عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أقلام حرة

أقلام حرة

منذ أكثر من عام، استيقظَ في صدري ساكنٌ جديد. ليس قلباً آخر، ولا روحاً إضافية، بل حارسٌ صغير للنبض. قال الطبيب حيدر نزار الأعرجي يومها بلهجةٍ هادئة، كما لو كان يصف قطعةً من أثاث منزل:

عمو: لديك مشكلة في كهربائية القلب، أوضّح أكثر، يقول حيدر : يعني عدم انتظام ضرباته، يقتضي الحال زرع بطارية صغيرة تساعد القلب على تنظيم وضبط ايقاعه. كان الأمر بالنسبة له إجراءً طبياً روتينياً، بعد سلسلة مراجعات وفحوصات، استمرت لعدّة أسابيع. لكنني أدركت منذ تلك اللحظة، أن حياتي ستدخل تجربةً غريبة. أن يصبح في صدري جهاز صغير، يسهر في العتمة، كي لا يتعثر القلب في طريقه.

ومنذ ذلك اليوم، لم أعد أفكر بالبطارية، بوصفها قطعة معدنٍ بارد. صرتُ أتخيلها

كائناً يقيم بين أضلعي، حارساً صامتاً يراقب النبض، كما يراقب حارس الفنار حركة البحر في الليل. اعتدت أن أراجع الطبيب في كل ثلاثة أشهر، كي يطمئن على ما فعلت يداه.

في إحدى الليالي، كان السكون يملأ البيت، يكاد  المرء يسمع  همس الدم في العروق .

وضعت يدي على صدري وخاطبت تلك التي يسمونها في المصطلح الطبي pacemaker heart:

ـ أيتها الصغيرة المختبئة في أضلاعي.. هل تسمعينني؟ لم يصلني صوت، لكنني شعرت بانتظامٍ دقيق في النبض. كأنها قالت: أنا لا أسمع…أنا أوقّت الحياة فقط.

قلت:

لكن قلبي كان يعرف الطريق وحده، كان يخفق حين يرى وجهاً يحبه، ويرتبك حين تقترب الذكريات، ويبطئ حين يجلس إلى حافّة الحزن. كان قلباً حراً مثل طائرٍ بري

يحلّق بلا أسلاك. هل ما يزال قلبي نفسه، العضلة التي ولدت بها؟ أم أنه أصبح ساعةً كهربائية تديرها إشارات خفية؟

ساد صمتٌ قصير. ثم جاء النبض أكثر هدوءاً، وأدقّ انتظاماً. كأن البطارية

ابتسمت في الظلام، فأجابت:

ـ لا تقلق يا صديقي. أنا لا أصنع الحب، ولا أعرف الشوق. أنا لا أكتب القصائد، لكنني أترك القلب حياً كي يكتبها. لا أفهم لماذا ترتجف القلوب حين يمر اسمٌ قديم في الذاكرة. أنا مجرد شرارة صغيرة كي لا ينطفئ المصباح.

قلت لها متأملاً:

ـ لكن حياتي الآن معلقة بكِ. نبضي بيدك، وخطوتي محسوبة بإيقاعك. أمشي، وأكتب، وأفكر، وأحلم بإيعازٍ خفي منك. أليس في هذا شيء من المفارقة؟ أن يصبح القلب الذي يمنح الإنسان الحياة، مرتبطاً بأسلاكٍ وبرامج؟

أجابت البطارية بهدوء الحكيم:

ـ أنت تنظر إلى الأمر من زاوية واحدة. أنا لا أقيّد القلب. إنما أحرسه فقط.. لا أقرر متى يحب، ولا متى يحزن، ولا متى يشتعل بالحنين. أنا أمدّ الزمن قليلاً كي يستطيع قلبك أن يفعل كل ذلك.

تأملت ما قالت طويلاً: ما أغرب هذا الزمن. الإنسان الذي يخشى الآلة، ليس بمقدوره الآن أن يفلت من سطوتها. قطعة إلكترونية صغيرة تقف بين الإنسان والموت مثل جندي صامت على بوابة الحياة.

قلت:

ـ وماذا عن الحب؟ هل بمقدور القلب الذي صار نبضه مبرمجاً، أن يحبّ كما كان يهفو للجمال؟

ـ الحب لا يسكن النبض وحده. أجابت: الحب يسكن الذاكرة. ويسكن الروح. مهمتي ضبط الإيقاع، لا تذهب بعيداً! أنا لا أخلق العاطفة. إنما أحرس الطريق، الذي يمشي فيه القلب.

قلت: إذن أنتِ لا تغيّرين شيئاً في الإنسان؟

ـ لا أغيّر الإنسان. نعم، عليك أن تدرك ذلك، ثم تابعت القول: أمنحه وقتاً إضافياً، كي يواصل إنسانيته.

سكتُّ طويلاً..

تذكرت الوجوه التي أحببتها، والأصدقاء الذين مرّوا في حياتي، المدن التي عبرتها، والكتب التي أصدرتها، الكلمات التي لم أكتبها بعد. كل ذلك كان يسكن هذا القلب.

هناك في الداخل تقيم حارسة صغيرة من معدنٍ وأسلاك.. القلب ما زال يعرف طريقه القديم. ما زال يرتجف حين يمر طيف حب. القلب وحده يعرف لماذا يخفق.

إذن نحن شريكان؟ أيتها الصغيرة المختبئة في صدري. هل تسمعينني؟ قلت لها.

ـ نعم. أجابت البطارية: أنا أضبط النبض، وأنت تملأ الحياة بالمعنى. أمدّ الزمن قليلاً، ولا أمدّه عبثاً، كي ترى الأشياء بوضوح أكبر:

لا تعد إلى أحلام الماضي وأوهامه البعيدة، لا تغرق في خيباتك القديمة، لا تفتش عن الرّماد في شرارة انطفأت منذ زمن. لا تكتب عن آمالك في مجتمع تسوده الحرية والعدالة الاجتماعية. اكتفِ بهذا القدر! فالعالم اليوم تقوده قوى رأسمالية متوحشة.

ـ لولاكِ يا حارسة القلب، ما امتد هذا الليل كي أصغي إلى نبضي، ابقي ملاصقة له، احرسي خطاه كي يستمر.

***

جمال العتّابي

ليست النكبات مجرد أحداث عابرة في حياة الإنسان، بل هي لحظات فاصلة تكشف عمق النفس وقوتها وصلابتها أو هشاشتها وضعفها، وتظهر حقيقة الإيمان، وتختبر قدرة القلب على الصمود ومواصلة المشوار. ففي خضم الأزمات وأتونها، حين تتراكم الضغوط والتوترات وتشتد وطأة الحياة وقسوتها ألماً وإيلاماً، تتكاثر الجروح النفسية وتتعاظم الأنات البشرية، ويثقل الصدر بالآهات، ويجد الإنسان نفسه أمام سؤال وجودي صعب: هل ينهار تحت ثقل الألم وضعف النفس والروح، أم ينهض بقوة الإيمان وصلابته؟

إن الناس في مواجهة النكبات ليسوا سواء؛ فمنهم من تتكاثر عليه الهموم حتى تثقل كاهله ويرهقه الحزن، فيرى نفسه ضعيفاً متهالكاً أمام العاصفة، كعصفور في مهب الريح العاتية، تتنازعه المخاوف والهموم ويثقله القلق، فيستسلم لمشاعر العجز والانكسار والإنحدار النفسي. هذا الصنف يفسر الألم على أنه نهاية، ويرى في الأزمة ظلاماً دامساً ممتداً بلا أفق أو نهاية، فتتسلل إليه الضعف والهوان والكآبة، ويغيب عنه معنى الحكمة من الابتلاء والاختبار الذي وضع فيه.

وفي المقابل، هناك من يصوغ من الألم قوة، ومن المعاناة يقيناً، فيقف أمام النكبة بثبات المؤمن، لا لأنه لا يتألم، بل لأنه يعرف كيف يوجه ألمه ويحوله إلى أمل مشرق ودروس يتعلم منها. هذا الإنسان يستمد طاقته من إيمانه بالله، ويجد في الذكر سلوى، وفي القرآن عزاء، فيردد قول الله تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ سورة الرعد: 28. فيشعر أن قلبه، رغم الجراح، ما زال متماسكاً وقادراً على السكينة والهدوء والطمأنينة. ويستحضر وعد الله الذي لا يخلفله: ﴿فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾  سورة الشرح: 5–6. فيوقن أن العسر ليس نهاية الطريق، بل هو بداية لفرج قريب مزدوج، وأن الألم يحمل في طياته أبواباً من التيسير والخير والمنة لا يراها إلا من أحسن الظن بالله. يقيناً وعلماً راسخاً، وقد عبر النبي ﷺ عن هذا المعنى العميق بقوله: "لن يغلب عسرٌ يُسرين" رواه البيهقي. وهو توجيه نبوي يرسخ في النفس والروح أن الفرج ليس احتمالاً ضعيفاً، بل حقيقة موعودة وبشرى من المولى سبحانه وتعالى للمؤمنين، وأن التيسير مضاعف أمام كل عسر يمر به الإنسان.

إن الابتلاء في جوهره ليس عقوبة بقدر ما هو تمحيص واختبار وابتلاء يكشف فيه المعادن النفسية من القلوب الصدئة، يميز الله به بين من يستسلم ومن يثبت، بين من ينهار ويتلاشى ظله ووجوده ومن ينهض ويكمل سيره وحركة حياته ومهمته. قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ — سورة العنكبوت: 2. فالنكبات ليست نهاية الحكاية، بل هي جزء من بناء الإنسان وتمحيصه، وصناعة وعيه، وتقوية عزيمته وإرادته. إنها المدرسة التي يتعلم فيها الصبر الحقيقي، والإيمان الصادق، والثقة التي لا تتزعزع أو تضعف.

وفي عمق التجربة الإنسانية، يكتشف الإنسان أن الجروح ليست كلها ضعفاً، بل قد تكون بداية لقوة جديدة، وأن الألم ليس دائماً خسارة أو دمار، بل قد يكون طريقاً للنضج والارتقاء والسمو والعلياء. فكم من إنسان خرج من محنته أكثر حكمة وأجلد صبراً وقوة، وأكثر قرباً وصلة مع الله، وأكثر قدرة على مواجهة الحياة ونكباتها وأزماتها.

إن الخروج من النكبات لا يكون بإنكار الألم، بل بفهمه واستيعابه ومعرفه كنهه ومآله، ولا يكون بالهروب من الواقع، بل بمواجهته بثقة ويقين وقلب راسخ لا يتضعضع. فحين يتسلح الإنسان بالإيمان والحكمة والصبر، ويتكئ على ربه، ويستحضر وعده، تتحول المحنة إلى منحة، والألم إلى أمل والضعف إلى قوة، والقلق إلى سكينة وراحة.

وفي النهاية، يبقى السؤال الحقيقي ليس: كم كانت النكبة قاسية؟  بل: كيف خرجت منها؟ فإما أن تخرج منها مكسوراً تتلاشى روحك عن بدنك ونفسك عن عقلك ووجدانك، أو أن تخرج منها أقوى… وأجدر أن تتقلد القيادة والرياسة وسياسة الحياة ودروبها ومنعطفاتها وتلك هي الحكاية التي يكتبها إيمانك، لا ظروفك.

***

د. أكرم عثمان

28-3-2026

قوة الصمت تصدمنا جميعا في عدة مواقف ولو بالارتكاز على عكاز شيخ هرم، قَصْد تَلافي صيحات الجهر بالصوت الصدامي القاهر للحدود الاجتماعية بالتلف، وإعلان الحروب المفتوحة والمغلقة. خاصية الصمت لا نمتلكها نحن بالتساوي العادل، بل هي خاصية تتميز بتنوع السعة، واختلاف القُدرات النفسية التي تتحكم في مفرقعات أصوات بيان الاكراهات الذاتية والخارجية، والمفضوحات الكامنة. إن الصمت القوي بحق شعور بالعمق والاحتواء.

لا أحد مِنَّا جميعا يعرف ماذا قد يلحق به من تداعيات الصمت القوي؟ وماذا يفعل في حياته الاعتيادية بدون امتلاك ميزة الصمت، والتحكم في الذات الصامتة، والتزام سياسية الأبكم بحديث الإشارات؟ قوة الصمت تصنع الفارق البيني، وتُقاوم الصدمات الارتدادية من ثرثرة الكلام المباح، وعالم التجريح، وتفاهة البلاهة. قوة الصمت، تخلق لهيبا داخليا حارقا في ذات النفس المتمردة على الظلم والحكرة، ولكنها ليست

 بصيغة الصمت السلبي. ويبقى الصمت أشد مضاضة من سهام الكلام التصادمي، ومن تفريغ الذات من ضجيجها بالحرب الحارقة بحب روما.

قد نقول: (الصمت من ذهب، والكلام من فضة)، لكن نزيد عنها أن (ستر عيوب الآخرين ذهب خالص)!!! وهي ميزة من التَّرفعِ عن استعراضات العيوب التواصلية السيئة. فيما قد نجد في روحانية الصمت، كمال للعقل المتوازن، ودلالة سائدة طيعة، تعتمد القدرة في السيطرة على النفس وإشاراتها المتنوعة بين الهدوء والثورة العمياء.

قد لا نميز الصمت عن الإنصات ووحدة الاستماع بسجية تلقي الرسالة وتفكيك شفراتها العالية الدقة، بل نميز الصمت في المواقف الصعبة والتصادمية، والتي قد لا تزيد بنزينا على نار لهيب مشتعلة تقضي على مقومات العلاقات الإنسانية والاجتماعية المفتوحة على كلا الاتجاهين.

قد نقول: أن العاقل دائما ما يمارس تزكية ذاته من خلال عمليات التكيف والتطهر، والوقوف على عدة توليفات تغيير ذاته، ولما لا حتى عالمه كي ينال ثناء غيره، ومديح التنويه. قد نقول: بأن الأحمق الصامت بابتسامة بلهاء وغباء فطري، وفيها نوعيات من الازدراء على عالم المتكلمين والثرثارين، قد يمتلك بنية التكامل الداخلي، ويعمل على تحويلها من ذاته الخفية المتوترة نحو عالم المتكلمين، بهدف تغيير مظاهر عالم العقلاء، وسلوكياتهم اللئيمة والسادية والمستهترة بتفحم الأنا العلوية، والتي تبيت نمطية المظاهر عند مجموعة من الشرائح الاجتماعية المتصارعة بالتهالك.

الصمت القوي، ليس نقص في الانتباه والتركيز، بل هو الانتباه في حد ذاته، والعمل على خلخلة النسقية كقيمة اعتدالية تعمل على تهدئة الأفكار المضطربة بالتدافع، والتفحم الحارق. وحتى لا يبيت الصمت القوي يستنسخ فقط الفوضى والتشتت والتبعثر والتقويض (غياب النسقية). من تم فالصمت القوي حرب غير معلنة بالمدمرات الشاملة على عالم الذات ومحيطها، بل هو حرب سلم ومسالمة، لكسب رهانات تنمية الوعي الذاتي تجاه الذات والآخر والعالم، ولما لا محو التوتر وتعزيز الثقة والابداع والتسامح.

حقيقة واحدة فقد تُصادفنا في حياتنا أنواع بشرية تُلازم الصمت، لكنها ليست بالسلبية كما يبدو لنا عند الوهلة الأولى، وإنما الأمر فيه نوع من تنمية مهارات الاستماع والانصات، والتي لا نُتقن منها حتى نسبة حدها الأدنى. لذا قد نُعطي للصمت القوة الثالثة بعد الانسان وسلاح الدمار الشامل. قوة ثالثة للصمت القوي لا توازي العالم الثالث في ثرثرته البدائية، بل تُماثل القوى الجبارة في ترشيد عملها واقعيا، بدل ممارسة ثرثرة الغرور. هنا نقول: بأن الإخلاص لقوى الصمت هو ببساطة اعتقاد اجتماعي عادل، يُماثل ارتداء الملابس وعدم قتل الناس بالمنغصات المفرطة في رداءة الكلام المباح.

***

محسن الاكرمين

 

"يستطيع الكذب أن يدور حول الأرض، بينما الحقيقة تلبس حذاءها" مارك توين

كائن خفيف الوزن، لا تحتمل حماقته وخفته. قد يكون نكرة في الأحوال العادية، ولا اعتبار له في أوساط المثقفين والساسة وأهل الرأي، لكنه يبادر فور اندلاع ثورة أو احتجاج لقيادة الجمع الثائر وتصويب خطاه!

لا يلزمه إطار ثقافي يتحرك داخله للتعبير عن نفسه، ولا تعنيه رصانة الفكرة أو عمق الخطاب، لأن المنسوب الفكري للجماهير لحظة الغضب والعنف ينخفض ويتراجع، فلا تحتمل المحاججة العقلية بقدر ما تستجيب للتهييج وإطلاق الغرائز. إنه دجال الثورة الذي لا يعنيه سوى جني المكاسب قبل أن تفيق الجماهير من سكرة الحدة والانفعال، ولا يريد منك سوى أن تطفئ سراج عقلك وتتبعه!

بداية لا بد من الإشارة إلى الفروق الواضحة بين دجال الثورة، والقيادة الكاريزمية التي تعمد إلى تغذية أسباب النزاع الداخلي، بناء على اختلاف الآراء والمواقف مع من هم في سدة الحكم وصنع القرار. ذلك أن هذه القيادات تملك شرعية الحضور في المشهد السياسي، بناء على مواقفها تجاه صناع القرار. وتتعرض لأشكال الإيذاء والتضييق خاصة في النظم القمعية، مما يحقق لها شعبية واصطفافا جماهيريا، يزكي حضورها عند حدوث توترات سياسية. أما دجال الثورة فلا يملك من هذه المواصفات ما يتيح له الحضور في المشهد العام قبل تفجر البركان.

يحيلنا المفكر الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه (الآراء والمعتقدات) على بعض العوامل التي تُكسب النفسية الفردية صفة الجماعة، وتهيء الأرضية المناسبة لبروز دجال الثورة على نحو غير مستساغ. فالعدوى النفسية وسط الجموع الثائرة تتيح انتشار أقواله وخطبه، دون الالتفات لقيمتها العقلية، لأنه خطاب موجه للاشعور ولا دخل للعقل فيه. بل إن العدوى قد تكون مؤثرة حتى على بعض أرباب العلم والقلم الذين ينحازون، كما يقول لوبون، إلى أكثر المعتقدات والآراء والمواقف شؤما ومخالفة للصواب! أما الإعلام كعامل ثان، فلا يقل ضراوة في التأثير وتزكية حتى المخبول، مادام الإيقاع الثوري لا يسمح بغير التأليب والتجييش، والتشكيل الفوري للقناعات اللازمة. لذا سرعان ما يتحول دجال الثورة إلى قبلة للمنابر الإعلامية، وصانع للحدث الذي يجري تضخيمه وتلميعه. ولعل المواكبة الإعلامية لما بات يُعرف بالربيع العربي، قد سلطت الضوء على دور بعض وسائل الإعلام في تنصيب دجالين للثورة، بغية خفض سقف المطالب الاجتماعية، والتلاعب بمطامح وآمال الجمع الثائر.

تثور الشعوب لتصحيح المسار ورفع الظلم، لكن غياب مشروع حضاري يمكن الالتفاف حوله يلقي بمرحلة ما بعد الثورة في كنف المجهول. نعم، يكون المد الثوري هادرا وكاسحا إلى حين فرار الطاغية، أوحل الحكومة الضعيفة وبرلمانها المهزوز. بعدها يشرع الثائرون في البحث عمن يواصل كنس المشهد وتأثيثه بخطاب جديد، ورؤية تحقق أهداف الثورة.

وغالبا ما يكون البديل إما قيادة حظيت بالثقة قبل الحراك، وإما ذوات هي أقرب إلى النبت الشيطاني؛ تماهت مع السخط العارم، وادعت أنها بنت شرعية للثورة، وبإمكانها الاستجابة لكل التطلعات، ودفن العاهد البائد إلى غير رجعة. وفي كلتا الحالتين يُطرح السؤال الممض حول عجز الشعوب عن استكمال ثورتها، ووقوعها في فخ دجال الثورة الذي لن يتورع عن إجهاض مسلسل التحرر، والانعتاق من الظلم والاستبداد والجوع.

يقدم هاشم صالح (1) تفسيرا لهذا النكوص مفاده: أن الإنسان المستعبد لردح طويل من الزمن يختل توازنه إذا ما أعطيته الحرية فجأة، ويلزمه وقت طويل ليستعيد هذا التوازن، ويستسيغ طعم الحرية. ينضاف إلى ذلك أن كون الحرية مسؤولية والعبودية راحة، يحمله على أن يلقي بالمسؤولية على كاهل الأب أو الشيخ أو الزعيم، أو حتى الدجال الذي يفكر نيابة عنه.

أما الدكتور نبيل راغب (2) فيرد الأمر إلى الالتباس الحاصل في العقل العربي بين مصطلحي الثورة والتنمية، وتوهم الشعوب –العربية تحديدا – أن الثورة خطوة أولى في مسلسل تنمية، تستكمله النخب البديلة.

بيد أن مالم يدركه هذا العقل الذي عانى من غيبوبة مزمنة، هو أن التنمية مصطلح علمي اقتصادي ومنهجي، يعتمد على دراسات الجدوى والحساب الدقيق، لا على العوامل الثورية. وأن الثورة التي تحدث تغييرا مفاجئا في الأوضاع السياسية والاجتماعية، لا يمكنها أن تحقق التنمية، نظرا لارتباطها بمقدمات التحول التاريخي من مجتمع تقليدي بتكويناته ونظمه وعصبياته، إلى مجتمع حديث، يُدار وفق آليات المجتمع المدني القابل للتطور إلى نظام ديموقراطي.

من أين يأتي دجال الثورة؟

أو بالأحرى، ما هي البيئة التي تشكلت لديه فيها محفزات الانضمام للجماعة الساخطة المتذمرة، وادعاء تمثيل المقهورين؟

سؤال حاول كرين برنتون (3) الإجابة عنه، عبر استخلاص الأنماط الثورية من التراجم المتاحة لعدد من الثوريين، سواء كانوا زعماء أو أفرادا أقل شأنا. وباستعراض النماذج والأمثلة التي ساقها الباحث يمكن الوقوف على عدد من المنافذ، قد يمرق منها دجال الثورة ليسرق الشعلة ويحقق أهدافه الخاصة.

فقد يكون دجال الثورة من طبقة بارزة في المجتمع، لكنه يشترك في الثورة لسبب خسيس هو الحفاظ على ثروته ومكانته، والحصول على نفوذ سياسي يستعصي عليه نيله في الأوقات العادية. وهذا النمط لا يؤمن في العادة بالأفكار المجردة التي تدغدغ مشاعر الثوريين، كالعدالة والمساواة وغيرها.

وقد يكون من الفاشلين في تحقيق طموحه، ولا يملك من المواهب والألقاب الأكاديمية ما يتيح له التموقع في دائرة الضوء؛ فيتولد لديه حقد على النماذج الأكثر شعبية وحضورا في المشهد العام.

وقد يكون من المنحرفين ذوي الميول الإجرامية، فيجد في الثورة مجالا رحبا لارتكاب أبشع الجرائم باسمها. وكم من مذابح ومآسي ارتكبت باسم الثورة، واتخذت فيها القسوة مبدأ وشعار، دون اكتراث للتداعيات اللاحقة. ولو أنها ارتكبت في مجتمع مستقر، لما كان الثوري سوى مظهر زائف للمجرم والسفاح.

وقد يكون من هواة الجدال الفظ والمنازعات، والشذوذ عن القاعدة في كل شيء. غير أن جداله المستمر لا ينم عن فكر مخالف للسائد، بقدر ما يعكس حقدا ومرارة ورغبة مجنونة في التحطيم، تجد ملاذها عند اندلاع ثورة.

سواء كان من الفاشلين في الأوقات العادية، أو من المخبولين والمنحرفين الذين يستعصي فهمهم دون مساعدة من علم الإجرام وعلم نفس الشواذ، أو حتى من رجال العصابات وممثلي القسوة الإنسانية، يظل دجال الثورة تجليا لحقيقة، تعصف بالبعد الرومانسي والمثالي الذي لا يزال جم غفير من الناس يصدقه؛ حقيقة أن الثورة ليست بالضرورة تكتلا من الطيبين والعقلاء يتصدى للطغمة الفاسدة!

***

حميد بن خيبش

............................

(1) هاشم صالح: الانتفاضات العربية في ضوء فلسفة التاريخ. دار الساقي 2013 . ص137

(2) د. نبيل راغب: الغيبوبة العربية. دار غريب 2006. ص 283

(3) كرين برنتون: دراسات تحليلية للثورات. الهيئة العامة لقصور الثقافة. مصر 2010.ص113 وما بعدها

الإنسان المصري.. عجيب هذا الإنسان! تراه في المسجد ساجدًا باكيًا، لا يهمس إلا لله، ولا يرجو إلا من الله. وفي لحظة أخرى تجده يهتف: «يا حسين! يا ست! يا فاطمة!» فينسى من حوله أن التوحيد الخالص معناه ألا تدعو مع الله أحدًا. لكن… هل نسي المصريون توحيدهم؟ أم أن في أعماق النفس البشرية سرًّا لا يفقهه المتشددون؟

دعني أبدأ معك من البداية.

جاء الإسلام ليقرر كلمة واضحة محددة كالشمس: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾. لا وساطة بين العبد وربه، ولا كهنوت، ولا قداسة لأحد دون الخالق. هذه هي العقيدة، صافية كالبلور، لا شوائب فيها. غير أن هذا الإنسان الذي خلقه الله جعله يحب الوسائط. يحب أن يتوسط له الشفعاء، وأن يدله المحبوبون على الطريق، وأن يشعر بأن في السماء من يسمع صوته ويحمل حاجته إلى العرش.

أليس المؤمنون كلهم يتوسلون إلى الله بحب نبيهم؟ أليسوا يقولون: «اللهم بحب نبيك اغفر لي»؟ هذا هو التوسل بعينه، غير أن بعضهم يجعل المحبوب وسيلة، وبعضهم يجعله هو المقصود. والأول هو الذي يفعله المصريون.

إذن السؤال الذي يطرح نفسه بقوة هو لماذا يحب المصريون آل البيت إلى هذا الحد؟ لماذا يرون في الحسين ستارًا يلوذون به؟ لماذا تلجأ المرأة المصرية البسيطة إلى السيدة زينب قبل أن تلجأ إلى الله مباشرة؟

دعني أخبرك السر.

المصريون عرفوا الظلم وخبروه، وعاشوا الاضطهاد قرونًا طويلة. من الفراعنة إلى الرومان تعرضوا للقهر والظلم، وحتي الدولة الأموية ظلمت آل البيت، والعباسيون ظلموهم أيضًا. والمصريون، منذ أن دخلوا الإسلام، اتخذوا من آل البيت رمزًا للبراءة التي تقتل، والحق الذي يغتصب، والضعيف الذي يُداس.

لما قُتل الحسين في كربلاء بكى المصريون ألف عام. لم ينسوا، وما زالوا يبكون كل عام في العاشر من محرم، ليس لأنهم يريدون إحياء الخلاف القديم، ولكن لأنهم قوم لا يحتملون الظلم، وكأنهم يقولون للتاريخ نحن مع المظلومين، نحن مع الحسين، نحن مع الحق وإن كان مقتولًا!

هذه هي القضية، قضية إنسانية؛ قضية قلب ينزف مع كل مظلوم وينحاز إلى كل ضعيف. وليست قضية تشيع ولا سنية!

السيدة زينب.. أم العواجز

في مدينتي الصغيرة بالمنيا، كانت البقرة التي تدير الساقية تسقط أحيانًا في البئر، فتعلو الصرخة: «يا الله! يا محمد! يا حسين! يا علي! يا أم العواجز يا ست!»

لاحظ معي أنهم يبدأون بالله، ثم بالنبي، ثم بآل البيت. إنهم لا يشركون بالله شيئًا، لكنهم يذكرون أحباء الله؛ لعل محبتهم تكون شفيعًا لهم عند الله.

«يا أم العواجز»… هذه الكلمة وحدها تفسر كل شيء. "العواجز" هم الضعفاء، من لا سند لهم، أو من انقطعت بهم السبل. والمصريون يشعرون أن السيدة زينب هي أم كل عاجز، هي التي تفهم معنى الضعف، لأنها رأت أخاها الحسين مذبوحًا في كربلاء، ورأت العيال والأطفال يتامى، ورأت الظلم بعينيها.

إنها ليست إلهة ولا ندًّا لله، لكنها في الوجدان الشعبي امرأة عظيمة جمعت بين الألم والصبر، والفقد والعزة، والعجز والقوة. فكأن المصريين حين يستغيثون بها يقولون: «يا من عرفتِ معنى الضعف، اشفعي لنا عند من لا يرد سائلًا».

في طفولتنا، كنا إذا أضعنا شيئًا وفتشنا عنه فلم نجده، قلنا: «يا فاطمة يا أختي، نوريني وعلى مكان حاجتي دليني». أليست هذه دعوة لغير الله؟ قد يقول المتشدد: نعم، هذا شرك.

لكن دعني أسألك هل يعقل أن تكون البنت الصغيرة التي تخاطب فاطمة كأنها أختها الكبرى، وهي تعلم أن فاطمة بنت النبي صلى الله عليه وسلم ماتت منذ ألف وأربعمائة سنة، هل يعقل أن تكون مشركة بالله؟ إنها تعلم أن الله وحده هو الذي يقدر على أن يهديها إلى ضالتها، لكنها بحبها البسيط الطفولي تحب أن تقول اسم فاطمة، كأنها تتبرك به، وكأنها تستجمع قواها الروحية بذكر من تحب. إنها تقول: «يا فاطمة…» ثم تنتظر أن يلهمها الله. لم تطلب من فاطمة أن تفعل شيئًا، لكنها طلبت منها أن تضيء لها الطريق، أي أن تكون سببًا في إلهام الله لها. هذا هو التوسل، وهذا هو التبرك.

مريم العذراء في وجدان المصريين

ليس المسلمون وحدهم من يفعلون هذا. فالمسيحيون المصريون يلجؤون إلى السيدة مريم العذراء، يتوسلون بها، ويستغيثون بها في الشدائد. وكثير من المسلمين يفعلون نفس الشيء، خاصة في كنائسها الشهيرة مثل كنيسة العذراء بالزيتون.

لماذا؟

لأن السيدة مريم العذراء في الوجدان المصري هي رمز للأمومة الحانية التي تحمي طفلها في أصعب الظروف. هي التي حمت ابنها النبي عيسى عليه السلام من كيد أعدائه، وهي التي ساندته بحنان لا مثيل له.

وهنا يلتقي الوجدان المصري مع ذاكرته الفرعونية القديمة. فمصر القديمة كانت تقدس «إيزيس»، الإلهة الأم التي أنجبت ابنها «حورس» بطريقة روحية (وليست جسدية)، وحمته حتى كبر وانتقم لأبيه من إله الشر «ست».

لاحظ التشابه.. إيزيس تنجب حورس، وتحميه، وتجعله رمزًا للوراثة الشرعية للعرش. ومريم تنجب المسيح، وتحفظه، وتجعله نبيًا عظيمًا.

هذا التشابه ليس مصادفة. إنه استمرار للوجدان المصري القديم الذي لا يموت. فالمصريون، مسلمين ومسيحيين، وجدوا في السيدة مريم العذراء امتدادًا لما كانوا يعتقدونه في إيزيس. ليس بمعنى أنهم يخلطون بين الأديان، لكن بمعنى أن العقل الجمعي المصري يختار الرموز التي تعبر عن أعمق حاجاته النفسية: الأم الحامية، المرأة القوية، الرمز الذي يمنح الأمل.

المصريون والتاريخ

لماذا كل هذا التعاطف مع آل البيت؟ ولماذا لا نجد هذا التعاطف نفسه مع سائر الصحابة؟

المصريون لهم ذاكرة تاريخية طويلة. يتذكرون أن الدولة الأموية التي حكمت من دمشق قتلت الحسين، ونكلت بآل بيته، وجعلت الخلافة ملكًا وراثيًا.

ف«الطلقاء» هم الذين أسلموا بعد فتح مكة، وكانوا من أشد أعداء الإسلام. ثم أصبحوا حكامًا، وقلبوا الخلافة إلى ملك عضوض.

آل البيت كانوا الضحية. وكان المصريون الذين دخلوا الإسلام محبين للنبي وآله، مع الضحية. ليس تشيعًا، إنما تأثرًا بمأساة إنسانية كبيرة. وهذا هو مفتاح فهم الظاهرة، أن المصريين لم يتعلقوا بآل البيت لأنهم يعتقدون فيهم الألوهية أو العصمة المطلقة، بل لأنهم رأوا فيهم المظلومين فانحازوا إليهم.

المذهب المصري..

المصريون، أو الغالبية العظمى منهم، سنة. يصلون صلاة السنة، ويصومون رمضان، ويؤدون المناسك على مذهب الإمام الشافعي أو أبي حنيفة. لكنهم مع ذلك يحبون آل البيت حبًّا شديدًا، ويكرمونهم، ويتوسلون بهم.

هل هذا تناقض؟

لا، ليس تناقضًا. إنها الطبعة المصرية من الإسلام. إسلام يحتفظ بأصول العقيدة، لكنه يضيف إليها روح المحبة والتصوف والتبرك بالأولياء.

هذا المزيج الذي يراه المتشددون بدعًا وشركًا، هو في الحقيقة تعبير عن عبقرية المصريين في التوفيق بين العقيدة والوجدان، والدين والتراث، والتوحيد وحب آل البيت.

لماذا إذن يحتاج الإنسان إلى وسائط؟

من منظور علم النفس، الإنسان كائن اجتماعي لا يستطيع أن يعيش بلا وسائط. حتى في علاقته بالله، يحتاج إلى من يشعره بالقرب، وإلى من يفهم همومه، وإلى من يكون جسرًا بينه وبين العرش.

هذه الحاجة، في رأيي، ليست ضعفًا في الإيمان، إنها جزء طبيعي من التركيبة البشرية. الدين الرسمي يقول: الله قريب، يجيب دعوة الداع إذا دعاني. لكن النفس البشرية تقول: أريد من أراه، أريد من ألمسه، أريد من يفهم لغتي.

القديسون والأولياء والصالحون في جميع الثقافات والأديان يقومون بهذا الدور. هم نماذج بشرية وصلت إلى درجة من القرب من الله، فأصبحت في اعتقاد الناس قادرة على الشفاعة والتوسط.

الشيخ وصلاة العيد؟

قبل أيام، أثار خطيب صلاة العيد جدلًا حين توسل بآل البيت في دعائه. قال المتشددون: هذا شرك. وقال آخرون: هذا من محبة آل البيت.

من جانبي، أرى أن الشيخ لم يخطئ. لأنه لم يدع آل البيت من دون الله، لكنه توسل بحبهم، وذكرهم في دعائه، وطلب من الله بحرمتهم ومكانتهم.

هذا هو الإسلام الوسطي الذي عرفناه في مصر منذ ألف عام. إسلام لا ينكر محبة آل البيت، ولا يمنع التوسل بهم، ولا يرى في ذلك خروجًا عن التوحيد.

بين الروح والجسد في العبادة

الدين في جوهره روح. والروح لا تقبل القيود الجامدة، ولا تكتفي بالشعائر الجافة. الإنسان المصري بحسه الجمالي، وإحساسه العميق بالتاريخ، وتعلقه برموزه، يجعل من عبادته مزيجًا بين العقيدة والوجدان، والفقه والحب، والنص والروح.

محبة آل البيت ليست بدعة، بل هي ميراث حضاري. والتوسل بهم ليس شركًا، بل هو تعبير عن عمق العلاقة بين الإنسان ورموزه الروحية.

لن يغير المتشددون من طبيعة المصريين شيئًا. فالذاكرة الحضارية أقوى من أي فتوى، والمحبة في القلب لا تُقتلع بقول قاله أحد. سيظل المصريون، مسلمين ومسيحيين، يحبون آل البيت، ويتوسلون بالعذراء، ويلجؤون إلى القديسين، ليس لأنهم يشركون بالله، بل لأنهم يعرفون أن الله هو الملاذ الأول والأخير، وأن هؤلاء هم أحباؤه، وأن محبتهم تقربهم منه. وهكذا يمشي المصريون في طريقهم إلى الله، حاملين معهم تراثهم الفرعوني، وإيمانهم السماوي، ومحبتهم التي لا تنضب لآل بيت نبيهم.

وكل ما يقال من تشدد أو تكفير أو تبديع… يمر كالغيم، وتبقى مصر، وتبقى محبة آل البيت في قلب المصري، وتبقى هذه الروح الفريدة التي تميز إسلام هذا البلد عن غيره.

***

د. عبد السلام فاروق

المتعارف عليه في السلوك البشري أن أي مجتمع أو شعب في بقعة معينة يتعرض للعدوان الهادف إلى تدميره والإستحواذ على ثرواته، يتصدى له بإرادة رجل واحد، أي يتماسك ويزداد تلاحما وتكاتفا، إلا في بعض المجتمعات الغريبة الأطوار التي تتحول إلى شظايا متناحرة أمام أي قوة تريد إبتلاعها.

مما يعني أن هذه المجتمعات مصابة بخلل تفاعلي، ولديها من أسباب تمزقها وإنهيارها العديد من العناصر والمفردات الجرثومية المستوطنة فيها.

الطبيعة السلوكية الخلقية تؤكد أن مهاجمة أي تجمع تدعو إلى تماسكه، فالقطيع في الغابة عندما تصول عليه الأسود، يتكاتف ويتحول إلى كتلة واحدة ذات قدرة على صد الهجوم وإفشاله، ولا تستطيع الأسود المهاجمة إلا أن تستولي عن الذي تفرد وغادر سبيكة القطيع.

والعجيب في مجتمعاتنا ودولها أنها تتفرق أمام الهجوم عليها، بل وتتخذ مواقف معادية لبعضها، ويكون قسما منها مع المفترس وأخرى تتناطح فيما بينها، لحيل بعضها إلى فرائس طازجة للطامعين بها، وبهذا تهون قدراتها وتُصادَر ثرواتها، وتتحول إلى عجلات تدوّرها أعداؤها لسحق مواطنيها، وتخنيع دولها وتقديمها لقمة سائغة على موائد الذين يكتفون بغيرهم لتحقيق أهدافهم.

فهل وجدتم أسدا يوفر الحماية للظباء، أو ذئبا يحرس قطيع أغنام؟

وفي تراثنا قال أحدهم لأولاده عندما أشرف على الموت:

"كونوا جميعا يا بني إذا اعترى

خطب ولا تفرقوا آحادا

تأبى الرماح إذا اجتمعن تكسرا

وإذا افترقن تكسرت أفرادا"

ومما تجدر الإشارة إليه، إننا لم نحترم أوطننا، ولم تلد مجتمعاتنا قادة بحجمها، وذات رؤية مستقبلية وتفاعلات تراكمية نافعة للأجيال ومعززة لتكاتفها وتفاعلها الإيجابي البناء، بل هي أمواج تُغرق بعضها، وتمحق آثار سابقها، ولاحقها له مصير إندثاري معلوم.

فأجيالنا تتنافر وأجيالهم تتلاحم، وتلك عاهة مقيمة في ديارنا المنكوبة بنا!!

عَجائبُنا أحالتْ مُحْتوانا

إلى عَهَنٍ تولّى ما اعْترانا

فما وَصَلتْ مَساعينا لمَجْدٍ

ولا وَضعتْ خرائطَ مُرْتقانا

توابعُ قوةٍ ذاتُ افْتراسٍ

تُجنّدُنا كما تَهوى عِدانا

***

د. صادق السامرائي

اولا لنمتثل لقول ربنا عز وجل في كتابه العزيز: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (70) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (71)﴾ (سورة الأحزاب، وقوله عز وجل أيضًا: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً﴾ (سورة البقرة:83 وقوله تعالى ﴿وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ (سورة الإسراء:53 وكذلك وصية رسولنا الكريم لأمته حينما قال صلى الله عليه وسلم: "الكلمة الطيبة صدقة

خاطبوا الناس على قدر عقولهم، ما من أحد يمكنه أن يقول إن التحدث بلباقة ولياقة وبطريقة ممتعة أمر سهل، فمنذ ما يزيد على 100 عام اعترف الكاتب والشاعر الأميركي "جماليل برادفورد" قائلًا "بطريقة ما وجدت أن التحدث يبعث على الاستياء الشديد، إنني لا أقول إطلاقًا الأشياء التي قصدت قولها، وبعد ذلك تؤرقني الأشياء التي كان ينبغي أن أقولها ولم أستطع قولها. أيبدو ذلك منطقيًّا؟

الحديث هو موهبة من الله تعالى كما أنه ميزة من ميزات الإنسان يستطيع بها إيصال الآراء والأفكار، وإتقان صفقة رابحة، أو بذر كلمة مشجعة ومنشطة تكون بمنزلة وقود لإنسان محبط أو يائس مثلًا، والدفاع عن حق وعدالة، وخير، ووطن

اللباقة هي توفر الاحترام رغم الاختلاف في الرأي، هي الإنصات للمتحدث وانتظار نهاية لحديث قبل إبداء الرأي، اللياقة التركيز على الموضوع في المناقشات وليس على الأشخاص، اللباقة في بيئة العمل هي احترام العقود والأنظمة وزملاء العمل بصرف النظر عن المستوى الوظيفي أو الاختلاف في الرأي، من حق المدير أن يوجه ويقيم ويكلف الموظفين بالمهام ولكن ليس من حقه أن يهين كرامة الإنسان، اللباقة في إدارة الاجتماع أو الحوار هي احترام الاختلاف في الرأي، ليس من اللباقة أن يتولى مدير الحوار رأيا معينا ثم يطلب من المشارك -وإن بطريقة غير مباشرة- أن يتفق معه في الرأي وإن لم يفعل فسوف يقاطعه، وليس من اللباقة في إدارة الاجتماع مقاطعة من يطرح رأيا مخالفا لرأي مدير الاجتماع. مفهوم الاجتماع هو الاستماع لآراء ومقترحات جميع المشاركين ثم التوصل إلى توصية أو قرار أو مقترح في إطار مهامه ووفق آلية عمل الاجتماع النظامية. اللباقة في إدارة مقابلة التوظيف احترام المتقدم للوظيفة والتركيز على الجوانب المهنية وليس على أمور شخصية لا علاقة لها بمهام الوظيفة

اللباقة داخل الأسرة تتطلب الاحترام المتبادل بين أفراد الأسرة، الصغير يحترم الكبير، والكبير يتعامل مع الأطفال والشباب بمبدأ القدوة.. الأسرة هي مدرسة اللباقة لأنها أساس التربية.

يمكن القول إن اللباقة في العلاقات الإنسانية هي السلوك السائد وليس الحالات الشاذة، وهذا رأي ينطبق على موضوع الذوق العام بشموليته ومنها المظهر والمحافظة على الممتلكات العامة وعلى البيئة بشكل عام وأسلوب التخاطب مع الآخرين واحترام الإنسان دون تمييز.

***

نهاد الحديثي

ليس من السهل الكتابة عن العراق دون الوقوع في قخّ التكرار أو المُجاملة أو اليأس. لكنَّ الأصعب هو السكوت، بينما يُدار بلدٌ كامل بمنطق الغنيمة، وتُختزل فكرة الوطن إلى موازنات وصفقات وتوازنات طائفية هشَّة.

متى يستقرالعراق، أرضُ الحضارات والتنُّوع الغني، وهو يواجه تحديات جسيمة في بناء دولة متماسكة؟ يُطرح السؤال نفسه منذ أكثر من عقدين، وهو في جوهره سؤال مضلٍّل، فالاستقرار لا يُقاس بعدد الأيام الهادئة أو غياب القذائف، بل بوجود دولة تحمي مواطنيها وتخضع نفسها للقانون.

العراق أغنى من أن يُحصَر في هويات فرعية متصارعة. مستقبله يكمن في قوة مواطنيه، المتساوين في الحقوق والواجبات. تحقيق ذلك يتطلب إرادة سياسية حقيقية، وشجاعة في مواجهة ثقافة التعصُّب، واستثماراً في الأجيال القادمة التي تحلم بعراق موحّد ومزدهر.

ولتحقيق الاستقرار الدائم، يجب أن يعلو شعار المواطنة فوق أي انتماء فرعي أو مذهبي أو قومي، فهي ليست شعاراً فحسب، بل عقداً اجتماعياً جديداً يضمن لكل عراقي الكرامة والأمان والفرصة، ويقابله التزام بالولاء للوطن فوق كل ولاء. هذا هو الطريق الوحيد نحو عراق قوي يمكنه النهوض مرة أخرى كمركز إشعاع حضاري في المنطقة.

ما جرى بعد 2003 لم يكن بناءَ نظام ديمقراطي، بل إنشاء لترتيب سياسي هش قائم على المحاصصة، برعاية خارجية وتواطؤ نخب محلية رأت في السلطة فرصة تعويض تاريخي، لا مسؤولية وطنية.

حُلَّت مؤسسات الدولة باسم التغيير، لكن لم تُبنَ بدائل حقيقية. جرى استبدال الدولة بالحزب، والمؤسسة بالولاء، والقانون بالتوافق. ومنذ تلك اللحظة، لم يعد السؤال: "من يحكم؟"، بل: "من ينهب أكثر، ومن يوفّر غطاءً طائفياً أفضل؟".

روّجت الطبقة السياسية للمحاصصة باعتبارها ضمانة للسلم الأهلي، لكنها كانت في الواقع آلية لتوزيع الفشل والفساد بالتساوي. فحين يكون الجميع في السلطة، لا يعود أحد مسؤولاً. عطّلت المحاصصة الدولة بثلاث طرق خطيرة: ألغت الكفاءة لصالح الانتماء، وشلَّّت الرقابة والمحاسبة، وكرّست الانقسام المجتمعي كأداة حكم.

وهكذا تحولت الدولة إلى جسد مشلول، يتحرك فقط عند تمرير الموازنات أو اقتسام العقود.

لم يعد الفساد في العراق استثناءً أو انحرافاً، بل أصبح لغة الحكم اليومية. فالعشرات من ملفات الكهرباء والإعمار والتسليح والبطاقات التموينية مرَّت بلا محاسبة حقيقية.

المشكلة ليست في غياب القوانين، بل في غياب الإرادة. فالقضاء محاصر، والهيئات الرقابية مُفرغة، والإعلام في معظمه ممول سياسياً. والنتيجة أن المواطن يُطالب بالصبر، بينما تُهرَّب الثروات بلا خجل.

عندما خرج الشباب في تشرين، كسروا المعادلة الطائفية لأول مرة. لم يطالبوا بحصة، بل بدولة. لم يرفعوا صور زعماء، بل أسماء شهدائهم.

وكان الرد واضحاً: الرصاص أولاً، ثم النسيان. أُغلقت الملفات، وأُعيد تدوير السلطة، وبقيت الأسئلة بلا أجوبة. أثبتت تلك اللحظة أن النظام السياسي مستعد للتنازل عن كل شيء إلا عن سلطته.

تُعدّ المواطنة الركيزة الأساسية لأي دولة حديثة، فهي الإطار الذي تُبنى فيه العلاقة بين الفرد والدولة على أساس الحقوق والواجبات المتساوية. لكن مفهوم المواطنة في العراق ظل تاريخياً وواقعياً مفهوماً ملتبساً ومتنازعاً عليه، بفعل تراكمات سياسية واجتماعية تفاقمت بعد عام 2003 مع صعود النزعات القومية والمذهبية إلى واجهة الحياة السياسية.

ينص الدستور العراقي بوضوح على مبدأ المساواة بين المواطنين ويكفل الحقوق الأساسية، لكن الإشكالية الجوهرية لا تكمن في النصوص، بل في الفجوة الواسعة بين الدستور والتطبيق. فالقوانين غالباً ما تُفرغ من مضمونها بفعل المحاصصة وضعف المؤسسات، وتغليب الانتماءات الفرعية على الهوية الوطنية الجامعة.

العراق بلد متعدّد القوميات، وكان يمكن لهذه التعددية أن تكون مصدر غنى حضاري. إلا أن تحويل القومية من هوية ثقافية إلى مشروع سياسي إقصائي أدت إلى توترات عميقة. ففي كثير من الأحيان، عوملت الدولة كأداة لخدمة قومية بعينها أو إقليم معيَّن، لا كإطار جامع لكل المواطنين. ونتيجة لذلك، تراجعت فكرة "المواطن الفرد" لصالح "المواطن المنتمي"، الذي تُقاس حقوقه وامتيازاته بمدى قربه من الجماعة المسيطرة سياسياً.

هذا الواقع أضعف الثقة بالدولة ورسّخ الشعور بالغبن والتهميش لدى شرائح واسعة، وساهم في إعادة إنتاج الصراع بدلاّ من حلّه.

أما المذهبية فقد ضربت في الصميم. فبعد 2003، تحوّلت الطائفية من واقع اجتماعي محدود التأثير إلى نظام سياسي غير معلن تُدار من خلاله السلطة والثروة والوظائف. فأصبحت الهوية المذهبية في كثير من الأحيان شرطًا غير مكتوب للحصول على الحقوق أو على الأقل لضمان الحماية.

لم يعد المواطن يشعر بأن الدولة تحميه بوصفه مواطناً، بل بوصفه عضواً في طائفة لها ممثلون في السلطة. أدى ذلك إلى: تسييس الدين والمذهب وإضعاف القانون لصالح "التوازنات الطائفية"، وشرعنة التمييز غير المباشر، وتفكك الهوية الوطنية الجامعة.

وتحت ضغط القومية والمذهبية، تضررت حقوق المواطنة بشكل ملموس، وتجلَّى ذلك في: عدم تكافؤ الفرص في الوظائف العامة، وضعف العدالة القضائية بسبب التدخلات السياسية، وتقييد الحريات بأسم حماية المكوّن أو العقيدة، وتآكل مفهوم المسؤولية الفردية لصالح الحماية الجماعية.

وهكذا تحوّلت المواطنة من حق طبيعي إلى امتياز سياسي أو اجتماعي.

إن استعادة مفهوم المواطنة في العراق لا يمكن أن تتم عبر الشعارات، بل تتطلب: بناء دولة مؤسسات حقيقية، وفصل الدين عن الصراع السياسي، وإصلاح النظام الانتخابي، وتعزيز التربية المدنية في التعليم والإعلام، وإعادة تعريف الهوية العراقية كهوية جامعة تنظّم التعددية ولا تلغيها.

 أزمة المواطنة في العراق ليست أزمة قانونية بقدر ما هي أزمة وعي وإرادة سياسية. فالدولة التي تُدار بمنطق القومية أو المذهب لا يمكن أن تنتج مواطناً حراً ومتساوياً، بل جماعات متنافسة تبحث عن الحماية لا عن الحقوق.

ولا يمكن للعراق أن يستعيد عافيته ما لم تُعاد المواطنة إلى موقعها الطبيعي: أساساً للعلاقة بين الفرد والدولة، وجسراً للعبور من الانقسام إلى الشراكة الوطنية.

هل يمكن للعراق أن بستقر؟

نعم، يمكن. لكن ليس بهذا الشكل، ولا بهذه القواعد. لا استقرار مع سلاح خارج الدولة، ولا تنمية مع اقتصاد ريعي فاسد، ولا عدالة مع قضاء انتقائي. الاستقرار الحقيقي يبدأ حين يُفهم أن الطائفة لا تبني دولة، والنفط لا يصنع عدالة، والانتخابات بلا إصلاح ليست حلاً.

العراق لا يحتاج إلى معجزات، بل إلى شجاعة سياسية وأخلاقية. يحتاج إلى الاعتراف بأن المحاصصة قد فشلت، وأن استمرارها جريمة بحق المستقبل.

***

جورج منصور

خبراء النفس بتنوع درجاتهم وإختصاصاتهم متواجدين في مفاصل المجتمعات المعاصرة من رياض الأطفال حتى أعلى دائرة تتخذ القرارات الوطنية، ووسائل الإعلام كافة موادها وآليات بثها مبنية على نظريات وقوانين نفسية، فالعلوم النفسية بجوهرها سياسية لأنها تتصل بالسلوك البشري.

تناول أي موضوع يتصل بالمجتمع يتم وصفه بالسياسي وكأن ذلك سبة والحقيقة أنه توصيف دقيق، لأن الحياة تؤكد ذلك وتعززه بمعطيات سلوكية واضحة.

إذا إفترضنا وجود سياسة في دولنا، فلا بد أن يكون للعلوم النفسية دورها، والحقيقة القاسية أن دول الأمة تفتقد للسياسة، ولهذا تهمل العلوم النفسية وتتجاهلها، فلكي تكون سياسيا يجب أن تمتلك إسنادا نفسيا وبوصلة سلوك مبنية على قوانين ونطريات نفسية خالصة.

وكلما كان للعلوم النفسية مكانتها وتأثيرها في المجتمع تيقنّا بوجود سياسة وسياسيين، وبغير ذلك فالثريد وفير حول صحون الويلات والتداعيات.

  في مقابلة تلفازية قديمة سأل المحاور المرحوم يوسف إدريس عن رأيه في السياسة العربية، فكان جوابه بما معناه أين هي السياسة في دولنا، لا توجد سياسة عندنا!!

وبقي جوابه عالقا في مخيلتي، حتى أدركت أن غياب التفاعل الجاد مع العلوم النفسية، من أهم أسباب إنعدام السياسة في سلوك أنظمة حكمنا، التي تقرر بإنفعالية وإندفاعية آنية غير مدروسة، ومجردة من الحلم والحكمة، والقدرة على تأمين المصالح الوطنية، وتعزيز قيمة المواطن وسلوك المواطنة.

إن إبتعاد المتخصصون بالعلوم النفسية عن أية خطوة أو قرار، يساهم في الفشل والخسران وخيبة الآمال، وتراكم التداعيات وتكرار النكبات والهزائم والويلات.

وستكون عندنا سياسة حينما يتحقق لعلماء النفس حضورا وتأثيرا في تعبيد طريق القيادة الواعي الرشيد.

أمّةُ النفسِ ونفسُ الأمةِ

إنّها إنّا ورمزُ القوّةِ

يا علومَ النفسِ يا صوتَ العُلى

داؤها النفسُ أساسُ العلةِ

قمرٌ شعَّ وفِكرٌ ساطعٌ

وعقولٌ في رحابِ الفِكرةِ

بَعضُنا جَمعٌ منيرٌ واعِدٌ

أيقظَ الأجيالَ رغمَ الغفلةِ

***

د. صادق السامرائي

بديع: مدهش، رائع، أصيل لا مثيل له، والذي يأتي بأشياء لا على مثال سابق يسمى مبدعا.

حسب منحنى الإنتشار الطبيعي، فأن في كل جيل بديع زمان في مجال ما، فلا يخلو جيل من طوابير بديع الزمان، لكن المشكلة تكمن في أن أنظمة الحكم القابضة على مصيرهم هي التي تلغي وجودهم، وتنفي تفاعلاتهم الحرة مع الحياة، فكل بديع زمان في عصرنا المنكوب بنا يموت غدرا وقهرا، ويتحقق حلم أعداء الأمة بتوجيه أنظارها نحو كل بديع زمان في بطون الغابرات وتحويله إلى موجود لا يمكن تكراره والوصول إلى مقامه، لترسيخ شعور الأمة بالعجز والقنوط.

وفي تراثنا "بديع الزمان الهمذاني"، (969 - 1007) ميلادية، وهو كاتب وأديب وشاعر وراوية حديث مشهور، ولقب ببديع الزمان لنبوغه في الأدب واللغة العربية، ولسرعة بديهيته وقدرته العالية على الحفظ.، وأهم ما تركه مقاماته الغارقة بالسجع والبيان، فهو الذي وضع أسس هذا الفن وبرع فيه، ولديه رسائل متنوعة ذات أصالة خالصة.

تُرى كم بديع زمان مغفول في ديارنا؟

المطلوب من زماننا أن يكون مجردا من البديع والعطاء الأصيل، وكل متميز تطارده مسيَّرة وتحاوطه جمهرة من الغادرين الساعين للقضاء عليه، ولهذا تم تصفية مبدعينا وتحطيم قدراتنا، وتأهيل الكراسي للنيل من جوهر قدرتنا وتبديد طاقاتنا، وإستنزافها بتفاعلات تآكلية تضر بمصالحنا، وتقتلع أركان قوتنا وعزتنا.

الأمة فيها ما لا يُحصى من الموصوفين ببديع الزمان، لكن توجهات الحد من قدرهم ودورهم ومقامهم يتكرر في وسائل الإعلام، وفي خطابات الكراسي المترجمة لإرادة العدوان على جوهر الأمة ونسغها الحضاري الصاعد.

كلوا واشربوا من نفطكم ولا تعزّوا عقولكم، بل عطلوها وبلدوها، وحوّلوها إلى متحجرات وفقا لمعتقدات وأضاليل ذات دجل وبهتان متوالدٍ مقيم.

فإعمال العقل بدعة، والتفكير خروج عن سكة الملة، فكونوا يا أبناء أمتي روبوتات مبرمجة بنظام السمع والطاعة والخنوع السعيد!!

بديعُ زمانِنا يُسقى وَجيعا

إرادةُ غيْرنا قتلتْ بَديعا

جَهابذةٌ لهمْ باعٌ طويلٌ

بما خَبَروا وقد كسَبوا فَظيعا

تُحاربهمْ سُراةُ القوم دوماً

وكمْ صَنعتْ لهمْ سداً مَنيعا

***

د. صادق السامرائي

كلما يحين السفر بالطائرة يدخل المرء بحالة استنفار والأكثر تأثراً البشر من ضعفاء القلوب. هذا ما يسمى حمى السفر لكني بعد اكثر من نصف قرن من السفر والترحال لم اعد اهتمّ لتلك الأمور. يقول المثل العراقي (المبلل ما يخاف من المطر).

اليوم شاهدت مجموعة من الشباب من السويديين والمشاركين في مخيمات الألعاب الرياضية التي تقام في المدينة بمجموعاتهم يتنزهون فرحين وسط المدينة. الجدير بالذكر بان من الملاحظ ان معظمهم من أصول مهاجرة ولكنهم يهتفون محبة باسم وطنهم أ لسويد. لان السويد هويتهم الوطنية الوحيدة وربما بينهم من لا يعرف كلمة من لغة أبويه لكنهم رفعوا علم السويد .  يفتخرون بوجود هذا العلم مطبوع على قمصانهم. في حين هناك ذئاب مسعورة تهددهم يوميا من على منصات التواصل الاجتماعي والإعلام بطردهم و"رميهم في البحر " وأخرجهم عنوة من البلاد. هم  أعضاء في البرلمان ويمثلون اليوم ثاني اكبر حزب في البلاد ومؤازرين في الظل لحكومة اليمينية الائتلافية التي يقودها السيد أؤلّف كريسترسون اقصد هنا وبالتحديد (حزب ديمقراطيي السويد) ذو الأصول القادمة من النازية الاوربية الجديدة.هذآ التناقض ليس بجديد في معظم الدول الاوربية مع تزايد الهجمة من قبل حملة الأفكار القومية العنصرية والسلبية المتطرفة. لا ريب ان بعض أعضاء تلك الأحزاب هم انفسهم من أصول مهاجرة ولكنهم لسبب ما جاحدون ناقمين على قومهم واخيرًا سياتي النار إلى عقر دارهم فتراهم خارج الحدود.

بعد أشهر سيبدأ حملة الانتخابات النيابية في السويد والتي ستجري في أيلول لاختيار أعضاء البرلمان ومجالس المدن ومن تجربتي الشخصية من خلال مشاركتي الفعلية في أربع دورات انتخابية وفوزي مقعدا في مجلس مدينتي أتمكن القول بان معظم الأحزاب سيبدءون الحملة لترويج برامجهم الانتخابية. بالتأكيد سوف يكون سياسة الهجرة والمهاجرين احد النقاط المهمة في تلك البرامج. تصور احد المرشحين من قبل هذا الحزب هو بنفسه من أصول مهاجرة ويروج برنامجا قد يكون سببا لطرده هو واهله من البلاد.

أليس هذا صورة سريالية قاتمة؟

ليس من المعقول ان يقوم احد بنشر كتاب كاتبه في اعلى سلطة قضائية في البلاد ضد دين يتجاوز المؤمنين به اكثر من مليارد مسلم. ان حرية الرأي والتعبير مقدسة ولكن ليس في العبادات و"كل قوم بما لديهم فرحون" قد تعبد النار او البقرة او نصا معينا فأنت حر في عبادتك وإيمانك. الكتاب الموسوم " الكفار" من تأليف السيد ريكارد يومسهوف وغير لقبه عدد من المرات واخيراً استقر اختياره على لقب زوجته ( Richard Johannes Jomshof, tidigare Johansson och Lohikoski)، وهو خريج من جامعة لوند العريقة في جنوب البلاد أستاذ وشخصية سياسية برلمانية وعضو في لجنة العدل التابعة للبرلمان السويدي. الناشر طبعا دار نشر خاص يملكه رئيس الحزب السيد جيمي اوكاسون. وربما الكاتب بنفسه كذلك من أصول مهاجرة إذا لاحظنا لقبه الأول قبل عملية التبديل.

أعود إلى هؤلاء الشباب من ابناء المهاجرين والقادمين من مدينة فيستراوس القريبة من العاصمة السويدية ستوكهولم واللذين يهتفون فرحين باسم وطنهم السويد  في هذا المنتجع السياحي البديع ، برج الطاحونة، وعلى ضفاف البحر الأبيض المتوسط وما قد يواجهوه يوما ما ، لا قدر ولا سامح الله ، ان يسيروا في الطرق الإجرامية. لان قائلا سيقول بان تلك الأحزاب العنصرية تدعوا فقط لطرد المجرمين من البلاد ويبقى من هم من نسل الملائكة في البلاد وتغلق السجون.

لكني أتساءل فقط أليس بين أعضاء تلك الأحزاب من لهم ماضي إجرامي؟ ومن يقول بان جميع الناس هم من الملائكة لا يخطئون في حياتهم ولو لمرة واحدة؟

" وَلَمَّا اسْتَمَرُّوا يَسْأَلُونَهُ، انْتَصَبَ وَقَالَ لَهُمْ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلًا بِحَجَرٍ!»" (يو 7:8).

هذه الصورة القاتمة لمستقبل الشباب ذو الأصول المهاجرة واقعية وهذا لا يعني بأنهم أنفسهم من المهاجرين بل بان احد من أجدادهم كانوا من المهاجرين وهم أنفسهم من مواليد البلاد. الصورة لا تدعوا أبداً للتفاؤل في بلاد لم تعيش اجواء حرب قرابة اكثر من قرنين من الزمان. وصلت الطائرة متأخرة للمطار والغريب انها اختارت طريقا جديدا لم أعهده من قبل فبعد ان تركنا أجواء باريس عرج إلى لندن ومن هناك إلى الدنمارك والغريب ان كابتن الطيارة طلب من المسافرين إغلاق التلفون وإطفاء جميع الأجهزة. بعد ان كان احد الركاب الجالس خلفي يعلق على الصغيرة والكبيرة كأنه خبير ملاحة جوية فقد توازنه بالكامل واذا به يبقى صامتا دون ان يفتح فمه بكلمة، ولله الحمد.

هبطت الطائرة أخيرا بسلام في المطار وهرعت راكضا كي أصل إلى محطة الباص الذي سوف يقلني إلى مدينتي لكن رجال الجمارك كانوا لي بالمرصاد ورصدوني من بعيد ليكتشفوا الكنوز ربما قالو في نفسهم هذا (صيد ثمين) وأعادوني إلى الوراء لمكتبهم وربما اشتبهوا لأني كنت اركض كي الحق الباص وبعد ان أتم الكلب البوليسي المحترم شم حقيبتي الصغيرة أؤم برأسه كانّه يؤشر على اللون الأخضر ويقول فشلته بعض الملابس للأطفال وشيء من الحلويات. أعطوني الإذن بالخروج ولكن باصي كان قد ترك المحطة وعلي الانتظار في المطار في هذا الليل الداجي والبارد.

هاتفت بسرعة زوجتي لأخبرها بالنبأ السعيد وان علي اما البقاء هنا في بيت احد الأصدقاء او الفندق في المطار والمجيء غدا صباحا او احتمالات اخرى. هل اطلب من أولادي ان ياتون في الليل لاصطحابي إلى البيت وهي مسافة ليست بقليلة ام الرقود هنا؟

تمكنت اخيرا من شراء بطاقة باص ومن حسن الحظ وجدت آخر باص متجة صوب العاصمة قبل منتصف الليل… وهكذا كل سياحة مغامرة لا تنتهي قطعا كما خطط لها. كما قالت زوجتي كل شيء يمكن حله مادمت وصلت بالسلامة والى كتابة اخرى فوق السحاب.

على متن طائرة الخطوط الجوية النرويجية القادمة من الأندلس

2026

***

  د. توفيق رفيق آلتونچي

.......................

https://www.almothaqaf.com/aqlam-2/985364-% https://www.qoraish.com/2025/10/%d8%a7%d9%84%d8%ae%d8 https://elaph.com/Web/AsdaElaph/2009/7/461212.htm

لم يعد البيع في عالم اليوم مجرد عرض لمنتج أو خدمة، بل تحول إلى عملية نفسية عميقة تقوم على فهم الإنسان قبل إقناعه، والتأثير في مشاعره قبل مخاطبة عقله. فالزبون لا يتخذ قراراته بدافع منطقي بحت كما قد يظن البعض، بل يتأثر بعوامل نفسية خفية تتعلق بالإدراك، والانطباع، والعاطفة، والثقة التي تحيط بطبيعة العلاقة بين البائع والعميل. ومن هنا، ظهر مفهوم البيع النفسي كأحد أهم مفاتيح النجاح والتأثير في عالم التسويق الحديث.

يعد البيع النفسي فن قراءة احتياجات الزبون المعلنة وغير المعلنة، والتأثير في قراراته عبر فهم الآليات الكامنة وراء دوافعه الداخلية وسلوكه الشرائي. فالبائع الناجح لا يركز فقط على خصائص المنتج وفوائده، بل يسعى لفهم ما يشعر به الزبون، وما الذي يدفعه للشراء، وما هي المخاوف التي تعيقه عن اقتناء المنتج أو الخدمة، والتوقعات التي يسعى لتحقيقها.

إنه يتعامل مع الزبون كإنسان له رغبات وحاجات وتطلعات، وليس كمجرد "عملية بيع مجردة من الأحاسيس والمشاعر الإنسانية". العلاقة بين البيع النفسي والتأثير في الزبون وثيقة ومباشرة؛ فالتأثير الحقيقي لا يحدث عبر المعلومات وبناء الوعي فحسب، بل عبر المشاعر والانطباعات. فالزبون غالباً ما يشتري لأنه "يشعر" أن هذا المنتج مناسب له ويحقق رغباته، وليس لأنه فقط "يعرف" أنه مناسب. لذلك، فإن أول خطوة في التأثير هي بناء شعور إيجابي ولطيف لدى الزبون، وهذا يتحقق عبر الثقة، والشعور بالاهتمام، والإنصات الفعال له. عندما يشعر الزبون أن البائع يفهمه ويحترم احتياجاته ورغباته، يصبح أكثر استعداداً وتقبلاً للاستماع والتفاعل والحوار.

وهنا تبرز أهمية الذكاء العاطفي في عملية البيع؛ حيث يستطيع البائع قراءة لغة الجسد، ونبرة الصوت، والتعبيرات غير اللفظية الصادرة عن الزبون، ليحدد متى يشرح، ومتى يصمت، ومتى يقترح، ومتى يترك القرار للزبون. فالتأثير ليس ضغطاً أو إحراجاً، بل هو تفاعل ذكي ومتوازن مبني على التفهم والتقدير لشخصية الزبون وقراراته.

من المبادئ الأساسية في البيع النفسي أن العميل يشتري المنفعة وليس المنتج بحد ذاته. فالزبون لا يقتني هاتفًا لكونه مجرد جهاز، بل لأنه يسعى للشعور بالإنجاز أو التواصل أو التميز، ولتحقيق الراحة في استخدامه وتلبية رغباته. وبالمثل، لا يشتري دورة تدريبية للحصول على معلومات فحسب، بل سعياً لتطوير ذاته وتحسين واقعه الحالي وبناء مستقبله. وبالتالي، فإن البائع المؤثر هو الذي يربط المنتج بالحاجات النفسية للعميل، مثل الأمان، والانتماء، والتقدير، والنجاح.

كما يلعب "الانطباع الأول" دوراً حاسماً في التأثير وترك بصمة إيجابية، إذ تظهر الدراسات أن الزبون يكون حكماً أولياً في غضون ثوان قليلة. لذا، فإن أسلوب الاستقبال والترحيب، والحضور الشخصي والمظهر اللائق، ونبرة الصوت الجذابة، ولغة الجسد والإيماءات المناسبة، كلها عناصر تؤثر في بناء الثقة أو ضعفها. وإذا نجح البائع في لفت الانتباه وكسب الثقة منذ البداية، فقد قطع نصف الطريق نحو إتمام الصفقة بنجاح. ويُعد مبدأ "الندرة" من الأدوات النفسية الفعالة في البيع، حيث يشعر الزبون بأن الفرصة محدودة، مما يعزز دافعه لاتخاذ القرار.

وكذلك مبدأ " الدليل الاجتماعي"، إذ يميل الناس إلى محاكاة الآخرين، فيتأثر الزبون بآراء وتقييمات العملاء السابقين حول المنتج أو البائعين. وهناك أيضاً مبدأ "الالتزام"، حيث يميل الإنسان إلى الاستمرار فيما بدأه؛ فإذا وافق على خطوة صغيرة، يصبح أكثر استعداداً للمضي قدماً في قرار أكبر. ومع ذلك، لا يعني البيع النفسي التلاعب أو الخداع أو الضغط على الزبون، بل يقوم على التأثير الأخلاقي المبني على الصدق والوضوح والشفافية. فالعلاقة الناجحة مع العميل لا تبنى على صفقة واحدة، بل على ثقة استراتيجية طويلة المدى. والبائع الذي ينجح في كسب ثقة زبائنه يضمن عودتهم، ويحولهم إلى سفراء حقيقيين لمنتجه أو خدمته.

وفي الختام، يمكن القول إن البيع النفسي هو انتقال من "بيع المنتج" إلى "فهم الإنسان". وهي مهارة تجمع بين المعرفة والسلوك والذكاء العاطفي وقراءة الشخصية والتعامل مع أنماطها، وتحول عملية البيع من عملية تتضمن الضغط والإحراج والإقناع إلى عملية أكثر إنسانية وتأثيراً.

***

د. أكرم عثمان

25 -3- 2026

المأمون كرمز قيادي معبر عن جوهر الأمة الحضاري هو المقصود هنا، وليس المأمون بشخصه بما له وعليه، وهو إبن زمانه ومنطلق الثورة المعرفية الكبرى في حينه.

تلقى ثقافة واسعة من أفذاذ عصره، وكان مفكرا وفيلسوفا ومستوعبا لأهمية دور العقل في صناعة الحياة الحرة الأبية.

فتفاعل بعقله مع عقول عصره، وكان لمجالسه دورها في إطلاق مكنونات الطاقات الإبداعية لدى أبناء الأمة.

المأمون هو الخليفة العالم الفيلسوف الموسوعي الإدراك، والذي إمتلك فِراسة خارقة.

ولا يمكن تبرأته مما حصل في زمانه، ولكن قدرته على إطلاق قدحة التفاعل العقلي مع معطيات العصر، وتعامله مع العلم وتقديره للعلماء وأعلام المعارف والدراية الحضارية، منحته المواصفات والمهارات الكفيلة بتفجير الطاقات وزعزعة الثوابت، وتأمين الظروف المواتية لمنطلقات تنويرية إبداعية ذات أثر إنساني.

وبسبب فقدان الأمة للقادة العلماء، أصابها ما أصابها من التداعيات ومواطن الخسران، ولن تنهض الأمة ولن تكون إذا لم تستنهض جوهرها بواسطة قادة عقل وعلم وقدرات موسوعية الآفاق.

ويمكن القول أن الأمة بحاجة إلى قادة أصحاب عقول ذات توجهات علمية ومعرفية، متواصلة مع إرادة السماء التي ترفع رايات "إقرأ" .

فالقائد العالم المتعلم النبيه يصنع مجتمعا معاصرا ومبدعا، ويبني وطنا تهايه الأوطان، وتنهل من معارفه وإبداعاته، فهل ستنعم الأجيال بسراةٍ أصحاب معارف ذات قيمة إنسانية وتطلعات مستقبلية مطلقة؟

حُداةُ القومِ نِبراسٌ مُنيرُ

إذا انْطفأوا تولاّهمْ خطيرُ

شعوبُ الأرضِ قادَتُها لواها

رؤاهمْ أصْلحَتْ فنَمى الكبيرُ

سفينةُ أمّةٍ ثُقبَتْ بجَهلٍ

بلا أمَلٍ يُبَصّرُها تَسيرُ

***

د. صادق السامرائي

تُعَدُّ الأمثال والكنايات الشعبية مصدرًا مهمًّا لدراسة الأحوال الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والسياسية للشعوب؛ لأنها تعكس الموروث الحضاري للمجتمع. كما تُسهم في دراسة طبيعة الشخصية وإطلاق الأوصاف المناسبة لها. فتراثنا، بكناياته وأمثاله الشعبية، وحتى في القليل من أشعاره، زاخر بالمفردات التي تعكس طبيعة الشخصية، سواء في ضعفها أو قوتها ودورها الاجتماعي. ومن بين هذه الشخصيات شخصية (الطرطور) وجمعها طراطير، التي جاءت في التراث لوصف الرجل ضعيف الشخصية الذي لا يملك زمام أمره ولا يُعتدّ برأيه.

وقد جاء وصفها بتعابير مختلفة، لكنها اتفقت جميعها على أنها شخصية هامشية مسلوبة الإرادة. ولم يقتصر تداول هذه المفردة على تراثنا الشعبي العراقي فحسب، بل هي متداولة في عدد كبير من تراث الشعوب. ففي الشام يُطلق على الرجل الذي يبالغ في الاهتمام بزوجته ويأخذ بمشورتها في أي تفصيل أنه “طرطور الست” أو “طرطور مرتو”. وكذلك في اليمن تُقال في الرجل التافه الذي لا قيمة له. وفي ليبيا تعني الرجل الذي ليس له رأي ويمشي وراء الجميع. وكذلك الحال في السودان، حيث تُطلق على الرجل البطّال الذي لا يعمل، والتافه الذي لا يفقه شيئًا ويمكن قيادته بسهولة.

أما في تراثنا الشعبي العراقي فهناك كمٌّ كبير من الكنايات والأمثال التي تناولت شخصية الطرطور، ومن بينها المثل الأكثر تداولًا: (لا يهشّ ولا ينشّ)، وتُقال في الشخص الخامل عديم الفائدة الذي لا يُرجى منه خير؛ فهو لا يهشّ، أي لا يطرد الذباب، بمعنى أنه لا يعمل، ولا يملك جرأة أو حركة، ولا ينشّ أي لا ينتج. ليكون غيابه كحضوره، فهو الكسول قليل الحيلة، أو الهامشي الذي لا قيمة فعلية له في المواقف، كما يقال في ضعيف الشخصية العاجز عن انجاز أي مهمه ولا يعتمد عليه في ابسط الأمور (ما يحل رجل الدجاجة)، ويعود أصل المثل إلى بائعي الدجاج قديمًا الذين كانوا يربطون أرجل الدجاج بحبل، ويُقال للشخص الذي لا يملك القدرة أو المهارة لفك هذا الحبل وتخليص الدجاجة.

وتأتي أيضًا في وصف المسؤول الذي تُنسب إليه المناصب الشكلية أو الفخرية المقيّدة، فيُقال فيه: (لا يحلّ ولا يربط). وشبيه له المثل (خصوة على جحر)، ويُضرَب للسخرية من الرئيس أو المدير الذي يُفرض من قبل جماعة معينة لكنه مجرد واجهة؛ فهو كـ“الخصوة” (البيضتين) الموضوعتين على فتحة “الجحر” دون أن تؤديا وظيفة حقيقية. فهو الشخص البارد عديم الفائدة الذي لا يتدخل ولا يحرّك ساكنًا، برغم ما يحصل أمامه من أمور تستدعي التدخل.

وفي الاستخدام الاجتماعي الساخر من أشباه الرجال يُقال (خراعة خضره)، وهي دمية أو فزّاعة تُصنع على هيئة إنسان وتوضع في المزارع بهدف إخافة الطيور وإبعادها عن المحاصيل الزراعية لتلافي أكلها أو إتلافها. ولها ما يقابلها عند المصريين بـ (خيال مآتة) و(نطّار) و(رجل القش) نسبة إلى القش الذي تُصنع منه خراعة الخضرة. وكلها تشير إلى أشباه الرجال الذين تنقصهم الرجولة ولا يتمتعون بمزايا الشخص الطبيعي.

وفي المعنى نفسه هناك المثل القائل: (مثل كركوشة الخرج لا يعدل ولا يميل). والخرج بمثابة حقيبة تُوضع على ظهر الدابة ويضع فيها الراعي حاجاته مثل التمر والماء والخبز. وعادة ما يُزيَّن الخرج بخيوط ملوّنة تُجمع وتُعقد فتصبح كالوردة يضعها الراعي للزينة فقط؛ فهي لا تُعدّل الخرج إذا مال عن ظهر الدابة، وليس لها دور في إرساء توازنه. ويُضرَب المثل للذين يبدو عليهم الوقار والمظهر الحسن، لكنهم في الحقيقة ليس لهم دور اجتماعي يُذكر.

كما تناولت أمثالنا معاناة المرأة مع الرجل الذي يتولى مسؤولية غير جدير بها، حيث هناك عدد من الأمثال التي تشكو فيها المرأة من الرجل الخامل الضعيف، فتقول فيه: (اسمك رجل يكعّيم عن وحشة الليل). وقصة هذا المثل تحكي عن فتاة جميلة أُجبرت على الزواج من رجل اسمه كعّيم. وفي ليلة الدخلة، وعندما مرّ ثلثا الليل، نام كعّيم بينما بقيت هي ساهرة، فقالت هذا المثل تندب حظها العاثر الذي ساق إليها هذا الطرطور. واليوم ما أكثر من يتقلد زمام الأمور وهو ليس أهلًا لها، وبالتالي ما أكثر إخوة كعّيم وأمثاله في هذا الوقت، مع الأسف.

***

ثامر الحاج أمين

واصل الراحل عامر عبد الله جهوده، الساعية الى ايقاف قوائم الاعدام للشيوعيين وأصدقائهم، فكتب: ايضا من عواقب هذا التوجه الغاشم على مصير العلاقة بين الحزبين، التقيت اولا، (عدنان الحمداني)، { 1940- 1979، قيادي بعثي، ووزير مقرب من (صدام) واعدمه في مجزرة قاعة الخلد في 1979/8/8} وكنت احسبه متعقلا، وذا كلمة نافدة عند صدام حسين، ولكنه خيب ظني بقوله: ان تنفيذ هذه الاحكام هي بمثابة تحذير للحزب الشيوعي، وانها ستصب في خدمة الجبهة، تجنبها ما يمكن ان يصدع علاقات التحالف بين الحزب مستقبلا.

والتقيت (نعيم حداد) {ولد في الناصرية 1933 وتوفي في عمان 2012، قيادي بعثي، تقلد عددا من المناصب العليا ثم جرد منها في حكم صدام} لنفس الغرض، فبدأ مغلوبا على امره، وكان يفتش عبثا عن تبرير لهذه الفعلة الغاشمة. ولدى التقائي ب(عدنان خير الله طلفاح) {1940- 1989/5/4 وزير دفاع وابن خال صدام، توفي في حادث تحطم مروحية، يشك فيه} اثار دهشتي بصوته العالي وحالة التوتر والتازم التي استحوذت عليه، اذ اعرب صراحة عن اسفه وعدم قناعته بهذا الاجراء، وراح يستفسر مني عما اذا حدث شيء ما بين الحزبين، او بين العراق والاتحاد السوفييتي!، لانه - كما قال- لم يفهم الدافع لذلك كله، وقد جاء صدام الى الاجتماع وهو في حالة هياج شديد وطلب الموافقة على هذا القرار، وبعد ان عبر عن شعوره بالاسى والخيبة بما وصلت اليه الامور، اكد مرة اخرى انه لم يكن موافقا في دخيلة نفسه على هذا الاجراء الخطير، ولكنه اضطر الى التصويت او السكوت اخذا بمبدأ "الجماعية " في العمل القيادي - على حد تعبيره-!.

وقد اعتبر هذا القرار لغما في العلاقات مع الاتحاد السوفييتي، وقال: وفوق ذلك يريدونني ان اقوم بالزيارة الرسمية المقررة لموسكو.. تصور!، "من اول غزاتها انكسرت عصاته"- اي من اول غزوة له انكسرت عصاه-!

وما هي الا ايام قلائل، حتى بدأ تنفيذ الاحكام، والتي كانت الصاعقة التي اجهزت على الجبهة الوطنية، وانزلت الضربة الاخيرة بالتحالف القائم بين الحزبين، وقد شملت الدفعة الاولى ممن نفذ فيهم حكم الاعدام، (واعاد نشر 27 اسما من القائمة التي نشرت في الجزء الاول، من جماعة سهيل شرهان). وبعدها تم تنفيذ حكم الاعدام في القائمة الثانية وعددهم (12) شهيدا.

وقد تكتمت السلطات على هذه الجريمة، فلم تعلن اسماء ضحاياها، ولكن الحزب قد تعرف عليهم من خلال الاتصال بعوائلهم. اما بقية المحكومين بالاعدام او الاشغال الشاقة المؤيدة، فقد انقطعت اخبارهم والارجح انهم لاقوا نفس المصير.

اثر تدهور الاوضاع على هذه الصورة اقترحت على الحزب بان اقل ما يمكن عمله لمواجهة هذه الاعمال الاجرامية، وكشكل صارخ من الاحتجاج عليها، هو المبادرة الى سحبي من الحكومة، رغم ان الافضل هو سحب الوزيرين وانهاء التعاقد مع حزب البعث في هذا الميدان. ولكن لم تجر الاستجابة الى طلباتي المتكررة، وكان هذا خطأ لم استطع تلافيه الا بعد عام.

***

من مفارقات الفترة التي سبقت هذه المجزرة بعام واحد هو القرار الصادر بتاريخ 1977/5/24 من مجلس قيادة الثورة بتمليك الحزب الشيوعي قطعة ارض في بغداد لبناء مقره العام، وقد لاحظت ان (محيي عبد الحسين) (هامش: كان اول من تعرض للهلاك والقتل اثر مهرجان الدم الذي نظمه صدام حسين للعشرات من زملائه في مستهل توليه رئاسة الجمهورية عام 1979)، الذي عين وقتذاك سكرتيرا لرئيس الجمهورية ومجلس قيادة الثورة، قد ابدى اهتماما ملحوظا بهذا الامر. كما استتبع هذا القرار تحويل مبلغ (مئة الف) دينار الى الحزب، كدفعة اولى وذلك بتاريخ 1978/1/21 "للمباشرة ببناء مقر اللجنة المركزية للحزب الشيوعي العراقي"، كما جاء في القرار. وقد وضع هذا المبلغ بتصرف لجنة شكلها الحزب بتاريخ 1978/1/26 من:

-    كمال نعمان ثابت، رئيسا

-    حكمت محمد فرحان، عضوا

-    عبد الرحيم اسحق تلو، عضوا

وورد في قرار اللجنة المركزية هذا، قيام هذه اللجنة بتشييد المقر، وتخويلها كافة الصلاحيات اللازمة، بما فيها التعاقد والصرف والقبض، وفتح الحسابات في المصارف العراقية، وتوقيع الصكوك، مع الاقتصاد بالتكاليف، و"السرعة بالانجاز ".

***

هكذا ظلت الامور حتى ربيع عام 1978، متداخلة، متناقضة في مظاهرها على الاقل، رغم ان نهج القمع لم يتوقف وكان وقفه شرطا في التحالف ولكن ما حدث هو العكس وقد اتخذت حملة القمع تصعيدا خطيرا، منذ عام 1975، كما اقترنت بحملات اعتقال وملاحقة، شملت مختلف انحاء العراق، واعمال تعذيب وانتهاكات فظة، حتى احكام اعدام على غير العسكريين.

من امثال ذلك ما حدث بالنسبة لاحد المعلمين (عبد محمد علي ناصر الزبيدي) الذي كان في السابق عضوا في الاتحاد الوطني لطلبة العراق (وهو منظمة تابعة لحزب البعث) عندما كان طالبا، وانتسب للحزب الشيوعي بعد تخرجه.  تشير المذكرة المقدمة من قبلي الى رئيس الجمهورية بتاريخ 10 تموز 1977، الى ان الاوراق الخاصة بتنفيذ حكم الاعدام به وصلت الى الجهات المختصة، وان الرفيق عزيز محمد قد وجه بدوره التماسا الى رئيس الجمهورية من اجل العفو عنه. كما تشير المذكرة الى انه انتسب الى حزبنا دون معرفة مسبقة من جانب رفاقنا في منظمة الفرات الاوسط بانتسابه الى الاتحاد الوطني لطلبة العراق. وتتضمن المذكرة بالاضافة الى ما سبق، تخطييء المحكمة في تطبيق القانون الذي لا يعاقب المنتسب الى  الاتحاد الوطني بعد اضطراره لترك  العمل فيه بعد تخرجه، خصوصا ان هذا المواطن لم يكن يوما عضوا في حزب البعث، لكي يؤاخذ بتهمة الانتماء"المزدوج ".

ومن المعلوم ان احتدام المنافسة مع الحزب الشيوعي، في تلك الفترة خصوصا، والتي شهدت توسعا متعاظما في شعبية الحزب ومكانته بين الجماهير، كانت في اساس تلك السلسلة من القوانين الضارية التي تحكم بالاعدام على تهمة الازدواج في الانتماء الحزبي، او اخفاء الانتساب السابق، وما الى ذلك من قوانين غريبة لا مثيل لها في العالم. وفيما عدا هذه الحادثة كانت هناك حوادث اخرى مماثلة في (بابل والنجف وكربلاء والبصرة وغيرها) وفيما يلي نماذج منها:

ففي مذكرة موجهة الى (صدام حسين) بتاريخ 26 حزيران 1977 ورد ما يلي: "احيطكم علما بان الوضع في البصرة قد بدا في الفترة الاخيرة يتخذ طابعا متأزما ومقلقا بسبب تواتر الاعتداءات والاعتقالات ضد رفاقنا العاملين في مقر حزبنا هناك.

بتاريخ 1977/6/22 شوهد عدد من رجال الانضباط العسكري المسلحين وثلاث سيارات من رجال الامن على مقربة من مقر الحزب. وعندما خرج الرفيق محمد قنبر، وهو يعمل على الآلة الكاتبة في المقر، تعرض للضرب امام الناس، وعلى بعد عشرين مترا من بناية المقر، ثم اخذ رجال الامن والانضباط يتكاثرون، فحاول رفاقنا التفاهم معهم واستطلاع السبب، غير ان هؤلاء انهالوا عليهم بالضرب، ثم اقتحموا المقر واخذوا يطلقون الرصاص ويهددون بالقتل ويعتدون بالضرب على الموجودين، مما اسفر عن اصابة احد الرفاق بجروح بليغة، وكسر اسنان احدى الرفيقات، واقترن هذا الحادث بالسباب والشتائم  وتجمهر مئات من الناس، مما اثار موجة من الاستياء والتازم في نفوس المواطنين. وقد حاول رفاقنا عبثا التفاهم مع المسؤولين عن هذا الحادث او تدارك عواقبه لدى المسؤولين الاداريين والحزبيين.

وتمضي المذكرة قائلة:

"وبدلا من وضع حد لهذا الحادث، تجدد الاعتداء على المقر مرة اخرى، بتاريخ 1977/6/26 من قبل معاون امن الميناء، كما اخذ نطاق الاعتداءات  والملاحقات يتسع ضد منظمة الحزب في البصرة، ولا سيما في الفترة الاخيرة"…"فخلال الاسابيع الماضية، جرى اعتقال حوالي (30) من اعضاء الحزب واصدقائه وبضمنهم الرفيق (حمزة علي) الى جانب ثلاثة رفاق تقدموا لكفالة بعض الموقوفين. كما تم استدعاء (12) مواطنا في القرنة، اجبر ستة منهم على الانتماء لحزب البعث". ".. وشهدت هذه الفترة تنقلات للموظفين والعمال الذين يعتنقون الافكار التقدمية، من شيوعيين ومستقلين، وخصوصا في مؤسسات الميناء والجمارك والنفط والتعليم".

هذا ويصف رفاقنا الوضع في البصرة بانه مشحون بالقلق والتوتر، حيث لا يمر يوم دون اعتقالات للشيوعيين بهذه التهمة او تلك، وتعريض الموقوفين الى معاملة مهينة والى السب والشتم ضد الحزب وعقيدته. وكما يشيرون الى فصل (الدكتور علي الساعدي) من الجامعة اثر مشاجرة مع احد الاساتذة المصريين الذي دأب على سب الاتحاد السوفييتي دون مبرر. ويذكرون ايضا ان تهمة  سب حزب البعث (وهي مجرد ذريعة باطلة) قد باتت سببا في اعتقال رفاقنا او ملاحقتهم، ويشيرون على سبيل المثال الى اعتقال الرفيق (خالد عبد الستار) بهذه التهمة الملفقة، بينما الحقيقة هي الطلب اليه والى زوجته (التي تعمل في مقر الحزب) الانتماء الى حزب البعث، ورفضهما لذلك..كما يلاحظون ان موجة الملاحقات والاستدعاءات قد اخذت تمتد الى محافظة (ذي قار).

والى جانب ذلك كله، يذكر رفاقنا في البصرة انه يوجد حاليا نحو (200) طالب وطالبة موقوفون بتهمة الحصول على أسئلة الامتحانات، وحرمان آخرين من المشاركة في الامتحانات، علما بان الاسئلة التي تسربت للطلبة قد تمت عن طريق (ثامر الامارة) عضو شعبة حزب البعث في قضاء القرنة.

وبعد ان تشير المذكرة الى اشتداد واتساع حملة الملاحقات والاعتداءات، وتفاقم مشاعر الاستياء بين المواطنين، تطالب بالتحقيق عن هذه الوقائع، وبمعزل عن مداخلات عناصر الاجهزة الامنية بوضع حد لمثل هذه الممارسات الخاطئة، كانت هذه الملاحقات والاعتقالات تتم في سياق نهج الملاحقة والتضييق على نشاط الحزب الشيوعي، وبإيعازات مباشرة ، كما عبر عن ذلك (صدام) صراحة في خاتمة اجتماع مجلس التخطيط المعقود بعد ذلك ببضعة شهور، كما اسلفنا.

والى جانب هذه الحملة في البصرة، نورد مثيلا لها في منطقة الفرات الاوسط، ففي مذكرة موجهة من قبلي الى رئيس الجمهورية في أوائل تموز عام 1977 تطرقت فيها الى "الملاحقات والتجاوزات والضغوط الموجهة ضد رفاقنا وأصدقائنا".

تقول المذكرة: "لقد استمرت وتصاعدت حملة الاستدعاءات والتحقيق والاعتقال والتعذيب فشملت (72) شخصا في محافظات بابل والنجف وكربلاء، خلال الثلاثة اشهر الماضية…ومما يبعث على الاستنكار هو ما اورده رفاقنا في منظمة الفرات الاوسط في المذكرة التي قدموها الى لجنة الجبهة حول اساليب الاكراه والتعذيب التي استخدمت ضد هؤلاء المناضلين، ومنها تعصيب العيون، وتكتيف الايدي بالحبال، والضرب المبرح على اماكن حساسة من الجسم، واستخدام الصعقات الكهربائية…والامر المنكر فوق ذلك كله هو ما جرى للرفيقين (حميد عمران وعبيد شرهان) حيث عريّا من ملابسهما وادخلت في جسدهما "الخوازيق"!… وان ما يثير الاستغراب حقا هو تلك التهم الباطلة التي يفتعلها البعض لتبرير هذه الاجراءات القاسية والاعمال المنكرة ضد مناضلين مخلصين".

وفي مذكرة اخرى موجهة الى صدام حسين بتاريخ 3  تموز 1977، ورد ما يلي: "بناء على اقتراحكم بالتعجيل في اعلامكم عما بنشأ من مشاكل، وعدم تكديسها وبالتالي تفاقمها، اضع امامكم صورة موجزة لما يجري في منطقة الفرات الاوسط والبصرة.

اولا- صورة طبق الاصل من مذكرة رفاقنا الى لجنة الجبهة في بابل بتاريخ 30 أيار 1977، والتي سبق ان قرأت لكم فقرات منها…مما ابديتم استنكاركم الشديد لما ورد فيها من انتهاكات، واقترحتم تكوين لجنة تحقيق مشتركة بشان ما ورد فيها من وقائع.

لقد تركنا بعض الوقت يمر بانتظار معالجة مثل هذه المشكلة موضوعيا، وذلك على ضوء الاتفاق الذي تم بين ممثلي حزبينا في لجنة الجبهة وبين الرفيق سالم الطائي، رئيس اللجنة (مسؤول منظمة حزب البعث في المحافظة)، وذلك على اساس:

-    دعوة مدير الامن في المحافظة الى اجتماع الجبهة ومناقشته في مسالة الاعتقالات واساليب التعذيب.

-    البحث في امكانية تشكيل لجنة تحقيق مشتركة للبحث في هذه التجاوزات.

لقد قام ممثلو حزبنا بابلاغ الرفيق سالم بما يلي:

  • ان المذكرة هي احتجاج على الاعتقالات الواسعة التي تقوم بها اجهزة الامن وعلى اساليب التعذيب اللاانسانية مع المعتقلين. وان قائمة المعتقلين المرفقة مع المذكرة لا تتضمن سوى من امكن التعرف عليهم، فهناك اعداد اخرى، كما ان المذكرة ولا تتضمن جميع مظاهر التجاوزات، كشتم قادة الحزب الشيوعي، والطعن بالجبهة الوطنية، والاهانات.

وتستدرك المذكرة المقدمة الى (صدام) قائلة: "غير ان استمرار الاعتقالات وامتدادها الى كربلاء والنجف، فضلا عن بابل، وشمولها (73) شخصا.. كما هو مبين في القائمة المرفقة طيا.. وعدم اتخاذ اجراءات جدية لمعالجة ظاهرة الاعتقالات والاستدعاء للتحقيق وما يرافقها من انتهاكات..قد اضطرنا الى وضع الصورة امامكم مباشرة. ثم ان التقارير الواردة من رفاقنا في النجف وبابل بتاريخ 1977/6/26 تشير الى استمرار اعمال الملاحقة والاعتقال والضغط. فقد تم مثلا اعتقال احد الرفاق مؤخرا، واسمه (عبد الحسين عطش)  تعرض للتعذيب، كما طلب منه معلومات عن الدورات التثقيفية التي تقام في المقر". ولا يزال الوضع في بابل متازما.

وحول الوضع في البصرة تشير المذكرة الى تسلم ايضاح مقدم من مديرية الامن العامة بشأن التجاوز على مقر الحزب، وتقول: " بيد ان ما حدث في البصرة بعد تقديم رسالته اليكم، لا يزال يثير التساؤل حول حقيقة الوضع هناك.

-    في يوم 1977/6/25 القي القبض في المقر على الرفيق (حسن ابراهيم) مع شقيقته (نجاة ابراهيم) وتعرضا الى الاهانات، كما تم الاستيلاء على جملة من الوثائق الحزبية.

-    وفي صباح 6/26 القي القبض على الرفيقة العاملة في المقر (عواطف حاتم)   تعرضت الى الضرب المبرح في الشارع العام وامام الناس في منطقة الحيانية، وكانت قد كسرت اسنانها اثناء المداهمة الاولى للمقر.

-    "ان الايضاح الذي طلبتموه من مديرية الامن حول حوادث البصرة، يعزز قناعة بضرورة تكوين لجنة تحقيق مشتركة"، وبعد ان تتحدث المذكرة عن "المصاعب  والمصائب" تطالب "بمعالجة هذا الوضع المؤسي ووضع خاتمة له، بعد ان استطال امره وتفاقمت مظاهره".

كانت هذه المشاغل المرهقة والمذكرات المتلاحقة هي الاسلوب المقرر في مواجهة هذه الحملات والانتهاكات الوحشية التي شملت محافظات بكاملها. كما كان هذا الاسلوب الذي لجأ اليه سائر الرفاق في سائر انحاء العراق، كما نلاحظ من مذكراتهم الاحتجاجية، الموجهة الى لجان الجبهة في محافظاتهم،. منها مثلا المذكرة المقدمة من اللجنة المحلية في محافظة بابل. فقد جاء فيها ما يلي: " ..في هذه الظروف التي تشتد فيها مخاطر التآمر الاستعماري الصهيوني على مسيرة شعبنا ومكتسباته الوطنية التي حققتها الثورة بقيادة حزب البعث العربي الاشتراكي فان مسؤولية مضاعفة تقع على عاتقنا جميعا تستوجب منا بذل اقصى الجهود لرص وحدة صفوفنا وتمتين علاقات الرفقة الكفاحية التي تشدنا جميعا في اطار الجبهة الوطنية والقومية التقدمية لخدمة اهداف شعبنا وامتنا العربية المجيدة".."ومن هذا المنطلق، وبدافع الشعور العميق بالمسؤولية ازاء صيانة وتطوير علاقاتنا المشتركة، وردم الثغرات وسد المنافذ التي يسعى اعداء شعبنا المتربصين بمسيرته التقدمية، الى النفاد منها لاغراق بلادنا في الظلام، فاننا نضع امامكم صورة خاطفة وامنية، عما عاناه ويعانيه رفاق منظمة حزبنا في المحافظة، من تضييقات وضغوط وتجاوزات من جانب اجهزة الامن، تفاقمت حدتها خلال الشهرين الاخيرين بوجه خاص، بحيث باتت مصدرا للالم والقلق والتوجس لدى الاوساط الشعبية، التي باركت قيام التحالف الوطني، واعتبرت قيام الجبهة الوطنية، تحقيقا لهدف من ابرز طموحاتها الوطنية".."..ولقد شملت الاستدعاءات والاعتقالات خلال الاشهر الثلاثة الاخيرة فقط (32) مناضلا من عناصرنا".

وبعد ان تستعرض المذكرة اساليب التحقيق والتعذيب، تشير الى اتساع دائرة الاعتقالات وشمولها رفيقا من العاملين بمقر الحزب في المحافظة، وهو (كاظم جواد) مع تشديد الرقابة على مقر الحزب في الحلة وبيوت العديد من الرفاق الشيوعيين، كما اكدت على الهدف المتوخى من هذه الاساليب وهو الاسقاط السياسي وانتزاع الاعترافات والمعلومات عن عمل الحزب والمساومة مع المعتقلين على شرفهم السياسي، واخيرا الطلب منهم تحت التعذيب والتهديد العمل كوكلاء للامن في صفوف الحزب.

ورفق هذه المذكرة قائمة بمن جرى توقيفهم واستدعاؤهم لمدة شهر او بضعة ايام او ليلة واحدة، واحيانا مجرد استدعاء وتهديد وتحقيق، وذلك خلال الاشهر: آذار ونيسان ومايس، وتشتمل القائمة على:

-    41 شخصا من محافظة بابل، بينهم 16 عاملا، وعدد اخر من الطلاب والفلاحين والموظفين  واحدى الفتيات  واحد المهندسين.

-    15 شخصا من محافظة كربلاء وغالبيتهم من الكسبة.

-    16 شخصا من محافظة النجف ، بينهم ربة بيت.

ان مقدمة هذه المذكرة ومضامينها الاخرى، هي في الواقع تعبير عن سياسة الحزب الرسمية، بما في ذلك التعويل على توجيهات اللجنة العليا للجبهة وتصريحات (صدام حسين) "بادانة هذه الاساليب في التعامل مع قوة تقدمية!" كما ورد في المذكرة.

ويمكن القول انه حتى هذا التاريخ، لم يجر التوقف من جانب قيادة الحزب، لدى النوايا التي باتت مكشوفة واستهدفت اضعاف الحزب وتفكيك صفوفه ومحاولة تخريبه واخراجه بالتالي من الجبهة ومن الحياة السياسية في البلاد.

حتى ان اجتماع اللجنة المركزية في آذار 1978 الذي سجل اول تنبه لانهيار الوضع وتداعي العلاقات الجبهوية، لم يشكل وقفة جدية، او البدء بصياغة موقف متكامل، وبالعكس فقد جوبهت تساؤلات بعض الرفاق بالقمع ووصفت بالتطيّر. وكان احد اعضاء المكتب السياسي (الرفيق …) قد القى حديثا في لجنة منطقة بغداد بحضور عدد كبير من الكادرات المتقدمة، اكد فيه على موضوعة التحالف وضرورة ادامته وتعزيزه… بل واثار دهشة الجميع عندما اعلن عن استعداد الحزب للدفاع عن الحكم "بقوة السلاح"!؟.

وفي النسق ذاته سارت الامور في اجتماعات اللجنة العليا، حيث عقب العضو الاخر في المكتب السياسي ( الرفيق …) على تحذيرات (صدام) من اعتماد "صيغة الطواريء" من قبل الحزب الشيوعي، بان الحزب قد حرق جميع السفن لدى عبوره نحو التحالف، اي لم يعد لديه ما يخفيه، او يدعو للتخفي.

بعد الوعيد المكشوف كانت هناك الممارسات القمعية والحملات المنظمة لتخريب الحزب بالاسقاط السياسي، ومحاولة اختراق صفوفه، والاغارات المتعاقبة على المواضع والقطاعات التي لم تكن بالنسبة لاجهزة السلطة، معروفة تماما او مكتشفة كليا.  وكان كل ذلك تمهيدا واضحا لتطبيق الخطة الرامية الى تصفية الحزب بصورة شاملة.

واذا لم تجد تلك المذكرات او لجان التحقيق التي تكونت في بعض الاحيان، في ايقاف حملات القمع او التخفيف منها، ولا في صيانة الجبهة من التصدع ومن ثم الانهيار، وقد امتدت هذه الحملات حتى الى الطلبة الذين كانوا يدرسون في الاتحاد السوفيتي والبلدان الاشتراكية، حيث تم حجز ثمانية طلاب مثلا من الذين جاءوا  في العطلة الصيفية لزيارة ذويهم، وكانوا على وشك الحصول على شهادة الدكتوراه، وهم (كما ورد في مذكرة وجهتها الى (صدام حسين) في 4 ايلول 1977): فيصل ياسين شاطي، عبد العباس مرهج، رعد موسى محمد جعفر، رحيمة حسين عبيد، رجاء جاسم علي، مهدي محمد حسين، ناظم زغير، سعد عبد الرزاق عبود وجمال حسين.

وقد منع هؤلاء من العودة رغم الجهد الذي بذل في استحصال موافقة مديرية التجنيد ومديرية البعثات وغيرها من الدوائر الرسمية.

***

د. كاظم الموسوي

 

تأريخنا أرقى وأنصع من تأريخ الأمم الأخرى، والفرق في عصرنا، أننا نسلط الأضواء على العثرات ونغفل الإنجازات، والأخلاقيات والقيم السامية، والتفاعلات العزيزة الأبية، ونتوطن في ظلمات الإدّعاءات المجحفة القاضية بتدميرنا، ومحق جوهرنا وتعطيل إرادتنا.

الأمم الأخرى تدفن تأريخها السلبي وتركز على الإيجابي، وتقدمه على طبق من ذهب للأجيال، ونحن نجيد طمر تأريخنا، والإمعان بإيهام الأجيال بأننا أمة سيئات، وتداعيات وحروب وصراعات عبثية عدوانية، لا تساهم في تأمين الإعتصام بالوحدة والحرية والعدالة الإجتماعية، وتكريم قيمة الإنسان.

ما نستحضره من التأريخ لمحق قيمة الإنسان، وتبديد طاقات الأجيال، ويتأكد الإستثمار في الدين لتحويل نوره إلى نار، وكأننا الأمة الوحيدة التي عندها دين.

فكيف نطوّع لأنفسنا، أن نقدم الغثيث الذي لا ينفع الناس، وندفن عناصر الحياة ومولداتها في دثار من الخيبات والنوائب المنتقاة لتمرير الإدّعاءات، وتكرار النكبات لإيهام الأجيال بأنها دون القدرة على صناعة الحياة، وبناء الحاضر الزاهر والمستقبل السعيد.

علينا أن نستيقظ من غفلتنا، ونتدرع بحقيقتنا الحضارية، ونمثل جوهرنا المعرفي الأصيل، ونوطن أنفسنا على العزم والإصرار وشحذ الهمم بالقيم، الكفيلة بدفعنا بتوثب مقدام إلى آفاق المستقبل المستقيم القويم.

التاريخ المتداول ينهرنا ولا يعلمنا، يعوقنا ولا يهذبنا، يبتلعنا ولا ينورنا، إنه كالآفة التي تلتقم ما تصادفه من الأحياء، التأريخ المشوه يخيم على وعينا الجمعي، وتتكرر منطلقاته التدميرية لذاتنا وموضوعنا، ويرمي بنا في آبار ما فات ما مات، فنتحول إلى أموات تتدحرج فوق تراب الذين فيه رميم يتحكمون بمصائرنا، ويسحقون وجودنا ويمحقون تطلعاتنا، لأننا من رهائنهم التابعة الخانعة المنوَّمة بالأضاليل والخداعات والبهتان المقيم.

التأريخ ما وعيناها، بل عُقمنا به، وتعطلت عقولنا بأوهامه، وصدقنا ما توارد إلينا من قصص وحكايات لا تتوافق مع بديهيات الأمور، فهو تأريخ كراسي، وفيه هذربات خيال وتحليقات في مناطيد التصورات الكارثية لبشر أضفيت عليهم توصيفات خارقة لا يستطيعها مخلوق آدمي، إذ تتقاطع مع طاقاته الخلقية وقدراته البايولوجية والفسيلوجية والعقلية.

التأريخ فيه الكثير من الكتابات على أبواب التسول والمديح الداعي للمكرمات، ومعظم كتبه تهدى للسلاطين، وهي تشيد بهم وتعظم مآثمهم، وتحسب خطاياهم من الأعمال التي ترضي رب العالمين.

فهل لنا أن نقرأ التأريخ بعيون علمية باصرة ذات ضوابط ومعايير واقعية ونستحضر جوهره الحضاري؟!!

***

د. صادق السامرائي

 

لا غرو أن حقائق الوجود والمعارف الغيبية تتجلى لكل ذي لب في صور ومعان تتجاوز ظواهر ألفاظ آي القرآن الكريم. إن كتاب الله العزيز، ذلك النور المتجسد في كلمات غيبية نورانية، ليس مجرد نص يتلى، بل هو كون متكامل، تتراءى فيه آيات الحق في صورٍ متعددة، تتجدد بتجدد الزمان والمكان. فالسورة القرآنية، في هذا السياق، ليست مجرد بناء سردي شكلي، بل هي صورة ربانية تعرض على شاشة العقل الإنساني، لتدرك من خلالها ما لا تدركه الأبصار من حقائق الغيب. إنها مرآة تعكس المعاني الإلهية، وتقرب البعيد، وتجسد المجرد، لتناسب قابلية الإنسان المحدودة وفهمه المتطور.

إن العقل البشري، بما هو مخلوق في الزمان ومحدود في إدراكه، لا يستطيع أن يحتمل دفعة واحدة فيض المعاني اللامتناهية التي يتضمنها كلام الله القديم.

لذلك، جاءت السور كإطارات متتابعة، كل إطار منها يحمل مشهدا من مشاهد الهداية، ومقطعا من فيلم الوجود الإنساني في رحلته من الغيب إلى الشهادة. هذه السور ليست مجرد فصول في كتاب، بل هي تشبه لقطات سينمائية غيبية ،ترى بعدسة البصيرة، كل لقطة منها تكشف عن جانبٍ من جوانب الحقيقة الكبرى، وتدعو المتأمل إلى الغوص في أعماقها.

يمكن اعتبار السورة القرآنية كعدسة للرؤية لا كمجرد نص، فليست السورة كلماتٍ تتلى فحسب، بل هي عدسةٌ معرفية يرى بها الإنسان نفسه والعالم وربه.

فكل سورة في نظرنا هي صورة مركبة من ألوان متعددة، تتداخل فيها أبعاد مختلفة لتشكل نسيجا متكاملا من الهداية:

* لون العقيدة: الذي يرسّخ اليقين في القلب، ويثبت أركان الإيمان في النفس، فيصبح العبد على بصيرةٍ من أمره، مستنيرا بنور الخالق على طريق المحجة البيضاء.

* لون الأخلاق: الذي يهذب السلوك، ويقوم الاعوجاج، ويزكي النفس، لتكون مرآة صافية تعكس محاسن الفضائل ومكارم الشيم.

* لون القصص: الذي يوقظ الذاكرة الإنسانية، ويحيي العبر، ويقدم النماذج، لتكون دروسا وعظات للأجيال المتعاقبة.

* لون الإشارات: الذي يفتح باب التأمل لمن سلك طريق الذوق والمعرفة، فيرى في كل آيةٍ إشارة إلى سر من أسرار الوجود، ودلالة على حكمة من حكم الخالق.

***

د. محمد غاني

الحُكم: تولي شؤون الناس وقيادتهم داخل دولة، وهو يشبه مقوَد سفينة كبيرة إذا أحسن الإمساك به وصلت إلى مينائها بأمان.

لا يهم نوع الحكم، المهم أن يحقق المصلحة العامة، ويحافظ على قيمة المواطن، ويلبي إحتياجاته، ويقدم له الخدمات المطلوبة بأنواعها.

فما قيمة نوع الحكم، رأسمالي، إشتراكي، ديمقراطي، ملكي، جمهوري، ديني وغيرها، المهم الإنجاز والأهداف المتحققة في الواقع.

أما إذا كان الظلم سائدا، والفساد قائدا، والخطف والتغييب عادةً، فلا معنى لنوع الحكم ولا داعي لتسميته بما يعجبك، فالعمل يبرهن هويته.

"لا تظلمن إذا كنت مقتدرا...فالظلم مرتعة يُفضي إلى الندم"

الحكم بجوهره يعني إدارة دولة بتوفير ما يحتاجه مواطنيها وفقا لمعطيات العصر، ولا يمكن للحكم أن يكون عقائديا لأنه سيدمر الدولة أيا كانت طبيعتها ومميزاتها الجغرافية والتأريخية.

ومن المربك أن مسيرة البشرية تخبرنا بتغلب أنظمة الحكم العقائدية على نظام الدولة وبناء مؤسساتها الرحيمة بالمواطنين، لأن أغلب أنظمة الحكم فئوية وفردية، مما يوفر الظروف المناسبة لإنفلات نوازع النفوس الأمّارة بالسوء والبغضاء، وتغليفها بما يغري المغفلين ويصنع التغني بالسمع والطاعة ووجوب الإذعان والخنوع، وتعظيم الموضوع في الكرسي إلى حين.

عَقائدهمْ لحكمٍ إسْتباحَتْ

بهمْ دولٌ تردّتْ واسْتهانتْ

لأنّ عقيدَها أوْلى اتّباعاً

فلا وطنا ولا شعبا أصانَتْ

ومَنْ حَكمَ البلادَ بغيرِ حِرْصٍ

يُدمّرها بآفاتٍ تعادَتْ

***

د. صادق السامرائي

نحنُ لسنا هذا الجسد الذي نرتديه، ولا هذه الأسماء التي ننادى بها.. نحنُ جذوةٌ روحية، قبسٌ من سرٍّ أعلى، هبطت إلى هذا العالم لتتعلّم كيف تلمس التراب دون أن تنطفئ.

نمشي على الأرض، لكن شيئًا فينا يحنّ إلى السماء، نضحك، نحزن، نخطئ، نتعلّق… وكأننا ننسى للحظة أننا عابرون، ثم تعود تلك الومضة الخفية لتوقظنا: لستَ هذا الألم، ولا هذا الخوف… أنت أوسع. الجسدُ تجربة، والحياةُ درس، والروحُ هي الشاهد الصامت الذي لا يشيخ، يراقبنا ونحن نغرق في التفاصيل، ثم يهمس:

"تذكّر… لقد جئت لتفهم، لا لتتوه."

نحنُ جذوةٌ روحية تمرّ بتجربة جسدية،

نتعلّم فيها الحبّ من الفقد،

والنور من العتمة،

ومعنى الله من حدودنا نحن.

وحين تنتهي الرحلة،

لا يعود السؤال: ماذا امتلكنا؟

بل: كم عرفنا من أنفسنا…

وكم اقتربنا من ذلك النور الذي كنا منه، وإليه نعود.

***

د. صابر الحميدي

 

الآيديولوجيات أوهام راسخة في الوعي الفردي والجمعي، ويبدو أن البشر لديه إستعداد وثاب للعيش في مملكة الأوهام. الآيديولوجيات متخندقة في أوهامها، ومتمترسة في رؤاها المسوِّغة للوهم الفاعل فيها. ومن أخطرها الآيديولوجيات الدينية، لأنها تحسب ما هي عليه حق إلهي، وما وصلت إليه من ربها الذي تعبد وتتبع ممثليه في الأرض، وهؤلاء ربما أعلى درجة من الأنبياء، فلا يوجد نبي يمثل الرب، بل جميعهم حملة رسالات تسمى سماوية، وهناك العديد من البشر في مسيرة الأجيال يحملون رسائل نسميها دنيوية.

وفي التأريخ المغول جماعة قليلة، لكنها حملت آيديولوجية إستباحت بموجبها مجتمعات الدنيا التي إستهدفتها، وتمكنت من إسقاط الدولة العباسية وإجتياح بغداد.

فالآيديولوجيات لا تُهزم، لأنها لا تعترف بذلك وتعتبر كل ما يصيبها إنتصار، وتجد مخرجا إنتصاريا لتداعياتها وهزائمها.

ومن عجائبها أنها تتضخم وتتطرف وينجذب إليها ذوي العاهات النفسية بأنواعها، حتى تتحول إلى لهيب أجّاج يحرق ما يواجهه من التحديات، فالآيديولوجي الغارق بأوهامه، يجيد محق مَن يعارضه أو يختلف معه، وحجته على ذلك أنّ ما يراه هو الحق المبين وغيره من هذيانات شيطان رجيم.

والعمى الآيديولوجي قد يكون فرديا أو جماعيا، وينتشر كالوباء بين الناس المغفلين المرهونين بالحرمان من أبسط الحاجات.

وسلوك الأمم والشعوب يكشف مساحة العمى الآيديولوجي الذي يهيمن عليها.

بعاطفةٍ لا بعَقلٍ إحْتواها

مَفاهيمٌ أشادتْ مُنطواها

عَقائدُ زُمْرةٍ آلاتُ هَدْمٍ

تُباغِتنا بما فَعلتْ يَداها

فذا عَقلٌ بمُنْعَطفٍ تَهاوى

يُبررُ آثما حينَ اقْتفاها

***

د. صادق السامرائي

 

قال طالبٌ لأستاذه: "لا أعرف أين أذهب، فالاتجاهات الأربعة أمامي مسدودة: يسار، يمين، خلف، أمام.

أجابه الأستاذ بهدوء: الأعلى مفتوح… انظر إلى الأعلى". مقولة معروفة من فلسفة الزن البوذية

ليست هذه جملة عابرة، بل مرآة لزمنٍ كامل. زمنٍ يشعر فيه الإنسان، في العراق كما في غيره، أن الخرائط لم تعد تقوده، وأن الطرق التي اعتادها صارت متاهاتٍ مغلقة. يسارٌ مثقلٌ بخيبات السياسة، يمينٌ مثقلٌ بخيبات أخرى، أمامٌ يكتنفه الغموض، وخلفٌ يثقل الذاكرة بما لا يُحتمل. فإلى أين يمضي؟

هنا، لا يقترح الأستاذ طريقًا خامسًا على الأرض، بل يفتح بُعدًا جديدًا: الأعلى.

كأنما يقول: المشكلة ليست في قلة الطرق، بل في طبيعة النظر إليها.

في معناها الأول، تعكس هذه العبارة حالة الانسداد الوجودي التي يعيشها الفرد حين تضيق به الخيارات. كثير من الشباب في العراق اليوم يقفون عند هذا المفترق: فرص محدودة، واقع ضاغط، وإحساس بأن كل الاتجاهات استُهلكت. لكن "الأعلى" هنا ليس هروبًا، بل دعوة إلى كسر أفق الأزمة، إلى البحث عن معنى لا تتيحه الحسابات الضيقة.

أما في بعدها الروحي، فإن "الأعلى" يتجاوز الجغرافيا. هو ليس جهة، بل قيمة. هو الإيمان بأن ما لا يُحلّ على مستوى الواقع المادي، يمكن تجاوزه بالاتكاء على معنى أسمى: كرامة، حق، أمل، أو حتى يقين داخلي بأن الإنسان أكبر من شروطه. في بلدٍ عانى ما عاناه العراق، لم يكن البقاء ممكنًا لولا هذا "الأعلى" الذي ظلّ، بطريقة ما، مفتوحًا.

لكن لعلّ المعنى الأعمق يكمن في تغيير زاوية النظر. الطالب حصر نفسه في أربعة اتجاهات، بينما الأستاذ حرّره من هذا الحصر. كم مرة نفعل نحن الشيء ذاته؟ نحاصر أنفسنا بخيارات نعتقد أنها الوحيدة، ثم نُعلن انسداد الفرص. بينما الحقيقة أن العالم لا يضيق، بل رؤيتنا له هي التي تضيق.

في الواقع العراقي، يتجلّى هذا بوضوح:

حين تُختزل الحلول في ثنائيات قاتلة، هذا أو ذاك، معهم أو ضدهم، ماضٍ أو حاضر، يصبح "الأعلى" فعل مقاومة. مقاومة للابتذال، وللاستسلام، وللإيمان بأن لا جديد ممكن. "الأعلى" هنا هو القدرة على تخيّل ما لم يُجرَّب بعد، وعلى إعادة تعريف الممكن.

وهنا نصل إلى البعد الرابع: فلسفة الأمل والإبداع.

حين تُغلق الأبواب، لا يعني ذلك نهاية الطريق، بل ربما بداية اختراع طريق جديد. "الأعلى" ليس معطًى جاهزًا، بل فعل خلق. أن تكتب رغم الضجيج، أن تعمل رغم الإحباط، أن تؤمن رغم كل ما يدفعك لليأس، ذلك هو الصعود.

في النهاية، ليست القضية أن ننظر إلى الأعلى مرةً واحدة، بل أن نتعلّم كيف نحتفظ بهذه القدرة في أكثر اللحظات ظلمة.

لأن الأمم، مثل الأفراد، لا تسقط حين تُغلق أمامها الطرق، بل حين تفقد الجرأة على رفع رؤوسها.

في العراق، ربما أُغلقت جهات كثيرة.

لكن السؤال الحقيقي ليس: أين نذهب؟

بل: هل ما زلنا قادرين أن ننظر إلى الأعلى؟

***

بشرى الهلالي - بغداد

 

ليس العيد في الثقافة الإسلامية مناسبة عابرة تقاس بما يلبس فيها من جديد، أو بما يقدم فيها من طعام وحلوى تعبر عن هذه المناسية العظيمة بعد شهر الصيام والقيام، بل هو قيمة حضارية وروحية واجتماعية عميقة، تتجلى فيها معاني الإيمان والتقرب لله عز وجل، وتظهر من خلالها ملامح الأمة في أجمل صورها. فالعيد ليس مجرد يوم للبهجة العابرة، وإنما هو ثمرة عبادة، وفرحة طاعة عظيمة، وإعلان جماعي عن حضور الدين في تفاصيل الحياة الشخصية والاجتماعية والإنسانية والمهنية، وعن قدرة الإسلام على صناعة الفرح المتوازن الذي يجمع بين الروح والجسد، وبين الفرد والمجتمع، وبين العبادة والسلوك وبين العاطفة والعقل.

تنبع خصوصية العيد في الإسلام من كونه مرتبطاً بمحطات إيمانية كبرى؛ فعيد الفطر يأتي بعد شهر كامل من الصيام والقيام والتلاوة والتزكية والصلة بالأرحام والأقارب والفقراء، وكأنه الجائزة المعنوية التي يمنحها الله لعباده بعد رحلة مجاهدة للنفس وتهذيب للبدن والسلوك والروح، بالرغم من الأزمات والحروب الطاحنة والآلام التي تحدث في بقاع العالم والعربي والأسلامي.

وثقافة العيد تقوم على التوازن الجميل بين العبادة والفرح. فاليوم يبدأ بالتكبير، ذلك النداء العظيم الذي يملأ القلوب قبل أن يملأ المساجد والطرقات والأحياء والبيوت، ثم تتجلى صورة الوحدة الإسلامية في صلاة العيد حيث يلتقي الناس على اختلاف أعمارهم وأجناسهم وأعراقهم ومكاناتهم في مشهد يجسد المساواة والمحبة والألفة والانتماء. وفي هذا اليوم يشعر المسلم أنه جزء من جماعة مؤمنة تتشارك الفرح كما تتشارك العبادة، وتلتقي على المحبة كما تلتقي على الطاعة. وهذه الروح الجماعية تمنح العيد بعداً ومذاقاً يتجاوز الفردية، ليصبح مناسبة لإعادة وبناء العلاقات وإحياء الروابط العائلية والاجتماعية وتجديد المعاني الإنسانية الرفيعة.

ومن أبرز ملامح ثقافة العيد في الإسلام أنها ثقافة قائمة على صلة الرحم والتراحم والتزاور والتسامح والتقرب والصلة. فالعيد ليس مناسبة للعزلة والانكفاء على الذات، بل هو وقت للخروج من الذات إلى الآخرين ومشاركتهم فرحتهم، ولإعادة فتح أبواب القلوب بعد أن تفتح أبواب البيوت والمجالس والمنتديات. ولهذا ترتبط الأعياد في المجتمعات الإسلامية بزيارة الأقارب، والسؤال عن الأحباب، والتلطف مع الجيران، ومصافحة من انقطعت الصلة بهم، والسعي إلى إزالة ما علق في النفوس من خصومات أو كراهية وجفاء. إن العيد في جوهره دعوة عملية إلى استئناف العلاقات على قاعدة  عفى الله عما مضى والصفح والتسامح والمودة، وكأن الإسلام يريد للمسلم أن يدخل العيد بقلب نقي طاهر لا يعرف ضغينة أو حقد كما يدخل الصلاة والعبادات بطهارة ظاهرة بدنية وإخلاص وتجرد روحي للمولى عز وجل.

كما تتجلى ثقافة العيد في بعدها الإنساني العميق، إذ لا تكتمل فرحة العيد إذا بقي فيها محروم أو جائع أو منسي أو معوز. ولذلك شرعت زكاة الفطر قبل صلاة العيد لتكون تطهيراً للصائم وزيادة في الأجر والمثوبة، وفي الوقت نفسه رابطة قوية وجسراً اجتماعياً يضمن أن تصل الفرحة إلى بيوت الفقراء والمحتاجين. فالعيد لا يعترف بالفرح الأناني، بل يؤسس لفرح تشاركي تضامني يشعر فيه الإنسان بمسؤوليته تجاه غيره. إن من أجمل ما في ثقافة العيد أنها لا تفصل بين السعادة الشخصية والواجب الاجتماعي، بل تجعل من إدخال السرور على الآخرين جزءاً من اكتمال معنى العيد نفسه والسعادة للفرد والجماعة.

ويحمل العيد كذلك بعداً تربوياً مهماً، فهو يعلم الأطفال معنى الانتماء إلى دين جميل يحتفي بالطاعة ويكرم الفرح ويصنع الذكريات الدافئة والسعيدة. ففي العيد يتعلم الصغار أن للدين وجهاً مشرقاً مبهجاً، وأن العبادة لا تعني الحرمان أو التضييق، بل تفضي إلى السرور والسكينة والرضا. كما يتعلمون من خلال طقوس العيد قيم الكرم، والاحترام، والتواصل، واللباقة، والعطاء، ومشاركة الآخرين أفراحهم. وهكذا تتحول المناسبة إلى مساحة تربوية وإنسانية حية تتوارث من خلالها الأجيال صورة الإسلام في بعده الإنساني والاجتماعي والجمالي.

أما في البعد الحضاري، فإن العيد يمثل جزءاً من هوية الأمة وذاكرتها الجمعية. فلكل مجتمع مسلم تعبيراته الخاصة في الاحتفال، من الأطعمة والأزياء والأهازيج والعادات الاجتماعية، لكن هذه الخصوصيات المحلية تظل مندرجة تحت روح إسلامية جامعة تجعل المسلمين، رغم تنوع بلدانهم وثقافاتهم، يلتقون على معنى واحد للعيد: الطاعة، والفرح، والتكافل، والتراحم. وهذا ما يمنح العيد قوة رمزية كبيرة، إذ يجمع بين الوحدة والتنوع، وبين الأصل المشترك واللون الثقافي المحلي، فيبدو الإسلام ديناً قادراً على احتضان الثقافات دون أن يفقد جوهره.

غير أن ثقافة العيد تحتاج اليوم إلى استعادة كثير من معانيها الأصيلة، في ظل ما يشهده العالم من نزعة استهلاكية جعلت بعض الناس يختزلون العيد في المظاهر والشراء والإسراف والبذخ، وينسون قيمته الروحية والاجتماعية. فالعيد ليس سباقاً في الكماليات وإسرافاً في الإنفاق، ولا مناسبة لإرهاق الأسر بالتكاليف، ولا زمناً للمقارنات الاجتماعية التي تفسد بهجة البسطاء، بل هو قبل كل شيء حالة إيمانية وأخلاقية وإنسانية. وجمال العيد لا يقاس بارتفاع الإنفاق، بل بعمق المعنى، وصدق المشاعر، ونبل التراحم، وصفاء القلوب.

إن ثقافة العيد عند المسلمين هي ثقافة فرح منضبط، وإنسانية راقية، وروح جماعية، وذاكرة إيمانية متجددة. وهو مناسبة تتجدد فيها معاني الشكر بعد العبادة، والتسامح بعد التقصير، والأمل بعد التعب، والوصال بعد الانقطاع. ومن هنا يبقى العيد في الإسلام أكثر من يوم احتفال؛ إنه رسالة حضارية تقول إن هذه الأمة تعرف كيف تفرح وتسعد ذاتها، ولكنها تفرح بوعي، وتفرح بقيم، وتفرح وهي تحمل في قلبها ذكر الله دون تجاوز للأخلاق والشيم والقيم، وفي يدها عطاء للناس، وفي سلوكها صورة الدين الجميل الذي يدخل السرور على الناس جميعاً.

***

د. أكرم عثمان

20-3-2026

سؤالٌ لا يُجاب، بل يُعاش.. نحنُ ذلك المزيج الغامض بين قبضةٍ من تراب، ونفحةٍ من سرٍّ لا يُرى. نمشي على الأرض بأجسادٍ تُثقِلها الأيام، ونحمل في الداخل روحًا لا تعترف بحدود المكان.

نحنُ حكاياتٌ تمشي، كلّ واحدٍ منّا كتابٌ مفتوحٌ على أسئلةٍ لا تنتهي، نكتب سطورنا بين ما نظنّه اختيارًا، وما يحدث لنا كأنه قَدَر. نضحك.. فنظن أننا فهمنا، ونحزن.. فنكتشف كم كنا سطحيين، ثم نعود لنسأل من جديد:

من نحن؟

نحنُ ذلك القلق الجميل الذي يدفعنا للبحث، وذلك النور الخافت الذي يمنعنا من الضياع الكامل. لسنا ما نظهره فقط، ولا ما نخفيه تمامًا، بل نحنُ المسافة بينهما.. حيثُ تتشكّل الحقيقة بصمت.

وفي لحظة صدقٍ نادرة، حين نصمت عن تزيين أنفسنا، ونتجرّد من كل تعريفٍ مستعار، نلمح شيئًا في الداخل.. لا اسم له، ولا شكل، لكنّه نحن.. كما خُلقنا أول مرة.

فمن نحن؟

نحنُ السؤال..

ونحنُ الطريق إليه.

***

د. صابر الحميدي

 

التغبير: المكوث والبقاء، وتأتي بمعنى الهلاك ولها معاني أخرى.

الوحوش إصطادت فريستها، وراحت تنشب أنيابها في لحمها، فهل لديها القدرة على التحرر من قبضتها وإعلان الحياة.

"الحق والحقيقة لا يتغيران"

دعاة التغيير يمكن تشبيههم بالفريسة الممسوكة من عنقها، وقد أطبقت عليها فكوك الطامعين الجائعين الغادرين، فهل وجدتم غزالة نجا عنقها من فكوك الكاتمين على أنفاسها؟

قوى إقليمية وعالمية تحاوط البلاد والعباد وتستمريء الثروات، وتحكم بالقهر وبالطائفية وبالحرمان من أبسط الحاجات، حتى أوجدت أجيالا مدجنة ومرهونة بالتبعية والولاءات العبثية، والصراعات الخسرانية، فالعدو الأكبر في عرفها إبن البلاد ومجموعة من العباد التي أجازت فتاوى الشياطين قتلها.

"لا يغير الله ي قوم إلا أن يغيروا ما في أنفسهم"

والتغيير ذو وجهين سلبي وإيجابي، وما يحصل في بعض المجتمعات أن التغيير سلبي ومدمر للذات والموضوع، فالنفوس سيئة وما ينضح منها شرير، ومتوّج بأفظع العدوان.

"إنما المؤمنون أخوة" ، وهم ألد أعداء بعضهم، يكفرون أنفسهم ويسفكون دماءهم، ويتبعون أباليس الضغينة والبغضاء، وكم قتلوا من أبناء دينهم، وفقا لتأويلات وإدعاءات كأنها غضب عليهم وسعير يفتك بهم. .

"...قالوا سمعنا وهم لا يسمعون"

ولهذا فالكتابة بأنواعها على مدى العقود، ما أصابت الألباب، وما أثرت في الواقع المصاب، وأخذ ينفر منها الشباب، لأنها لا تعالج الأسباب، وتطارد النتائج كأنها السراب، وحسب مجتمعاتنا ما تناله من القهر والعذاب.

فتغيَّروا لتغيِّروا، أما أن نبقى ندور في ذات الدائرة واالناعور، فسيتمكن منا الثبور.

فهل من أملٍ ونور؟!!

و" من يهن يسهل الهوان عليه...ما لجرح بميتٍ إيلام"

***

د. صادق السامرائي

مقدمة: يُعدّ الخذلان أحد أكثر التجارب الإنسانية تعقيدًا وإيلامًا، إذ لا يقتصر أثره على لحظة الانكسار الآني، بل يمتد ليُعيد تشكيل وعي الإنسان بذاته وبالعالم من حوله. وفي سياق تتكاثر فيه الأقنعة الاجتماعية وتتآكل القيم العاطفية، يغدو الوجع ذاته مرجعًا وجوديًّا، ويصبح اليقين حالة نادرة يُلجأ إليها لا بوصفها خيارًا، بل ضرورة نفسية ومعرفية. ومن هنا تتبدّى جغرافيا الخذلان بوصفها فضاءً داخليًّا يتشكّل من الانكسارات المتراكمة، ويُعاد رسم حدوده مع كل تجربة فقدٍ أو خيبة.

أولًا: الخذلان كخبرة وجودية

لا يمكن مقاربة الخذلان بوصفه حدثًا عابرًا أو شعورًا مؤقتًا، بل هو تجربة وجودية تُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والآخر. فالخذلان لا ينشأ من العدم، بل من التعلّق، ومن توقّع الحماية أو الاحتواء، وحين ينكسر هذا التوقّع، يتحوّل الألم إلى وعيٍ حادٍّ بالهشاشة الإنسانية. عند هذه النقطة، يصبح الوجع لغة داخلية، ومرجعًا يُقاس به صدق العلاقات وعمقها.

ثانيًا: العزلة بوصفها استجابة نفسية

أمام ضجيج البشر وتكاثر أقنعتهم، يلجأ الفرد إلى العزلة لا بدافع التعالي أو الرفض، بل كآلية دفاعية تحمي ما تبقّى من سلامه الداخلي. هذه العزلة ليست انسحابًا سلبيًّا، بل إعادة تموضع نفسي، حيث يعيد الإنسان ترتيب أولوياته العاطفية، ويُقلّص دوائر الثقة، ويبحث عن معنى أقل ضجيجًا وأكثر صدقًا. وهنا، تتحوّل الوحدة من فراغ مؤلم إلى مساحة تأمّل ونجاة.

ثالثًا: الهروب إلى الآخر بوصفه يقينًا

في خضم هذا الانسحاب غير الإرادي من العالم، قد يجد الإنسان نفسه يهرب إلى شخصٍ بعينه، لا لأنه الأقرب جغرافيًّا، بل لأنه الأكثر طمأنينة. هذا الهروب ليس ضعفًا، بل اختيار فطري لليقين في عالم متقلّب. فحين تُمسك يدٌ ما بضعف الأصابع بدل أن تتركها تسقط، يتشكّل معنى جديد للاحتواء، ويتحوّل الآخر إلى ملاذ نفسي، لا يُطلب منه الكمال، بل الصدق والثبات.

رابعًا: الاصطفاء العاطفي ومعناه

إن اصطفاء القلب لشخصٍ واحد من بين العالمين ليس فعلًا عبثيًّا، بل نتيجة تراكمية لتجارب الخذلان السابقة. فالقلب، بعد أن يرهقه الفقد، لا يعود كريمًا في اختياراته، بل دقيقًا وحذرًا. ومن هنا، يصبح الاصطفاء العاطفي تعبيرًا عن نضج وجداني، لا عن انغلاق؛ إذ يختار الإنسان من يستطيع أن يرى ضعفه دون أن يستغله، وأن يحتوي ألمه دون أن يُنكره.

خاتمة

إن جغرافيا الخذلان ليست خريطة للانكسار بقدر ما هي سجلّ للتحوّل الإنساني. ففيها يتعلّم الفرد أن الوجع قد يكون معلّمًا، وأن اليقين لا يُمنح للجميع، وأن النجاة أحيانًا تكمن في يدٍ واحدة تُمسك بنا حين يفلت العالم. وبهذا المعنى، لا يصبح الخذلان نهاية الطريق، بل بدايته الأكثر صدقًا نحو فهم الذات واختيار الآخر.

***

بقلمي: ربى رباعي/ الاردن

حين يلتقي العقلُ بالحدود، لا ينكسر.. بل يتطهّر من وهم الإحاطة، ويخلع عن نفسه عباءة الادّعاء، ليدخل حضرة العجز.. خفيفًا كحقيقةٍ وُلدت الآن.

هناك، حيثُ يتوقّف السؤال لا عجزًا عن السير، بل احترامًا لهيبة الطريق، يظهر الله.. لا كفكرةٍ تُدرك، ولا كتعريفٍ يُحاط، بل كحضورٍ يملأ الفراغ الذي تركه اليقين الزائف.

العقلُ حين يظنّ أنه بلغ، يبتعد، وحين يعترف أنه لم يبلغ.. يقترب.

ففي العجز سرٌّ لا يفهمه المتكبّرون، نورٌ لا يُرى إلا لمن أغمض عينيه عن وهم السيطرة. لسنا خُلقنا لنُحيط، بل لندهش.. وليس لنملك الحقيقة، بل لنُلامسها بخشوع العابرين.

فإذا ضاقت بك المعاني، واتّسعت فيك الحيرة، فاعلم أنّك على عتبة معرفةٍ أخرى.. معرفةٍ لا تُقال، بل تُعاش.

هناك، حين يسكت العقل، يتكلّم القلب.. ويكون العجزُ أصدقَ أشكال المعرفة.

***

د. صابر الحميدي

تمتلك القوى الكبرى الأساليب والنظريات التطبيقية القادرة على غسيل الأدمغة وتحقيق الإحتلال الدماغي للبشر. فكم من المجتمعات محتلة دماغيا، ومستعمرة فكريا ونفسيا وروحيا، ومتحولة إلى دمى أو روبوتات تنفذ ما تؤمر به بآلية ذاتية أوتوماتيكية؟

ويتحقق بالتأثير القوي القسري المنهجي على الأفكار والمعتقدات بهدف تغييرها أو السيطرة عليها، بحيث يبدأ الشخص بتبني أفكار جديدة مناقضة لمعتقداته.

 ويكون ذلك بالتكرار المستمر والضغط النفسي والعاطفي، وإستخدام الخوف والتهديد والإغراء، ومنع التفكير النقدي وعدم البوح بالحقائق ونشر الأكاذيب المغرضة.

وهناك العديد من الآليات والنظريات السلوكية المعروفة والسرية، الكفيلة بإمتلاك العقول وتحويل أصحابها إلى أدوات ذاتية الحركة نحو الهدف المنشود إنجازه بواسطتها.

ومن الواضح أن لهذه الآليات دورها الأساسي والقيادي المبكر في الحروب المعاصرة، وتتوضح تأثيراتها وفعاليتها أثناءها.

وفي الحرب الدائرة تجد أساليبها ذات دور كبير في المغالبة والنزال الشرس بين الأطراف، إذ تسبق أي عملية عسكرية حقيقية، لتحويل الهدف إلى كومة نفسية محترقة، يسهل مداهمتها، وتأمين أسباب الهزيمة والخضوع التام لها.

فالحرب الإعلامية المدروسة أولا، وبعدها تأتي المفردات الأخرى اللازمة لتأكيد المصير المرسوم.

فالهزيمة النفسية وإستعمار الأدمغة هي الأساس، والهيمنة بالسلاح تأتي ثانيا، ولن ينتصر السلاح دون هزيمة نفسية ومصادرة للعقول وإمتلاك دماغ الهدف.

بأدْمغةٍ تَولاها الضَياعُ

تُداهِمُنا السوابغُ والسِباعُ

فكمْ نفسٍ بلا عَمدٍ تهاوَتْ

وأجْزعها التقنّطُ والخُنوعُ

فما بلغتْ إرادَتُها لشأوٍ

وأجْهَدَها التباغُضُ والصِراعُ

***

د. صادق السامرائي

 

بينما تضع دول العالم خططا عشرية لضبط مخرجات التعليم العالي بما يتوافق مع نموها السكاني واحتياجاتها الصحية، يبدو ان العراق يسير في الاتجاه المعاكس تماما. ففي مشهد يثير الريبة، تحولت مهنة الصيدلة من ركن اساسي في المنظومة العلاجية الى "سلعة استثمارية" تدر ارباحا طائلة على حساب جودة التعليم ومستقبل الخريجين، وسط صمت مريب من الجهات التخطيطية.

تبدا جذور الازمة من اروقة كليات الصيدلة الاهلية، التي انتشرت كالفطر في السنوات الاخيرة. هذه المؤسسات، التي يفترض ان تكون روافد علمية، باتت تعمل بعقلية "الشركات التجارية"، حيث تضغط لرفع سقف القبول السنوي الى ارقام خيالية لا تستند الى دراسة واقعية لحاجة السوق. والهدف هنا واضح: تحقيق اقصى ربح ممكن من الاجور الدراسية.

ان تشجيع هذه السياسات الخاطئة يعكس غياب التنسيق بين وزارة التعليم العالي ووزارة الصحة، اذ يتم تخريج الالاف سنويا دون وجود "خريطة طريق" لاستيعابهم، مما يخلق فائضا بشريا هائلا يؤدي بالضرورة الى انهيار القيمة المهنية والمادية للصيدلي.

ادى هذا الانفجار العددي الى تشوه حضري ومهني مخيف. وتتجلى أزمة التخطيط في العراق عند وضع كفة الميزان الرقمي أمام المعايير العالمية، حيث يسجل العراق كثافة صيدليات تبلغ  95.6 صيدلية لكل 100 ألف نسمة، وهو رقم يصدم المراقب عند مقارنته بالمملكة العربية السعودية التي تكتفي بـ  31.6 صيدلية لتلبية احتياجات سكانها، ويتعاظم الفارق أكثر أمام النظم الصحية العريقة كما في المملكة المتحدة والولايات المتحدة التي تستند إلى  18 - 19 صيدلية فقط بذات النسبة السكانية، مما يعني أن الكثافة في العراق تجاوزت خمسة أضعاف المعدلات المتبعة في الدول المتقدمة، وهذا التضخم لا يعكس وفرة في الرعاية الصحية بل يؤكد وجود انفجار كمي غير مدروس قادته سياسات الاستثمار في التعليم الأهلي، ليتحول الدواء من رسالة علمية إلى سلعة تجارية في سوق مشبعة تفتقر لأدنى ضوابط التوازن بين مخرجات الكليات وحاجة المجتمع الفعلية. وهذا الانتشار العشوائي لم ياتِ لخدمة المريض في المناطق النائية، بل تركز في المراكز التجارية ليزاحم محلات البقالة، مما حول الصيدلية في نظر المجتمع الى ما يشبه "الدكان الانيق".

ان الخطورة تكمن في ان هذا التوسع ليس استجابة لحاجة طبية، بل هو نتاج لـ "شعور مجتمعي زائف" يرى في مهنة الصيدلي برستيجا اجتماعيا ارقى من المهن الاخرى. وقد استغلت الكليات الاهلية هذا الاندفاع العاطفي للعوائل العراقية، لتبيعهم "اوهام النجاح" في تخصص بات يعاني من تخمة قاتلة.

ان ترك "الحبل على الغارب" للقطاع الخاص انتج واقعا مريرا يتلخص في ثلاث نقاط سوداء:

1.  تسليع الشفاء: الصيدلي الذي يواجه منافسة شرسة في شارع يضم عشر صيدليات متجاورة، يجد نفسه مضطرا لتبني استراتيجيات تسويقية لضمان سداد ايجاره المرتفع، مما يهمش دوره كخبير دوائي ويحوله الى "بائع" يسعى لتصريف البضاعة.

2.  انفلات الرقابة: ان تكاثر الصيدليات بهذا الشكل الجنوني يجعل من مهمة الرقابة الصحية "مهمة مستحيلة"، مما يفتح ثغرات واسعة لدخول الادوية المهربة او منتهية الصلاحية بعيدا عن اعين الرقابة.

3.  اهدار الثروة البشرية: نحن امام جيل من الصيادلة الشباب الذين انفسهم في مواجهة "بطالة مقنعة"، حيث لا تتوفر لهم فرص عمل حقيقية تليق بسنوات دراستهم وتعب عوائلهم.

هل من مغيث؟

ان ما يحدث اليوم هو عملية "تدمير ممنهج" لمهنة الصيدلة تحت لافتة الاستثمار في التعليم. الاصلاح لا يبدا من تقليل عدد الصيدليات فحسب، بل يبدا من ثورة في معايير القبول بالاقسام الطبية الاهلية، وفرض قيود صارمة تربط منح الاجازات بالحاجة الجغرافية والسكانية الحقيقية.

بدون تدخل جراحي عاجل، سيظل العراق يدفع ثمن هذه السياسات المرتجلة، ليبقى "الدكان" هو السيد، وتغيب "الخدمة الطبية" خلف دخان الربح السريع.

***

ا. د. محمد الربيعي

الفضاء عالم كان ولا يزال الفر بين كواكبه حلم إنساني خالد . سهل اختراع الطائرة التحليق فوق الغمام وسهل الأسفار التي كانت تأخذ من وقت البشر سنوات مشيا او في قوافل العيس والسفن. تطورات عالم الطيران أدى إلى اكتشاف سفن الفضاء والرحلات إلى الكواكب البعيدة وغور اعماق الكون . طبعا الرحلات لحد الان غير مأهولة وللاستكشاف ولكننا شاهدنا كذلك. لكننا شاهدنا  رائد الفضاء نيل اومسترونگ وهو يقفز على سطح القمر في ابولو ١١ في في 21 تموز/ يوليو 1969 .

شاهدت قبل ايام فلما سينمائيا ( Fly Me to the Moon ) تصور وتوثق تلك الرحلة التاريخية وما رافقتها من نقاشات وأحداث وخاصة ما يخص " نظرية المؤامرة" الشهيرة. راعى منتجو الفلم وكاتب السيناريو وعلى الطريقة الأمريكية الهوليودية تقديم وجه نظرهم حول تلك النظرية واعتبار الأمر من مسؤولية شخص واحد في قمة السلطة أدار خطة موازية لبرنامج الرحلة وذلك وبمساعدة سيدة ذو ماضي تعمل في مجال العلاقات العامة والدعاية بتزيف عملية الهبوط على المطر في استديوهات في قاعك مع طاقم من مخرج وممثلين لكن القطة السوداء كانت لهم بالمرصاد واثبتت ان الهبوط حدث فعلا على القمر. أجادت الممثلة الرائعة سكارليت يوهانسون دورها وتستأهل الف أوسكار.

البحث عن أماكن لتأهيلها والسكن هناك في الكواكب الاخرى خيالية من ناحية صعوبة العيش في أجواء وبيئة تلك الكواكب وصعوبة الحياة في أجوائها.  لكن هناك أهداف اخرى وربما يجاد بدائل للطاقة ومعادن غير معروفة على الأرض وحتى غازات وامور اخرى كثيرة. ناهيك عن الحاجة إلى السيطرة على الكوكب الأرضي من السماء.

اليوم أحدثكم عن حلم الإنسان مع الرحلة الى الفضاء وانا ازور معرض الفن الحديث في مدينة بن المدينة والتي حدثتكم عنها على صفحات المثقف وتحت الرابط التالي؛

https://www.almothaqaf.com/e3/986405-%

المعرض مقام تحت عنوان "الحياة في الكون " ولا ريب ان للمعارض هدف معرفي وتعليمي وهذا المعرض بالذات يهم الطلاب وينمي قدراتهم وهو من الجمعية علم الفلك في مدينة ملقا الساحلية في الأندلس، إسبانيا. البشرية لا تزال في مرحلة جمع المعلومات عن الكون. 

الإسطرلاب اكتشفه المسلمون الأوائل وألاسطرلاب من القرن السادس عشر الذي اشتُق اسمه من اليونانية ويعني "مكتشف النجوم"، أداةً أساسيةً في علم الفلك في العصور الوسطى. هذه النسخة المُقلّدة من أسطرلاب أرسينيوس (القرن السادس عشر) كوادرانس مُستوحاة من أسطرلابات بني نصر التي تعود إلى القرن الثالث عشر. استُخدم الأسطرلاب في العالم الإسلامي لقياس الوقت، وحساب مواقع الأجرام السماوية، وتحديد اتجاه القبلة. كما كانت الغنوصيون (الصابئة المندائية) من اوائل العقائد التي تمارس دراسة الكواكب والفلك والتنجيم وكان علماء حران يعزون الكوارث الطبيعية إلى منازل النجوم في السماء.

تقع الأرض بين الشمس والقمر. ويكون وجه القمر المرئي بأكمله مضاءً. نرى القمر في السماء، وكيف يتغير شكله، من هلال جميل إلى بدر كامل قبل أن يختفي مجدداً ويكونً محاقا. هذا المشهد البديع من أجمل الظواهر الفلكية، ولكنه يخفي سراً أساسياً: القمر دائماً نصفه مضاء بضوء الشمسً وهذا هو الجهة التي نراها دائماً. يعود الضوء الذي نراه على سطح القمر إلى موقعنا النسبي من الأرض. في مدينة مالقا، سيحدث كسوف الشمس لعام 2026 في اللحظة الأخيرة بعد الظهر، وترى الشمس منخفضة جداً في الأفق ومن الدراسات العلمية الفلكية سيكون هناك مثلا كسوفا كليا العام القادم 2027 وهذه المرة سيكون مختلفًا تمامًا عن كسوف عام 2026. اذ سيكون الكسوف الكلي مرئيًا في الصباح، مع وجود الشمس على ارتفاع يقارب 40 درجة، مما يوفر ظروف إضاءة وهندسة مواتية للغاية للمراقبة المباشرة للهالة ولكن بنظارات.كما تليه كسوف حلقي للشمس في 26 يناير 2028 وستنتهي الدورة بكسوف حلقي مرئي في وقت متأخر من بعد الظهر، حيث لن يغطي القمر قرص الشمس بالكامل، تاركًا "حلقة النار" المميزة مرئية.

يبقى علم الغيب من صفات الخالق عز وجل ولكن اكتشاف المجهول سيبقىً حلما بشريا وقد يرى أحفادنا ما لم نراه نحن بأعيننا.

***

د. توفيق رفيق آلتونچي - الأندلس

 2026

قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: 45]. تأتي هذه الآية الكريمة لتؤكد أن الصبر ليس مجرد خلق عابر في حياة الإنسان، بل هو قوة روحية ونفسية تعين الإنسان على مواجهة الحياة بثبات وصمود، وتمنحه القدرة على تجاوز العراقيل والصعوبات والابتلاءات. ويأتي شهر رمضان المبارك ليكون مدرسة إيمانية عظيمة يتعلم فيها الإنسان أعظم الدروس في الصبر والإرادة والتحكم في الذات، حيث يمارس الصائم تدريباً عملياً يومياً على ضبط النفس والتحكم والسيطرة ولجم في الشهوات والسمو بالروح. والأخلاق الحميدة.

إن حقيقة الصبر أنه خلق فاضل من أخلاق النفس، يمنع صاحبه من الوقوع في ما لا يليق به كإنسان صاحب رسالة، ويضبط سلوك الإنسانه عند الشدائد والانفعالات وتحديات الحياة وتقلباتها. فالصبر ليس مجرد احتمال للألم والصمود في مواجته، بل هو قوة داخلية تمنح الإنسان القدرة على تحمل المتاعب والمشاق والآلام دون أن يفقد اتزانه أو حكمته. ولذلك كان الصبر من أعظم الصفات التي تبني شخصية الإنسان وتجعله أكثر قدرة على مواجهة تحديات الحياة وصعوباتها. وقد عبّر الخليفة الراشد عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن هذه الحقيقة بقوله: "أفضل عيش أدركناه بالصبر، ولو أن الصبر كان من الرجال لكان كريماً"، وقال عبد الله بن مسعود - رضي الله عنه -: (الإيمان نصفان: نصف صبر ونصف شكر). وهي عبارة عبارات عميقة الدلالة تشير إلى أن الصبر هو سر الاستقرار النفسي والروحي والنجاح في العمل والحياة.

وترتبط الإرادة بالصبر ارتباطاً وثيقاً وقوياً، فالإرادة تعني العزم والتصميم على تحقيق الهدف، وهي القوة الكامنة في داخل الإنسان التي تدفعه إلى العمل والاجتهاد والمثابرة رغم الصعوبات. وفي المفهوم النفسي تمثل الإرادة الطاقة الداخلية التي توجه السلوك نحو غاية محددة يصل إليها، وهي التي تمكن الإنسان من مقاومة الإغراءات والتغلب على الكسل والخمول. فكل إنجاز عظيم في العمل والحياة كان وراءه إنسان يمتلك إرادة قوية وقدرة على الصبر والاستمرار فيه.

ويأتي الصيام ليكون تدريباً عملياً على بناء هذه الإرادة والصلابة البدنية والنفسية والروحية. فالصائم يمتنع بإرادته الحرة عن الطعام والشراب والشهوات ساعات طويلة كل يوم بالرغم من جوعه وعطشه، لا لشيء إلا طاعة لله تعالى وتقرباً ورغبة في رضاه ونيل الأجر والثوابثوابه. وهذا الامتناع ليس حرماناً بقدر ما هو تربية وتهذيب للنفس وتربية وتقوية للإرادة. فعندما يستطيع الإنسان أن يقهر شهوة الجوع والعطش، فإنه يصبح أكثر قدرة على قهر شهوات النفس الأخرى، وأكثر قدرة على ضبط انفعالاته وسلوكياته.

وفي رمضان تتجلى معاني الصبر في صور متعددة. فالصائم يصبر على ألم الجوع والعطش، لكنه في الحقيقة يتعلم من خلال ذلك كيف يتحكم في رغباته ولا يكون عبداً لها ولشهواته. ويصبر كذلك عن المعاصي والأثام في غيره من الشهور، لأن الصيام لا يقتصر على ترك الطعام والشراب، بل يتعدى ذلك إلى تهذيب اللسان والسلوك والأخلاق. وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم هذه الحقيقة عندما قال: "من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه". ابو داود، فالصيام الحقيقي هو صيام الجوارح عن المعصية كما هو صيام البطن عن الطعام.

كما يظهر الصبر أيضاً في الصبر على الطاعات، حيث يكثر المسلم في هذا الشهر من العبادات مثل الصلاة وقيام الليل وقراءة القرآن والصدقة وصلة الأرحام والإحسان إلى الناس في معاملاته وتعاملاته. وكل هذه الأعمال تحتاج إلى إرادة قوية ونفس صلبة وصابرة تسعى إلى رضا الله تعالى والتقرب إليه. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى بقوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ [النحل: 127]، فالصبر الحقيقي يستمد قوته من الإيمان بالله والاعتماد عليه.

ولا يقتصر أثر الصبر على الجانب الروحي فقط، بل يمتد ليشمل مختلف جوانب الحياة الإنسانية. فالصبر يساعد الإنسان على ضبط نفسه عند الغضب والانفعال ويتمكن من كبح جماحهما، ويجعله ويجعلها أكثر قدرة على التعامل الحكيم مع الآخرين، ويبعده عن التهور والتسرع ويتروى في اتخاذ القرارات بوعي وهدوء وتوازن وانضباط في اتخاذ القرارات. كما يعلمه كيف يتحمل الصعوبات والمشاق في سبيل تحقيق الخير والنجاح والاستمرارا فيه. ولذلك فإن الصوم لا يربي الإنسان على مجرد الامتناع الحلال، بل يربيه على الاتزان النفسي والقدرة على إدارة المشاعر والانفعالات.

وقد بيّن القرآن الكريم عظمة الصبر وآثاره في حياة الإنسان، فالصبر يقود إلى القيادة والتمكين، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة: 24]. وهو سبب في معية الله تعالى ورعايته لعباده، كما قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153]. وهو طريق لمحبة الله عز وجل، إذ قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ﴾. كما أن الصبر يمنح صاحبه أجراً عظيماً لا يحده حد، فقد قال الله سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10].

ولعل من أعظم ثمار الصبر أنه يمنح الإنسان قوة الإرادة والثبات أمام المحن والابتلاءات، ولذلك وصف الله رسله بأنهم أولو العزم، وأمر نبيه بالصبر كما صبروا، فقال تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: 35]. فالصبر ليس علامة ضعف وهوان، بل هو علامة فارقة وقوة داخلية وسمو أخلاقي يرفع الإنسان إلى مراتب عالية من الإيمان والوعي والوصول إلى الغايات والأهداف النبيلة.

إن شهر رمضان يمنح الإنسان فرصة عظيمة لإعادة بناء نفسه وتقوية إرادته وتهذيب سلوكه وضبط عواطفه والتعبير عنها بكل تحكم وهدوء ورباطة جأش. فمن نجح في تدريب نفسه على الصبر في هذا الشهر المبار كالفضيل، فإنه يكون قد وضع أساساً متيناً لحياة أكثر توازناً واستقامة بعد رمضان. فالصبر هو مفتاح النجاح في الدنيا، وطريق الفوز ونيل الرضوان في الآخرة وجنة عرضها السموات والأرض، وهو الخلق الذي يرفع الإنسان إلى أعلى مراتب العزة والكرامة والإباء. نسأل الله أن يجعلنا من الصابرين المحتسبين، وأن يتقبل منا الصيام والقيام، وأن يجعل رمضان بداية ً حقيقية لتهذيب إصلاح االنفس وإصلاحها وبناء الإرادة والعزيمة القوية.

***

د. أكرم عثمان

16-3-2026

يمكن للجيش الاستفادة بشكل كبير من روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي، مثل برنامج "كلود" التابع لشركة أنثروبيك، في تصميم خطط الحرب وتحليل البيانات الاستخباراتية. إذ تساهم هذه البرامج في تحليل البيانات الضخمة، تحديد الأنماط الخفية، واقتراح الخطوات التالية بناءً على استنتاجات مدعومة بالبيانات.

إلا أن هناك تحديات كبيرة تبرز في هذا السياق، خاصة عند استخدام هذه التقنيات الناشئة في تطبيقات عسكرية حساسة.

في السنوات الأخيرة، أثارت العلاقة بين شركة أنثروبيك ووزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) جدلاً واسعاً. فبحسب ما ورد، رفضت الشركة منح الولايات المتحدة حق الوصول غير المشروط إلى نماذج الذكاء الاصطناعي الخاصة بها، معلنةً أن هذه التقنيات يجب ألا تُستخدم في المراقبة الجماعية أو الأسلحة ذاتية التشغيل بالكامل.

هذا الرفض أغضب البنتاغون، الذي صنّف منتجات الشركة على أنها تهدد "سلسلة التوريد"، ما دفع أنثروبيك إلى اللجوء إلى القضاء للطعن على هذه التصنيفات.

وفي الوقت ذاته، اكتسبت هذه النقاشات زخماً إضافياً مع تصاعد الأحداث في إيران وتزايد التركيز على توظيف الذكاء الاصطناعي في العمليات الدفاعية. وتمثل الشراكة بين شركة بالانتير وأنثروبيك أحد أهم الأمثلة على دمج تقنيات الذكاء الاصطناعي الحديثة في الأنظمة الدفاعية. حيث أعلنت بالانتير عام 2024 عن دمج برنامج "كلود" ضمن حلولها التي تُقدم للجيش الأمريكي ووكالات الاستخبارات.

برنامج كلود، والذي يبدو أنه بات لاعباً رئيسياً في العمليات الاستخباراتية للجيش الأمريكي، ساعد في تحليل المعلومات الاستخباراتية وربط البيانات لتقديم رؤى معمقة ودعم اتخاذ قرارات استراتيجية حرجة. وقد أشارت تقارير إلى دور البرنامج في عمليات عسكرية بارزة، مثل اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو في يناير, كانون الثاني 2026.

ورغم التكتم حول التفاصيل التقنية الدقيقة لاستخدام "كلود"، أظهرت الوثائق التي راجعتها مجلة WIRED كيفية إدخال البرنامج في منظومة العمل الاستخباراتي للجيش. يُظهر تحليل هذه الوثائق أن المسؤولين العسكريين يعتمدون على البرنامج لتحليل بيانات الأقمار الصناعية، الكشف عن التهديدات المحتملة، وترشيح الأهداف للهجمات.

ضمن هذا السياق، نفذت شركة "بالانتير" مشاريع بارزة للبنتاغون مثل مشروع "مافن"، وهو مبادرة تهدف لنشر الذكاء الاصطناعي في البيئات القتالية لتحليل الصور والتعرف التلقائي على التهديدات. كما طورت بالانتير منصة إدارة بيانات استخباراتية تُعرف بـ AIDP.

 تجمع هذه المنصة كميات هائلة من البيانات من أنظمة عدة وتسخرها لفهم ساحة المعركة وتحليل تحركات الخصم بأسلوب بياني شامل. ومع ذلك، يبقى مدى تكامل برنامج "كلود" مع هذه الأنظمة غير واضح بصورة كاملة حتى الآن.

تشير التصريحات الصحفية الصادرة عن بالانتير وشريكتها أنثروبيك إلى خطوات متقدمة لدمج الذكاء الاصطناعي في الأنظمة العسكرية، إلا أن افتقار الشفافية حول الآلية الكاملة لهذا التعاون يثير تساؤلات حول الآثار الأخلاقية والأمنية لهذا الاستخدام. ومع استمرار توسع أدوار الذكاء الاصطناعي في العمليات العسكرية، ستظل هذه التساؤلات مثار جدل عالمي حول مستقبل الحروب وإدارة النزاعات باستخدام التكنولوجيا المتطورة.

وتُوظّف طهران الطاقة كأداة استراتيجية لتعزيز نطاق النزاع وتعظيم تداعياته على الصعيد الدولي، مما يساهم في خلق أزمة اقتصادية عالمية تتحمل أعباءها جميع الأطراف.

ففي أعقاب أسبوع من التصعيد العسكري، دخلت منشآت الطاقة ضمن بنك الأهداف الاستراتيجية، حيث قامت إسرائيل بشن هجمات على ما لا يقل عن خمس منشآت إيرانية تقع في محافظتي طهران وكرج. ورداً على ذلك، قامت إيران باستهداف منشآت ذات أهمية مماثلة في منطقة الخليج العربي.

شملت الاستهدافات الإيرانية ضرب حقل نفط بري ومصفاة رأس تنورة في المملكة العربية السعودية، إضافة إلى مركز رئيسي لتجارة وتخزين النفط في منطقة الفجيرة بالإمارات العربية المتحدة، ومصفاة الأحمدي في الكويت، فضلاً عن أكبر محطة لتصدير الغاز الطبيعي المسال في دولة قطر.

***

شاكر عبد موسى - العراق

باحث وكاتب

"وهدوا إلى الطيب من القول..."

كلٌّ يفسرها على ما يراه، ويعقدها بتأويلات وتخريجات للمتاجرة بالآيات على مر العصور، فالدين أربح تجارة وبضاعته الترويج الدائم للتفسيرات والتأويلات التي ما أنزل الله بها من سلطان.

ومثلما يفسرون ويؤولون، تحت رايات الله أعلم، فمن الممكن القول بأن خلاصة الآية، أن الكلمة الطيبة صدقة، لأنها لصالح عامة الناس، وكفى بالله شهيدا.

لعبة التفسيرات والتأويلات دمرت الدين، لأنها تعقد الآيات وتربك المسلمين، وفقا لقال فلان وذكر علان، ولو كان القرآن في وقت نزوله بحاجة إلى تفسيرات وتأويلات، لنفر منه الناس وما حفظوه ودونوه.

هناك مَن ألف مجلدات عن سورة واحدة، وعدة صفحات يتناول فيها آية، وكأنه يدري والذي أنزله بالحق لا يدري.

الفرَق والجماعات والمذاهب والفئات كلها من إنتاج التأويلات والتفسيرات المخلة بجوهر الدين.

وبسببها تقاتل المسلمون، وأبادوا بعضهم البعض على مر العصور.

واليوم تجدنا أمام توجهات تدعو للتجديد والإصلاح، وفي مغزاها أنها تشجع على مزيد من التأويل والتفسير، وفقا لما يريد المنغمسون بهذا النشاط المبيد.

النبي (ص) أوضح ما يستطيعه، بمفردات بسيطة ومختصرة، وتجنب الإسهاب والتعقيد وحتى الإطناب، وترانا أمام أدعياء المعرفة بالدين، وكل منهم يمعن بالإسهاب والتعقيد والتضليل ليوهم الناس بأنه يعرف وهم لا يعرفون.

أ ليس القرآن بلسان عربي؟

فلماذا الدوران حول الوضوح والنور المبين، وإحاطته بحشد من الظلمات والتجهيل والتضليل، بإسم التفقه بالدين، ومعرفة ما تعنيه الكلمات، وتشير إليه الآيات، وكأن القرآن يخاطب الفقهاء لوحدهم، وينكر أنه جاء رحمة للعالمين.

ولو عدت للآية أعلاه وبحثت في تفسيراتها وتأويلاتها، لتعجبت من الذين توسعوا في شروحاتهم وبراهينهم النظرية، وما قدموا آلية عملية للتعبير عنها في المجتمع، وكأنهم فرسان قول شديد.

بدينٍ واضحٍ كنّا سُراةً

بدينِ مؤوّلٍ عِشنا حفاةً

أضاليلٌ بها الأفهامُ جادتْ

فأصْبَحنا بحاضِرنا عُراةً

هَزائمُنا تلاحقنا لحَتفٍ

ودُمنا في مَواطننا فئاتاً

***

د. صادق السامرائي

 

"وَنَحْنُ نُحِبُّ الحَيَاةَ إذَا مَا اسْتَطَعْنَا إِلَيْهَا سَبِيلاَ"

محمود درويش

***

نحن نحب الحياة. فمن يترك لنا منفذاً في عالم مجنون، يندفع بخطاه إلى الهاوية، شاهراً سيفه ليتوجه به نحو نحره؟

هكذا نحن، الشعوب الملعونة بالحروب. نستيقظ في صباحٍ مشمس، فتغشى أبصارنا غمامة بارود، قادمة من خلف الحدود. نمدّ أيدينا للحياة، فإذا بالموت يطل من صندوق الذاكرة، ذلك الصندوق الذي جاهدنا طويلاً لنحكم إقفاله.

نحن الملايين، في فضاءات متفرقة، ضحايا نزق بطل أميركا الساعي إلى ألوهية الذات، وصراع إيران الوجودي، وجهل حكّامنا الذين لا يعرفون من مطبخ السياسة سوى ما يملأ بطونهم.

لا تفسير لما يحدث سوى أن العالم، بكل دوله ورجاله وحكمائه ومثقفيه وسياسييه، حتى ذكائه الاصطناعي، أصبح عاجزاً عن احتمال نفسه، فاختار الانتحار، كما يفعل بعض النجوم والمبدعين حين يكتفون من تجربة كل شيء. فهل اكتفى العالم من الحياة، أم أنه قرر الاستسلام للعبثية؟

يلجأ البعض إلى الإجابة التاريخية التي ترافق الخراب: "إنها نهاية العالم يا سادة".

تظهر العلامات، ويُنتظر معها المهدي المنتظر، والمسيح ـ أو المشيح ـ المنتظر، الذي تحوّل في حروب نتنياهو الأخيرة إلى بطل مؤجل. أبشع ما في الأمر أن ترتدي الحروب رداء الدين، فتسلب الأرواح باسم رسالة، يؤمن بها رجل عبد لنرجسيته، ولنظرته الدونية إلى البشر.

من السهل أن نلوم ترامب، ونلعن نتنياهو، ونحمّل حكّام إيران نتائج ما يحدث، بينما لا نملك سوى الغضب والشتائم والتحليلات العقيمة.

في عصور مضت، كانت الكلمة رصاصة يخشاها الرجال. أما اليوم، فقد صار الكلام مجرد ثرثرة، وأصبح أشباه الرجال يعدّون العدّة لقتال من شتم فاطمة، بينما يواجههم آخرون يتصارعون حول التاريخ الصحيح لمولدها.

صدأت بنادق الثوار، لتحل محلها أحذية تتطاير تحت قبة البرلمان. وصارت السياسة دكاكين لم ترقَ حتى إلى مستوى مول.

حتى العشّاق صاروا جبناء. بدلاً من الدفاع عن الحب، وزّعوا مشاعرهم على تفاصيل صغيرة تغتال إنسانيتهم، وتنشر اليباس في قلوبهم.

وحين يعلو السؤال مختنقاً: لماذا؟

لماذا تُحرق مليارات الدولارات في صورة أسلحة، بدل إنقاذ ملايين الجياع؟

لماذا تُغلق أبواب السلام، لتفتح المدافع أبواب الجحيم وتلتهم آلاف الأرواح؟

والجواب، ببساطة قاسية، هو الجهل والتجهيل، ذلك المدّ الذي زحف على العالم منذ سنوات، ليزيح الحضارة، ويطمس الثقافة والمدنية، ويستبدلها بالعشائرية، والعصبيات الدينية، ليصبح الإنسان عنصراً للهدم لا للبناء؛ هادماً لنفسه، ولمن حوله، وللأرض التي يقطنها.

***

بشرى الهلالي - بغداد

 

مع اشتداد أصوات المسيّرات في سماء أربيل، وسقوط حطام إحداها على مقربة من شقتنا في مجمع (سكاي تاورز) الواقع على شارع المئة متر المواجه لبلدة عنكاوا، قررنا، زوجتي وأنا، مغادرة المدينة عبر منفذ إبراهيم الخليل الحدودي باتجاه الأراضي التركية، في لحظة أختلط فيها الخوف بالضرورة، والاختبار بالإكراه.

في تلك الليلة، لم يكن الرحيل في البداية قراراً واضح المعالم، بل استجابة لنداءٍ خافتٍ في الداخل يقول: "أبق حياً أولاً". كانت المسيّرات تحوم في السماء كطيور معدنيةٍ بلا قلب، يسبق صوتها ظلالها، ويترك مرورها في النفوس ارتجافاً خفياً. وعندما سقط حطام إحداها على مبعدة ثلاثمئة متر عن محل مسكننا، لم يعد الأمر مجرد خبراً يُتداول، بل صار واقعاً يقف على عتبة الباب.

كنا نحاول أن نواصل حياتنا وكأن شيئاً لم يتغير: نفتح النوافذ صباحاً، نعدّ الفطور، ونقنع أنفسنا أن السماء لن تختار بيتنا هذه المرة. لكن في تلك الليلة تغيّر كل شيء: دوّى صوتٌ قصير، ثم اهتزت الأرض قليلاً. بعد دقائق، خرج الناس إلى الأزقة. كانت قطعة كبيرة من الحطام قد سقطت قرب البيت؛ معدن أسود محروق، ورائحة غريبة في الهواء. عندها فقط أدركنا أن المسافة بيننا وبين الخطر لم تعد كبيرة كما كنا نتصور.

بدأت الرحلة من أربيل في الساعة الخامسة والنصف صباحاً، حيث كان الظلام لا يزال يخيّم والمدينة لم تفتح عينيها بعد. بدت الشوارع الواسعة التي تضج بالحياة لاحقاً هادئة، والسيارات قليلة، والهواء يحمل برودة الفجر. خلفنا بقت القلعة العتيقة، شاهدة على قرون طويلة من التاريخ، بينما مضت السيارة شمالاً عبر الطريق المؤدي إلى الحدود.

مع الخروج من المدينة، بدأت السهوب الواسعة بالظهور. امتدت الأرض بلونها الترابي بين تلال منخفضة، تتخللها قرى صغيرة وبيوت متناثرة. كان الطريق مستقيماً في كثير من مقاطعه، لكن المنظر بدأ يتبدل باستمرار: جبال بعيدة لاحت بلون أزرق خافت، وقطعان أغنام ترعى على سفوح التلال، وشاحنات ضخمة تسير ببطء وكأنها قوافل حديثة قي طريق تجارة قديم.

كلما ابتعدت سيارتنا عن أربيل، كان الطريق يصبح أكثر فراغاً، إلا من الشاحنات الضخمة المتجهة نحو الحدود. شكلت هذه الشاحنات التركية الطويلة قوافل بطيئة محمّلة بالنفط الخام والوقود والبضائع القادمة إلى العراق أو الخارجة منه. مررنا بقرى صغيرة، وبمحطات وقود متواضعة، ومقاهٍ مغلقة لم تقف أمامها سيارات المسافرين كما هو معتاد.

بعد يضع ساعات، بدأ الطريق بالاقتراب من منطقة زاخو، حيث تغيّر المشهد. أزداد عدد الشاحنات، وأصبح الطريق أكثر ازدحاماً. هنا شعرتُ أنك تقترب من بوابة العبور الكبرى بين بلدين. وعلى مسافة قصيرة، ظهر معبر إبراهيم الخليل، أحد أكثر المعابر البرية نشاطاً في المنطقة.

كلما اقتربنا من الحدود، كان الشعور غريباً: شيء بين الارتياح والحزن. الارتياح لأن السماء هناك قد تكون أكثر هدوءاً، والحزن لأن البيت يبقى خلفنا، واقفاً وحده.

عند الحدود، توقفت الحركة في صفوف طويلة. كان معبر إبراهيم الخليل مزدحماً بوجوهٍ تشبه بعضها. وجوه لم تخطط للسفر، لكنها تحمل حقائب صغيرة وثقيلة في الوقت نفسه- ثقيلة بما فيها من قلق وذكريات. وقفت سيارات المسافرين إلى جانب مئات الشاحنات التي امتدت كأنها نهر من الحديد. استغرقت الإجراءات وقتاً طويلاً، لكن هذا الانتظار وإن كان جزءاً من طقوس السفر البري، بدا أكثر من ذلك بعد أن أشتدت الضربات الأمريكية- الإسرائيلية على إيران وبدأت تحرق المنطقة برمتها، حيث أُغلقت المطارات وبدأت حركة السفر براً تزداد يوماً بعد آخر.

وعند الحدود، حين تلتقي طرق الشاحنات بصمت المسافرين، يدرك المرء أن الوطن يمكن أن يصبح فجأة مسافة خلفه، وأن خطوة واحدة قد تفصل بين الخطر والأمان. كان هروبنا بلا خيار، فقد أصبحت الحياة نفسها هي القضية الأولى، بعد أن صارت السماء مزدحمة بأجنحة معدنية، ومسيّرات تمرّ ببطء فوق البيوت وتترك في الهواء طنيناً بارداً يشبه القلق.

بعد أن اجتزنا البوابة العراقية، عبرنا بضعة مئات من الأمتار لنصل إلى الجانب التركي، المعروف باسم معبر خابور الحدودي. هنا تبدل كل شيء تقريباً. ظهرت اللافتات باللغة التركية لتحل محل العربية والكردية، وصارت الطرق أكثر اتساعاً  وتنظيماً، وبدت الحواجز حديثة. دخلنا رسمياً الأراضي التركية، لنجد أنفسنا في بلدة سيلوبي الصغيرة، أولى المدن التركية على هذا الطريق. وهنا تبدأ رحلة أخرى، داخل جنوب شرق الأناضول، حيث الطبيعة مختلفة، والأرض قاسية والجبال صلبة.

ثم أمتد الطريق غرباً عبر أرضٍ قاسية وجميلة في آنٍ واحد، ومررنا قرب (جزرة)، المدينة التي يمر بجوارها نهر دجلة في رحلته الطويلة. ثم يتواصل الطريق نحو (نصيبين)، حيث التاريخ القديم لمدنٍ عرفت الحضارات منذ آلاف السنين.

الطبيعة هنا مختلفة قليلاً عن كردستان العراق: تلال صخرية، وقرى مبنية بالحجر، وسماء واسعة تبدو أقرب إلى الصحراء منها إلى الجبال. الطريق هادئ في معظم الأوقات، والسيارة تمضي وكأنها تقطع صفحات من جغرافيا قديمة. والطريق طويل لكنه هادئ.

مضت السيارة غرباً، ومرّت قرب (جزرة) ثم باتجاه (نصيبين). رأينا مزارع صغيرة وقرى حجرية بلون التراب. تحمل هذه المنطقة تاريخاً عميقاً، فقد كانت يوماً جزءاً من طرق التجارة القديمة بين بلاد الرافدين والأناضول.

وقبيل الوصول، بدأت مدينة ماردين بالظهور على الأفق، وعلى قمة التل، كأنها لوحة حجرية معلّقة فوق السهل. بيوتها القديمة مبنية من حجر أصفر دافئ، وشرفاتها الضيقة تطل على سهول واسعة تمتد حتى الحدود السورية. المدينة ترتفع فوق تلٍ طويل، وبيوتها الحجرية بلون العسل تتدرج صعوداً كأنها سلالم معلقة فوق السهل الواسع. منظرها من بعيد يشبه مدينة خرجت من كتاب تاريخ.

وعندما وصلنا إلى مطار ماردين لاحظنا شيئاً غير مألوف للمسافر: النهار هادئ أكثر مما ينبغي، والمطاعم مغلقة، والأبواب نصف موصدة، وكأن المدينة تمسك أنفاسها. فقد صادفت الرحلة في شهر رمضان. الناس صائمون، والحياة اليومية تتباطأ احتراماً للشهر الفضيل. المقاهي التي تعمل أحياناً تبقي أبوابها شبه مغلقة، حتى الأكشاك الصغيرة تبدو صامتة، وكأن المدينة تأخذ قسطاً من السكون.

لكن مع اقتراب الغروب يبدأ المشهد بالتبدل ببطء. الأضواء تشتعل في المطاعم، والطاولات تُرتّب على الأرصفة، والروائح الأولى للطعام الساخن تنتشر في الهواء. ومع أذان المغرب، تمتلئ الشوارع بالحياة فجأة؛ وكأن المدينة التي ظلت ساكنة طوال النهار استيقظت دفعة واحدة. تظهر أطباق الشوربة الساخنة والخبز الطازج والكباب، وتعود الضحكات إلى المقاهي. المدينة التي بدت ساكنة طوال النهار تتحول فجأة إلى مدينة يقظة، وكأنها كانت تنتظر لحظة واحدة فقط لتستعيد نبضها.

في مطار ماردين، ألتقينا بعدد من الأجانب: خبراء ومدّرسون، جلهم كان قادماً من العاصمة بغداد عبر الطريق البري أيضاً. كانوا قلقون من الوضع الأمني في العراق، حتى أن أحداهن حكت لنا قصتها، وكيف أنها نجت قبل يوم من عملية أختطاف طالتها في بغداد من قبل ثلاثة رجال ملثمين ومدججين بالسلاح.

بعد ساعات من الأنتظار أقلتنا طائرة الخطوط الجوية التركية إلى إسطنبول. كانت الطائرة مزدحمة بالمسافرين، وكنتُ في قرارة نفسي أتساءل: هل كان الهروب جبناً، أم نوعاً من الحكمة القاسية؟ فالإنسان أحياناً لا يهرب من أرضه، بل يهرب بها في قلبه، ريثما تهدأ السماء.

هربنا من جحيم المسيرات، من صفير الطائرات وصوت الانفجارات، لم نفكر كثيراً بما ينتظرنا. كل ما كنا نريده هو أن تنجو، أن نعبر المسافة بين الخوف والحياة. وحين وصلنا إلى تورنتو، استقبلنا صمت مختلف؛ ليس صمت الخوف، بل صمت الثلج وهو يتساقط بكثافة، والبرد يلامس وجهينا كأنه يقول: هنا حرب من نوع آخر، حرب مع الغربة والحنين. وبين نار الوطن وبرد المنفى، وقفنا متسائلين: أيهما أقسى… جحيم الرحيل من الوطن أم صقيع المنفى؟

***

جورج منصور

تعاملنا مع مشاعرنا السلبية وفق استراتيجيات محددة ما كنا لنتعايش معها يوماً، وما كنا لنتقبلها أبداً. العقل لا يفكر عندما يكون القلب مهموماً وصوت الروح مغموماً؛ يصبح التركيز صعباً والأفكار تتضارب ولا تستقر.

لذلك نتعامل مع مشاعرنا السلبية بإيمان زرعناه في قلوبنا منذ حفظنا أركان الإيمان الستة، وعرفنا أن كل ما يصيبنا هو قضاء، ورضينا به وسلمنا لله أمورنا لعجزنا عن تدبيرها؛ لأننا صدقنا وعد ربنا الذي قال: {بَلَىٰ مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [سورة البقرة: 112]. وبعد هذا الوعد، علمنا أن التسليم لله ينجينا من الحزن ويؤمننا من الخوف.

التسليم بالإحسان

وليس التسليم باللسان والقلب ما زال مهموماً غير مصدق بوعد الرحمن، بل تسليم بإحسان، والإحسان هو أعلى مراتب الإيمان؛ أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك. تلك المشاكل التي عجزتَ عن حلها الله يراها ويعلمها، ويرى عجزك ويرحمه، ويعلم أنك ضعيف فيقويك ويلهمك لما هو خير لك.

ليس تدبيره مثل تدبيرك حاشاه، بل هو الحليم يختبر صبر عبده، وصبور يصبر على عبده القانط وعلى قلوب عباده المتقلبة. تدبيره يبدأ بعد تسليم أمورك له واعترافك بعجزك ولجوئك لبابه وحده؛ فسترى تسخيره من خلال تلك الطرق السهلة، والناس الطيبة، والسكينة التي يفرغها في قلبك بعد قلق دام طويلاً: {... ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تبع هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [سورة البقرة: 38].

اتباع الهدى والتوكل

اتبع هدى الله أينما شعرت به، واغتنم كل فرصة، وادخل من كل باب تراه ينفتح أمامك دون تردد ودون تفكير؛ يكفي أنك توكلت على الله، وبتوكلك أنت فائز برضاه حتى وإن خسرت في الحياة، وإن خسرت تلك الفرصة فقد كسبت قلبك وأصبحت أكثر إيماناً وتوكلاً على الله، وهذا هو مفتاح كل الأبواب المغلقة. اتبع هدى الله الذي قذفه في قلبك لتكون من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [سورة الأحقاف: 13].

وبين التقدم والتردد خطوة مرتعشة تسمى خوفاً من الخسارة أو من الخذلان، خوفاً من الناس أو من ضياع الوقت والجهد. فاعلم أنك عندما تكون مع الله فأنت تتاجر بوقتك تجارة رابحة تكون لك ذُخراً في الآخرة؛ فلا تحزن من كلام المستهزئين، ولا تسمع للمحبطين، وإياك أن تصدق وساوس الشياطين، فلا يضيع وقت المتوكلين على الله الساعين على نور هداه. وتذكر قول الحق سبحانه: {وَلَا يَحْزُنكَ قَوْلُهُمْ ۘ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا ۚ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} [سورة يونس: 65].

عزة المتوكلين

يكفي أن الله يسمع ويعلم كل ما يصيبك من أذى، وهو الذي بيده كل شيء وهو على كل شيءٍ قدير. أنت مع العزيز فلا تظن أن هناك من يستطيع أن يذلك أو يراك ذليلاً؛ لأن العزة جميعها بيد الله وحده وهو السميع العليم. من كان مع الله فمن عليه، ومن كان مع الناس فمن معه؟

أنت لست وحيداً وإن أوهموك بذلك؛ أولئك الذين تركوك لم يتركوك لأنهم أرادوا خذلانك، بل لأن الله أراد أن يبعدهم عنك ليتولى هو سبحانه تدبير أمورك؛ أبعدهم لأنهم كانوا سيحبطونك إما بتخاذلهم أو بحسدهم، أو حتى باتكالك عليهم وإيهام نفسك بالعجز دونهم.

لكن الله يعلم ما هو الخير لك ويقدمه حتى وإن كان في نظرك غير ذلك، وأنت ستعرف بعد حين أنك رُحمت ولم تُحرم كما ظننت. توكل حق توكله، وارضَ بكل أقداره، ولا تجزع أبداً، ولا تترك بابه لتنال مرتبة الإحسان، وتصبح من أولياء الله الذين تولاهم برحمته، من الذين لا خوف عليهم ولا هم يحزنون: {أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63)} [سورة يونس: 62-63].

***

بقلم الكاتبة: فاطمة الدفعي

حكاية وطن في اسمين على شمس الحرية

لم اكن اتخيل ان يعيدني مسلسل عراقي الى طفولتي البعيدة، حيث كنت ابتعد عن الدراما العراقية لشعور بانها لا تشبهني، لا تشبه وجعي ولا احلامي. لكن مسلسل "اسمي حسن" كان مختلفا. جلست امام شاشة اليوتيوب اتابع حكاية كتبت بدم العراقيين.

في زمن الحديد والنار عام ١٩٨٢، تنمو قصة حب بين فاطمة وحسن. هي قصة عشق عادية لو انها حدثت في زمن عادي، لكنها استثنائية لأنها حدثت في زمن استثنائي. حسن شيوعي يؤمن بوطن حر وشعب سعيد، وفاطمة فنانة في الرسم وابنة رجل اسلامي يختلف معه في الفكر لا في الانسانية.

المشهد الدرامي هنا لا يقدم صراعا أيديولوجيا بقدر ما يقدم مأساة وطن مزقته الدكتاتورية، فجعلت من الاختلاف الفكري ذريعة للفرقة والاقتتال.

ما اذهلني في المسلسل انه استعاد للانسان الشيوعي جزء من صورته الحقيقية، تلك الصورة التي شوهتها سلطات القمع لعقود. حسن ليس كافرا كما روجت له آلة الدعاية البعثية، ولا ارهابيا كما صورتهم السلطات المستبدة. حسن انسان كامل، شجاع، مناضل، يحب ويعشق ويحلم بوطن يسع الجميع. في مشهد لا ينسى، يصرخ حسن امام قاضي التحقيق "سنمضي الى ما نريد وطن حر وشعب سعيد". انها ليست مجرد كلمات، بل خلاصة فكر انساني يؤمن ان الحرية حق للجميع، وان الشعب يستحق حياة كريمة.

لكن المسلسل في جودته الفنية، لم يجعل من الاسلامي نقيضا شريرا. حسن الاسلامي المنتمي لحزب الدعوة، كان مخلصاً لمبادئه، شجاعا في مواقفه، انسانيا في تعاطفه. المشهد الختامي حيث يصعد الحسنان معا الى المشنقة، يتكاتفان في لحظة الموت، كان ابلغ رسالة عن وحدة العراقيين الحقيقية التي حاولت الدكتاتورية تفتيتها. انها لحظة سينمائية خالدة تقول ان العراقيين كانوا وسيبقون ابناء وطن واحد، مهما حاول الطغاة تمزيقهم.

المسلسل وثق بدقة جريمة النظام البعثي في اعتقال النساء والاطفال والشيوخ، وفي انتزاع الاعترافات بقوة التعذيب. لقد أعاد الينا ذاكرة الالم التي حاول النظام طمسها، وجعلنا نرى كيف تحولت بيوت العراقيين من أماكن للطمأنينة الى اوكار خوف ورعب، حيث "كان للحيطان اذان والكلمة قد تكلف حياة عائلة بأكملها".

النقد:

كان بامكان المسلسل، وأتمنى في اجزاء قادمة، ان يشرح المبادئ الشيوعية بشكل اعمق. فكثيرون ما زالوا يخلطون بين الشيوعية كفكر اقتصادي اجتماعي وبين الالحاد الذي لا يمثل جوهرها. الشيوعية في العراق حملت راية الدفاع عن حقوق الفقراء والكادحين، وناضلت من اجل عدالة اجتماعية حقيقية، ودافعت عن حقوق المرأة والطفل. هذه المبادئ غائبة عن وعي كثير من العراقيين، ليس بسبب رفضهم لها، بل بسبب فقرهم المعرفي الناتج عن عقود من التجهيل والتضليل.

كان يمكن من خلال حوارات حسن مع فاطمة او مع رفاقه، أن نتعمق أكثر في فهم لماذا اختار هذا الشاب الطريق الشيوعي. ما هي أحلامه للعراق؟ كيف يفهم الحرية والعدالة الاجتماعية؟ تلك التفاصيل كانت سترفع المسلسل من التوثيق السياسي الى التحليل الفكري، ومن سرد المأساة الى تفسير جذورها.

لكن هذا لا ينتقص من قيمة العمل الذي استطاع بأداء مذهل من تحسين داحس (حسن الشيوعي) وأمير احسان (حسن الاسلامي) وسامية الرحماني (فاطمة) ، ان يعيد للدراما العراقية تشويقها، وان يجعل في اعيننا لمعة امام الشاشة ونحن نبحث عن ذاتنا المفقودة في زحام النسيان.

شكرا لحامد المالكي الذي استلهم فكرته من وثائق الامن العامة التي كشفت عن اعتقال ٩٠ شخصا يحملون اسم حسن للبحث عن متهم واحد.

ان الانسان حين يؤمن بقضية عادلة، يصبح اسمه عنوانا للأمل. وحين يحمل اسم "حسن"، أيها الدكتاتور لا يمكنك أن تلغي وجوده، لأن الحسنى ستبقى، مهما حاولت تشويهها.

***

حسام عبد الحسين

نصر بن سيار (663 - 748) ميلادية والي خراسان في أواخر الدولة الأموية، وقد نادى وحذر نثرا وموزونا من الدواهي الآتيات، ومن نصوصه المشهورة التي حاول بها إيقاظ وتنبيه بني أمية ما يلي:

"أرى تحتَ الرمادِ وميضَ نارٍ

ويوشكُ أنْ يكونَ له ضرامُ

فإن النار بالعودين تُذكى

وإنّ الشرّ مبدؤهُ كلامُ

....."

 منذ بداية القرن التاسع عشر والأقلام تكتب بالعربية الواضحة عن شؤون الأمة والتحديات التي تواجهها، وظهر فيها مفكرون وفلاسفة لم يتركوا شاردة أو واردة،  إلا وأمعنوا بدراستها ومحاولات وضع الحلول لها، فكانت لهم خطب، ومقالات، وقصائد وكتب متنوعة، وفي مقدمتها كتاب "طبائع الإستبداد ومصارع الإستعباد" لعبد الرحمن الكواكبي (1855 - 1902)، وغيرها من الكتب المشخصة للداء والباحثة عن الدواء.

ومنذ منتصف القرن العشرين وحتى اليوم والأقلام تكتب، لكن القافلة تسير وفقا لما مرسوم لها، وعلى سكة المصالح والأهداف الخفية والمنظورة، وكأن ما تجود به الأقلام ثريد حول صحون المآسي والويلات.

فما قيمة الكتابة والتحذيرات، والكتب والإصدارات الأخرى؟!!

توابعُ قوةٍ فيها اضْطرامُ

شعوبٌ عاصرتْ وهُمُ النيامُ

بإمْرةِ قادرٍ أثنى عليهمْ

بها ذهبَ الأفاضلُ والكرامُ

فلا تعتبْ على زمَنٍ عَقيمٍ

إذا إسْتنكرَ الفعلَ الكلامُ

***

د. صادق السامرائي

يعد الوقت أثمن ما يملكه الإنسان في هذه الحياة، فهو رأس مال العمر وأداة البناء والتعمير والتغيير. وقد أدرك الإسلام قيمة الوقت فأقسم الله به في مواضع كثيرة من القرآن الكريم، مثل قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ سورة العصر. في إشارة واضحة إلى أن الإنسان يخسر إن لم يحسن استثمار وقته في العمل الصالح والإنجاز النافع الذي يجلب الخير له ولغيره. ومن هنا يأتي شهر رمضان ليكون مدرسة تربوية عظيمة تعلم الإنسان كيف يدير وقته وينظمه بطريقة تحقق التوازن بين العبادة والعمل والحياة.

إن الصيام لا يقتصر على الامتناع عن الطعام والشراب، بل هو تدريب عملي على الانضباط الذاتي وتنظيم الحياة. فالصائم يبدأ يومه في وقت محدد للسحور، ويؤدي صلواته في أوقاتها، وينتظر لحظة الإفطار بدقة، ويحرص على صلاة التراويح وقيام الليل. هذا النظام الزمني المتوازن يجعل المسلم يعيش تجربة فريدة من نوعها في إدارة الوقت والتخطيط له، حيث يتعلم كيف يوزع يومه بين العبادة والعمل والعلاقات الشخصية والعائلية والاجتماعية.

ومن المعاني العميقة التي يرسخها رمضان في نفوس الصائمين أن إدارة الوقت هي في الحقيقة إدارة للذات وبناء له. فحين ينجح الإنسان في تنظيم يومه وتحديد أولوياته، يصبح أكثر قدرة على الإنجاز وتحقيق أهدافه والغايات التي يسعى لها. إن إدارة الوقت ليست مجرد جداول أو مواعيد، بل هي وعي بالقيم والرسالة والتوجه التي يحملها الإنسان في حياته المهنية والاجتماعية، وهو ما يمكن تشبيهه بالفرق بين “ الساعة ” و “ البوصلة ”. فالساعة تنظم المواعيد والأنشطة، أما البوصلة فهي التي تحدد الاتجاه والقيم والمعاني التي تقود تلك الأنشطة.

ومن خلال هذا الفهم يصبح رمضان فرصة حقيقية لتصحيح المسار، فالمسلم يراجع ذاته ويتأمل أين يذهب وقته، وما الذي يستهلك طاقته دون فائدة أو ضياع. وفي هذا السياق قال رسول الله ﷺ:“ نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس: الصحة والفراغ ” أخرجه البخاري.  فالفراغ إن لم يستثمر في الخير تحول إلى خسارة وأداء تهزم الإنسان وتجلب له الفشل والبوار، أما إذا أحسن استثماره فإنه يصبح طريقاً للنجاح والتطور والتميز.

كما أن إدارة الوقت في رمضان تعلمنا مبدأ مهماً يشبه ما يمكن تسميته بقانون المزرعة؛ فالمزارع لا يحصد قبل أن يزرع، ولا يجني الثمار قبل أن يبذل الجهد ويصبر على مراحل النمو ومواكبة الموسم والزرع. كذلك في رمضان، من أراد الأجر والثواب والتغيير الحقيقي في حياته، فعليه أن يغتنم كل لحظة ويوم وكل ساعة في الطاعة والعمل الصالح والتقرب لله عز وجل. فالأعمال العظيمة لا تأتي صدفة، بل هي نتيجة للالتزام والاستمرارية والانضباط المستمر والمتواصل.

ومن أبرز فوائد تنظيم الوقت في هذا الشهر المبارك أن الإنسان يشعر بتحسن في حياته وعمله، حيث يصبح أكثر نشاطاً وإنتاجية. كما يتيح له رمضان فرصة لتعزيز العلاقات الاجتماعية من خلال صلة الأرحام والأقارب والأصدقاء ومساعدة المحتاجين والتواصل مع الآخرين بروح من المحبة والتكافل والتكاتف والتلاحم. إضافة إلى ذلك، يفتح هذا الشهر باباً واسعاً للتطوير الذاتي والنماء الشخص والجمعي، إذ يتعلم الصائم الصبر وضبط النفس والتحكم في الغضب، وهي مهارات حياتية أساسية لبناء شخصية متوازنة.

إن إدارة الوقت في رمضان ليست هدفاً مؤقتاً ينتهي بانتهاء الشهر، بل هي عادة إيجابية يمكن أن تمتد إلى بقية الشهور والعام. فإذا نجح الإنسان في تنظيم وقته خلال رمضان، فإنه يستطيع أن يحمل هذه التجربة إلى حياته اليومية في العمل والأسرة والمجتمع. وهنا تتحول ساعات اليوم العادية إلى فرص للإنجاز والنمو والتقرب إلى الله.

وفي النهاية، يبقى رمضان رسالة عملية لكل إنسان مفادها أن من أحسن إدارة وقته أحسن إدارة حياته. فالوقت هو الحياة، ومن استثمره بوعي وإيمان استطاع أن يصنع لنفسه حياة أكثر بركة وإنجازاً وتأثيراً. ومن هنا كان رمضان بحق مدرسة عظيمة تعلمنا كيف نحيا بوعي، ونخطط بحكمة، ونعمل بإخلاص لنحقق التوازن بين الدنيا والآخرة.

***

د. أكرم عثمان

15-3-2026

الوطنية أولا والديمقراطية ثانيا، فلا قيمة للديمقراطية بغياب الوطنية، ذلك أن الديمقراطية كفكرة ونظام تفاعلي ما بين أبناء الوطن الواحد لتقويته وتعزيز إرادة مواطنيه، وليس العكس، ونرى ذلك واضحا في تفاعلات الأحزاب في المجتمعات الديمقراطية المعاصرة، وفي التحديات والمنافسات الإنتخابية عند الأحزاب الساعية للفوز بالحكم.

فالوطن أكبر من الجميع، وعلينا أن نكون معا وسويةً، فالهدف سلامة الوطن وقوته وإقتداره، وليس المنصب والسلطة وغيرها، ذلك أن للديمقراطية محكمة تأريخية قاسية، والساعون للسلطة يبحثون عن مكان لائق في أروقة التأريخ، ويأنفون من المواضع الرزية.

ومن التفاعلات الديمقراطية الراقية في مجتمعات الدنيا، علينا أن نتعلم الدروس الصالحة لوجودنا ومصيرنا، فما يحصل في مجتمعاتنا بعيد عن الديمقراطية الحقيقية،  فهي صراعات غابية تُلصق بالديمقراطية، وتتسبب بالخسران على جميع المستويات.

فعندما تحصل منافسة حزبية أو إنتخابية، تتحول الأطراف إلى أعداء وتتنامى العدوانية، لتصل إلى الإتهامات الجائرة، لتحقيق أعلى درجات التمسك بالسلطة والحكم.

شهدنا ذلك في العديد من بلداننا التي تتغنى بالديمقراطية، وهي منهمكة بتفاعلاتها المعادية لأبسط معاني وقيم الوطنية، فحصل تغييب مروّع للوطن والمواطنة والشعب، ودام الإمعان بالفئوية والطائفية والتدمير الذاتي والموضوعي للمرتكزات الصالحة للحياة المشتركة.

ولهذا فمن الإجحاف أن نتحدث عن الديمقراطية في مجتمعاتنا، ونحن نمارس العدوانية على بعضنا، وننتهك حرماتنا الوطنية والإنسانية والقيمية.

فهل رأيتم معارضا  لم يفز باتصويت وإعترف بحق منافسه، أم أنه يذهب إلى تدوير الإسطوانة المشروخة المكررة المملة التي عنوانها "تزوير"؟!!

وبسبب ذلك فأن الإنتخابات في مجتمعاتنا تلد متوالية من التفاعلات القاسية، فهل نعرف الوطن ونفهم الإرادة الديمقراطية؟!!

دَمقرطتِ النوائبُ في رُبانا

فأصْبحَ ما أتينا مُسْتهانا

بلا وطنٍ بهِ الأقوامُ عاشتْ

سَنبقى حالةً تشكو الوِطانا

بشعبٍ دونَ معتصمٍ برأيٍّ

يغيبُ وجودُنا والقولُ كانا

***

د. صادق السامرائي

في رحابِ الله تهدأُ القلوبُ التي أرهقها الضجيج، وتسكنُ الأرواحُ التي طالت بها مسافاتُ الحيرة. فهناك، حيثُ لا يقاسُ الإنسانُ بما يملك، بل بما يحملُ في قلبه من صدقٍ ونور.

في رحابِ الله تتعلّم الروحُ أن الدنيا عابرة، وأن ما يثقلُ القلبَ اليوم سيغدو غدًا ذكرى خفيفةً تمرّ كغيمةٍ في سماء العمر.

وهناك، في فسحةِ القرب، يدرك الإنسان أن الطمأنينة ليست في كثرة الأشياء، بل في بساطةِ اليقين:

أن الله يرى، ويسمع، ويرحم. فمن آوى إلى رحابِ الله لم يَخَف ضيق الطريق، ولم تُرعبه تقلبات الأيام؛ لأن القلب الذي يسكنُ في رحابِ الله لا تتيه به الدنيا مهما اتّسعت.

***

صابر الحميدي