون، وتتنامى الأمية ويسود الجهل، وتهيمن على الوعي الجمعي الخرافات والأضاليل، ويتحولون إلى أرقام تابعة خانعة وقابلة للمحو والفعل بها كما يشاء الفاعلون.

وهذه ظاهرة عجيبة، لأن الجامعات من المفروض أن ترتقي بالمجتمع الذي تكون فيه، وتساهم في تحولات معرفية وحضارية ذات قيمة إجتماعية، وتطلعات إنسانية واعدة بالأفضل والأرقى.

لماذا المدن التي فيها جامعات تتوطنها مجتمعات خاوية، مهضومة مظلومة، تطارد لقمة عيشها وتبحث عن أمنها وسلامتها من الشرور المدلهمة في ربوعها؟

هل أن الجامعات مستقلة وذات حرمة أكادمية؟

من المرجح أن الجامعات التي لا تستنهض مجتمعاتها ذات أجندات متصلة بأنظمة الحكم، وتسعى لتأكيد السلوك المنحرف لأصحاب الكراسي والذين يريدون الخداع والتدجيل، لكي تمضي سفن فسادهم متهادية في مياه القهر والحرمان والإذلال.

وكأن الجامعات طرف في تثبيط الوعي وتدمير الرؤى الصالحة للحياة، وتنأى بنفسها عن المجابهة والتحدي والإعتصام بالحقيقة الساطعة.

فالجامعات – على ما يبدو – مطية للكراسي المتنفذة، وتترجم إرادات الحكام وذوي السلطان.

فهل تستطيع الجامعات أن ترعى رسائل ذات قيمة علمية وتأثير واضح في المجتمع؟

***

د. صادق السامرائي

تأملت في حال الدنيا ومن فيها، فتحسرت حينا واستغربت حد الذهول أحيانا لحال بعض أهلها، فأبكاني قهر الفاقة للفقراء، زلزلتني دموع اليتامى والثكالى، وتألمت لأنين المضطهدين، لكن ما هالني، ولطالما استوقفني كثيرا، حال أولئك الذين لا يعرفون الله، ولا يقدرونه حق قدره تبارك اسمه وعزّ شأنه، فوضعهم مثير حقا للشفقة، ويدعو للحسرة والحيرة في آن واحد، أجدني أتساءل كيف يحيا من لم يعرف الله! ولم يذق لذة القرب منه، وإن صام وصلى، وديدنه على الغي والزيغ قائم لا يتخلى، رُبَّ صائم لم ينل من صومه إلا الجوع والظمأ!

تُرى كيف يهنأ بعيشه من ظلم الأنام، تجبر في الأرض وعاث فيها فسادا!

كيف يغمض له جفن من خان الأمانة، وكيف تقر له عين من ضيع المسؤولية ولم يُبال بالرعية، أي قسوة تلك التي رانت على قلوبهم، عميان رغم الإبصار، فعمى البصيرة أشد وطأة وأخطر من عمى البصر بكثير، فثمة الهلاك قطعا.

كيف يدعي الإيمان من لم يخش الله بالغيب! ولم يتقه ويجانب سخطه وعذابه! وكيف يزعم التقوى من لا يراعي في المؤمنين إلاًّ ولا ذمة، يهين عباد الله، يكذب ويخون، يمكر بهم ويكيد، أما علم أن دعوة المظلوم تخرق الغمام، وأن ديوان المظالم لن ينجو منه ظالم في الدنيا ولا يوم الزحام!

وبعد كل هذا الطغيان والخسة يحسبون أنهم حازوا جوامع الإيمان، كلاّ! لا دين لمن لا أمانة ولا أمان له، وليس مؤمنا بحق من لا يخاف الله، ولا يتقيه، ولم يظهر جليا عليه أثر الإيمان في خلُقه ومعاملاته مع خلقه، مهما صلى وصام، ثم ظن أنه على النهج استقام.

من أشد المصائب والبلايا في الحياة الدنيا أن لا يعرف العبد ربه، فيعيش غافلا بعيدا عنه وعن مراده منه، جاهلا بقدرته وعظمته عز شأنه وجلّ ثناؤه.

لا أستوعب حقا كيف لِروحٍ أن تطمئن وتغشاها السكينة في عالم الشهادة، وهي لا تحلق عاليا في عالم الغيب ولا تسبح في ملكوت الله، بل وصِلَتها مقطوعة ببارئها! أي جفوة وغربة تلك تتخبط في غَياباتها!

برأيي ذلك أقصى وأقسى الحرمان، وبلوى ما بعدها بلوى، فلا يمكن تصور حجم الشقاء الذي يحلّ بمن حُرم أنوار المعية والعناية الإلهية، جاهل جهول، عن مآله والمصير لاهٍ غافل، ركَن إلى الفانية، فطغى واستغنى، وهو العبد الفقير الضعيف، جهل قدرة القهار الجبار، لم يدرك حقيقة الحياة الدنيا وعلة وجوده فيها، فتراه لا يدخل الآخرة في حساباته، يمضي لدنياه ومطيّتُه فيها إبليس والهوى، جاعلا إياها كل غاياته ومنتهى المقاصد.

أكاد أجزم أن من كانت همته دنيّة أرضية، وروحه غير موصولة بالسماء، هو ميت يزاحم الأحياء!

غارق هو في جحيم الجهل والبعد عن رب البريات، فلا حياة لقلب لم تخالطه بشاشة الإيمان، لم تُنِره معرفة الله، ولم تشرق بين ثناياه أنوار محبته والأنس به جل في علاه، فتلك جنة الدنيا التي عاش فيها العارفون بالله، وحدثونا عنها، فوصفوا لنا جمال أحوال مقامات العُبّاد الزّهاد، الذين أكرمهم الوهاب، فصارت أرواحهم تتقلب في نعيم عظيم، لا يقايضونه، ولو عرضت عليهم الدنيا بأسرها!

كيف لا وقد ذاقوا لذة وسعادة لا تعادلها كل ملذات وسعادات الحياة الدنيا، إنها لذة القرب والأنس بخالق الأكوان، ولهج القلب واللسان بذكره على الدوام، تلك هي جنة الدنيا والنعيم المعجل لأولياء الله من الصالحين، الذين اصطفاهم بمحبته ورضاه.

معرفة الله والأنس به حياة للقلب وسعادة لا تضاهى..

 من دخلوا جنة القرب وذاقوا نعيمها، في الحياة الدنيا هم وحدهم الأحياء، وأولئك حقا هم السعداء.

***

بقلمي: زينة لعجيمي - الجزائر

 

البشرية أمضت القرون السابقة وللقلم فيها سيادة ودور فاعل في صناعة الأحداث والتطورات، وما أن بدأ القرن العشرون بالأفول، حتى أخذت تزحف "الكي بورد" لتنافس القلم وتبعده عن سوح الحياة اليومية، وأضحت الأصابع تضرب على مفاتيحها، وسيتناسى أبناء الأجيال القادمة إسم القلم، وسيجهلون كيف يكتبون به .

أمامي كومة من الأقلام التي أخذت تفقد قيمتها ويضمحل دورها، لأن أصابعي تعوّدت الضرب على مفاتيح "الكي بورد"، وللقلم دور أقل في التعامل مع الورق، بل وريما ستحتار أصابعي في المستقبل كيف ستمسك بالقلم!!

هذا حال جيل القلم والورق، فكيف سيكون حال أجيال " الكي بورد"؟!!

كم منا يمسك بالقلم مثلما كان من قبل؟

إن مدة كتابتنا بالقلم تميل للإضمحلال والتلاشي، وتجذبنا الشاشة فننفر من الورق!!

فهل يمكن القول "رحم الله القلم"؟

إنه عصر التكنولوجيا الإليكترونية وما بعدها، وعصر الذكاء الإصطناعي الذي سيستحوذ على عقولنا، وسيستعبدنا.

فإلى أين ستمضي البشرية؟

قد يقول قارئ أن هذا نوع من الإسفاف البعيد، والتوهم الشديد، غير أن وقائع الأيام المتحركة على صفيح ساخن، والمتفاعلة مع عالم طاحن، تخبرنا بأن التبدلات ستتفوق بسرعتها الإنجابية على أي كينونة في كوننا الملتهب الدوّار.

ستغرق البرايا في بحر النون، وستفقد بصرها العيون، وسيصاب القلم بالجنون، وستنطلق العجائب والظنون، وستتحول الأماكن إلى سجون، ولن يعرف البشر إلى أين يسير وكيف يكون!!

إنها رقصات إبداعية على حافات التغيرات الإبتكارية، في زمن يتمادى بالحرية، والعقول الذكية، الطامحة إلى الكواكب العلوية.

فكل مَن عليها كان، وفي الإمكان أحسن مما كان، فهل سينتصر على نفسه الإنسان؟!!

قلمٌ ضاعَ بعَصرٍ إحْتوى

جوهرَ الأفكارِ والعقلُ اسْتوى

كلّ يومٍ بجَديدٍ طالعٍ

لا بقرنٍ أو بعقدٍ إنْضَوى

أضْحَتِ الأحقابُ برقاً خاطفاً

أو كطيرٍ نحوَ ماءٍ قد هَوى

***

د. صادق السامرائي

استنادًا لدراسات غربية؛ الصيام بأشكاله المختلفة، بما فيها الصيام الجاف المتقطع في رمضان، يدعم الذاكرة والتركيز، ويحسن الحالة المزاجية، ويزيد من قدرة الدماغ على التكيف مع المتغيرات والضغوط، ويعزز من طاقة الجسم بالكامل، وهذه الأمور الإيجابية لا تحدث إلا بالحصول على ساعات نوم مشبعة خلال الليل، وبوجود التزام بالأكل الصحي

توصل استطلاع تم إجراؤه عام 2025، بواسطة المركز الوطني لاستطلاعات الرأي إلى أن 28 % من الصائمين لا ينامون ليلاً في رمضان، وهو يفسر أسباب الكسل والخمول وتراجع الإنتاجية في الشهر الفضيل، وأشار الاستطلاع إلى تغير العادات اليومية في المجتمع خلال شهر الصيام، وذلك فيما يخص أنماط النوم والأكل والمشاهدة التلفزيونية، وعن توقيت النوم، أكد 33 % من المشاركين أنهم ينامون ثلاث ساعات ليلية لا أكثر، أو ما بين الساعة الواحدة والثالثة فجرا، وهم يمثلون الأغلبية، و43 % يفضلون تناول إفطارهم دفعة واحدة، بعد أذان المغرب وقبل الصلاة، والنتيجة معروفة بطبيعة الحال، والمفاجأة أن 53 % لا يشاهدون التلفزيون إطلاقا، ونسبة المشاهدة في فترة السحور لا تتجاوز 11 %، وفي الإفطار تقف عند 2 %، والمعنى أن ما يعرف بالبرايم تايم، أو الوقت الذي تقفز فيه أرقام المشاهدات إلى ذروتها، ربما كان موجودا في مكان آخر كالسوشال ميديا، أو منصات البث الرقمية

نظام العمل يخفض ساعات العمل في رمضان ، ولكنه تقليص غير مؤثر، فالثابت أن الإنتاجية تكون في أدنى مستوياتها أثناء الصيام، ولا يعود هذا إلى الجوع والعطش، وإنما إلى قلة النوم، وإلى عدم تناول معدلات المزاج كالكافيين أو النيكوتين، عند المدمنين عليهما، بالإضافة لوجود موظفين يفضلون أخذ إجازتهم في هذا الشهر، ويقدر خبراء الاقتصاد ، التراجع بنسبة 25 % في المتوسط، ولاحظت دراسة نشرت في 2016، إلى أن الدول العربية، تخسر في المتوسط سبعة أيام من الإنتاجية في رمضان، وما سبق يكلف دول الخليج خسائر اقتصادية، تصل لنحو خمسة مليارات و800 مليون دولار,, زيادة على ذلك، وجد استطلاع ثانٍ للرأي، تناول بيئة العمل الرمضانية في الشرق الاوسط، في ذات العام، إلى أن 85 % من مديري الشركات والمؤسسات الحكومية يؤجلون اتخاذ القرارات المهمة لما بعد رمضان، والمسألة تعود لأمرين، الأول ظروف الشهر التعبدية، والرغبة في تجنب الإضرار بالآخرين نفسياً أو مهنياً، والثاني لأن القرار قد يأتي في ساعة غضب أو بدون دراسة كافية، ويؤدي لنتائج كارثية لا تخدم مصلحة العمل , كما ان الإفراط في تناول الأطعمة والسكريات بأنواعها، وما تحتويه من سعرات حرارية مرتفعة، يعتبر بمثابة المحرك الأول لكل مشكلات الصيام المهنية والصحية، والمفروض أن يركز الشخص على السوائل، ما بين الإفطار والسحور، لأن 90 % من الناس لديهم دهون داخل أجسادهم، وبإمكانهم الاستغناء عن الطعام لمدة أسبوع بدون مشكلات، وفي الإفطار لا يجب تناول أكثر من مئتي ميليغرام من القهوة، ونسيناها تماماً في السحور، حتى لا يشعر الشخص بالجفاف والعطش أثناء الصيام

الصيام موجود في معظم الديانات، وفي المسيحية يسمونه الصوم الكبير، ومدته أربعون يوما، ويمتنع فيه الصائمون عن المنتجات الحيوانية، تأسياً بصيام السيد المسيح عليه السلام، لأن اللحوم في رأيهم، تجعل الإنسان شهوانيا وثقيلا، وتمنع روحه من السمو والارتفاع، وفي اليهودية لديهم: صيام الغفران، الذي يمتد لـ25 ساعة، يمتنعون فيها عن الأكل والشرب والاستحمام والتعطر، أو لبس الأحذية الجلدية، ويستبدلونها بالأحذية القماشية أو بقدمين عاريتين، والصيام عند الهندوس يختلف باختلاف الآلهة، وأشهرها صيام الخميس لعبادة الإله: فيشنو، وصيام الاثنين لعبادة الإله: شيفا، وصيام: ايكاداشي، وفيه يمتنع الصائمون عن تناول الحبوب كالأرز والقمح، وفي البوذية التي تعتبر فلسفة أكثر من كونها ديناً، يصوم الرهبان طوال حياتهم لمدة 18 ساعة يوميا، للوصول إلى الصفاء الذهني، وبطريقة تجعل العقل يصل لمرحلة النيرفانا، أما بقية البوذيين فلا يصومون إلا في أيام اكتمال القمر.

اللافت هو وجود شركات في أميركا تلزم موظفيها بالصيام لزيادة الإنتاجية، واستنادا إلى الدراسات الغربية، فالصيام بأشكاله المختلفة، بما فيها الصيام الجاف المتقطع في رمضان، يدعم الذاكرة والتركيز، ويحسن الحالة المزاجية، ويزيد من قدرة الدماغ على التكيف مع المتغيرات والضغوط، ويعزز من طاقة الجسم بالكامل، وهذه الأمور الإيجابية، لا تحدث إلا بالحصول على ساعات نوم مشبعة خلال الليل، وبوجود التزام بالأكل الصحي، وتوصلت دراسة خليجية تم نشرها في 2023، إلى أن الإنتاجية في رمضان ترتفع بنسبة 66 %، عند الأخذ بنظامي العمل المرن والعمل عن بعد،

***

نهاد الحديثي

لم يكن رمضان مجرد امتناع عن الطعام والشراب فحسب، بل هو انتقال مدرك وواع من مستوى العادة اليويمة التي يعيشها الناس إلى مستوى العبادة والتقرب لله عز وجل، ومن دائرة الجسد إلى آفاق الروح الصافية، ومن الفوضى إلى الانضباط والالتزام. إنه موسم إيماني تتكامل فيه الأبعاد المختلفة والمتعددة الصحية، النفسية، الاجتماعية، التنموية والاقتصادية، ليخرج الإنسان منه أكثر نقاء وطهارة، وأقوى إرادة، وأصفى روحاً.

فقد قال رسول الله ﷺ فيما أخرجه البخاري ومسلم" كل عمل ابن آدم يضاعف… إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به… وللصائم فرحتان: فرحة عند فطره، وفرحة عند لقاء ربه". وهنا تكمن عظمة الصيام؛ عبادة سرية بين العبد وربه، تربي الإخلاص القلبي الذي يتوجه عباداً لله سبحانه وتعالى، وتنمي المراقبة الذاتية، وتحرر الإنسان من أسر الشهوة المكبلة للفرد والجماعة والعادة إلى عبادة إيمانية خالصة.

البعد الصحي: إعادة ضبط الجسد وتهذيبه

إن الصوم ليس حرماناً، بل تنظيم ذكي لدورة الأكل والشراب والطاقة. لقد أثبتت الدراسات الحديثة حول الصوم المتقطع – المشابه لصيام المسلمين – دوره في: تحسين حساسية الإنسولين وخفض مخاطر السكري. تقليل الالتهابات المزمنة. دعم صحة القلب والشرايين. المساعدة في خفض الوزن وضبط ضغط الدم. تحفيز عمليات “الالتهام الذاتي” (Autophagy) التي تسهم في تجديد الخلايا.

كما أن تقليل الإفراط في الطعام يريح الجهاز الهضمي ويمنحه فرصة للتعافي والشفاء. وقد أرشد النبي ﷺ إلى الاعتدال بقوله:  " ما ملأ آدمي وعاء شراً من بطن… فإن كان لا محالة فثلث لطعامه وثلث لشرابه وثلث لنفسه" (الترمذي).

ولا تقف الفوائد عند ذلك، بل تشير أبحاث حديثة إلى أن الصوم المنتظم قد يسهم في تقليل عوامل الخطورة المرتبطة ببعض أنواع الأورام، وتأخير مظاهر الشيخوخة المبكرة، ودعم وظائف الدماغ، بما قد يحد من تدهور الذاكرة مع التقدم في العمر.

البعد النفسي: تهذيب المشاعر وتقوية الإرادة

فالصيام مدرسة انضباط داخلي. فحين يمتنع الإنسان عن المباحات طواعية ورغبة منه، يتعلم التحكم في رغباته وانفعالاته. قال ﷺ: " فإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث ولا يفسق… فإن سابه أحد فليقل إني صائم" (متفق عليه).

إنها رسالة نفسية وتنموية عميقة: أن الصوم ليس جوعاً وعطشاً فحسب، بل تدريب على إدارة الذات بكل توتراتها وانفعالاتها كالغضب والنرفزة والضغوط التي يتعرض لها، وضبط اللسان بكل ما يصدر عنه، وتهذيب السلوك وفق قواعد وضوابط أخلاقية وقيمية. وهو علاج عملي لكثير من العادات السلبية التي ينتهجها العديد من الصائمين، كالتدخين والعصبية والاندفاع والعنف والغيرة والحسد والبغضاء وغيره. كما أن الصوم يعزز الطمأنينة الداخلية والسلام الذاتي، إذ يرتبط بزيادة التأمل والذكر والدعاء والصلة، مما يخفف مستويات التوتر والقلق والاضطراب الذي يمس الفرد ويصيبه. ولعل في قوله تعالى: ﴿ألا بذكر الله تطمئن القلوب﴾ الرعد: 28 ، فهذه دلالة واضحة على أن الروح إذا مارست العبادة والتقرب لله عز وجل بإخلاص وتبتل هدأت اضطرابات النفس وثورتها وهيجانها وتخلت عن هفواتها وضعفها وتحلت بكل أصناف الممارسات الإيجابية والفائدة والخير النافع.

البعد السلوكي: صناعة الإرادة والصلابة

ينمي الصيام مهارة الصبر، ويدرب النفس على احتمال المشقة والتعب. فالإنسان الذي ينجح في ضبط رغباته الأساسية، يصبح أكثر قدرة على مواجهة تحديات الحياة وصعوباتها. وتشير الدراسات النفسية إلى أن قوة الإرادة مهارة قابلة للتدريب والصقل، والصيام أحد أعظم ميادين هذا التدريب السنوي المكثف الذي يستمر إلى ثلاثين يوماً. قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون﴾ البقرة: 183، والتقوى هنا ليست شعوراً عابراً، بل حالة وعي دائم ينعكس على الفكر والقرار والسلوك.

إدارة الوقت والانضباط

رمضان يعيد تشكيل علاقتنا بالوقت؛ من خلال الالتزام بمواقيت دقيقة للسحور والإفطار والعبادة. وهو فرصة لإعادة ترتيب الأولويات، وتقليل الهدر، واستثمار الساعات فيما يعود بالنفع الروحي والدنيوي والآخروي. فالصائم الحقيقي لا يعيش الفوضى، بل يتعلم التوازن بين العبادة والعمل والأسرة والراحة. وهنا يتحقق التكامل بين “الساعة” (تنظيم الوقت) و”البوصلة” (القيم والاتجاه).

البعد الاجتماعي: روح العطاء والوحدة

إن رمضان موسم الكرم والتكافل الاجتماعي والتواصل. قال ﷺ: " من فطر صائماً فله مثل أجره" (الترمذي). ويتحول الصيام من عبادة فردية إلى حالة تضامن جماعي؛ حيث يشعر الغني بحاجة الفقير، ويتجدد التواصل بين الأرحام والأقارب والأحباب، وتتقوى روابط المجتمع. وتتماسك لحمته وأواصره، إنه شهر تتوحد فيه الأمة في شعيرة واحدة، رغم اختلاف الأعراق والثقافات والتقاليد، في مشهد حضاري يعكس روح الأخوة الحقة والرحمة.

التربية الإيمانية للأبناء

فقد استثمر الصحابة رمضان في تربية أبنائهم على الصبر والانضباط منذ الصغر. فكانوا يعودونهم على الصيام تدريجياً، ويشغلونهم باللعب حتى يتموا يومهم. إنها تربية عملية على التحمل والمسؤولية وتنمية للصغار حتى يكونوا كباراً، وغرس مبكر لقيمة الالتزام والانضباط.

البعد الاقتصادي: ثقافة الترشيد

من المفترض أن يكون رمضان شهر اعتدال في الإنفاق، لكنه يتحول أحياناً إلى موسم إسراف وتبذير. والحكمة تقتضي إعادة توجيه الفائض نحو الصدقات وكفالة المحتاجين والفقراء والمعوزين، فالسعادة الحقيقية ليست في كثرة الاستهلاك، بل في معنى العطاء والبذل.

خلاصة: فرمضان ليس موسماً عابراً، بل دورة سنوية لإعادة تأهيل الإنسان جسدياً ونفسياً وروحياً وتنموياً واقتصادياً، فهو فرصة للتجديد الشامل، وبناء الإرادة، تنقية النفس،  تهذيب السلوك، وتعميق الصلة بالله عز وجل وإدامه التعبد له. من صام بوعي وفهم وإخلاص، خرج من رمضان أقوى جسداً، وأهدأ نفساً، وأكثر وعياً وأصفى قلباً، وأكثر إنتاجية وقدرة على مواجهة الحياة بثبات واتزان وتعقل بنفس راضية مطمئنة.

***

بقلم: د. أكرم عثمان

6-3-2026

في الذكرى السنوية لاستشهاد القائد الشيوعي سلام عادل

 وا حسرتاه

على ما اصاب (لكش)

وكنوزها

ما اشد ما يعاني الاطفال من بؤس!

أي … مدينتي…!

متى تستبدلين الوحشة بالفرح؟.

تنجي رامو/ شاعر سومري

مرة اخرى ساتحدث عن فصيل الاعلام الجديد، المكون من كوادر حزبية معروفة على الصعيد الاعلامي العراقي والعربي، عملوا ويعملون في مؤسسات اعلامية مختلفة ونشروا لهم كتبا ومقالات ومطبوعات ابداعية في صنوف الابداع العربي في اكثر من بلد عربي، وفي اكثر من اختصاص وموضوع. وفي حضورهم بشائر العودة الى الوطن، والتعرف من جديد على الاوضاع من الداخل ودون انتظار او تفرج من بعيد، رغم ان ظروف الجغرافية والصراع السياسي قد تبعد المكان حتى من موقعه الجغراسياسي، ولو كان موضع جدل.

فجاة دب نشاط وجلبة… انصار معروفون باسمائهم العلنية الصريحة التي كانوا يكتبون بها، وينشرون في الصحافة العربية واحيانا بجانب صورهم الشخصية… دخلوا باسماء حركية انصارية، اكثرها كعادة ابناء المنطقة او الفصائل الفلسطينية تبدا بكلمة ابو، وباختلاف بسيط في اسم الابن الاول او الثاني او الغائب الدائم. وتوزعت الغرف الطينية الاعداد اولا، وانتشرت السرج والفوانيس واشكاليات توفر النفط والحصص وتوزيعها وواجبات المتابعة والاطلاع والاستماع لما يحصل من جديد على الارض، في المقرات وفي الساحات الاخرى، وتبادل للزيارات بين الفصائل والمقرات الاخرى، للحزب او الاحزاب الحليفة والصديقة. وجولات اعلامية مصاحبة وافكار متعددة في اعادة بناء مؤسس لمهمات الاعلام والتعبئة في تلك الظروف والصعوبات المتوقعة او المفاجئة.

في محاضراتي عن الشهيد سلام عادل، التي جاءت متسلسلة بعد محاضرات عن الرفيق فهد وعن تاريخ الحزب لاعضاء في المكتب السياسي، تركزت على حياته النضالية والفكرية. من ولادته ودراسته الاولية وتعدد مواهبه وانتمائه الحزبي وزواجه، ومن تسلمه مواقع القيادة في الحزب والعمل السياسي، وحتى ايام استشهاده البطولي. كنت قد التقيت شقيق زوجته، الرفيق ابوليلى، نزار ناجي يوسف، وانا اتحدث معه عنه وهو باعتزاز واجلال كبيرين ينقل لي قصصا عما سمعه وقراه عنه، ولخص لي ما ورد في كراس صدر عن الحزب في الخارج بعد استشهاده ممجدا حياته، وعن مقالات هنا وهناك في الصحافة الحزبية عنه او افتتاحيات في ذكراه. وكنت اسجل كل ما احصل عليه، و بجراة الباحث، بعد ان حصلت على/ وتوثقت من كثير من المعلومات التي جمعتها عنه والتي اعرفها مسبقا من قراءات ومساهمات سابقة، ان احاضر عنه امام من عاش معه او عرفه عن كثب او عمل تحت قيادته، واتحاور معهم واناقشهم عنه. ورغم بعض ملاحظات من هنا ومن هناك ليست باتجاه ما حاضرت فيه، ورغم حساسية بعض المواقف عنده وفي ظروف حساسة الان، في زوايا الجبال، فقد انتقد نشاط وسلوك بعضهم ممن كانوا يحملون ميولا قومانية وانفصالية وهم في قمة حزب شيوعي، وما زالوا كذلك او من تاثر بهم وظل في القيادة منتخبا في المؤتمرات والكونفرنسات الحزبية بدون منازع. المهم هنا وانا اتحدث عن بطل من هذا الزمان العراقي، عن ماثرة قدمت اغلى ما لديها من اجل مبادئها وحزبها وشعبها، فبالتاكيد بكل هذه المواصفات والمواقف تبقى شخصيته منارة هادية والمهم هنا حتى من الاخرين الذين لديهم اختلافات معه ومهما اختلفوا معه او حملوا عليه من ايام ماضية ما ليس لصالحه تسابقوا في التصريح ببطولته والاستشهاد بها عبرة ومثالا.

بعد الجولة في عدد من الفصائل كنت اسجل كل الملاحظات التي اسمعها واغربلها مدققا فيما اكتبه عنه، وما يسجل صفحات من تاريخ تلك الماثرة وذلك الحزب والنضال الشيوعي العراقي. وفي كل مرة كنت اناقش الرفيق ابا ليلى واستشير الرفيق ابا ابراهيم، واعيد السؤال والاهتمام واتحاور باكثر من موضوع ودرس راهن ومستمد من الخبرات الماضية. وفي مرة دعتني الرفيقة ام ابراهيم للبقاء بعد انتهاء السجال الاعتيادي، بطريقة احسستني بان وراء الدعوة شيئا ما، حيث اكون في كثير من المرات معهم واعمل مع الرفيق في كتابة مواضيع ومناقشة قضايا حزبية وفكرية لاعداد مجلة الحزب الداخلية.. وهذه المرة كنت متعبا حقا، حيث انقضى النهار كله في اعمال متواصلة، من بينها نقل حطب وتكسيره وتوزيعه وقد شملتهما حصة منه، زادت هذه المرة عن سابقاتها، حيث قلت لهما وانا اضرب الفاس بالخشب اليابس، كل قطعة تتجه صوبكم تكون من حصتكم، وفعلا يحصل صاحب النوايا الطيبة في احيان كثيرة مربحا كبيرا، حتى من الخشب، المهم جدا في تلك الظروف والصعوبات والضرورات. وتساءلت بعد ذلك، وانا بحاجة الى راحة قليلة، وعرفت انها طبخت مساء ذلك اليوم بامية، وارادت ان اشاركهما بها، فوافقت بدون تردد او اعتذار، فقد جاءتها هدية من عائلة صديقة، والبامية في كردستان، وكذلك في خارج العراق، هدية حقيقية، وكانها بضاعة عراقية صرفة، ونادرة ولا تاكل الا من الشعب العراقي، فيحن لها او يحن لطبخات امه او زوجته او اخته او.. ويتذكر الجلسات العائلية والموائد العامرة والباميا ايضا. وتعشينا في غرفة أبي ابراهيم بامية دون نقاشات سياسية هذه المرة.

***

د. كاظم الموسوي

...............

* فصل من كتابي: بشت آشان.. فصيل الاعلام، يوميات نصير في كردستان العراق، دار خطوات للنشر، ط 1، دمشق 2007.

 

الكتابة تعبير عن فكرة تريد التفاعل مع الواقع الذي تنطلق فيه، ولكي تتحرك بكامل حريتها وطاقتها، عليها أن تتخلص من الثقل الشخصي لكاتبها.

وفي واقعنا الثقافي أن المنشور يكون محملا بشخص كاتبه، ومتماهيا مع أناه فلا يمكن الفصل بينهما.

ولهذا ما أن تتعرض للفكرة المطروحة حتى تجدك أمام سَوْرة إنفعالية سلبية ذات درجات متباينة من العدوانية.

فالذي ينشر يتوقع مديحا وأكاذيبَ ومجاملات، ولا تعنيه فكرة المقال بل شخصه العالي المتعال.

وهذا ينطبق على الجنسين وبدرجات متنوعة بعواطفها وإنفعالاتها وردود أفعالها، التي ترى ما تتصوره لا ما تقرأه أو تتفحصه.

فإذا تفاعلت مع أي منشور تجد صاحبه قد إستجاب لكلمة ما قدحت فيه ثورته الإنفعالية أو ثؤرته.

فكيف تجرؤ أن تتحرش بما هو مكتوب، وصاحبه يرى أنه سيد العارفين ومن العلماء الحاذقين، الذين علينا أن نحيط ما يكتبونه بهالة التقديس الوهمي الفتاك؟

هذه السلوكيات تدفع إلى عدم بذل الجهد للنظر بالمنشور، ولذلك تكون نسبة القراءة متدنية، ويتحقق الفشل في صناعة التيار الثقافي القادر على التقدم والتغيير.

فالحالة السلوكية اليائسة مهيمنة على الواقع الثقافي، خصوصا في زمن النشر السريع والغير مقيد بشروط، ولا خاضع لمعايير التحرير وحسن الإخراج والتنوير.

ومن هنا فمَن ينشر مقالا أو نصا يحسب نفسه كاتبا أو شاعرا أو أديبا وغير ذلك، بل أن إطلاق المسميات البراقة والألقاب على الآخرين صارت من أساليب إستعباد الأدمغة وزيادة أعداد القطيع.

وفي هذا الخضم الخالي من القدوة الثقافية الحَسنة، والنفوس الإنسانية السامية، تجدنا نتحرك في قيعان المستنقعات المتعفنة التي تمحقنا وبلا إستثناء.

فهل لنا أن نتعلم كيف نطرح الأفكار ونفاعلها، ولا ننتمي إلى ما نكتب وكأنه يمثلنا ويجسد ذاتنا، فالفكرة طاقة حيوية تريد التواصل والتطور والنماء.

إنها مثل الوليد الذي يترعرع في أحضان أمه، ليخرج منطلقا وفقا لإرادته وما فيه من القدرات والطاقات، ولا يمكن للوليد أن يتماهى مع أمه وأبيه إلا في حالات نادرة وشاذة، وبهذا تتواصل الحياة بتنوعاتها ومعطياتها المتلاقحة!!

كتاباتٌ بها الأفهامُ حارتْ

تُداهِمُنا بأفكارٍ تداحَتْ

كأنّ يَراعها يُسقى بجَهلٍ

وأنَّ حُروفَها مِنْ بيتِ سادَتْ

وضوحٌ في عِباراتٍ سقامٌ

بإبْهامٍ وغامِضَةٍ تَبارتْ

***

د. صادق السامرائي

حين يحكم العالمَ الحمقى، تصبح الكلماتُ جريمة، ويُصبح الصمتُ فضيلةً ترتعد من الخوف. حين يحكم العالمَ الحمقى، ينام الأطفالُ على بطونهم الفارغة ويستيقظون على أناشيد الحرب. يُدرَّسون الجغرافيا بخرائط لا تعترف باللاجئين، ويُطلَب منهم أن يرسموا الوطن. بالألوان التي لم يرَها أحد.

حين يحكم العالم الحمقى، يُصبح الحاكمُ بطلاً إن صرخ، ويُصبح الشاعرُ خائنًا إن بكى. تُصبح العدالة إعلانًا تجاريًا، وتُوزَّع الحقيقة مثل الرصاص:

عشوائيّة، غير دقيقة، وتقتل الأبرياء أكثر مما تصيب الهدف.

حين يحكم العالمَ الحمقى، تتحوّل السماء إلى شاشة، تُبثّ منها أكاذيب الأنبياء الجدد، وتمطر القنابل بدل المطر. يسمّون المجازر "حملات"، واللاجئين "أرقامًا"، والكوارث "تكاليف جانبية"، ثم ينحنون بخشوعٍ أمام مؤشرات البورصة.

حين يحكم العالمَ الحمقى، تُقطع الأشجار باسم التنمية، ويُسمّم الهواء باسم التقدّم، ويُصلب الحبّ على أبواب المدن لأنّه "ضعفٌ" في زمنِ الآلات الحديدية.

أيّها العالم، هل تسمع نفسك؟ هل ترى وجهك في المرآة. أم في شاشة؟ هل تعرف كم طفلًا فقدَ أمه هذا الصباح لأنّ أحد الحمقى ضغط على زرّ… وهو يحتسي قهوته؟

نحن لسنا أعداء، نحن أبناء العدم ذاته، نحن نسير حفاة على جلد الأرض، نحمل رغيفًا، وحلمًا، واسماً مهددًا بالمحو. نحن، الذين لا نملك طائرات، ولا قنابل، ولا حدودًا نرسمها بالدم، نقول لكم:

ارحلوا. ارحلوا عن كراسيّكم، عن خطاباتكم، عن صدورنا. لقد سئمتنا الحروب، وسئمنا ارتداء أقنعة الموت كلّما أردنا أن نحبّ.

حين يحكم العالم الحمقى، تولد القصيدة سيفًا من نور، لا يُسفك به دم، بل تُشقُّ به الظلمات. ونحن ـ الذين نكتب الآن من قلب الدخان ـ ما زلنا نؤمن أن الإنسانية لن تركع طويلًا. وأن الزمن، مهما تأخر، سيعود إلى أصحابه.

***

بقلم: كريم عبد الله

بغداد - العراق

 

في مجتمعاتنا، كثيراً ما نسمع قصص شابات وشباب لم يُكتب لهم النصيب، فانفصلا الطريقان رغم المحبة والتفاهم. والأكثر إيلاماً أن تتكرر القصة مع رجال ونساء مرّوا بتجربة زواج سابقة، ثم يجدون من يشاركهم القسمة والتقارب والانسجام، لكن تقف أمامهم ظروف اجتماعية أو عائلية تحول دون إتمام الزواج.

هذه الظاهرة لم تعد حالات فردية، بل أصبحت قضية تستحق نقاشاً موضوعياً ومسؤولاً، بعيداً عن الأحكام المسبقة أو النظرة الضيقة. فالرجل أو المرأة المنفصلان ليسا أقل استحقاقاً للسعادة، بل ربما يكونان أكثر نضجاً ووعياً لمعنى الشراكة ومسؤولياتها.

أبرز التحديات التي تعترض طريق هذه الزيجات تتمثل في:

رفض بعض أفراد الأسرة بدافع الخوف أو العادات المتوارثة.

تحفظ الأبناء خشية تغيير نمط حياتهم أو شعورهم بالغيرة.

نظرة المجتمع التي قد تضع قيوداً غير مبررة على الزواج الثاني.

القلق من التجربة السابقة وما خلفته من آثار نفسية.

غير أن هذه العقبات، مهما بدت كبيرة، يمكن تجاوزها بالحوار الصادق، والتفاهم، وتغليب مصلحة الاستقرار النفسي والعاطفي على الاعتبارات الشكلية.

تشجيع الزواج بين المطلقين أو الأرامل، حين يتوافر التفاهم والاحترام، ليس ترفاً اجتماعياً، بل هو:

حماية من الوحدة والعزلة التي قد تؤثر سلباً على الصحة النفسية.

تعزيز لقيمة الأسرة بوصفها مؤسسة قائمة على المودة والرحمة.

توفير بيئة مستقرة للأبناء حين يُدار الأمر بحكمة وشفافية.

رسالة إنسانية بأن لكل إنسان فرصة جديدة في الحياة.

إن الزواج ليس حكراً على عمر أو تجربة معينة، بل هو شراكة تقوم على التوافق والاحترام المتبادل. وعندما تتوافر هذه الأسس، يصبح من الظلم أن تُجهض العلاقة بسبب ضغوط خارجية

المطلوب اليوم خطاب اجتماعي أكثر انفتاحاً، يُعيد النظر في بعض المفاهيم التقليدية لكونها مطلقةً او مطلق ، ويضع مصلحة الأفراد واستقرارهم في المقدمة. كما أن دور الأهل ينبغي أن يكون داعماً ومرشداً، لا عائقاً أو رافضاً دون مبرر منطقي.

أما الأبناء، فالحوار معهم بصدق وطمأنتهم بأن مكانتهم محفوظة، كفيل بتخفيف كثير من المخاوف. التجارب أثبتت أن الاحترام والوضوح منذ البداية يختصران طريقاً طويلاً من التوتر.

الحياة لا تتوقف عند تجربة فاشلة، ولا ينبغي أن يُحكم على إنسان بالبقاء أسيراً للماضي. لكل رجل وامرأة الحق في أن يمنحا نفسيهما فرصة جديدة، ما دام الاختيار قائماً على القناعة والاحترام.

تشجيع هذه الزيجات هو تشجيع للحياة ذاتها… للحب الناضج، وللاستقرار، وللشجاعة في مواجهة التقاليد حين تعيق السعادة. فالمجتمع الذي يفتح أبوابه للأمل، هو مجتمع أكثر تماسكاً وإنسانية

***

خليل الحلي - رئيس تحرير صحيفة العهد

لست بصدد مناقشة نظرية الثقوب السوداء أو نظرية الكم أو لإثبات أن الشيء يمكن أن يكون موجودا في مكانين في وقت واحد عندما يغيب الزمن ويفقد المكان قيمة ارتباطه به ويتحول كل ما في الكون إلى وجود طاقوي فحسب.

والبشر رغم مادية الوجود ومعالم المكان، فانه طاقة ووجود متحرك في فضاءات يحيطها الغلاف الجوي الأرضي ويضغطها بقوة، قد تستخرج غضبها وإنفعالاتها وتحولها إلى ثقوب سوداء لا تعرف الضوء من شدة الضغط، الذي يتسبب بإرتفاع درجة الحرارة وإقتراب المفردات المضغوطة من بعضها، مما يدفع إلى إحتكاكها وزيادة الحرارة المنبعثة منها، والتي تزيد في الأجواء الإختناقية داخل الصندوق الأرضي المضغوط وفوق سطح الأرض، التي تغلي في أعماقها وتتلاطم أمواج بحارها ومحيطاتها وتهيج، فتصنع سونامي وبراكين متكررة وزلازل لا ترحم البشر بل تبتلعه وكأن الأرض تجوع فتلتهمه.

الأرض تدور وهي ليست ثابتة، بل تغلي كالقدر الذي يفور وتئز من شدة الحرارة التي يسببها الضغط الجوي وحرارة الشمس التي تبعث الحياة والموت معا.

والأرض تحاول أن تحني ظهرها من كل الآتيات من فضاءات الأكوان، لكنها قد تُصاب بالتعب والحزن والكآبة والقلق وقد تقرر الإنتحار ذات يوم.

وإنتحار الأرض بسيط إذ تحتاج للتوقف عن الدوران بضعة ساعات فقط، هذه الساعات كافية لمحو الحياة من على ظهرها لأن نصفها سيتحول إلى جحيم ونصفها سيكون في زمهرير الفناء الأكيد، فتتحول إلى وجود صامت حالها حال الأجرام الأخرى في المجموعة الشمسية التي تنتمي إليها.

وبما أننا نعيش عليها فان أخلاقنا من أخلاقها وسلوكنا من سلوكها، والكثير منا يعاني من أوجاع الضغط الجوي ويصاب بالغثيان من شدة دورانها وعدم مثولها إلى الراحة.

فالأرض تدور من أجلنا لكنها تصاب بالكثير من أضرار الدوران.

القِدر الأرضي يغلي ونحن في مائه نفور ونتحول من حالة إلى أخرى، نبدأ من التراب ونعود إلى التراب، وما بين التراب والتراب حالة فعالة ومعبرة عن صوتها وإرادتها في تحقيق الكثير من رغباتها وسعيها للبقاء والخلود في جسد الكون المتنامي.

ومن على سطحها امتلكنا القدرة على أن نبصر مجموعات شمسية في أعماق الكون وأدركنا الثقوب السوداء، والتي هي عبارة عن نقاط إرتباط بين الأكوان يُلغى فيها دور الزمن، ويتحقق الوجود الشامل في أكثر من مكان في جسد الكون المتمدد إلى حيث يشاء الله.

وبرغم هذه الثقوب الكونية السوداء التي أعيت الناظرين إليها وأصابتهم بإضطرابات فكرية وعقائدية وفلسفية، تجدنا لا نعي الثقوب السوداء البشرية وما يعتمل في النفوس من إنحدارات وإبتلاعات هائلة، كأنها  سَوْرة مياه تبتلع مَن يدخلها وتدفنه في قاعها، الذي يتحول إلى بقعة تشفط من يدخل مجالها الشفاط المرعب.

وهكذا نحن البشر نتحول إلى حالات ظلماء وكأننا ثقوب سوداء في الأرض المبتلاة بحملنا على ظهرها والدوران بنا حول الشمس، فتقلبنا تقليبا  لكي تحافظ على أسباب وجودنا وبقائنا المتنامي.

إنها تريدنا وأظنها تتغذى علينا وتستمد طاقات الدوران من الأجساد التي تحملها، وما أكبر شراهتها وجوعها وإدمانها على أكلنا. وأحيانا تصاب بنوبات نهم شديدة فتدفع بنا إلى حروب طاحنة، لكي تأكل أجسادا طرية وتشرب دماء حارة. وأحيانا تجلب علينا الأوبئة لتحصدنا بالملايين.

الأرض لا تشبع منا فطعم أجسادنا لذيذ والأرض شرهة وبحاجة إلى طاقة لكي تدور، وهي تريدنا لأننا طعامها وسبب كل شيء فيها.

إن الأرض تموت بدوننا ونحن نموت بدونها. فعلاقتنا بها علاقة تكافلية.

وبعد هذه المقدمة الثقيلة دعونا نعود إلى ثقوب البشر السوداء، وكيف نخرج منها ونرى الحياة، ولا نريد أن نكون في مكانين في آن واحد.

نريد أن نكون مع أنفسنا وواقعنا ولا نعيش في غربة وتشرد وتشظي وإنشقاق ونحسب أننا فينا وفي غيرنا.

إن نظرية الكم النفسية والفكرية تسحقنا وتقضي علينا لأنها تحولنا إلى موجودات ذات تأثير في المكان والزمان، بل تلغي وجودنا الزماني وتحقق لنا وجودا مكانيا واسعا، وتخرجنا من حدود الذات إلى هلامية الملامح وميوعة الوجود في المكان المحدود والزمن المفقود.

النفوس البشرية السيئة العمياء هي ثقوبنا السوداء، التي تلتهم مقومات الخير والمحبة والألفة والتفاعل الإيجابي ما بين المخلوقات الآدمية.

هذه النفوس التي تختزن طاقات مروعة من الرغبات المفلوتة التي لا تعرف الإنضباط والإحترام والتواصل الرحيم مع الآخرين، وإنما هي ذات درجة عالية من العدوانية والتوحش والإفتراس، الذي يفضي إلى تفاعلات آدمية دامية ومروعة.

"أنت جرم صغير إنطوى فيك الجرم الأكبر" هكذا هو حالنا ومساحة رؤانا وتواصلاتنا اللامرئية، التي تجلب علينا الويلات وتؤسس للمعاناة القائمة على سطح الأرض منذ آلاف السنين.

هذا الجرم البشري الصغير الذي يدور في فلك النفوس المتنوعة، والتي تتحكم بحركته وإتجاهات إراداته وتطلعاته الأرضية، وتمنحه القدرة على الإنقضاض أو التداعي والإنتحار مثلما تنتحر الأجرام السماوية، وتتحول إلى هباء كوني لا نراه بعيوننا القاصرة، ولا نحن بقادرين على سماع صراخ النجوم الأجرام، التي تئن من عذابات العصر والضغط والتمدد والإنفجار، ولا نحن بحواسنا المحدودة بقادرين على فهم ما يدور حولنا من الأحداث، التي تؤثر فينا وتعيد تخليق نفوسنا وبرمجة عقولنا لكي تحقق ما تريده من خلالنا.

فنحن ندري ولا ندري ونرى ولا نرى ونسمع ولا نسمع، لأننا مكبلين بالمحدودية الخلقية التي أرادت لنا أن نعيش في هذا الفضاء ونراها وفقا لحواسنا لا كما هو، وأن نفسر ما يدور من حولنا وفقا لمحدودية قدراتنا وليس وفقا لما هو حاصل حقا، فنتوهم المعرفة ونحن في غاية الجهل واللامعرفة واللادراية والوعي.

نحن نتفاعل وكأننا ندري وفي حقيقة أمرنا لا ندري، وبرغم كل هذا الجهل العاصف فينا والأدلة الكونية والرسالات السماوية، التي تريد أن تساعدنا على فهم أنفسنا ودورنا فوق الأرض، فأننا نتعنت ونكابر ونرفض، ونحسب أننا ندري ونزداد جهلا ومكابرة وطغيانا على بعضنا البعض، ونمضي في دروب الظلام ونقرر وفقا لرؤانا مما يزيد العالم سوءا وألما، ونرى ما نفعله خيرا ومفيدا لنا ولغيرنا من الأحياء الراكضة إلى مصيرها بسرعة فائقة لكننا نراها تمشي ببطء شديد. وهكذا ترى كلا منا عبارة عن ثقب أسود متحرك في دروب المجهول، ولا هم له إلا أن يشفط ما يحلو له من المخاطر الذاتية والجمعية، ويكتنز بكل الوسائل حتى لتراه ينفجر فجأة ويقضي على ما فيه ويندس لقمة طرية في فم الأرض، الذي لا يتعب من هضم الأجساد الحية بعد أن تغادر معاقل القدرة على الحياة، وتمنح طاقتها للأرض لكي تدور وتتمتع بالحياة الكونية التي وجدت نفسها فيها، ورأت أن عليها أن تدور وتبقى في حالة غثيان دائم، لكي لا تفكر وتتحسس بل تبقى مشغولة بنفسها وبطعامها الذي يسعدها كثيرا ويمنحها مبررات الحياة الكونية السعيدة، وإلا فأنها ذات يوم ستتعب وتقرر أن تقضي نحبها وتكون هباءً كونيا يبحث عن ثقب أسود يشفطه، وينقله إلى عالم آخر قد يبدأ مشواره فيه من جديد.

إن معادلة الصيرورة الآدمية الأرضية فيها من الجهل واللاأدري الكثير، وأن دوران الأرض الدائب فينا هو الذي يمنعنا من الرؤية، ويوفر لنا ما يتجمع من طاقة الدوران من الأفكار التي ربما قد تنفعنا وقد تضرنا، وذلك يعتمد على نوع الشوائب الفكرية التي تأتي إلى الأرض، وهي في دورانها وقدرتها على تكثيفها وتحويلها إلى طاقات قادرة على الإستحواذ على العقول الآدمية، وإستخدامها لتحقيق دورها فوق الثرى.

ويبدو وجود الكثير من التسريبات الفكرية التي تهرب من أجرامها وتدفعها الثقوب السوداء بسرعة فائقة، وتعجيل مطلق يخترق غلاف الأرض ويأتي إليها ليتوطن الرؤوس ويفعل فعله بالأحياء المسجونة على سطحها، والتي تزيدها لتنقصها وتتطعم بمذاق أجسادها الدامية أو المشوية بنيران الحروب والصراعات المتواصلة.

وربما جهد البشر السلبي الذي أدى إلى خلخلة الغلاف الجوي قد دفع بالكثير من الإختراقات والجرثومية الكونية التي ستصيب البشرية بالآفات النفسية والفكرية وبالعديد من الأمراض العقلية والروحية والعضوية ويحولها إلى مستنقع من المخلوقات المترنحة من شدة الداء الذي لا تستطيع أن تجد له دواءً ناجعا.

***

د. صادق السامرائي

 

في مدينة تُباع فيها الأفكار بالكيلو، وتُعلَّق على واجهات المواقع كما تُعلَّق الأعلام الصغيرة على أعمدة الريح في يوم احتفال وهمي، هناك سوق خفي لا تُضاء مصابيحه إلا بعد منتصف القراءة، سوق يبيع ظلال النصوص النقدية بعد أن تُسحب أرواحها وتُعاد تغليفها بورق لامع كأنّه اكتشاف جغرافي جديد، لا تتفاجأ بمُتطفل، تأريخه مُرتبك مُتقلّب، مثل سيرته، أن يلعب في سيرك مدينة النقد بقراءتك لرواية أو نص شعري، وغيرها. سوق تشمّ فيه رائحة الحبر القديم والضجر العالق بين الصفحات. في هذا السوق يتجوّل لصوصُ المدينة بأحذية مصقولة من حبر مستعار، يحملون مقصات صغيرة لقص الأسماء من الجمل، يقطفون زهرة من حديقة غيرهم ثم يضعونها في مزهريتهم ويعلنون بفخر: انظروا… لقد أنبتت الربيع.

أحدهم كان بارعًا في زراعة القشور، يدفن العظم التأويلي في حديقة غيره، يبدّل لون الأوراق ويعلن موسمًا جديدًا للدهشة، يعرف كيف يُبدّل ترتيب الغرف ويبقي الجدران كما هي، كيف يحرّك النوافذ قليلًا ويترك المشهد نفسه خلف الزجاج. كانوا يسمون ذلك تناصًّا، وكأن الكلمة معطف طويل يخفي آثار الأقدام فوق التراب الطري، لكن التناص الحقيقي، لو سألت الغابة، هو أن تذكر اسم البذرة وأن تشكر المطر الأوّل، وأن تعترف بأنك لم تكن أول من سمع همس الشجرة. أما أن تقتلع جذعًا كاملًا وتغرسه في حديقتك وتقول: اكتشفت الغابة، فهذه ليست قراءة، بل عملية نقل أثاثي تحت جنح البلاغة.

في المدينة مختبرات سرية لتغيير ملامح الجمل، يحقنون الأفكار بحقنة مرادف، ويستبدلون فعلًا بفعل كما تُستبدل لوحات السيارات الهاربة، ثم يطلقون النص في الشارع واثقين أن القارئ لن يتعرّف إلى بصمته الأولى. لكن النصوص، مثل القطط، تعرف بيوتها القديمة وتعود ليلًا إلى عتباتها، تموء تحت نافذة الكاتب الأوّل وتخدش باب الضمير، لتقول له: لقد مرّوا بي مرّة أخرى، مشّطوا شعري، غيّروا عطري، لكنهم لم يبدّلوا قلبي.

يا لصوص مدينة النقد، أي مجد هذا الذي يُبنى من صدى؟ وأي بطولة تُعلَّق على جدار لم تُرفع طابوقة واحدة من أساسه بيدكم؟ إن النقد ليس مرآة تُسرق صورتها، ولا قناعًا يُستعار لليلة احتفال، بل هو مواجهة عارية بين قارئ ونص، بين سؤال وجُرح، بين ضوء يغامر بأن يكون مختلفًا ولو خالف القافلة.

سيأتي يوم تتعب فيه الأقنعة من وجوهها، وتسقط القشور عن خشبها الرخيص، ويعرف القارئ، ولو متأخرًا، أن العمود الفقري لا يتكرر صدفة، وأن الغابة التي ادّعوا اكتشافها كانت مزروعة باسم آخر في دفاتر الأمس. وحينها لن يبقى في المدينة إلا النصوص التي اعترفت بأمهاتها، والقراء الذين شمّوا رائحة التربة الأولى، والنقاد الذين فهموا أن الفرق بين التناص والاستنساخ ليس مجرد مصطلح في كتاب، بل فرق بين يد تستعير بذرة وتذكر صاحبها، ويد تقتلع شجرة كاملة وتقسم أمام الجمهور أنَّها أول من رأى الغابة.

***

بولص آدم

يعيش المسلمون أجواء شهر رمضان المبارك المفعمة بالطمأنينة والسكينة، حيث تتجدد معاني الحياة والإنسانية والعطاء، ويستحضر جميع المسلمين مقاصد الصيام السامية التي لا تقتصر على الامتناع عن الطعام والشراب، بل تمتد إلى تهذيب النفس وتزكيتها، وتعزيز قيم الصبر والتراحم والانضباط، ومع ذلك، فإن أحد أهم الجوانب التي يجب التركيز عليها خلال هذا الشهر الفضيل هو الاعتدال في الأكل والمشرب. حيث إن الاعتدال في المأكل والمشرب، لا يحمي الفرد من الإسراف فحسب، بل يسهم في تعزيز الصحة العامة، ويقي الصائم -بإذن الله- من الإصابة بأمراض العصر المزمنة المرتبطة بالإفراط في الطعام والشراب، مثل ارتفاع نسبة الكوليسترول الضار في الدم، ومرض السكري، وأمراض السمنة وغيرها من المشاكل الصحية. كما أن الاعتدال في المأكل والمشرب، يَحد من مشاكل الهضم والكسل الناتج عن الإفراط في الطعام، ويحفظ الموارد الغذائية، ويحد من هدرها الذي يشكل عبئًا اقتصاديًا وبيئيًا عظيمًا على الاقتصاد العام وعلى ميزانيات العوائل والأسر،، وباتباع مبادئ الاعتدال والاعتراف بقيمة النعمة التي أنعم الله بها علينا، يُمكن للمسلم أن يحقق الاستفادة الكاملة من الصيام كعبادة تغذي الروح والجسد معًا، وتُترجم قيم الصيام إلى سلوكيات عملية تعود بالنفع على الفرد والمجتمع على حد سواء

إن الشهر الفضيل ليس مجرد فترة زمنية نمتنع فيها عن الطعام لساعات محددة، بل هو مدرسة إيمانية متكاملة تُعلّم الإنسان كيف يضبط سلوكياته، ويوازن بين إنفاقه واحتياجاته من المأكل والمشرب، بما يحقق المحافظة على النعمة ويصونها من الهدر، لكيلا ينتهي بها المطاف في صناديق النفايات، إكرام النعمة وحسن تدبيرها ليس سلوكًا حضاريًا فحسب، بل هو واجب ديني وأخلاقي يحفظها من الزوال ويجعل شكرها عمليًا قبل أن يكون قولًا.

لقد أراد الإسلام من الصيام أن يكون تدريبًا عمليًا على الاقتصاد في الاستهلاك، واستشعار قيمة النعمة، وتعزيز الشعور بمعاناة المحتاجين، ولذلك جاء التوجيه القرآني والرباني الواضحين: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا"، ليؤسس لمنهج متكامل في التعامل مع الطعام والشراب، يقوم على التوازن والوعي والمسؤولية،، فالاعتدال في المأكل والمشرب في شهر رمضان ليس خيارًا صحيًا فحسب، بل هو متطلب والتزام ديني، للمحافظة على الصحة العامة، وتجنب الهدر الغذائي

الوعي المجتمعي ضروري لتفهم الامن الغذائي، واهمية التوازن في شراء المواد الغذائية، مع التأكيد بأن الجميع مسؤول عن ظاهرة الهدر الغذائي وآثارها السلبية على الصحة والبيئة والاقتصاد، الاسرة يجب ان تفهم وتشجع الافراد على مشاركة تجاربهم وممارساتهم اليومية في حفظ النعمة وتجنب إهدارها، بما يسهم في ترسيخ ثقافة مجتمعية قائمة على المسؤولية والاعتدال

***

نهاد الحديثي

فضفضة.. أزاحت الستار عن ألم خفي

حدثتني صديقة لي عن أزمة تمر بها منذ فترة طويلة، والمؤسف أن أزمتها الحقيقية تكمن في إحساسها بعدم الأمان في بيتها!

وفي "قعدة فضفضة" حررت ما في قلبها وكسرت حواجز الصمت أخيرًا، ولكن بألم عميق تعجز كل لغات العالم عن وصفه!

"أخاف من التعبير عن أحلامي أمام والدي!"

لم تكن المرة الأولى التي أسمع فيها كلمات من هذا القبيل، فأنا كثيرًا ما قرأتها على صفحات التواصل الاجتماعي بصوت يستغيث من خلف الشاشة، ولكن فيما يبدو الآن أن الأزمة مشتركة..

الخوف والكبت والاحتياج الآدمي لأسرة متفهمة تعرف حقوقها وواجباتها فحسب.

لقد ضاعت الكثير من الأحلام في لحظة الخوف من المواجهة، وكم من أهداف قيدتها كلمة "لا" بدون أسباب منطقية!

"مش موافق".. قنبلة موقوتة أمام استقرار العلاقة الأسرية.

إن القسوة في التعامل مع الأبناء قد تدفعهم إلى سلوك لا يتسم بالانضباط، حيث تلجأ الغالبية العظمى في هذه الحالة إلى العزلة التامة، فيتخذ الطفل غرفته "حبس انفرادي" له ولأحلامه المستقبلية، وذلك ليتجنب الصدام في أي نقاش خارج حدود غرفته، وهو بدوره يصنع فجوة عظيمة لا يُصلحها الزمن!

 مما يعني أن كلمة "لا" هي الخطوة الأولى لبناء جدار يُعيق التواصل ويهدم الثقة المتبادلة في غمضة عين، والأخطر أنه يُهدد مستوى الثقة بالنفس لدى الأبناء، وبالطبع ينتج عن ذلك سلوكيات مُشوهة تؤثر على المجتمع بأكمله ولا تقف عند المستوى الشخصي فحسب.

"محفظة مليانة.. وقلب فاضي!"

كما وتعتقد بعض الأسر أن معنى الدعم يقتصر على "الماديات" فقط، المعنى الذي يضمن حماية الأبناء من ضربات الدنيا التي لا ترحم إلا أصحاب المال، ولكن للدعم قيمة أشمل وأعمق من مجرد ورقات تبتلعها ماكينات الصراف الآلي، حيث أن "الدعم المعنوي" يمنح الأبناء بطاقة عبور للحياة مهما اشتدت الأزمات من حولهم، وهو ما لا يمكن الحصول عليه إلا من خلال البيت أولًا.. فإن المال لا يشتري توازن الإنسان.. بكل بساطة!

"لوي الدراع".. الحل الأخير أمام تسلط أهل البيت!

"أنا همشي بعيد عنهم.."

وهُنا تقع الفأس في الرأس!

فبعد محاولات مريرة لفتح صفحة جديدة عنوانها "الصلح خير"، تفشل الجهود وتسلك العلاقة طرق شائكة يراها الكثيرون الخلاص الوحيد في علاقة رفضت الاستجابة لكل وسائل الإنعاش، لتكون بذلك الحرية المطلقة من تحكمات وسيطرة الأهل، ويصبح الهروب هو أنسب مشهد لتتر النهاية!

والسؤال الذي يطرح نفسه: ماذا لو وقع الهارب في قبضة أصدقاء السوء، أو انتهى به المطاف بالتسول والسرقة والنوم في الشوارع؟!

ربما تتضح الصورة أكثر بعد الإجابة.

صفر على الشمال..

“شوفت يا بابا أنا عملت ده كله لوحدي”-

عادي يعني، عملتي إيه جديد؟!"”=

وكذلك، فإن التصدي لأي فعل يقوم به الأبناء بلا مبالة وإهمال واضح، هي شعلة تنطلق منها حرائق الكراهية بداخل الطفل تجاه والديه.

إن عدم التقدير "شوكه" تقف في حلق أي إنسان سوي، أليس كذلك؟

الاحتقار والتجاهل و و ... ، كلها مشاعر مُهلكة لن يشعر بمدى قسوتها إلا من مر بها، وهو ما يغرس بداخل الأبناء الغلظة والجحود فيما بعد، فتجد أن بذرة الإهمال التي غرستها بقلوبهم اليوم، تنمو وتنعكس عليهم بمرور الأيام، حتى يتجنبهم البشر لكلماتهم التي تفتقر إلى المرونة واللطف وجبر الخواطر.

وإننا لو نظرنا إلى بداية المشكلة، سنجد أن أول الخيط هو أسلوبنا الفظ معهم، وهو ما يظهر وقعه عليهم بعد وقت، ويُشكل حينها التحدي الأهم: بناء شخصية خالية من عُقدة النقص.

"اوعى تغلط.. فاهم؟"

قد تدفع الصورة المثالية للتربية بنظر الآباء والأمهات إلى الضغط الزائد على أطفالهم بمسؤوليات هائلة قد تكون أكبر من مستوى استيعابهم وقدراتهم وقتها، وهو ما يجعل الأبناء في صراع دائم بين طفولتهم وما يتوجب عليهم فعله، فلا مجال للخطأ من الأساس!

بحسب معتقدات البعض، فإن "رمي الحِمل" على الأبناء في سن صغير هو ما يضمن لهم القوة والصلابة وتحمل صعوبات الحياة في سن المراهقة، وهو ما ينزعج منه الكثير من الأبناء ويجدونه كثقل الجبال، ولكن لا خيار لهم في ذلك، فإما القبول الإجباري واستنزاف الطاقة، أو إعلان العصيان الذي يلحقه "بهدلة" واتهامات باطلة بـ "الدلع الماسخ"!

وبناءً عليه، ينظر الطفل إلى أهله نظرة غضب وتمرد، و لنفسه نظرة هزيمة أمام إرادته الحرة.

سمعت إحداهن تقول: "لا أصدقاء لي، عشت عمري أبحث عن صديقة مخلصة فلم أجد، حتى فقدت الأمل في العثور على عقل يحتضن كلماتي دون ملل، وأما عن أسرتي، فلم تمنحني الصداقة التي كنت أنتظرها، كل ما وجدته هو صوت يصرخ في وجهي كلما نطقت بحرف واحد، واليوم اخترت الصمت!"

الأب، هو الصديق والحبيب الأول في حياة ابنته، وهو الملاذ  الآمن لمشاعرها وأفكارها في أهم مراحل حياتها، التي قد تكون غير مستقرة مثلها كمثل أي فتاة تمر بفترات متقلبة في تكوين عاطفتها والوعي بنقاط قوتها وضعفها.

فماذا لو لم يلعب الأب دوره على أكمل وجه في هذا الوقت المصيري؟

هي مأساة أخرى نطقت بها فتيات وقعن ضحية جفاف عاطفة الأب!

الأمر الذي يسحبها وراء تنازلات وعواقب جسيمة، نتيجة عاطفة لم تُشبع بشكلها الصحيح، بل وقد يدفعها لقبول طلب الزواج برجل في مقام جدها، وذلك لأنها وجدت به حضن الأب الذي فقدته طويلًا، والأصل في هذه الجريمة هو الأب الذي لم يفتح قلبه لصغيرته في أيام نضجها واحتياجها الطبيعي لإحساس الونس.

فما الحل؟

كل ما ذكرته هو نقطة في بحر الظلمات!

نحن نقف دائمًا في المنتصف، بين تحقيق الرغبة، أو السيطرة كي لا يفلت الحبل، ولكن القضية ليست في من ينتصر ومن يخسر الجولة، فإن التربية ليست ساحة قتال، وإنما هي علاقة صحية بين أطراف المعادلة، علاقة تخلو من القسوة والتوبيخ والرفض المطلق والتخاذل والإحساس بالغربة في بيت العيلة، علاقة واعية فحسب، تعبر الزمن من إنسان لآخر، وحينها تنجح عملية تكوين جيل لا يُعرقله ألم نفسي أو نزف جرح قديم!

الحرمان ليس علاجًا..

العنف صفعة على وجه الطفولة..

وغياب لغة الحوار تحكم على الأبناء بسجن الصمت المؤبد..

كل هذا وأكثر من منغصات العيش بمثابة خنجر مسموم يطعن أصول التربية في مقتل!

وهُنا الخلاصة: البيت هو البوصلة، فقد ينطلق منه الصلاح للأمة بأكملها، أو يوجه الإنسانية لطريق مسدود.

***

بقلم: نورا حنفي

ورد ما يشير إلى العلم في القرآن (779) مرة!!. ومن الآيات:

"هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون..."، "وقل ربي زدني علما" . "وما أؤتيتم من العلم إلا قليلا"

ومن الحديث:

"أطلب العلم ولو في الصين"، "أطلبوا العلم من المهد إلى اللحد"، "طلب العلم فريضة على كل مسلم"

"إن العلماء ورثة الأنبياء".

ومن الأقوال:

"....إن الجمال جمال العلم والأدب"، "...إن اليتيم يتيم العلم والأدب"، " العلم يرفع بيتا لا عماد له...."

" العلم في الصغر كالنقش في الحجر"، "رأس مالك علمك وعدوك جهلك".

تراثنا الحضاري يكنز الكثير الوفير من العبارات الحاثة على طلب العلم، وقدحة ثورة الدين كانت كلمة "إقرأ" التي بموجبها تفكر وتعقل وتدبّر وتأمل المسلمون، وأطلقوا طاقاتهم الروحية والنفسية والعقلية، وصنعوا وجودهم المتوهج الفياض.

فلماذا أهملنا ما عندنا، وهرولنا كالمتسولين وراء ما عند الآخرين؟

الماضي يدلنا على مميزات حاضرنا ومستقبلنا إذا هضمناه وتمثلناه، وما غطسنا في دياجيره وأنتقينا أحداثا منزوعة عن سياقها،  وغبنا في الأوهام والسرابات والهذيانات المضللة.

أين نحن من مواكب العلم والمشاركة في بناء كينونتنا العلمية وحاضرنا الإبداعي، ومستقبلنا الواعد بالمعطيات الأصيلة؟

يُقال أن قادة الأمة إنتبهوا إلى أهمية العلم في بدايات القرن التاسع عشر، وأرسلوا البعثات إلى الدول الغربية لمعرفة أسباب التقدم فيها، فكان الجواب البحث العلمي والإهتمام بالعلم، فأُعتبر بعضهم ذلك بدعة، فصار العلم بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار، وهكذا نام العلم في دول الأمة، وتألق في اليابان التي أرسلت بعثتها في ذات الوقت، وإستمعت للأجوبة التي تماثلت مع أجوبة بعثات أمتنا، وعملت بها فأسست دورها المعاصر الفعّال.

فأين العيب؟!!

بعلمٍ لا بجهلٍ مُرتقانا

فهلْ عَرفتْ مَناهِجَها نُهانا

علومٌ في مَواطنها انْطلاقٌ

وتَجْسيدٌ لواعيةٍ تَرانا

فصُنْ عِلما وكُنْ عَلما مُضيئا

وحاولْ أنْ تُبادلهُ احْتضانا

***

د. صادق السامرائي

العقيدة: الحكم الذي لا يُقبَل الشك فيه لدى معتقده. والعقيدة أيا كان نوعها (فردية، حزبية، دينية)، لا تصلح للجلوس على كرسي السلطة في أي مجتمع، لأنها لا تعترف بالسياسة ولا تجسدها، وتتصرف وفقا لأوهامها التي تحكمها، وتنفي وجود الآخر.

العقائدي يتحرك بناءً على ثوابت راسخة في وعيه، ويرى أنه مُحق وغيره على باطل، ولديه الحقيقة المطلقة، ولا يؤمن بدوران الأرض، بمعنى التغيير والتواكب مع معطيات الزمان المتجدد، ولديه رغبة في سحق الأجيال وتدمير تطلعاتها، والتمسك بما يراه ويفرضه بالقوة، ومَن يعارضه يكون في عداد الراحلين.

لا يوجد نظام حكم عقائدي في مسيرة البشرية تحرر من قبضة أوهامه، التي أخذته إلى مصير مشؤوم بعد أن دار الزمن وتوافدت الأجيال.

العقادي يمعن بالفساد ويرى أنه نزيه، ويمارس الخيانة ويصف سلوكه بالوطني، ويسرق أموال الدولة وحقوق الناس، ويبرر ذلك على أنه من حقه، وتعبير عن إرادة الخير الكامنة فيه، وإياك أن تعترض عليه، لأنه سيراك عدوا له، ومناوئا لمصلحة البلاد والعباد وسيرميك بما يسوّغ القضاء عليك.

والأغرب من كل شيئ، أنه يرى نفسه مسنودا من قوى خارجية، وحينما يأخذه وهمه إلى أن القوة التي معه إلهية وربانية، فعندها تقع الواقعة وتتطور الفاجعة، ويتحول إلى وحش مطلوق العنان، حتى يتسلط عليه مَن يفترسه بشراسة الضواري السابغات.

إن مشكلة العديد من المجتمعات في الكراسي العقائدية القاسية على ذاتها وموضوعها، وفقا لأوهامها التي تعميها وتسلب بصيرتها، فتمعن بالظلم وتدّعي بأنه العدل، وتعتمد على الولاء وفي طياته ما لايخطر على بالها من المفاجآت، وتمضي في حكمها كالمنومة التي تطلق ردود أفعال إنفعالية تزري بها وتعقد مشاكلها، وتأخذها إلى أتون النيران.

الكراسي العقائدية لا تؤمن بالعقل، وتفرض مناهج السمع والطاعة، ونفذ ولا تناقش، وتبقى تطارد أوهامها، حتى تسقط في مهاوي الفناء، ومَن ينظر إلى مصير الأحزاب العقائدية في بعض المجتمعات ستتضح له صورة المآسي التي أوجدتها في ديارها، وكيف جنت على نفسها ومواطنيها.

تعقّدتِ الحياةُ بما اعْتقدنا

ومِنْ وَجعٍ إلى وجعٍ مَضيْنا

سراة وجودنا وَهمٌ حَداهمْ

يُقيّدنا ويُسيّدهمْ علينا

فما ربحتْ تجارتهمْ بحُكْمٍ

بسوءِ مَرامِهمْ نَحنُ ابْتلينا

***

د. صادق السامرائي

هل ننتظرُ المعجزاتِ بقلوبٍ مرتعشة؟.. اذهب إلى الله بلا التفات

هناك يقين لا يخالطه ظن، وهناك ظن يأتي ليُربك الإنسان لكن قلبه مطمئنٌ بالإيمان. وفي المقابل فإن هناك ظن دون يقين في القلب يطمئنه ويطبطب عليه، هذا ظن مهما ظل في القلب فلا يمكن أن يصبح يقيناً. والإيمان الخالص لله لا يخالطه ظنٌ أبدًا، وأكمل الإيمان هو إيمان الأنبياء فقط.

قال تعالى: {وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ (99) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (100) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (101)} [سورة الصافات].يقين وثبات وإيمان لا يخالطه شك، وقال: "إني ذاهب إلى ربي سيهدين"، ثم دعا: "رب هب لي من الصالحين". بعد خذلان قومه له وتكذيبهم ورميهم له في النار، وقف بكل ثبات وقال كلماته بكل ثقة، ودعا ربه وكله يقين بالإجابة، فبشره الله عز وجل بالأستجابة. هذا هو الإيمان؛ يقين لا يخالطه شك حتى في أصعب اللحظات، الأنبياء عليهم السلام يقفون بكل ثبات وبكل ثقة أمام كل جبار وكل طاغية، لأنهم مع الله، فلا قلوبهم تخاف ولا أرواحهم تخالطها الظنون.

مِعراج الأنبياء؛ هو يقينٌ صلد لا ينكسر أمام مطارق الشك، ومددٌ سماوي لا يدركه إلا من قطع حبال الظنون وعلق قلبه برب الأسباب. قال الحق سبحانه: {فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (61) قَالَ كَلَّا ۖ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (62)} [سورة الشعراء].

"إن معي ربي سيهدين". ضع نفسك مكان قوم موسى؛ كنت ستخاف وتهرَب وتظن بل ستتأكد أنك مدرك لا محالة، فالجنود وراءك والبحر أمامك والطريق مسدود. فالواقع يقول أنك هالك، والظروف لا تسمح لك بالمقاومة، لكن الفلب الذي كله يقين بالله لا يتزحزح ولا يخاف من مواجه الصعاب، والإيمان الخالص يجعل القلب لا يرتاب ولا يشك بمعية ربه له. ووحدهم الأنبياء قد حازوا عليه وفازوا بذاك المدد العظيم بتصديق قلوبهم ويقينها الذي لا يتجرأ الشك والجزع من الاقتراب منها.

ثم ماذا؟ ثم جاء المدد. لم تنزل الملائكة ولم يفرق البحر من تلقاء نفسه، بل أتت الهداية الربانية لنبي الله موسى: {فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ ۖ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ} [سورة الشعراء].

حين يكون البحر أمامك والعدو خلفك

قف أيها الحائر الجبان بعقلك، المضطرب بقلبك اللهفان؛ قف هنا وتأمل حال إيمانك ويقينك بالله. هل تدعوه بالهداية ثم تنتظر حتى تأتي إليك الملائكة ترشدك إلى الطريق؟ تخيل أن تقف بثبات أمام قومك وكلك إيمان بربك فتقول: "يا رب اهدني"، فتسمع كأن قائلاً يقول لك: "خذ عصا واضرب بها". تخيل هكذا موقف؛ سوف تتلفت حولك وتظن أنك أصبحت مجنوناً، لن تسير وراء قلبك لخوفك أن يضحك عليك قومك. ماذا سيقولون إن أخذت عصاك وضربت بها البحر أو الحجر؟ أنت لن تفعل ذلك أبداً، وإن فعلتها فستكون خائفاً من سخرية قومك لك إذا لم يحدث شيء.

هذا هو سبب دعواتك التي لم تُستجب إلى الآن، أو التي تجاهلتَ نور هداية الله لك فيها ولم تتبع سوى ظلام اليأس وخيبات ظنونك الهوجاء. عندما تدعو تأتيك الهداية من الله لتحقيق ما تريد، لكنك تتجاهل وتظن أنه لجنون أن تفعل شيئاً مخالفاً لعاداتك وتقاليدك يا قليل اليقين بربك. قلبك وجل وتريد إجابة دعواتك في عجل. راجع نفسك؛ فالأنبياء بذلوا أسباباً عادية لمعجزات عظيمة. نبي الله موسى وقف أمام فرعون وتحدى السحرة بعصا خشبية، لم يخف من السخرية ولم يلقِ بالاً لاستهزاء قومه، ولم يتزعزع يقينه بالله أبداً. ليس بالعصا، بل برب الكون كله، إنما العصا سببٌ لمعجزة عظيمة. هذا هو إيمان الأنبياء؛ لا تردد فيه ولا حيرة. يواجهون أكبر الطغاة ولو بعصا صغيرة مادام وإثقتهم بالله وبقدرته؛ فهو سبحانه بجلاله وعظمته يشق البحر لعباده المؤمنين، حتى ولو ضربوه بعصا عجفاء لا حول فيها ولا قوة لها غير أن كانت سبب لمعجزة ممتده من السماء.

فلسفة "العصا": عظمة المبدأ وبساطة السبب

لا يهم ما مدى قوة السلاح الذي تحمله، فكل ما يهم هو ما مدى يقينك بربك. هل تؤمن به يقيناً وبإجابته لدعائك فتهمس بقلبك: "إن معي ربي سيهدين"؟ ثم تشعر بتلك المشاعر المضطربة قد خضعت ولانت وسكنت، لأنه تسمع وتشعر بهداية الله لها. هل سمعت كلمة بعد دعواتك وتلك الكلمة أو الجملة تجيب على سؤال حيرك؟ أو شاهدت صورة طمأنت قلبك؟ قرأت عبارة تشبهك تماماً؟ وصلتك رسالة تطمئنك؟ كلها هداية من الله عز وجل، لكنك لا تملك اليقين الكافي لتستبشر وتوقن بأن دعواتك قد صعدت للسماء السابعة وأن الإجابة أتت إليك على شكل هداية مغلفه بأسباب عادية، وتحتاج ببذلاً لسبب ومهما كان صغيراً في نظرك أو عاديًا، فهو لن يكون أصغر من عصا موسى الصغيرة التي شقت البحر بأكمله وقسمته إلى نصفين. ولو أنزل الله إليه سيفاً في تلك اللحظة ليتأكد قومه من نبوته ما كان ليفيدهم. فلا تخشى سخرية البشر أكثر من خشيتك فوات نصر الله؛ ولا تقتلك نظرة الاستهزاء في عيونهم، فتواري يقينك خجلاً من حماقةٍ يظنونها فيك، فالأنبياء كانوا يعبرون البحار بكلمة ويشقون الصخور بعصا، ولا تلتفت قلوبهم لنباحِ من خلفهم.

هل ننتظر "المعجزات" بأقدامٍ مرتعشة؟

الإيمان الذي يرتبط بالأسباب لا يصنع معجزات، بل يأتي لك بطرق ووجهات وتيسير من كل اتجاه، لكنه لا يفتح لك طريق النجاة والهرب من الطغاة والمفسدين. لكن الإيمان بالله دون النظر للأسباب يجعل العصا تفجر الصخر عيوناً، وتفلق البحر نصفين، وتبطل سحر السحرة والمشعوذين، وكله بعصا. هل العصا بتلك القوة أم إنه الإيمان المطلق بالله؟ بل إنه الإيمان بالله، هو الذي يجعل كل ما حولك هداية وإنارة وإرشاداً.

{وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ (34) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّن بَعْدِي ۖ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ (35)} [سورة ص].

الإيمان الخالص لله في قلب المؤمن، من الطبيعي أن يطرأ عليه ظناً، لحظة قلق وخوف خارجة عن سيطرة الإنسان، لكن يبقى صاحبه مؤمن وموقن رغم تصرفه وقلقه الذي يظهر في بعض المواقف الصعبة.

{إِذْ جَاءُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا} [سورة الأحزاب: 10].

{فَمَا ظَنُّكُم بِرَبِّ الْعَالَمِينَ} [سورة الصافات: 87].

فما ظنكم برب العالمين؟

إن كان الله قد جعل من جسدٍ أُلقي على كرسي سليمان باباً للإنابة، ومن 'عصا' خشبيةٍ صماء طريقاً للنجاة، فما عذر عقلك المكبل بالخوف؟ الإيمان ليس طقساً تؤديه حين تستقيم الظروف، بل هو القوة التي تستلّها حين يحيط بك 'الجمعان' وتظن أنك مُدركٌ لا محالة.

كفَّ عن انتظار 'الظروف المثالية' لتدعو؛ فالذي شقَّ البحر لم ينتظر جفاف الأمواج، والذي فجّر الحجر لم يبالِ بصلابة الصخر. أجعل يقينك  يقين الأنبياء، وكن ثابتًا على عقيدتك في زمن التيه والتضليل، اضرب بعصا توكلك كلَّ بحورِ يأسك.. فالهداية لا تأتي لمن ينتظر المعجزات، بل لمن يصنعها بالامتثال.

***

بقلم الحرية: فاطمة محمد

هل أن الإبداع يعكس الواقع أم الواقع يعكس الإبداع؟.. سؤال يستحق التأمل والدراسة والنظر العميق!!

قال لي زميل صيني ذات يوم وهو من المفكرين المعاصرين: "إن الرئيس ماو غيّرنا بشعره، ولديكم آلاف الشعراء ولا تتغيَّرون"!!

حينها جعلني أفكر بالموضوع، وما توصلت إلى جواب مقنع، واليوم حضرني كلامه، ورحت أقلبه وأقارنه وأتفكر فيه، واستخلصت أن إبداعاتنا تعكس الواقع وتبرره وترسِّخه وتعززه، فالإبداع عندنا مرآة الواقع، وليس العكس، أي أن الواقع لا يعكس الإبداع.

وعندما نتأمل الإنتاج الإبداعي على مدى عقود، يتبين أنه يتصف بالرثائيات القاسية، إذ يسوده الحزن والتأسي والنحيب، وجلد الذات، وذرف الدموع على الماضيات، ويفتقد للإرادة المتطلعة للتحدي والرقاء.

فالغرض التقليدي قد تطور وتجسم أكثر مما في سابق العصور، وأضيف للإبداع غرض آخر هو الهروب والإنزواء.

وحينما ندرس إبداعنا الشعري – على سبيل الحصر – نكتشف أنه بكائيات على الأطلال، وقد لخصه إمرؤ القيس بقوله: " قفا نبكي...."!!

وأحيانا تتخلله غزليات عودة الشيخ إلى صباه!!

بينما الشعر في المجتمعات المتقدمة، يمثل فكرة ذات صدى مؤثر في الواقع، فهو لا يعكس الواقع بل أن الواقع يجتهد للتعبير عما يطرحه من رؤى وأفكار.

فإبداعنا تبريري، تخديري، وإبداعهم إستنهاضي إستشرافي متطلع إلى مستويات من الصيرورات الإنسانية السامقة.

وهذا الفارق الحضاري، يجعلنا ندرك أسباب تأسننا في مشاكلنا، وتنامي قدراتنا على تعضيلها وتدمير سوحها، وتثبيط همم الأجيال الوافدة.

وعليه، فلابد من إعادة النظر بفحوى الإبداع، وتنقيته من الأفكار والمفردات السلبية، وضخه بطاقات إيجابية لها قيمة تحفيزية وتنويرية، لرفع الهمة وبناء العزيمة المقدامة.

فهل لنا أن نأتي بإبداعٍ منيف؟!!

نُبررُ حالنا برؤى هَوانا

ونَبْتدعُ الغَوامِضَ والهَوانا

نُعلّلُ ضُعفَنا بقِوى بَعيدٍ

يُباغِتُنا لتأكُلنا عِدانا

مُشرّعةٌ شَبابيكُ المَنايا

ومِنها جاءَنا شَرٌّ غَزانا

***

د. صادق السامرائي