قد تَتَخَلَّلُ المَرءَ قوةٌ مُفاجئةٌ تُمَكِّنهُ من صَفعِ وجهِ العالَم بقَبضةٍ واحِدة. قد يَشعرُ أن الأوراقَ ما عادَت تَكفي للتَعبير.. فهل أصيبَت الأشجارُ بالعُقم؟! إنَّ الجُدرانَ تَتَّحِدُ وتتآمَرُ لتَضييقِ خِناقِها، حتى الوِسائدُ المُخلِصةُ قد امتَلأت، بل إنها على وَشكِ إفشاءِ الدُموع. كم اريدُ إغلاق هذا العالَمِ ككتابٍ ضَخم، كم أريدُ قَذفهُ إلى زاويةِ مَكتَبَتي بلامُبالاة. أريدُ مِقعَدًا في الوسَطِ لأشاهِدَ هذه المَسرَحية، مَقعَدًا ما بينَ الحَياةِ والمَوت، شُعورًا حياديًا بينَ السَعادةِ والحُزن. أنا التي جابَت المَعارِضَ والمَراسِمَ بحثًا عن لَوحةٍ تَمزِجُ العُنفوانَ بالبَلادةِ لتَخلِقَ لَونًا رائعًا بينَ الأحمَرِ والأزرَق. أطالِبُ بتَركيبِ مَفاتيحٍ رَمادية للبيانو. سأهرُبُ إلى الأفُقِ عَبرَ خُرمِ إبرة. أريدُ أن أزَوِّجَ الصَرخةَ للوُجوم وأن أدَبِّرَ مَوعِدًا غَراميًا بينَ اللَيلِ والشَمس. أريدُ أن تَلتَقي الطُفولةُ بالنُضج، فقد مَلِلتُ التَسَكُّعَ بينَ الأطرافِ والأقاصي.

 

مينا راضي

ماذا تفعل عندما يوقضك الأرق عند حدود الساعة الثالثة فجراً بتوقيت حلم يصدمك هذا النهوض المبكر لذاكرتك الحبلى من تخمة الأمس..كل شي فيك نائما إلا مخيلتك وعيناك التي تحلق في الفراغ....

لا تدري هل تفسح المجال لشريط الأحاديث أن تعيد إسترجاع نفسها كما شاءت مرارا أم تجر نفسك إلى أعماق شراشف نومك وتغوص في وسائدك وتقطع ذاك الشريط المتغلغل في الذاكرة....

لا تدري ماذا تفعل في ذاك الوقت وكل الأحياء في سبات عميق إلا أنت تحدق في ذاك السكون وتحاول أن تنتزع نفسك وبقاياك من ذاك التوقيت المرهق أم تواصل التحديق في هدوء الأشياء نصف نائما...

في ذاك الوقت الذي لا تعلم ماذا تفعل فيه حتى إنك لا تستطيع أن تشرب فنجان قهوتك وكأن كل الأشياء عقدت قرانها على الصباح بحيث لا تجد ما تفعله في ذاك التوقيت العاجز حتى من الحياة لا شي سوى أن ضجيج ذاكرتك يدوي في داخلك محدث إصطدام مدوي وكأنها مقطورة إنفصلت عن قطار...

وعندما تبدأ خيوط الشمس بغزل الضوء في أنحاء زجاج النوافذ وأرصفة الطاولات وفي الجزء من زوايا الغرفة معلنة إنتهاء كل أشكال الليل وأرق الثالثة فجراً.. حينها تشعر بأنك خائر القوى وحدك تسير نحو أسرة الحلم وبعكس عقارب الساعات تحس إنك مستنزف من ثقل تلك الليلة المبتورة تعجز  حتى عن مد يدك لتسكت رنين المنبه...

***  

خاطرة بعنوان

الكاتبة /مريم الشكيلية /سلطنة عُمان 

ضياء نافعاطلعت – طبعا – على ردك الغاضب بشأن مقالتي (غير الغاضبة!) حول بوشكين، وقرأت ما قلته لي، وباني لن أكون أرخميدس، وابتسمت ليس الا وقلت الحمد لله، اذ اني اعيش في اجواء روسيا وثلوجها الرهيبة، ولهذا لا يمكن لي ان أخرج مثلما خرج أرخميدس، حتى لو اني (وجدتها !)، اذ انني عندها سأتجمّد، وقلت ايضا، بيني وبين نفسي، ان الشعراء يقولون ما لا يفعلون، (وهي نفس الجملة التي قلناها لصديقنا الحبيب وزميلنا في الدراسة بموسكو في الستينيات حسب الشيخ جعفر عندما اطلعنا على كتابه الرومانتيكي الجميل رماد الدرويش الذي أصدره في بغداد) . لقد اكتشفت - في ثنايا ردك الغاضب - الكثير من المواقف المشتركة معا، والتي يمكن – قبل كل شئ - ان توحّد بيننا، واولها هو هذا الحب الكبير لشمس الشعر الروسي بوشكين، واظن، ان حبنا البوشكيني المشترك هذا هو الذي يمكن ان (يزيل، او في الاقل، يخفف !) من كل هذا التوتر في بداية تعارفنا معا، واتمنى ان نحقق بعد سوء الفهم هذا روح القول الشهير عن الوئام بعد الخصام، فانا اعشق الشعر واعتبره موسيقى الابداع الانساني، وطبعا احترم الشعراء، الذين يعزفون لنا هذه الموسيقى المدهشة الجمال (وانت واحد منهم بلا ادنى شك)، احترمهم واسامحهم حتى عندما يغضبوا ...، ولهذا ايضا فاني اسامح صديقي الحبيب الشاعر حسب الشيخ جعفر (وانت تعرف ماذا اقصد، والمعنى في قلب الشاعر!) ... ولكني أود ان اتوقف قليلا عند موضوع آخر، يرتبط طبعا بصلب هذه الرسالة، وهو نظرتنا، نحن العرب، الى الادب عبر السياسة . لقد اقمنا في روسيا تمثالا نصفيا للجواهري بجامعة فارونش الروسية، باقتراح من مركز الدراسات الروسية – العراقية، الذي أسسته وكنت مديرا له آنذاك، وتم افتتاح هذا التمثال فعلا عام 2009، وكان هذا العمل (ولا يزال) رائدا وفريدا في مسيرة العلاقات الثقافية العراقية – الروسية، وهو اول تمثال للجواهري خارج العراق لحد الان، ولكني اصطدمت آنذاك باراء مضادة بين بعض الزملاء العراقيين حولي، الذين (لامون !)، لاني قمت بهذا العمل، وقالوا لي، انني أقمت تمثالا لشاعر مدح الملوك، وذكروني بقصيدته – ته يا ربيع بزهرك العطر الندي ...، فقلت لهم، ما أجمل تلك الصورة الفنيّة التي رسمها الجواهري، هذا اولا، وثانيا، انه قال بعدئذ – خلفت غاشية الخنوع ورائي ، فقالوا، انه كرر هذه المواقف مع الآخرين . لم ارغب بالاستمرار في هذا النقاش معهم، وقلت لهم – لقد أقمت تمثالا لعلم من اعلام الفكر العراقي في القرن العشرين، والجواهري رمز للعراق، وهو يقف الان في جامعة فارونش الروسية، وان تمثال الجواهري هذا قد خلق فكرة اقامة تمثال مقابل له في العراق لرمز روسيا، وهو بوشكين، وهكذا تم اقامة تمثال نصفي لبوشكين في حدائق كلية اللغات بجامعة بغداد، وبمبادرة وتنفيذ من قبل مركز الدراسات الروسية - العراقية بجامعة فارونش والجمعية العراقية لخريجي الجامعات الروسي . وتمثال بوشكين هذا هو ايضا اول تمثال له في العراق، وأثار تمثال بوشكين ايضا في بغداد كلام هؤلاء الذين ينظرون بعيون سياسية الى كل ظواهر الادب والفكر، وقال فلان كذا وقال فستان كي . لقد انعكس اقامة تمثال الجواهري في روسيا وتمثال بوشكين في العراق بشكل واضح في وسائل الاعلام الروسي، الا انه لم ينعكس هكذا في وسائل الاعلام العراقي، وهذا هو الفرق الجوهري والكبير بين وسائل الاعلام عندنا وعندهم، اذ ان وسائل الاعلام عندهم قد تحررت من تلك النظرة السياسية الى كل شئ، كما كان الامر سابقا، وهي نظرة احادية طبعا، وذلك الان شئ واضح المعالم لكل متابع في الشؤون الفكرية الروسية، أما عندنا، فليس الامر هكذا بتاتا، ولا اريد الخوض في التفاصيل، ولكني اريد فقط ان نحترم ارآء الروس لنظرتهم الى ادبهم الروسي، وان لا نقول لهم، ان ...فرائص القيصر الروسي واتباعه ترتعد من مواقف بوشكين المناهضة للطغيان ...اذ ان ذلك يتنافى مع الحقائق .

 

أ. د. ضياء نافع

 

 

شاكر فريد حسنمحمد نفاع رائد من رواد القصة الفلسطينية الحديثة داخل الحصار، وواحد من أدباء الالتزام بقضايا المسحوقين. دخل محراب الكلمة الملتزمة الحرة الواعية في منتصف الستينات ليكتب القصة القصيرة، متخذًا من الماركسية-  اللينينية مرشدًا وهاديًا في كتاباته وفي كفاحاته اليومية المتواصلة من أجل حياة أفضل ومستقبل أجمل له ولشعبه العملاق الصامد وللبشرية جمعاء.

ونشر محمد قصصه المتميزة في صحافة الحزب الشيوعي (الاتحاد، الغد، الجديد)، وصدرت له حتى الآن أربع مجموعات قصصية هي: الأصيلة (عربسك 1976)، ودية (عربسك 1977)، ريح الشمال (1979)، وكوشان (الأسوار 1980).

إن القضية الرئيسية التي تشغل وجدان محمد نفاع، بل قل الفكرة الملحة هي قضية الإنسان الفلسطيني المسحوق الذي تسربت إلى أعماقه معاني القوة والشجاعة والبطولة والتضحية. وهو ينقل في قصصه واقع القرية العربية الفلسطينية بكل ما فيها من تراب وحجارة وأشجار ونبات وصخور ووديان، وتجسد حياة أهلها ومعاناتهم جراء سياسة التمييز والاضطهاد، والتي تنتهجها حكومات إسرائيل المتعاقبة، ويرسم صورة الجرح النازف من أفئدتنا. يقول الكاتب التقدمي فيصل دراج في مقالة له عن محمد نفاع ومجموعته القصصية "كوشان": " في السطور والكلمات، في الموضوع والشخصية، وفي الذاكرة والتذكر، يعلن محمد نفاع عن انتمائه إلى القرية الفلسطينية عن ذوبانها فيه، حتى يبدو مجبولًا بكل ما فيها أو حتى يبدو كاتبًا فلاحيًا أو رسامًا بريًا، يرسل في كلماته أجواء قرية بعيدة، ويطلق في رسومه عوالم بعيدة في معالمها، حتى يكاد يقول: ينطلق محمد نفاع من ذاكرة القرية الفلسطينية، فيكتبها ويصونها في كتابته من الضياع والفقدان، وهو في ذبك لا يجد مواد قصصه الا بقدر ما تذود هذه المواد من الشخصية الفلسطينية أو بقدر ما تسمح بتحديد الملامح الفلسطينية في تاريخها الفلاحي، فكأن الكتابة تعيد في سطورها بناء القرى التي "اندرست".

في قصة "لأننا نحب الأرض" يتناول محمد نفاع قصة مصادرة الأرض وارتباط إنساننا الفلسطيني وتعلقه بها، ويصور لنا بأسلوب مميز نضال جماهيرنا الشعبية وكفاحها الشاق المستمر صد سياسة النهب والمصادرة والتهويد، بالإضافة إلى تصويره حالة أصحاب الأرض حين وصلت إليهم الرسالة المتضمنة أمر المصادرة بحجة أنها تابعة لأملاك الدولة: "وراح أبي بكر يفكر بصمت، ولكن بعض الناس بدأوا يتوافدون إلى بيتنا مهرولين في ملابس النوم فارعين دارعين يحملون الأوراق الساخنة في أيديهم، بعضهم يشتم وبعضهم يقهقه وآخر يطبق كلمات رصينة.

ووحدت أمي العزاء في مصاب الآخرين، قال أبي: "أنا لا أصدق هذا أبدًا. هل الورقة مكتوبة باسمي الكامل؟ (دقق النظر!!) وعندما أخبرته بصحة الاسم تحول مني حانقًا:

- نترك الأرض بهذه السهولة!

- هه!! حكومة!! قال أحد الحضور

- بل بطيخ أصفر، ولأول مرة التمعت عينا أبي ببريق مخيف.

- ما احلاك يا حكومة وأنت ماخذه خلة "الشعر" وكان هذا اسم قطعة الأرض.

قال احراش!! ومرح ابت عامر كان "احراش" والناس صلحته.

وقصة "كوشان" هي قصة الضياع والتشرد والغربة، ضياع وتشرد وغربة الشعب الفلسطيني (جئت مع مجموعة من الرجال إلى الوطن، مذللين طوق المراقبة الرهيب، بقينا أياما في الجبال، في أماكن مجهولة تحت الشجر الملتف، في بطون الاودية والكهوف تختلط بالضباب والليل والشمس، رأينا الناس ولم يرونا، سمعنا الأصوات في البيوت، بيننا وبين تلك الأمكنة وحدة حال، اللفة، معرفة، قديمة أصيلة، في الحال عشقت كل شيء فيها الحجارة وغناء الاعراس، ورياح الاودية الناعمة الباردة، انقلبت إلى إنسان آخر، أنت لا تستطيع أن تفهم ذلك كما يجب، أريد أن أقف أن ابقى، أن اقضي عمرًا بكامله تحسست دفء الأشياء، اعب من الهواء قدرًا كبيرًا، اتحسس هؤلاء الناس، أعيش حياتهم كل يوم، بلهب وجهي لفح انفاسهم في الأرض، اتلمس الأيدي، تنازل الحجارة في الحقل الشذى، فتفيًا نفسي في العيش في طابور الغوث والتموين).

وفي قصة "الأرض موصودة بأهلها" يصور محمد الأساليب السلطوية في نهب الأراضي العربية وتصدي جماهيرنا العربية الواعية لها (رأيت الناس في بلادنا، يقفون على الصخر في مواجهة الزحف والمصادرة، يطبون على الصخر بأرجلهم، الصخر ثابت ماكن، وطب الأقدام امكن، يسدون أبواب المغاور والكهوف والدحانيس بأجسادهم القوية الصامدة، حيث توحمت أمهاتهم على الصخور والسنديان، من أجل بقاء المغاور لنا كانت وكما يجب ان تكون، يعزلون اجران المياه من الحجارة والوحل، يطوعون المعاصي صاغرة حتى تنبت القمح، فتفعل هاشة باشة معطًا، يتصدون كتفا إلى جانب كتف ومجن من الوحدة لا ينفذ يعود الشيخ شابا عنيفا منتصبا قاهرا، يولد الطفل ورأسه إلى العلاء يكبر رأسا للتحدي، يتطاير الشرر من عيون الأمهات والعذارى بلا تحفظ. اما ان نركب رأس الغول او يركبنا، الكل يدفع عن البلد والأرض والرصد بأسنانهم، بأيديهم، بحجارة الصوان واعواد السنديان، عرفنا جميعا وليعرف الغول دفعة واحدة مرة وإلى الابد أن البلد فيها رصد، الأرض موصودة بأهلها".

وقصة "الجمال يفقد القوة" تسجل مأساة الفتاة الحسناء التي صدمتها حرب الستة أيام 1967 فقدان حبيبها وشريك حياتها الذي لم يمض على زواجها منه شهران، وقد افقدت هذه الحرب امالها وطموحاتها وامانيها كافة.

وفي قصة "يوم شارك الحراثون في اعمال الصورة" يرسم محمد صورة للنضال المنظم والمتواصل والواعي ضد الاستعمار البريطاني، ويصور بل ويبرز جميع ألوان واشكال الظلم والقهر والعسف والاضطهاد الواقع على جماهير الشعب الفلسطيني: "فالشيوخ قصت لحاهم وفي المركز العسكري اجبر عدد من الأهالي يلمس مؤخرات بعضهم بتهمة التهريب من لبنان، وأزيلت خصية ثالث كليا، وعندما

كان أحد الرجال يركب جابته عائدا من الحقل وفي يديه قضيب يضرب به الدابة التي تتلكأ في المشي صادفه عسكري انجليزي فأوقفه وضريه بنفس القضيب ضربا مبرجا على رقبته ووجهه صارخا: "الرفق بالحيوان".

وقصة "جهاز العروس" تعكس حياة عائلة بروليتارية فقيرة، وترصد معاناتها واوضاعها المعيشية بسبب الظروف الاقتصادية السيئة: "وإذا طبخت امي اكلة المجدرة وهي الطبخة التقليدية كانت تكيل ثلاث ملاعق زيت بمعلقة خشب صغيرة وتفتش عن اردأ وأصغر رأس بصل مدعية بأننا لا نرغب الزيت والبصل على الطبيخ فنأكل ما تطبخ ويتكرر ذلك يوميا". وفي موضع آخر يقول: "قال التلفزيون حرام لبس القصير والتنقل هم بسلامتهم ما رفعوا صوتهم يوم مصادرة الأرض، قديش كان أحلى لو طالبوا بفتح مشاغل في البلاد.. شغل بجنب البيت مريح ومستور، قديش كانوا يكسبوا أجر لو يطالبوا بتعفية الشباب من الجيش الاجباري، مات الشباب من البلد بترتمي ثلاث سنين في الجيش شيء برجع وشي ما بيرجع"، وتنتهي القصة لتقول لنا على لسان احدى شخصياتها: "كسوتي قليلة على قد الحال، وكسوتي الحقيقية هي محبة الناس والأدب والضمير والوعي، والتعاون أجمل كسوة لبلدنا".

وقصة "واحد من كثيرين" تبرز شخصية الإنسان الشيوعي الملتزم بحزبه وبرنامجه السياسي وبالقضية العادلة التي يدافع عنها، قضية الكادحين المسحوقين.

وفي قصة "المشردون" يصور محمد نفاع مأساة الشعب الفلسطيني في العام 1948 وما رافق ذلك من القتل والاقتلاع والترحيل الجماعي.. فيقول: "وعكر المزاج وحرقت البيوت والأشجار، وارتعد الأولاد وصرع رجال ونساء وأولاد وبهائم، واقتلعت الحرب الناس، هذه الحجارة والحيطان والتراب والأشجار هي بقايا قرية حطين".

أما قصة "جاء وقت الخطر" فتتحدث عن هزيمة حزيران العام 1967 التي استهدفت الإنسان الفلسطيني جسدًا وقضية وعن الإرهاب والعسف والعذاب الذي تلاقيه الجماهير الفلسطينية تحت نيران الاحتلال الصهيوني.

وقضية الحب في مجتمعنا العربي القروي عالجها محمد نفاع بأسلوب ساخر في قصة "أشياء غريبة"، وقد ابداع في تصوير هذه القضية حين قال: "في حارتنا أكثر من عشرين صبية، كلّهن بالغات فقعت بزازهن فقعة العدسة وفقعة الفولة من زمان، أحلى واحدة فيهن "صالحة" وأنا ذاهب لملاقاتها اليوم في الوعر، لان البلد كلها عيون والسن واذان وايدي وارجل وشحاشيط وعصي وحجارة وشبريات. الحب مكروه في البلد، ولا يوجد أصعب منه الا العزارة والفضيحة وكيف؟ يخطّي واحد ويطب على دابته!! فيحمل اسمها وعارها وتصبح الفضيحة كنية له يحملها ذنبا على الجنب وحسابا على الرب، عملها في ساعة شيطانية، طغته نفسه الامارة بالسوء، عنّ على باله ذلك الشيء في البرية حيث يكثر الجهل والانطلاق، تتفتح النفس للقيام بأعمال من نوع آخر فلم يجد في متناول يده الا الدابة تسرح وترعى، وهي السائبة تقف تهدا مبهمة فيها وترك حاشا من الطارئ".

وينقلنا محمد نفاع في قصصه الى الريف لننعم بأجوائه ونسعد بلقاء أهله الكرام، نتنقل معهم في رحابهم الجميلة، نسهر معهم في سهراتهم الريفية على ضوء القمر الوهاج ونستمع إلى الأهازيج الشعبية، ونصغي إلى قصص الزير سالم وتغريبة بني هلال وعنترة وحكايات ألف ليلة وليلة.

تتميز قصص محمد نفاع ببساطتها وشعبيتها ورؤياها الجلية الواضحة، وما يميزها عن قصص غيره من الكتاب المحليين الذي تناولوا واقع القرية العربية أمثال مصطفى مرار ومحمد علي طه وغيرهما، انها تبرز أسماء النباتات والأشجار والازهار العابق أريجها من سفوح جبالنا الشماء.

وأبطاله من الطبقات الشعبية الفقيرة، وهم ريفيون بسيطون يعشقون الأرض والزيتون والصبار، يقاومون الظلام ويتحدون القهر والموت، فيهم العامل الكادح والفلاح المتجذر في أرضه، وفيهم المدرس النبيل والمثقف الواعي لقضايا الفكر الإنساني التقدمي الذي يشارك في خلق الإنسان الجديد وبناء مجتمع العدل والحرية الخالي من الاضطهاد والتمييز والظلم والاستغلال، استغلال الإنسان لأخيه الإنسان.

ويدخل محمد في قصصه الأناشيد الكفاحية والأهازيج الشعبية، كنشيد:

لبناء عالم جديد         ولقبر مشعل الحروب

في هدى أكتوبر المجيد       سائر موكب الشعوب

تهتف الجموع في المواكب   بشعار حزبنا الأمين

شعبنا الأبي لن يحارب       وطنًا شاده   لينين

وكأغنية:

من بين البيوت

شوقي مرق خيال

من بين البيوت

ما قلتله فوت

الله عمى قلبي

ما قلتله فوت

واسلوبه في الكتابة هو أسلوب جرمقي على حد تعبير القص محمد علي طه، يتراوح بين الأسلوب التسجيلي الحرفي الساخر وبين الأسلوب التأملي أي كأسلوب الشعراء حين العرض، كما لاحظنا ذلك في قصص زكي العيلة في مجموعتيه "العطش" و"الجبل لا يأتي"، يقول محمد في احدى قصصه: "وها انا اعي كل شيء اسمي عدوان، ولي زوجة لطيفة، أبيه وطفلة حلوة طيبة تكاد تنطقـ لها شعر أشقر ناعم كالزغب على فراخ الطير تلبس ثيابا جميلة زاهية، وتدغدغ بأصابعها الطرية الحية عنقي ووجهي وتحاول إدخالها في عيني وفمي وأذني".

ولغته تتراوح بين العامية والفصحى، وهو يكثر من استعمال الكلمات العامية الدارجة لكي يقرب القارئ إلى الريف ويثير فيه إحساسا وشعورًا عميقا وللمحافظة على التعابير والالفاظ التي يتبادلها أبناء الريف في أحاديثهم كقوله: "وكانت الأرض المحروثة المسهمدة.. واحتج هو وبلعط بيديه محاولا الإفلات، وروح ضب أخواتك، مشلبطات ودايرات مثل البساس في شباط".

وما أخذه على محمد نفاع هو تكراره لكثير من العبارات والمترادفات، وهذا بالطبع لا يخدم البناء القصصي بل يضعفه ويقلل من قيمته".

وأخيرًا، محمد نفاع أتحفنا بالقصص الحقيقية الصادقة التي تصور الحياة الريفية الشعبية وتسجل الواقع في تطوره الثوري.

 

بقلم: شاكر فريد حسن 

...............................

* (هذه الدراسة كانت قد نشرت في مجلة الكاتب المقدسية التي كان يرأس تحريرها الشاعر والكاتب الفلسطيني أسعد الأسعد، في عدد أيلول الع 1984، والآن أعيد نشرها وفاء لراحلنا العزيز الرفيق محمد نفاع)

 

 

صادق السامرائيأبو العباس أحمد بن المعتصم بن الرشيد ، وهو أخو المتوكل (221 - 252) هجرية، ومدة حكمه (248 - 252) هجرية، تولى الخلافة في عمر (28) وقتل في عمر (31)، أمه أم ولد إسمها مخارق.

كان مليحا، أبيضا، بوجهه أثر جدري، وهو ألثغ.

جاء الأتراك به وبايعوه بعد المنتصر بالله، فهو إبن أستاذهم المعتصم، وصار كالدمية في أيديهم حتى قيل:

" خليفة في قفص.. بين وصيف وبغا، يقول ما قالا له.. كما تقول الببغا"

ولما تنكر له الأتراك خاف، فهرب من سامراء إلى بغداد، وحاولوا إستدراجه بالرجوع فأبى، فقصدوا حبسه، وأخرجوا المعتز بالله من الحبس وبايعوه، وجرت حرب بين سامراء وبغداد إنتهت بخلع المستعين بالله، وبقي محبوسا لتسعة أشهر، ثم جيئ به إلى سامراء ليذبح فيها بأمر من إبن أخيه المعتز بالله.

الملاحظ أنه ضعيف وبلا خبرة في القيادة والحكم، وإرتضى لنفسه دور الدمية، وأن يكون لعبة بأيدي القواد الأتراك المتنفذين، وما أوجد له سندا من أبناء إخوته وعمومته، بل إستشرى وأبقى أولاد أخيه في السجن، وعندما وجد نفسه وحيدا ومهددا هرب إلى بغداد من سطوة الأتراك، وما نجا بل ذبحوه شر ذبحة بعد أن عذبوه بشراسة.

وفي وقته كان القائدان التركيان وصيف وبغا يصولان ويجولان ولا يملك أمرا أمامهما، وإرتضى أن يكون خليفة على هذه الحال حتى إقترب أوان الخلاص منه.

فلماذا قبل بالخلافة؟

والأصح لماذا إرتضى أن يكون أسيرا بصفة خليفة؟

من الصعب الإجابة على هذا السؤال، فقد يكون مجبرا أو مهددا بالقتل إن لم يقبل، أو أنها النوازع الكامنة فيه التي تدفعه إلى القبول بهذا المنصب الرفيع، وبأساليب مسرحية تسمى المبايعة.

فهو خانع مستعبَّد وقَبِل بدوْر المطية للقواد الأتراك، ولهذا لم يتمكن من إنجاز شيئ ما، بل أمضى الوقت خائفا لائذا من سطوتهم، وقلقا على مصيره من نواياهم، ويبدو أن القلق والهلع قد تمكنا منه، حتى هرب منهما، ولكنه وقع بالفخ الذي أرادوه له.

وكأنه في إقامة جبرية وإملاءات تتلى عليه، وقرارات تصدر بإسمه دون علمه، ولا يستطيع أن يتصرف ويدافع عن نفسه، ويصون الخلافة من تطاولاتهم وتجاوزاتهم، وما أن حاول فعل شيئ حتى هبوا بوجهه وقرروا خلعه وإنزال العقاب فيه.

 

د. صادق السامرائي

 

علاء اللامي1- امثال شعبية من بغداد العباسية مقارنة بشبيهاتها المعاصرة: إنه بحث جميل وطريف ونادر المثال في بابه، تحت عنوان "من أمثال بغداد في العهد العباسي"، لكاتبه عبد الرحمن عبد الجبار طالب. عثرتُ على هذا البحث الذي نشر على شكل دراسة مطولة في مجلة "سومر" التي كانت قد بدأت الصدور سنة 1945 في أرشيف المجلة على الانترنيت.

يخبرنا الكاتب أن بغداد حظيت دون سائر مدن الحضارة العربية الإسلامية بتدوين أمثالها في كتب عديدة ككتاب "مجمع الأمثال للميداني، وأمثال المولدين للآبي وفصل "أمثال أهل بغداد" ضمن كتاب الثعالبي "التمثيل والمحاضرة". كاتب البحث يختار لنا واحدا منها هو "رسالة الأمثال البغدادية التي تجري بين العامة" لمؤلفه القاضي أبو الحسن الطالقاني في سنة 421 هـ، وضم الكتاب ستمائة وثلاثة عشر مثلا مفهرسة حسب حروف الهجاء، ويجعله موضوعا لبحثه وتحقيقه. سأختار لكم طائفة طريفة وذات مغزى من تلك الأمثال الواردة في البحث مع التعليق عليها واترك لكم قراءة البحث كاملا بعد تحميله من الرابط في نهاية المنشور:

* أجهل من قاضي جَبُّل: وجَبُّل بلدة جنوب عراقية بين النعمانية وواسط. عرف قاضيها بالغباء، وقال عنه الثعالبي " كان قاضي جبل أغرا مُحجلا في التخلف" ويروى أن الخليفة المأمون كان راكبا سفينة من بغداد إلى واسط، وكان معه القاضي يحيى بن أكثم وإذا برجل يعدو مقابل السفينة على شاطئ دجلة وهو يصيح: "يا أمير المؤمنين نِعْمَ القاضي قاضي جَبُّل"! فضحك ابن أكثم فسأله المأمون عمَّا يضحكه فقال: يا أمير المؤمنين هذا المنادي هو قاضي جَبُّل وهو يثني على نفسه. فضحك المأمون وأمر له بشيء "من المال" ثم عزله عن القضاء وقال: لا يجوز أن يلي "يحكم" أمر المسلمين مَن كان هذا عقله"!

* احفر بير وطمّ بير ولا تعطيل أجير. وقال الباحث أنه يضرب لمن يعمل عملا يتعبه ولا ينتفع منه بشيء.

* إذا مشت فلا تقل لها هش وإذا طارت فلا تقل لها كش. يضرب للأمر وقد فُرِغ منه... ويقابله في الأندلس مثل يقول: إذا طارت لا تقلها أُش.

* اسجد لقرد السوء في زمانه ... وقد ضمنه أحد الشعراء بيت شعريوضح معناه و يقول:

اسجد لقرد السوء في زمانه * * * * ودارِهِ مادام في سلطانه

ويضرب لمداراة الشخص السيء إذا كان من أهل السلطان.

* الاسم للنورة والفعل للزرنيخ... وأعتقد أن هذا المثل من الأمثال الحية في المجتمع العراقي وقد استعمله الرصافي كما يقول المؤلف في بيتين من الشعر يهجو فيهما وزيرا في العهد الملكي قال:

ألا بلغوا عني الوزير مقالة * * * * له بينها لو كان يخجلُ توبيخ

أراك بحمام الوزارة نورةً * * * * وأما جناب المستشار فزرنيخ

المستشار غالبا هو المستشار البريطاني الذي كان يسيِّر الوزارة في ذلك العهد.

* إن عشت إلى رجب سترى عينك العجب.

* أيش أذكر منك يابصلة كل عضة منك بدمعة

ويقابله المثل الشعبي الشامي " شو بدي أتذكر منك يا سفرجل كل عضة بغصة".

* تتغافل كأنك من واسط ... وقال المبرد أن أصله أن الحجاج كان يسخر الناس لبناء مدينة واسط فكان الناس يتغافلون ويهربون وينامون وسط الغرباء في المسجد فيجئ الشرطي ويصيح بهم: ياواسطي! فمن رفع رأسه أخذه وحمله إلى العمل السخرة.

* الجوز الفارغ يتدحرج بعضه لبعض... يضرب لتشابه الفارغين عقلا والحمقى.

* يحج والناس راجعين ... من الأمثال الحية في العراق. ويضرب لمن يتخلف عن موعد ويأتي متأخرا.

* شهر ليس لك في رزق لا تعد أيامه ... مايزال حيا ويضرب للأمر الذي لا نفع فيه.

* فلان يدخل شعبان برمضان ... مايزال حيا ويضرب لمن يخلط الأمور

* فلان نائم ورجلاه في الماء ... يقال في عصرنا بصيغة "فلان نايم ورجليه بالشمس" ويضرب للغافل.

* كأنه خليفة آدم ... يقال للمعمر طويل العمر.

* كلام الليل يمحوه النهار ... مايزال حيا في المجتمع العراقي المعاصر. وفي تونس المعاصرة يقولون "كلام الليل مدهون بالزبدة"

* لولا أن الحب أعمى وإلا أيش فيك من معنى!

* الدنيا هي البصرة ولا مثلك يا بغداد.

2-أمثال شعبية سومرية مقارنة بمثيلاتها المعاصرة: تحميل كتاب "بحث" يقارن بين الأمثال السومرية وما يشابهها من أمثال عراقية معاصرة: "بحث" مفيد وممتع آخر، يتضمن دراسة مقارنة لأمثال عراقية في المجتمع العراقي القديم "السومري" والمعاصر. وقد عثرت على القسم الثاني من البحث المذكور في أرشيف مجلة سومر ولم أعثر على القسم الأول منه للأسف. وفيه يحلل ويناقش الباحث د. عبد الهادي الفؤادي عددا من الأمثال السومرية. وهذه تجربة ممتعة ومفيدة للتعرف على طبيعة الحياة في تلك العهود السحيقة فالأمثال كما قيل تمثل عصارة تجارب الشعوب الحياتية. أدرج لكم أدناه بعضا من تلك الأمثال الواردة في البحث وتجدون رابطا يمكنكم تحميل نسخة رقمية من البحث عبرها:

* أنت لا تُرجع ما أخذت. ويضرب لذم الطمع، ويقاربه في المعنى مثل معاصر يقول " الأخذ حلو والعطاء مر" ينقله الباحث عن كتاب "الأمثال البغدادية " لجلال الحنفي.

* من يأكل كثيرا لا يستطيع النوم. ويقابله مضمونا مثل عراقي معاصر يقول: قلل طعامك تحمد منامك.

* هربتُ من الثور الوحشي تصدتْ لي البقرة الوحشية.. ويقابله المثل العراقي المعاصر: خلصت من حلق السبع وقعت بحلق الذيب.

- يلفظ حرف القاف جيما قاهرية أي قافا حميرية وهي الجيم الجزيرية القديمة نفسها وتكتب أحيانا: گ.

* أسكنُ في بيت مبني بالطابوق والقار ومع ذلك سقطت كتلة طين فوق رأسي. وقريب منه المثل الشعبي المعاصر: فوق الجمل والكلب عضه!

لاحظ إشارة المثل السومري إلى تقدم أساليب بناء البيوت من الطابوق والقار!

* حزِّم نفسك وإلهُك يساعدك ... ويقاربه في المعنى المثلان العراقيان المعاصران: الله يقول: قوم ياعبدي واعينك نام ياعبدي وأهينك ... وأيضا: منك الحركة ومن الله البركة.

* ويصف مثل سومري الشخص المغرور بالقول: السماوات محملة فوقه والأرض معلقة بين يديه. ويقابله المثل المعاصر: شايل الدنيا على خشمه.

* العام الماضي أكلت ثوما، هذا العام بطني تحترق. ويضرب لشخص المتهور الذي يرتكب عملا سيئا وتظهر عواقبه بعد مرور زمن طويل . ويقابله مثل عراقي معاصر يقول: عام الأول احترق، والسنة طلعت ريحته!

* عندما تعمل بجد فإن إلهك لك "معك"، وعندما لا تعمل بجد فإلهك ليس لك "ليس معك". ويقاربه المثل الشعبي العراقي سابق الذكر "الله يقول: قوم ياعبدي وأعينك، نام ياعبدي وأهينك".

* دفعوا بي تحت الماء فلم أصطد سمكا بل فقدت ملابسي. ويقابله المثل العراقي المعاصر: حطوه بالنقب وصاحوا عليه حرامي.

* مااصطدنا شيئا والذي كان معنا أفلت منا. ويقابله في المعنى المثل المعاصر: شي ما نابنا غير تمزيق ثيابنا".

 

علاء اللامي

.........................

رابط لتحميل القسم الثاني من "بحث في الأمثال العراقية – دراسة مقارنة لأمثال المجتمع العراقي القديم والمعاصر للدكتور عبد الهادي الفؤادي: #تحميل_كتاب_علاء

https://www.abualsoof.com/INP/Upload/Books/Search-in-Proverbs-Iraqi.pdf

* رابط لتحميل بحث"من أمثال بغداد في العهد العباسي" لعبد الرحمن عبد الجبار طالب: تحميل كتاب علاء

https://www.abualsoof.com/INP/Upload/Books/From-the-likes-of-Baghdad-in-the-Abbasid.pdf

 

 

اسعد عبداللهاحد اهم منجزات القرن الماضي هو صناعة السينما، بما تمثله من ثقل ثقافي وفني واقتصادي، بل ووسيلة للتعبير عن الرأي وطرح الافكار، وقد تأثرت صناعة السينما بعالم السياسة كثيراً، ان السينما اليوم مجال ثقافي انساني مهم، لا يمكن الغاءه او التغافل عنه، لكن مثل أي مجال معرفي ثقافي فيه الايجاب وفيه السلب، واليوم احاول ان انبه القارئ الى حالة استوقفتني واثارت تعجبي، لقد شاهدت فلما مصريا يعود انتاجه لعام 2004 باسم تيتو، والفيلم من بطولة احمد السقا يتحدث عن شخصيته "تيتو" وهو مجرم ، لص ، قاتل، مخادع ، ومزور.

هذا المجرم المنحرف يفعل أي شيء في سبيل الحياة الرغيدة وديمومتها، ويسرد لنا الفلم قصو معاناته وكيفية تنفيذه لعملياته الإجرامية، ويسحب المتلقي الى التعاطف مع مجرم من حيث لا يدري! وهكذا تعاطف تزرعه السينما بداخل المتلقي! فيصبح المتابع للفيلم يتمنى ان ينجو المجرم تيتو من الشرطة! وان لا يتم القبض عليه! بل يتمنى المتابع وبشكل لا ارادي ان ينتصر المجرم على القانون! وان يعود لعملياته وينجح من جريمة الى أخرى.

في نهاية الفلم يصيب الحزن كل من تابع الفيلم، بسبب موت البطل على يد الشرطة! حيث يصبح المتابع يتمنى ان ينجو المجرم حتى من العقاب الالهي، وان يبقى خالدا لا يصله الموت، كي يستمر في تأدية رسالته الإجرامية.

بعد نهاية الفلم توقفت في تساؤل عن الخبث السينمائي، والقدرة المخيفة في جعل المشاهد يتعاطف مع مجرم، وخطورة هذا الفن في خلق قناعات مقلوبة، وسؤال: هل هناك منهج وغاية وراء انتاج هكذا افلام؟ ام مجرد صدفة ليس الا؟!

من الواضح ان هنالك جهات مستترة وذات مال كثير، هي بالحقيقة من تدير دفة السفينة السينمائية في العالم وفي البلدان العربية، لخلق قيم وقناعات حسب ما يريده اهل المال.

طرق ملتوية للتأثير

عندما نحاول ان ننقد الفلم نجده يركز على الجوانب الايجابية للمجرم (تيتو)، مثل وفاءه لأصدقائه، واعتزازه بنفسه، والتزامه بكلمته، فيريد ان يقول الفلم ان كل إنسان يمكن له ان يحتوى على جوانب ايجابية وسلبية، ومهما كان مجرما فانه بالتأكيد بالأخير هو إنسان وما أصبح مجرما الا بفعل الظروف والضغوطات الداخلية والخارجية، لكن الفيلم يمر بسرعة على النقاط السيئة للبطل ويتوقف كثيرا عند النقاط الايجابية، وهنا تبرز خبرة صناع المحتوى، كي يكسب المشاهد الى جانب البطل ..

إما الدرس فهو ان الكل يولدون أبرياء، لكن البيئة والظروف والعامل الاقتصادي وشكل الدولة ( استبدادي أو ديمقراطي ) هي من تتولى صناعتهم بالشكل الذي نراه في الكبر، فالمجرم هو نتيجة لعدة ظروف اجتمعت وجعلت منه مجرما، وهذا صحيح بنسبة كبيرة.

لكن الواقع شيء اخر يحاول الفيلم اخفاءه، وهو ان الانسان حر في الاختيار وليس مجبر، ويتحرك حسب منظومته الفكرية وثوابته وقيمه يكون، وإلا لبطل الثواب والعقاب، اذا تركنا تحميل المجرم وزر جريمته، بجعل الجريمة على شماعة الظروف.

السينما تروج للعنف

النقطة الخطيرة التي يطرحها الفلم: هو تبني العنف كنموذج لشكل الحياة التي تحقق الرفاهية، فالفيلم يجعل من تيتو مثال للإنسان العصري، هو مجرم لكن طيب القلب! هو لص لكن ملتزم بكلمته! هو خائن للمجتمع لكنه وفي اتجاه أصدقائه! هو شرير لكنه يكره الأشرار! فأصبح مجتمع للتناقضات، وبطبيعة المجتمع المتناقضة والفوضوية المجتمع وضغط العولمة، بالاضافة الى ضعف الوعي وانتشار الجهل يكون القبول واسعا لهكذا أفلام!

وهنا ينتابنا الخوف من ما يتم طرحه من هكذا أفلام. ومكمن الخطر يكون من الدور المطلوب من المتلقي، المتلقي من خلال المتابعة المستمرة مع التعلق بالبطل، يصبح من حيث لا يدري بنفس سلوكيات وثوابت البطل، ليس بشكل تام بل ببعض الجوانب، لذلك لا يمكن تبرئة المنتجين لهكذا أفلام الا بوضع علامة استفهام كبيرة إمام ما يصنعون من أفلام.

ان القضية تحتاج لدور إعلامي لتوضيح مغزى هكذا نوعية من الأفلام، وطرح تساؤلات من قبيل: هل من الممكن ان يتابعها المراهقين والصغار السن؟ بل يحتاج الامر الى رفع دعوة قضائية لرد حق المجتمع من هكذا أفلام القصد منها خطير، فليس مجرد قصة وحسب بل التسويق لشخصية البطل المجرم، وسط مجتمع تأخذ به تيارات العاصفة هنا وهناك، مع ضعف تواصله مع تراثه وقيمه، وتراكم ترسبات الماضي، مما يدعونا هنا للدعوة لوقفة ضد تيتو وغيره، فهؤلاء خطر على المجتمع .

 

الكاتب/ اسعد عبدالله عبدعلي

 

أدرجت منظمة اليونسكو، الخط العربي على قائمة التراث العالمي غير المادي باعتباره رمزا للتناسق والجمال، بالرغم من تراجع عدد الخطاطين، وبحسب ما أفادت تقارير إخبارية فقد أعلنت اليونسكو، عن إدراج الخط العربي في تراثها غير المادي، الذي يشكل رمزا ثقافيا أساسيا في العالمين العربي والإسلامي،والخط العربي كان مرشحا ضمن نحو 40 تقليدا من القارات الخمس، وتصنيفه جاء بناء على سعي 16 دولة مسلمة أو ذات أغلبية مسلمة، ويذكر ان 15 دولة عربية، وتحت إشراف المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو)، طالبوا في 30 مارس 2020 بتسجيل الخط العربي في قائمة اليونسكو، باعتبار أن إدراج الخط العربي ضمن قائمة اليونسكو للتراث غير المادي سيساهم في “توعية” العرب بهذه المشكلة وسيكون له “أثر إيجابي حتما” في جهود الحفاظ على هذاالفن

الخط العربي يشكّل رمزا ثقافيا أساسيا في العالمين العربي والإسلامي رغم تراجع عدد الخطاطين، في تصنيف يتيح الحفاظ على تراث يكون في كثير من الأحيان مهدّدا، ووصفت المنظمة التابعة للأمم المتحدة الخط العربي بأنه “فن الكتابة بالعربية بطريقة سلسة تعبيرا عن التناسق والجمال، ورأى مختصون أن إدراج الخط العربي ضمن قائمة اليونسكو للتراث غير المادي سيساهم في “توعية” العرب بهذه المشكلة وسيكون له “أثر إيجابي حتما” في جهود الحفاظ على هذا الفن.

جمالية الخط العربي، وانسيايبة الحرف العربي، عنصران تكوينيان رئيسيان في منظومة الفن الإسلامي، يمتاز "الخط العربي" من حيث الأسلوب وطريقة كتابة حروف اللغة العربية، ولكل خط شكل خاص وتاريخ ارتبط بنشأته. وتصل أنواع الخطوط العربية إلى 14 خطاً، ولكن يستخدم منها حاليا 7 خطوط أساسية ولعل ابرزها

الخط الكوفي -- من أقدم الخطوط العربية ويسمى بـ"أبو الخطوط" وأولها ظهورًا. وهو مشتق من الخط النبطي الذي ينسب إلى الأنباط، وسمي بالكوفي نسبه إلى "الكوفة" أول مدينة أنشأها المسلمون في العراق.

لخط الديواني---- من أجمل الخطوط التي ابتكرها "العثمانيون"، يتميز بالحيوية والطواعية، وأول من وضع قواعده وحدد موازينه الخطّاط "إبراهيم منيف"، وسمي بالديواني نسبة إلى الدواوين الحكومية، يُستعمل في كتابة الأوسمة والنياشين والتعيينات

خط الثُلث--- يعتبر خط الثلث من أجمل الخطوط العربية، وأصعبها كتابة، ولا يعتبر الخطاط فنانًا ما لم يتقن خط الثلث، فمن أتقنه أتقن غيره بسهولة ويسر، ويجب أن يكون الخطاط دقيقاً حتى لا يخطئ في رسمه. تطور خط الثلث عبر التاريخ عما كان عليه في الأصل الأموي الطومار، وابتكر منه خط المحقق والخط الريحاني خطاط بغداد ابن البواب

أن الخط العربي عنوان بحث جمالي معاصر ومقدمة لصياغات بصرية تستلهم حيويته ضمن بيئة تشكيلية تبرز من خلالها مختلف فنون الصورة الخطية من جهة أخرى يشكل الخط باتساق مظهره الصورة الأكثر بلاغة في التعبير عن صوت الفكرة بفعل أصوله وتراكيبه التي تؤكد هويته الجمالية الراسخة ما يضفي على النص زخم التلقي، ولهذا فإن الملتقيات التي تحتضن الخط بأنواعه التي تحكمها القواعد ويستقطب التجارب الخطية المعاصرة المرتبطة بالثقافات العالمية ولغاتها المختلفة، وفي مقدمتها اللغة العربية انطلاقًا من الأهمية البصرية للنقطة كونها العنصر الموازن في بنية الخطوط العربية ونواظمها، وتلك الملتقيات ترسخ حوارا

يرتقي بنبرة النشاط التفاعلي الفني للخطوط بين الشرق والغرب ويستكشف الجهود الفردية للخطاطين على اختلاف مشاربهم ويقوم بتفعيل الدراسات والأبحاث النظرية، وهذا ما يتم العمل عليه وإخراجه واقعًا ملموسًا من خلال العروض المتنوعة والورش التجريبية واحتفالية الجوائز التي نعتمدها تقديرًا للأعمال الخطية المتفردة، إضافة إلى استضافة المبدعين وهو مدعاة فخرنا واعتزازنا.

 

نهاد الحديثي

 

 

بَحَثتُ حتى مَلَّني البَحث، بَحَثتُ كَثيرًا بينَ أوراقي وفي كل أدراجي، بحَثتُ في زَوايا غُرفَتي وعلى رُفوفِ مَكتَبَتي. كنتُ أريدُ إيجادَ خَيطٍ واصِلٍ بين تلك الخَواطرِ المُتَناثِرةِ في رأسي. بَحَثتُ عن أمٍّ أو حتى ذَرّةِ أمومةٍ لتَحتَضِنَ حُروفيَ المُشَتَّتةَ اليَتيمة. أريدُ حَلًّا لمُعادَلةِ وُجودي، أريدُ أن تَكتَمِلَ حَلَقةُ كَينونَتي... لم أجِد شَيئًا.

مَلَفٌّ لا يُغلَقُ و قَضيةٌ لا تُحَل، مُحاميةٌ ومُتَّهَمةٌ و مَظلومةٌ و شاهِدةٌ و قاضية، كلهم أنا. جَلسةٌ أبَديةٌ لا تُرفَع ومِطرَقةٌ تأبى التَوَقُّفَ عن طَرقِ رأسي بالأسئِلةِ العَقيمة. في كل لَيلةٍ أهزَمُ أمامَ ساعةِ الحائِط، حيثُ يَبلُغُ الليلُ مُنتَصَفهُ في كل مَرّةٍ بينما لَم أصِل أنا إلى كُلّي.

 

مينا راضي

عمار عبدالكريم البغداديشهرزاد: ليس كل التجارب التي يخوضها الأبناء تتعلق بخطر ملموس، بل إن غالبية التجارب تلامس النفوس، ألا تتفق معي؟

شهريار:معكِ حق.. لكن تذكري ماقلته في جوابي على سؤالك السابق: "علينا ان نعلمهم القواعد العامة لكل تجربة ".

والقواعد العامة لخوض التجارب النفسية تعتمد على تثبيت المبادئ الأخلاقية (السمات الأخلاقية) في نفوس أولادنا، وعدم الأكتفاء بتعليمهم سلوكيات التعامل مع الناس التي تشمل التوجهات الإيجابية، فإنْ كانت مهارات التعامل، أو ما يسميه ذوو الإختصاص (بالأخلاق الشخصية) لا تعتمد على المبادئ الأخلاقية مثل الصدق وحفظ الأمانة والإنصاف والتواضع وغيرها من القيم العليا، فإن مهارات التعامل تكون مبنية على مشاعر مصطنعة كالإبتسامة الزائفة، والتملق والثناء غير المستحق من أجل الوصول الى غاية، أو التمسك بوظيفة، أو النجاح المؤقت في عمل ما، وحتى لا نتهم بأننا لم نفرق بين الأمرين فيما سبق فها نحن نُذكّر بأن حديثنا عن الأبتسامة كمفتاح لقلوب الناس كان مسبوقا باعظم المبادئ الأخلاقية وفي مقدمتها المحبة التي هي أساس للتواضع والأمانة وصدق المشاعر وصولا الى الإبتسامة الصادقة.

هكذا هو الحال دائما ياشهرزاد.. حينما نزرع المحبة في قلوب أولادنا تنساب من بين أنوارها الخالدة جميع المبادئ الأخلاقية الأصيلة، ولست أعرف إنسانا تربى على حب الناس وتوقير كبيرهم، والعطف على صغيرهم، واحترام توجهاتهم المتباينة، وكان مخادعا في ابتسامته، خائنا للأمانة في معاملاته، منافقا او مرائيا في سلوكياته، كذوبا في كلامه، حسودا في مكامنه، ذلك سر الحكاية: كل ماتجود به النفس من خير هو في الأصل محبة.

شهرزاد: لكن ألا ترى معي أن الأبناء والبنات من أصحاب القلوب المُحِبَة أكثر تضررا ممن سواها حينما يخوضون تجاربهم الاولى في الحياة؟.

شهريار: ذلك يعيدنا الى معترك القلوب الطيبة مع المنافقين والكسالى والعدوانيين والمازوخيين وغيرهم، لكنني على يقين بأن البقاء للأصلح، ومن أصلحُ ياشهرزاد من قلب عامر بالمحبة والإخلاص والصدق والأمانة؟ وإنْ تكالبت عليه أمم الأخلاق الزائفة ممن يجيدون التصنّع، أولئك لن يدوم لهم العهد، وضغوطات العمل والعلاقات الإجتماعية المتزاحمة كفيلة بكشف المستور من العيوب المخبأة تحت عباءة (الشرف الصناعي).

إنها رسالة مستمرة الى يوم القيامة..فكما إن الإحباطات والصدمات كان تزيد الآباء والأمهات الأمناء تمسكا بالسمات الأخلاقية الفريدة، فإن تلك المبادئ والقيم العليا كفيلة بتصدي الأجيال المتلاحقة -التي تتربى عليها – لمهارات التواصل السطحية التي دفع باتجاهها الكثير من كتاب القرن العشرين والمفكرين في قرننا هذا، تحت غطاء التوجه الإيجابي، وهم يمجدون السمات الأخلاقية لتلميع النصوص لكن المتبحر بين السطور المنمقة يجد (غاية نيكولو مكيافيلي) حاضرة بقوة، فالإبتسامة المصطنعة، والحديث المنمق، والمجاملات على حساب الحق بحجة التوجهات الإيجابية ومهارات التواصل في الحياة ليست أقل ضررا من تبرير مكيافيلي لاستخدام الوحشية والبطش من أجل غاية يراها هو سامية (تثبيت أواصر الحكم) إبان عصر النهضة.

وقد يرى البعض ياشهرزاد كلامنا أحلاما صعبة المنال في وقتنا الحاضر، لكنني أتساءل: كيف استطاع فلاح بسيط أن يكون أبا لمهندس بارع، او جراح ماهر، إنْ لم تكن تلك الخلطة السحرية (السمات الاخلاقية) هي الأساس الذي انطلق منه إبن الفلاح الى عالم الإبداع والشهرة والنجاح؟.

ولماذا أخفق الملياردير في أن يكون أبا لولد صالح متعافٍ من أمراض الجشع والتكبّر والعدوانية؟، بالتأكيد لأنه أوغل في تعليمه فنون النجاح السطحية، ونسيَ أن يغذي روحه بالقيم العليا، فلم تسعفه أمواله الطائلة بإطلاق المحبة الغارقة تحت التعجرف و(الأنا المتعالية) في قلب ابنه الضال.

شهرزاد: وكيف لك أن تبرر المثل الشائع (يَخلقُ الله من ظهر العالِم فاسد، ومن ظهرِ الفاسد عالِم)؟، ولا أظنك تنكر أن الشواهد الحية كثيرة على مدى التاريخ؟.

شهريار: أمّا الشطر الثاني من المثل فجوابه سهل للغاية، فلو بحثنا في تاريخ العلماء من ظهور الفاسدين لوجدنا من خلفهم أمّاً عفيفة نزيهة، أو خالاً او عمّاً فاضلاً غرس تلك القيم والمبادئ في (العالِم الناشِئ)، وفساد أبيه زاده تعلقا بها، وهو يراه منكسرا مخادعا كذوبا متحايلا غير محمود عند الله والناس.

وقد يكون (فاسدا من ظهر عالِم)، فلا أرى له سببا غير (قبعة الخبير) التي حالت دون الإنصات للمراهق المتمرد على أوامر العالِم الذي كان حريصا على إفراغ كل صغيرة وكبيرة تعلّمها في ذهن إبنه الذي يراه عاقّا، من غير أن يفكر للحظة بمد جسور الثقة معه، هو يلومه في كل يوم، ويعيد عليه كمّا هائلا من المعلومات والحكم والنصوص المقدسة، لكن جميع تلك القيم لم تكن كافية ليشعر المراهق (الفاسد) برغبة في التعلُم، والعالم لم يَتعلّم من حِكَمِه كيف يقرأ أفكار ولده؟ ليشعره بالأمن والأمان، وليتمكن بالنتيجة من الإنصات لعلم والده.

ولو أن العالِم ألقى بكل علمه همسا لما سمعه المراهق إلا وكأنه يصرخ في أذنيه في ذلك الموقف المتكرر من دون جدوى، لتكون حكمة إمرسون حاضرة بقوة:

 "عندما تصرخ في أذني لا أسمع ماتقول".

نعم.. إن صاحب المبادئ القويمة يمتلك قوة الشخصية غالبا لكنه قد يفتقر الى مهارة التواصل وبناء العلاقات المتينة، والمحبة غير المشروطة مع أولاده،  وأحد أبوابها الإنصات،  فكما أن الراشد والمفكر وأصحاب العلوم والتخصصات يحبون أن ينصت إليهم الناس، فإن للأبناء والبنات هموما وأحلاما وتصورات يرغبون بأن نستمع إليها نحن الآباء والأمهات، ومن دون ذلك التواصل (قد يخلقُ الله من ظهر العالم فاسد).

 

بقلم: عمار عبد الكريم البغدادي

...........................

من وحي شهريار وشهرزاد (45)

مقتبسات من مؤلفي: شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة

 

 

ناجي ظاهر* يُطلب منك أخي الفنان الشاب في بداية طريقك الفني، وحتى بعدها، أن تستزيد من العلم والمعرفة في المجال الفني، فإذا ما قرّ رأيك على الفن التشكيلي، فعليك أولا أن تطّلع على تاريخه، أعلامه ومدارسه، وعلى الآراء المختلفة فيه، فأنت إذا ما فعلت هذا تعرف أين أنت تقف، ومن ثم تعرف كيف يمكنك التحليق في سماوات الفن الرحيبة. أضف إلى هذا أنه لا يوجد فنان في العالم بإمكانه البدء من نقطة الصفر، وإنما هو يبدأ من حيث انتهى آخرون ويُشكّل لبنة جديدة في عالم الفن الرائع. ثم إنه بات من المفروغ منه في عصرنا أن الفنان الحقيقي الجدير بهذه الصفة، لا بُدّ له من الاعتماد على ثقافة عميقة في مجال اختصاصه سواء كان فنًا تشكيليًا او نحتًا ابداعيًا. لقد باتت الثقافة في عصرنا أكثر من أيٍّ من العصور الماضية مطلبًا مُلحًا للفنان الحقيقي.. ناهيك عن أن الدهشة وحب الاستطلاع الطفولية هما، بإجماع ليس بسيطًا، من صفات الفنان المبدع على الاطلاق.

* بعد أن تُعدّ نفسك إعدادًا جيدًا لخوض المجال الفني، بالدراسة وبذل الجهد للاطلاع والتثقف والمزيد منهما، تأتي الفترة الأولى في الابداع الفني. في هذه الفترة يُمكنك أن تتأثر، بفنان قريب من نفسك، ويلقى هوى خاصًا في رأيك، على أن هذا التأثر يُفترض أن يبقى في حدود التأثر وألا ينتقل إلى حالة التقليد. بعدها عليك أن تتخلّص، بأقصى ما يُمكنك، من تقليد فنانك المُحبّب الاثير لديك، لتبدأ رويدًا رويدًا بالاستقلال بشخصيتك الفنية المستقلة، ولتوجد بالتالي أسلوبك وبصمتك الخاصة بك، كما يُفترض بكل فنان حقيقي. يُمكنك في هذه الفترة أيضًا أن تقوم بوضع رسومات تقوم بنقلها عن الواقع فوتوغرافيًا، إلا أن هذه تعتبر فترة تمارين، بعدها يُفترض فيك أن تقوم بوضع الرسومات التي تجسّد رؤيتك ورأيك للواقع، كما تراه أنت وليس كما هو في الواقع وكما يراه آخرون. هنا عليك أن تعرف أن الفن التشكيلي هو في الواقع تفكيكٌ للواقع وإعادة بناء ذي رؤية خاصة.

*في فترة تالية، عليك أن تتحلّى بالمرونة، فلا تُغلق أذنيك عن الاستماع إلى الآراء النقدية الصادقة، كما تستشعرها، وأن تستفيد من هذه الآراء لا سيما إذا كان مصدرها ثقة، وهنا أحذّرُك من الاصغاء إلى الآراء ذات الغرض، بمعنى أطلب منك أن تحذر آراء من يحبونك من المحيطين بنفس القدر الذي أحذّرك فيه من آراء من تشعر بنوع ما من الكراهية، من جانبهم تجاهك، فصاحبا وجهتي النظر هاتين ذوا غرض، وهما في كل الأحوال، ليسا مُخلصين تمام الإخلاص في قولهما رأيهما. هنا قد تتساءل مَن هو صاحبُ الرأي المُفترض قبولُه، فأقول لك إنه الانسان المتخصّص العارف، فرأي مثل هذا، إذا كان حقًا متخصّصًا ومُخلصًا، يعادل ملايين الآراء لأناسٍ ليسوا من أهل العلم والمعرفة.

 

يوجهها: ناجي ظاهر

 

كانَت عالِقةً في صِراعِ الأزمِنة، لا تَعرِفُ إلى أي زَمانٍ تَنتَمي. فتارةً تَجِدُ نفسَها مُضَمَّخةً بضَبابِ المُستَقبَل و تارةً تَلمَحُ ذاتَها القَديمةَ جدًا، ذات القَلبِ المُتَصَدِّعِ و الإرادةِ المَعقوفةِ و الحُلمِ المُشَوَّه. حَشَرَت نفسَها الشاسِعةَ في خُرمٍ ضَيق، ما بين ما كانَ وما سيَكون. لم تُلقِ بالًا لذلك الحاضِرِ الذي يُباغِتُها في كل بُرهةٍ مُتَسَولًا رَذاذَ اهتِمامِها. لطالَما كانَت ضَحيةً لعَقلِها الباطِنِ الذي يَكبُرُها جُنونًا.

الماضي و المُستَقبَلُ يَتَجاذَبانِها كأنَّهما يَلعَبانِ لُعبةَ شَدِّ الحَبل، بينَما كانَ حاضِرُها يَنظُرُ إليها من بَعيد، يُحاوِلُ التَلويحَ لها مع نَظرةٍ تَشي بالشَفَقة. استَفاقَت فجأةً و نَظَرَت إلى ساعَتِها، إلى مَوضِعِ وِلادةِ اللَحظة، إلى الإصبَعينِ المُشيرَينِ إلى "الآن". أخَذَت نَفَسًا عَميقًا و مَزَّقَت ماضيها كمَقطوعةٍ قَديمةٍ أو كقَصيدةٍ فاتِحةٍ للجُروح، ثم تَناوَلَت ذلك المُستقبَلَ البَعيدَ جدًا و وَضَعَتهُ في أعلى ذلك الرَف. في تلك اللَحظةِ فقط بدأَ عَدّادُ الحَياة، و سَجَّلَت لنفسِها تاريخَ ولادةٍ حَقيقيًا هذه المَرّة.

ما زلتُ لا أفهَمُ سببَ الضَجّةِ التي تُغَلِّفُ العالَمَ في هذا الوَقتِ منَ العام. الأغاني الصاخِبةُ تَصدَحُ من كل بَيت، والاحتِفالاتُ الطَويلة، كُؤوسُ الخَمرِ المُتَراطِمةُ ببَعضِها نَخبَ وَقتٍ عَقيمٍ و ساعةٍ عاجِزة. إنني لا أفهَمُ سببَ احتِفالِ أبناءُ هذا الكَوكَبِ البائسِ برَحيلِ عامٍ و قُدومِ عامٍ آخر، فالأمرُ بالنِسبةِ لي مُجَرَّدُ تَبديلٍ في الأرقام، إننا فقَط نَقومُ بتَغييرِ المُستأجرِ المُقيمِ في أعلى الرُزنامة، أو يُمكِنُ تَشبيههُ  ببدايةِ مأموريةٍ جَديدةٍ لا أكثَر. تَلتَهِمُ التَساؤُلاتُ خَلايا رأسي ويَهجُرُ النَومُ جُفوني ليَزورَ الآخَرينَ ذَوي الجَماجِمِ الخاوية. أسمَعُ صَوتَ صُنبور، أسمَعُ تَتابُعَ قَطَراته، صُنبورٌ لا يَتَوَقَّفُ في عَقلي!

هل سيأتي هذا العامُ مُحَمَّلًا بأرغِفةٍ للجياعِ؟ هل سيَحيكُ من أيامهِ و ساعاتهِ كِسوةً للعَرايا؟ هل سيُعيدُنا هذا العامُ أطفالًا؟ أيها المُتَحَلِّقونَ حولَ الطاوِلاتِ و الغارِقونَ في طُقوسِ الاحتِفالات، يا مَن تَشَبَّعَت أرواحُهُم بألوانِ التَرَف، هَل أجِدُ عندَكُم قارورةَ شُعورٍ واحِدة لأزَيِّتَ بها أعماقيَ الصَدِئة؟ تُرى هل سيُحضِرُ هذا العامُ ماءً زُلالًا لمَرضى الكوليرا؟ هل سيَهطِلُ علينا بالحُبِّ ليَروي جَفافَ الأرواح؟ هل سَيَخيطُ عامُكم الجَديد جَراحَنا القَديمةَ؟ هل سيَملأُ جُيوبَ الفُقَراء و يُخَفِّفُ من ثِقَلِ خَزائِنِ الأغنياء؟ هل سَيُحاسِبُ قَتَلةَ الأبرياء؟ هل سَيُعفي قُضبانَ السُجونِ من تَحَمُّلِ ذَنبِ مُحاوَطةِ المَظلومين؟ هل و ألفُ هَل... وإن كانَ الجَوابُ لا فلماذا كلُّ هذا الضَجيج؟ دَعونا نُكمِل سُباتَنا، دَعونا نُكمِل ذلكَ الحُلُمَ الجَماعي. 

 

مينا راضي

شاكر فريد حسنهذا هو الكتاب الأخير الذي صدر للباحث في الشأن الثقافي، الكاتب والإعلامي الفلسطيني حسن عبد اللـه، الذي عرفناه منذ الثمانينات من القرن الماضي من خلال كتاباته الأدبية والسياسية، التي كان ينشرها في الصحافة الأدبية والثقافية في المناطق الفلسطينية المحتلة، وفي صحيفة "الصنارة" الأسبوعية.

يُعد حسن عبد اللـه قامة ثقافية، وشخصية يشار لها بالبنان، لما له من بصمات واضحة في المشهد الأدبي والثقافي والإعلامي الفلسطيني، بانغماسه في الهم الإبداعي والثقافي والمجال الإعلامي وتقديمه للبرنامج الحواري "عاشق من فلسطين" الذي استضاف من خلاله العديد من الشخصيات الأدبية والفكرية والثقافية الفلسطينية اللامعة على الساحة الأدبية.

كتاب "دمعة ووردة على خَد رام اللـه" صادر عن الكلية العصرية الجامعة، ويقع في 150صفحة من الحجم المتوسط، صمم غلافه الخارجي الفنان غازي نعيم، وأهداه إلى “إياس” حيث كتب له: "كُنتَ في أيام الحَجر صديقًا ومعينًا وونيسًا، تابعتَ مساقاتك في الهندسة عبر نظام التعلم عن بعد، وعيناك تنغرسان في شاشة الحاسوب، بينما كان قلبك يمشي في أرجاء البيت، يبلسم وجع أيام أبيك تارة، ويمد العون لأمك بيَدَي نَبضِهِ تارة أخرى، لتنتهي ساعات يوم الحَجر محروسة برموشِ عينيكَ ونبضِ قلبك"، ويشتمل على 12 نصًا ادبيًا مختلفًا. وهذا هو الكتاب العشريني الذي يصدر له، وله كتاب آخر بعنوان "رام اللـه تصطاد الغيم" الصادر العام 2010.

الكتاب عبارة عن قصص كتبت في بدايات الكورونا، وهي نصوص مكانية بامتياز، وإن كان عنوانه يحمل رام اللـه، إلا أن حسن يأخذنا إلى أماكن عديدة، ويجري مقاربات بين مدن فلسطينية وأخرى عربية من خلال تجربته المباشرة مع هذه المدن، فيقارب بين عمان ورام اللـه، ونابلس ودمشق، وأسواق وجدة المغربية العتيقة وأسواق القدس العريقة. وفي مقارنته بين عمان ورام اللـه يشبههما بامرأتين جميلتين لكل منهما خصوصيتهما التي فيها الكثير من المقومات المتشكلة من خصوصية أخرى.

وهو يكرس نصه الأول لرام اللـه، المكان الأول من خلال جولاته المسائية في رحابها وشوارعها وحاراتها وساحاتها برفقة صديقه الكاتب جهاد صالح، الذي يتناول جزءًا من سيرته الذاتية، لا سيما أن جهاد صديقه جاء إلى الدنيا في عام النكبة وعاش حياته متنقلًا بين عواصم مختلفة، قبل أن يستقر في رام اللـه، لتتبلور تجربته الأدبية والثقافية والفكرية وتنضج بين محطات هذه المدن.

حسن عبد اللـه مسكون بالمكان، وعلاقته به تشكل هاجسه الدائم، وهذا نابع من ايمانه أن جدلية العلاقة بين الكاتب والمكان هي التي تبلور وتشكل التجربة بسمائها ونسائمها. والمكان في نصوصه ليس حجارة جامدة أو شوارع وطرقات وأزقة، بل إنه يحس ويرى ويتفاعل ويبعث طاقة في الناس. وهو يتحدث عن رام اللـه المكان في طفولته ومراهقته وشبابه وجيله المتأخر، وينظر إلى رام اللـه القديمة بكل الشوق والحنين والحزن. وفي كل قصة من قصص الكتاب نجد جولة حقيقية في المكان، يضاف إليها جولة خيالية من خلف طاولة مكتبه في بيته، حيث يتجول في شوارع وأسواق وازقة رام اللـه، ويجري حوارات متخيلة، ويمزج بين الحقيقي والمتخيل.

تتميز نصوص الكتاب في سلاستها وانسيابية أحداثها، وجاءت بأسلوب مشوق سلس وماتع، ويلمس القارئ فيها الفكاهة النابعة من العفوية الجميلة بطعم الذكريات العذبة، واللغة المباشرة الرشيقة القريبة إلى لغة الشعر، فضلًا عن الصور الإبداعية الدقيقة والتوصيف البديع للمكان، وتوظيف الأسطورة، والتنوع في الأماكن والجماليات، والجمع بين التاريخ والأسطورة والواقع والخيال الفنتازي.

إنها باختصار لوحات باذخة الدهشة، بليغة التعبير، متماسكة الصياغة، تجعلنا نعانق المكان الفلسطيني بكل مكوناته، تجلى فيها حسن عبد اللـه بعبق الجمال والتاريخ والحضارة والشعر والنثر والأدب والفكر.

فألف تحية للصديق الكاتب حسن عبد اللـه ونرجو له المزيد من العطاء والتألق والتوهج والحضور الأدبي.

 

بقلم: شاكر فريد حسن

 

ضياء نافعكان تشيخوف يرتبط بالنسبة لنا - نحن القراء العرب في خمسينيات القرن العشرين – بكتاب هنا وكتاب هناك (منها طبعا كتاب شاكر خصباك المعروف عن تشيخوف، الذي اصدرته مجلة الثقافة الجديدة في بغداد عام 1954)، ثم بدار اليقظة السورية الشهيرة، وباسماء المترجمين فؤاد ايوب وشقيقه سهيل ايوب، حيث أصدرت دار النشر تلك جزئين من قصص تشيخوف المختارة، ثم بدأت الكتب العربية الاخرى لنتاجات تشيخوف بالصدور في بيروت والقاهرة ودمشق...الخ، الى ان  ظهرت في موسكو وبترجمة د. ابوبكر يوسف المؤلفات المختارة لتشيخوف باربعة اجزاء، وهكذا حلّ اسم المترجم المصري الكبير أبو بكر يوسف محل دار اليقظة السورية (واخواتها !) بالنسبة لتشيخوف باللغة العربية، واستمر الحال بهذه الصورة طوال القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، رغم رحيل المرحوم أبو بكر يوسف (الذي يسموه الان – مترجم تشيخوف)، ورغم اختفاء دار رادوغا السوفيتية للنشر مع الدولة السوفيتية نفسها.

 استمر تشيخوف طبعا بالانتشار عربيا، لأن تلك الترجمات مجتمعة لم تستطع ان تقدم للقارئ العربي كل نتاجات تشيخوف الواسعة، وبرزت اسماء مترجمين عرب في هذا المجال، ولا يمكن لنا بالطبع (في اطار مقالتنا هذه) حتى التوقف عند تلك الاسماء والنتاجات العديدة التي قدموها لتشيخوف، ولكننا نود في مقالتنا هذه ان نتوقف قليلا (وحسب عنوان مقالتنا) عند المساهمات الجديدة للمترجمين العراقيين بالذات في هذه العملية الابداعية الجميلة لاغناء المكتبة العربية بنتاجات تشيخوف في الفترة الاخيرة من القرن الحادي والعشرين (اي في مرحلة ما بعد ابوبكر يوسف ودار رادوغا السوفيتية ان صح التعبير)، وهي ظاهرة تستحق – من وجهة نظرنا - ان نتوقف عندها ونحددها ونقدمها للقراء العرب، وتستحق من الباحثين العرب ايضا ان يدرسوها بامعان وتفصيل، لانها خطوة جديدة ومهمة في مسيرة الادب الروسي بعالمنا العربي، خطوة تمتلك سماتها الفنية الخاصة بها، وتعكس اجتهادات مترجمين من ذوي التجربة والمعرفة في هذا المجال، وذلك لان تشيخوف هو أحد رموز الادب الروسي.

الاسم الاول، الذي نتوقف عنده هنا هو عبد الله حبه - الاسم الكبير في عالم الترجمة عن الروسية. لقد قدّم حبه كتابين جديدين لتشيخوف في الفترة الاخيرة، واصدرتهما دار المدى الرائدة في بغداد، الكتاب الاول هو –  قصص ومسرحيات لتشيخوف (وهي بشكل عام غير مترجمة الى العربية سابقا)، والكتاب الثاني  – جزيرة سخالين، وهو كتاب متميّز وفريد من نوعه في مسيرة تشيخوف الابداعية، اذ كان تشيخوف نفسه يعتبره (عمله العلمي)، والذي قدّمه حتى الى الكلية الطبية، وطلب – على اساسه – اعتباره دراسة علمية وبحثية، تؤهله كي يكون تدريسيّا للعمل في كلية الطب، اي انه كان يعتبر كتابه هذا (اطروحته)، الا ان الكلية رفضت ذلك في حينه، ولا يمكن الحديث عن ذلك تفصيلا في مقالتنا هذه (رغم اني تذكرت اطروحة علي الشوك الفنطازية في العراق)، الا اننا نستطيع ان نقول، ان كتاب (جزيرة سخالين) مهم جدا في مسيرة تشيخوف الابداعية، وان ترجمته الى العربية من قبل عبد الله حبه قد أكمل – واقعيا - صورة تشيخوف وقيمته واهميته امام القارئ العربي، وهو عمل رائد فعلا. 

المترجم الثاني هنا هو المرحوم خيري الضامن، والتي خسرت حركة الترجمة العربية عن الروسية برحيلة واحدا من أعلامها الكبار. لقد تم الاعلان قبيل رحيل الضامن، انه أنجز ترجمة رسائل تشيخوف باكملها، وانه تردد بنشرها، بعد ان تم اصدار ترجمته لرسائل دستويفسكي في كتاب دون الاشارة الى اسمه، وهو الذي ترجمه عن الروسية وتم اصداره باسمه في حينه. ولا ادري اين الآن رسائل  تشيخوف، التي ترجمها المرحوم الضامن، وكم اتمنى ان يقوم ورثته بنشرها، لاهميتها اولا بالنسبة للقارئ العربي، ولأن مثل هذا الكتاب (في حالة صدوره) سيكون نهاية رائعة ومهيبة لسلسلة كتب المرحوم خيري الضامن، التي ترجمها طوال حياته، حول الادب الروسي من نصوص للادباء الروس او دراسات نقدية عنهم.

المترجم الثالث في هذه المقالة هو فالح الحمراني، الاسم المعروف في عالم الترجمة عن الروسية. لقد صدر في بغداد عام 2021  كتابا لتشيخوف بترجمة د. فالح الحمراني عنوانه – دراما في الصيّد، ويقع في 344 صفحة من القطع المتوسط. احتفظ الحمراني بالترجمة الحرفية لعنوان هذا الكتاب كما اراد تشيخوف نفسه، وهو اجتهاد للمترجم العراقي، الا ان المترجم المصري يوسف نبيل ارتأى ان يترجمه بشكل تفسيري، وهو – (جريمة في حفلة صيد)، ويمكن الان للباحثين العرب ان يدرسوا الترجمتين ويقارنوا بينهما، وفي هذا اغناء للادب الروسي في المكتبة العربية، واغناء لحركة الترجمة العربية طبعا.

نختتم مقالتنا هذه بالتوقف عند اسم عراقي جديد في مجال الترجمة عن الروسية هو – محمد خميس. لقد صدر لهذا المترجم الشاب في بغداد لحد الان عدة كتب بترجمته عن الروسية، ويؤسفني باني لم اطلع على اي كتاب منها، اذ انها لم تصل من بغداد الى (عاصمة الثلوج) حيث أقيم أنا منذ فترة، الا ان عناوين تلك الكتب مثيرة فعلا، وتشير بما لا يقبل الشك، الى ان هذا المترجم الشاب (خريج قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد وماجستير في الادب الروسي من جامعة بطرسبورغ الروسية) يعرف كيف يختار – وبدقة - نماذج (ناطقة !) من الادب الروسي الحقيقي من بوشكين الى أندرييف، ومن بين هذه الكتب يوجد مصدر مهم جدا للمكتبة العربية حول تشيخوف عنوانه – انطون تشيخوف.. دفتر المذكرات واليوميات. ظهور مترجم شاب جديد وبهذا المستوى في بغداد يعني، اننا نستطيع ان نستخدم التعبير العربي الجميل بالنسبة لمقالتنا هذه عن المترجمين العراقيين وتشيخوف، ونقول، ان ختامها مسك. أليس كذلك؟

 

أ.د. ضياء نافع

 

جمال العتابيتحرص الصحف والمجلات والمطبوعات الدورية على ثبات ترويستها، أو ما يعرف بـ(اللوغو)، ونعني به الإسم والشعار الذي يميز المطبوع عن غيره، بوصفه المدخل الأول للتعريف  به وتأكيد هويته، كأحد عناصر نجاحه وإستقراره، فضلاً عن كونه قضية جمالية وفنية، ومتعة بصرية إعتادها القارئ، لا يجوز إنتهاكها والعبث بمكوناتها.

جريدة الأهرام المصرية بعد أكثر من قرن على صدورها، ماتزال ترويستها هي نفسها التي صدرت فيها منذ عددها الأَول، وكذلك جريدة الأخبار، وغيرها من الجرائد والمجلات المصرية، ومثلها تجارب عالمية صحفية راسخة في إحترام التقاليد المهنية في الشكل، وإستقرار الترويسة.

غير ان هذه القضية للأسف الشديد، تقف منها الصحافة في العراق، وكأن الجرائد والمجلات كيانات بلا تاريخ، كيانات خاضعة لمزاج ورغبات إدارات التحرير، في ظل عدم وضوح الرؤية، وغياب التخصص لدى تلك الإدارات، فضلاً عن الإرتباك الاداري والفني السائد في المؤسسات الاعلامية. ودون العودة لتجارب صحفية عراقية رائدة، بقصدٍ، أو بدونه، وأغلب الظن لجهل في تاريخ الصحافة.3223 ترويسة جريدة

ان جريدة يومية واحدة صدرت قبل أكثر من سبعين عاماً، مثل (الأهالي) لسان حال الحزب الوطني الديمقراطي بزعامة كامل الجادرجي، إستجابت إدارتها لمتطلبات عصر تحولات سريعة يقتضي  وضع تصميم جديد لترويستها، يوم ذاك لم تتعرف الصحافة على الإخراج الفني، ولم تدخل بعد التقنيات الحديثة في الطباعة، لكن الجريدة تمتلك عقلاً متنوراً يسعى لصنع تاريخ وهوية عراقية (للأهالي)، فكلفت أنذاك الفنان جواد سليم لتصميم شعار الجريدة، بالإشتراك مع عبقري الخط العربي هاشم محمد البغدادي، الذي مشق الإسم بالخط الديواني، وطرحت الجريدة الشعار الجريدة للمناقشة، كتقليد متحضر غير مألوف في صحافتنا أنذاك، للتعرف على آراء القراء، وإستلمت هيأة التحرير مئات الرسائل مع أو ضد التصميم، البعض إعتبر الشعار  قريباً من الشعار (السوفيتي) المنجل والمطرقة، إلا ان كامل الجادرجي زعيم الحزب لم يأخذ بتلك الإعتراضات وإعتمد التصميم، لأمرين مهمين، الاول متعلق بمكانة جواد وهاشم الفنية العالية، وحصيلة ما أنجزاه يعدّ مكسباً مشرّفاً للجريدة ذاتها، لا تناله جهة أخرى بسهولة، وكان إعتماده حدثاً مهماً في دعم الفن الحديث، وتبني أفكاره الجديدة، وظهرت الترويسة لأول مرّة في 17آب 1952، وكتبت الجريدة مقالة بهذه المناسبة جاء فيها: منذ مدة والنية متجهة نحو إجراء تغيير جوهري في شكل وعنوان الجريدة، وكان الهدف الأساس هو ان تكون الشعلة، وهي الرمز التقليدي للأهالي جزءاً من العنوان، كما كان الحال في الشعلة القديمة التي كانت تبدو كأنها لصيقة أو طارئة على العنوان، وتحقيقاً لهذه الفكرة، تركنا للفنان الحرية في إخراج الشكل الجديد الذي يحقق به أكبر تعبير ممكن في هذا السبيل، وقد تعهد بهذه المهمة الفنان الكبير الأستاذ جواد سليم، وبعد ان رسم سليم الشعلة حدّد على وجه التقريب وضعها بالنسبة للخط، تاركاً للخطاط حرية إختيار نوع الخط والنقاط الفنية.

وإختار جواد سليم النموذج الجديد الذي قدّمه هاشم البغدادي، وذكر ان أسباب ترجيحه الخط الديواني، هو نجاح الخطاط في الطريقة التي إختارها عند مزج الخط بالشعلة بحيث جاء الأثنان منسجمين بعضهما مع بعض، بالحركة أكثر من بقية النماذج الأخرى.

وفي حوار مع الفنان جواد سليم سأله الصحفي عباس الصراف : هل ان الشعار بعيد عن السياسة؟ فأجاب جواد : نعم إنه أمل الإنسان، فالحمامة رمز السلام، والمطرقة رمز الصناعة والتقدم، والمدية رمز الزراعة، والشعلة رمز النور والحضارة.

ان محاولة تكثيف مثل هذه الحياة الثرية العريضة بكلمات قصيرة، لا تغني عن الحقيقة شيئاً، ولكننا لا نملك إلا أن نردد ان الآتي من عقود تلك السنين هم اساتذتنا ومعلمونا، وهم صورة الإنسان العراقي في تحولاته الوجدانية والفكرية عبر سنوات الكشف والتحدي، والقدرة على النمو والإزدهار، إذ شهدت تلك الأعوام تمدد وتجدد حركة الأدب والفن، نحو تأصيل التحولات المهمة فيها.

 

جمال العتّابي

 

شاكر فريد حسن"في انتظار غودو" هي مسرحية للكاتب الإيرلندي صموئيل بيكيت، وكان الأديب والمثقف الفلسطيني الراحل نواف عبد حسن قد ترجمها ونشرها على حلقات في مجلة "الشرق" التي صدرت بالبدايات في سبعينات القرن الماضي، عن صحيفة "الأنباء"، ورئس تحريرها الأديب محمود عباسي، ثم تحولت لملكيته وصدرت عن مطبعة المشرق في شفاعمرو حتى احتجابها.

تدور المسرحية حول رجلين، الأول يدعى فلاديمير، والثاني استراغون، ينتظران شخصًا آخر يسمى غودو ليغير حياتهم نحو الأفضل. ومسألة الانتظار هي الموضوعة الأساس بل روح المسرحية بكلمة أدق، ومرد كل هذا أن الانتظار بحد ذاته عبث حقيقي خالص لا تشوبه شائبة عندما يكون الشيء المنتظر لا وجود له أصلًا أو لا معنى له، بل لا هيئة له، ويغدو انتظار غودو رمزًا للقادم الذي لا يأتي أبدًا.

المسرحية في فصلين لا يتغير فيهما المشهد وهو طريق مقفر ليس فيه سوى شجرة جرداء، وهي فكرة رمزية صورية تعكس عقم الحياة وعذاب الإنسان في منفاه على الأرض، ويجلس إلى جوار الشجرة شخصان مهرجان ثرثاران ثرثرة لا نهاية لها في انتظار غودو.

إنها مسرحية تمثل رمزًا للمسرح العبثي وتكتنفها نزعة سوداوية تشاؤمية وسخرية لا متناهية من خلال التلاعب بالألفاظ، وتحمل في ثناياها وطياتها الكثير من الترقب والانفعال.

وهذه المسرحية تعتبر من أفضل أعمال صموئيل بيكيت وأشهرها على الإطلاق، وأكثرها سطوة وتأثيرًا، حققت نجاحًا منقطع النظير حين تم عرضها في المسرح، ويمسك فيها بيكيت بخيوط الأحداث التي لم تحدث، وينسج لفكر فلسفي شديد العمق والإثارة، ذلك إنه يمزج بين أمل ميؤوس منه، ويأس مأمول منه في إطار مسرحية أسيرة ظلت لغزًا واحجية لكل عشاق مسرح العبث.

بالمختصر المسرحي تحكي المسرحية قصة انتظار من لا يأتي، صبغتها الرئيسة الصمت والقلق والجمل القصيرة، وبالرغم من الانتظار يظل الامل قائمًا وهذا هو جوهرها.

 

بقلم: شاكر فريد حسن 

 

ناجي ظاهرعرف عن أهل الابداع في مجالاته المختلفة، منذ فجر الإبداع الأول، أنهم يولون ابداعهم المرتبة الاولى في حيواتهم، ويصلون الليل بالنهار من أجل تقديم أفضل ما يمكنهم تقديمه من إبداع يضيف جديدًا إلى ما سبق وقدّمه مبدعون آخرون، اثرو الذاكرة الابداعية البشرية، وإلى جانب اهتمامهم هذا بالإنتاج، أولى هؤلاء توصيل ما أبدعته قرائحهم إلى عناوينه الصحيحة، فبذلوا جهدًا ما لأداء هذه الغاية الهامة لكن ليس المركزية في دائرة الابداع.

مع تقدُّم الحياة وتطوراتها اليومية المتسارعة، وتوفر الامكانيات المتجددة، يبدو أن المبدعين وجدوا انفسهم في دوّامة، فهم من ناحية يريدون أن يبدعوا وينتجوا، ومن أخرى يودون توصيل إنتاجهم إلى عناوينه الصحيحة، فماذا يفعلون والحالة هذه؟ هل يتحوّل هؤلاء عن همهم الاول، ويصبحون مسوقين لأعمالهم؟، هل يمكن أن يتحول الواحد منهم إلى مدير أعمال ويتخلّى عن هدفه الاول.. الإبداع؟

هكذا ابتدأت تظهر رويدًا رويدًا وظيفة جديدة بإمكانها أن تضيف إلى الابداع، تقف إلى جانبه وتسانده، هذه الوظيفة هي مدير الاعمال، مع مضي الوقت عزّز وجود هذه الوظيفة، ذلك الاهتمام المتزايد بالإبداع وأهله، وما يُدرّه من دخل وفير، هذه الوظيفة الجديدة نسبيًا في تاريخ الابداع البشري، سهّلت على المبدع مسالك إبداعه ومنحته الامكانية لأن يتفرّغ كلية لعمله الابداعي، تاركًا هموم المفاوضات وما تخلّفه من وقت، اخذ ورد، مجادلات ومناقشات لمدير اعماله.

هذه الوظيفة خفّفت عن الانسان المبدع وعفته مما قد يتعرّض له من احراجات وتبديدات للوقت والجُهد، وابتدأت مع مضي الوقت، في التحول إلى وظيفة هامة جدًا ولها مكانتُها في الحياة الثقافية عامة. 

هذه الوظيفة ازدهرت في العالم الغربي لأسباب كثيرة، إلا انها لم تدخل إلى عالمنا العربي بصورة قوية وفعّالة، والسبب واضح، هو أن سوق الابداع ما زال محدودًا فيه، وهو في أفضل حالاته لا يدرّ دخلًا يُذكر على صاحبه، إلا في حالات شحيحة، ويكفي أن نذكر في هذا السياق أن ما يطبع من الكتاب الواحد حتى لكاتب ناجح مثلًا في عالمنا العربي كله، لا يعدو الآلاف في أفضل الحالات، بينما تتجاوز طباعة الكتاب الواحد الناجح بالطبع في اوروبا، الملايين من النسخ.

اما الصورة المُقابِلة في عالمنا العربي المحيط بنا، لهذه الغربية، فإنها تختلف كلية، ففي غياب المبدع ذي القدرات والامكانيات المادية، هذا المبدع الذي يُمكنه أن يثري من ريع أعماله، وبالتالي غياب وظيفة مدير الاعمال التابع له، فقد جعل الصورة مشوشة إلى حد بعيد، وحوّل البعض من المبدعين إلى مسوقين لأعمالهم. ومما يؤسف له أن مثل هذا الوضع اتخذ حالة كارثية لدى المبتدئين وأشباههم... للتأكد مما اقوله ادخلوا إلى الفسيبوك مثلًا وتابعوا تفاصيل الكارثة التسويقية التي تقيم سدًا منيعًا بين الابداع ومدعيه.. وهم في هذه الفترة يعدون بـ ..الآلاف.

 

ناجي ظاهر

 

محمد عبد الكريم يوسف(الطبعة الأولى)

بقلم: توماس لوف بيكوك

نقل معانيها إلى العربية محمد عبد الكريم يوسف


 مدخل: زنوبيا هي ملكة مملكة تدمر خلال الفترة (267-273م)، تُعرف في المصادر الرومانية باسم يوليا أوريليا زنوبيا (Julia Aurelia Zenobia) وأيضاً سبتيما زنوبيا، وفي المصادر العربية باسم زينب والزباء، وأمّا أصل اسمها فهو آرامي وهو بات زباي أي (بنت زباي)، وتزوجت زنوبيا من الأمير العربي أذينة بن حيران.

استغل الزوجان حالة الحرب الدائرة بين الامبراطورية الرومانيّة والفارسيّة، فاستقل أذينة بمملكة تدمر، لكنّه ما لبث أن قُتل غيلةً، فآل الحكم لزنوبيا من بعده، فوسّعت المملكة لتشمل مصر وأجزاء من الأناضول بالإضافة لولاية سوريا الرومانيّة كاملة.

استشعر الامبراطور الروماني أوريليان الخطر القادم من الشرق، فسيّر جيشه نحو الأناضول، وهزم الجيش التدمري هناك، ثُمّ ما لبث أن حاصر تدمر نفسَها ودخلها عنوةً فقضى على المملكة التدمرية وأسر زنوبيا وأخذها إلى روما مُكبّلة بأغلال ذهبيّة، حيث عاشت فيها بضع سنوات قبل أن تموت في ظروف غامضة.

لم تلبث تدمر أن ثارت مُجدداً بعد فترة قصيرة، وخرجت عن الطاعة الرومانيّة في نفس العام، فسيّر أوريليان جيشه ودمّر المدينة تدميراً شديداً، ففقدت أهميتها وتحولت بعد ذلك إلى مركز إداري صغير ملحق بولاية سوريّة الرومانيّة ولم تقم قائمة لها بعد ذلك، ولاعلاقة لذلك باسم المدينة الحالي المأخوذ من الأصل الآرامي (ܬܕܡܪܬܐ، تدمرتو) ومعناه المعجزة.

I

كما تحتدم السيول الجبلية ،

بصوت عالٍ ، ومندفع ، وسريع ، وقوي،

هكذا تتدفق جداول الأعمار السريعة

وتتدحرج مع المد المستمر طويلا.

ويوم الإنسان القصير سرعان ما تتلبد فوقه الغيوم

ويمر يومه الطويل سريعا

يهزم الموت الجميع ويطويهم في تاريخ محتوم

يأتي مثل انفجار صحراوي حارق،

ويكنسه من الحياة الدنيا

وتقاوم أنبلُ أعمال القوة البشرية

عبثا ساعة القدر،

القاعةُ الرخامية ، والبرجُ المشيد من الصخور

كلها تستسلمُ للقدر

وتعصف بها رياح النسيان المخيفة

وتسقط الأعمدة الضخمة في الجوار

وتهوي الحمالات القماشية على الأرض

ويحجبها ظلام النسيان عن الذاكرة

 

II

عالم من الرمال القاحلة في وسط سورية ،

حيث تتمدد بقايا تدمر الرخامية

حيث الخراب وسط السهل المنبسط المنفجر،

لقد أصلح عرشه القوي

أضع علامة فارقة في صمت وحدي

على عهد حزين.

 

هذا الحطام الصامت أكثر بلاغة من الكلام

وينقل لنا العديد من الحكايات المريعة

حقائق أسمى مما يمكن أن يعلمه شاعر أو حكيم،

إن أبهة هذا الخراب تعتصر القلب

من أين جاء ذلك الصوت الغامض الخافت

الذي نطق بوشوشات جوفاء؟

 

كما تجتاح العاصفة الأمكنة

على طول الوادي

وحيث تنتشر العديد من القبور الظاهرة ،

أسمع بذهول في أذني

أصوات الموتى المشهورين اللامعين

وهم يمرون ببطء ويتنهدون قائلين:

يولد الإنسان وأعماله ليموت فقط.

 

III

 

كما تتبعثرين في الفضاء الكئيب ،

يا أرواح الحكماء والعادلة!

أقتفي أثرها في الفكر المبجل،

وقصور ترابك المبجل

وخيالك الحماسي المتييم بالضوء

يسكب في الهواء أشعته الكثيرة البراقة

ويعافى من ليل النسيان العميق،

انجازات الأيام الخوالي.

 

الجبابرة من الرؤساء القدامى

الذين يعتزون بالفضيلة، ويسمون بالبطولة

أراهم الأن في تألق ضعيف

وأستكشفهم بخفوت عبر ضباب الزمن

وعبر البخار المتصاعد من جدول الجبل

مع انعكاس شاحب يضيء شعاع الشمس المتراجع.

IV

ما تزال مثل عباءة الشفق العتيقة

تنتشر متقدمة في السماء

انظر ،مجدهم مرئي،

يجلسون على عرش قاتم في الأعالي

 

لكن لمن الأشكال ، ٱه أيتها الشهرة ، التي يعلنها ،

هذا الحشد المهيب على الهواء؟

إلهة مشرقة! تعال ، على جناح السرعة ،

لتخبرينا عن أعمال الملوك العظيمة.

أين أنت أيتها الشهرة؟

 

كل اسم مشرف

يُعلن من سجلك الأبدي:

أن أيقظ القيثارة

في أغاني النار

للرؤساء المشهورين في الأيام الخوالي.

 

أعلن عبثا!

سلسلة الترحيبات

والمدائح التي لا تطرب أحدا

وأفعالهم المشرقة

التي يجب أن تنام الليل

حتى يوقف الزمن دورته الغربىة.

وأمجادهم الباهرة في ذلك الزمان

وجدول السنين الذي مسح كل شيء،

وأسماءهم التي كانت تلقي الرعب في قلوب الأعداء

لم تعد ترن في الٱذان الذاوية.

V

وحتى عين المؤمن الفرحة

لا تزال تستطيع التعرف على شكله الذي يشبه الإله

والذي مزق أمجاده الملطخة بالدماء على شاطىء الفرات، من جبين سابور

 

وأرسل راية الرومان غير ملفوفة ،

وعندما يكون العبقري الصنديد للموجات المذهلة

انظر نحو العبيد في بلاد فارس

يقذف الخراب المضطرب

والعلم الوديع والذوق الرفيع

ويرتدي القبر مسحة بعيدة عن الموت

لمن له فضيلة تشغيل العقل،

و كل سحر مبارك للغاية

لمن يتابع الدندنة الغامضة للقيثارة

بعين ناقدة وحماس شاعر.

VI

أين شاعر البارد في هذه الأيام المنحلة

لمن تمنع ٱلهة الإلهام الجوائز؟

لمن ترفع الأغنية جياشة العواطف

وتضرب أوتار القيثارة الذهبية المتجاوبة؟

 

له وحده تقدم الأغاني

له كل المديح في هيئته الخالدة

تلك التي تنبجس عبر حجاب السنين

في جلال لا يتغير

مشرق مثل أشعة الشمس التي تبرز

وسط العاصفة المتناثرة.

 

ما هذا السحر الذي لا يحصى المرافق لنشوئها

ما هذه الروعة المبهرة التي تتألق في عينيها

وعلى جبينها المشع بالضياء

تخلط جمال منيرفا مع سمو جانو

وفضائل لا مثيل لها لعقلها الإلهي

تبرز مطبوعة على وجهها الملائكي.

VII

تحية الظل المقدس للطبيعة العزيزة

رغم أن الحزن أغلق سيرتك الباهرة

رغم أن الغيوم حجبت أيامك الجميلة

فإن شهرتك ومجد لن يذويان أبد الدهر

 

يعمل العقل نظرته التي لا تذوي طويلا

ليتابع تألق قوتك المبهرة

وسط الصحاري العربية البرية الشاسعة

وأرض الكنانة حيث أعمل العقل عينه اليقظة.

وابتسمت في البداية عند ولادة العلم والفن،

وأبعدت ظلال الظلام العقلي،

وملأت سهول سورية المتعددة الشعوب

بالعدالةوالجيوش الفاتحة

وقبلت الأمم المتواضعة سلاسلك الحريرية

أو هربت فزعة من سيف زبداس

رغم عبثية الأمل في التشارك بالرداء الأرجواني

وتنتزعين من الجيش الروماني امبراطورية الكون.

VIII

قاد الملك الروماني جحافله المخضرمة

على طول السهل البري الشاسع اليباب

ودحرج عجلاته المشتعلة فوق أكوام المذبوحين

وسمع صوت الطوفان من بعيد

وصرخة الحرب المدمرة

واندفع بعواء كئيب إلى مأدبة الموتى

IX

وللتخفيف على جدران تدمر

فر رعاياها الخائفون المرتبكون

واستعرت النيران وسط قاعاتها

الملكية الواسعة.

ومنذ ذلك الحين تدفقت الجحافل المعادية

لم يشفع لها الشباب الجميل ولا العمر المسالم

ولا سحر الأنثى، ولم يؤثر في الصدور المتوحشة

أو يخفف من غلواء غضب الرومان البربري

أو حدة سيوفهم المجرمة.

زأرت أصوات المذابح بشراسة وقوة ولمدة طويلة

ثم خيم الليل بظلاله، لقد انهىت ٱلة الموت عملها،

وغربت شمس تدمر ، ولم تشرق مرة أخرى.

X

ما هذا الشكل الغامض الفظ والمريع

بخده الذابل ورأسه الأشيب

السريع مثلما تشق نار الموت السماء

يكنس كل شيء بجناحيه وهو يمر؟

 

إنه الزمن: لقد عرفته، إنه عدو الملوك

بمنجله ورمله وجناحي نسر

يلقي نظرة مشتعلة على الجوار

ويلوح بيده العظيمة وهو عابس،

بعيدا عن طيف النيران الممتدة

في حين تتراجع النيران الضعيفة

وتتلاشى أشباحها المولودة في الهواء

مثل النجوم قبل شروق الشمس.

XI

نعم ! لقد انتهى كل شيء

وأنا أقف وحيدا

في ساعة هدوء وتأمل مسائية

وسط القباب المدمرة

والقبور الناشئة

وحطام الغرور والسلطة.

 

لون واحد غامض يغلف السهل ؛

لا يوجد شكل قريب ، لا أصوات تتطفل ،

لتكسر سيطرة الكآبة

والصمت والعزلة.

 

كم مرة تكرر هذا المشهد منذ بداية الزمان

حيث العين منكوبة والتأمل يخيم

وبعيدا عن الجنون والرزيلة والإنسان،

يعقد شراكة مقدسة مع إلهها

 

كم مرة تكرر هذا المشهد ليحزن الحكيم المتأمل

ويحزن على يد القدر وعدالته القاسية

ومسار الحرب العبثي ، وغضب الموت الذي لا يلين

والنسيان القاتم ، المعفر بالتراب

والذي وضع علامة على هذه القبور، وأعلن خلع الملك من عرشه،

وبكى سقوطه ، وغرق لينضم إليهم هناك ،

XII

في يوم عظيم تحولت العظمة إلى خراب

كم مرة ، من سنوات ، نشأت الترنيمة المتورمة

ورددت ترانيم ااشكر العظيم لرب النهار

أو أقيمت الصلاة للإنتقام من الأعداء المنتصرين.

 

لقد كان هناك قبل أن تأتي يد أورليان

القذرةالتي أضرمت النار بالٱثار المشتعلة

في حين تتحرك الجوقة المقدسة

حول نار المذبح المشتعلة

 

وأمر الكاهن بعينه الجامحة الوقحة المتوهجة

الضحية المقيدة أن تموت

وهي يطعم النار البخور المقدس

مع الكثير من الأسرار المقدسة

وأتى الوحي النبوي

ليعلمه بالمصير الوشيك

ثم نحنح جسده الجليل

ليعلن البشرى العظيمة!

في ملاحظات الألم والعميقة والبطيئة

قال لساعة الويل القادمة.

الشباب والخادمات شاحبون من الخوف

سمعوا الحكاية في عذاب لاهث ،

وخيم الصمت

على كل لسان

بينما رن الصوت المتنبئ:

XIII

من أين أتت صرخة الخوف الجوفاء

وأي نغمة خوف سكبتها في أذني المتقلصة؟

من أين أتت تلك الصرخة المعدلة ،

يبدو أنها تتضخم ، وأسرع من قبل؟

ما هذا الحريق المفاجئ الذي أضاء الليل؟

ها! إنه ضوء النيزك المدمر!

من أين أتت نفس الزوبعة الدوامة؟

ها! إنها انفجار الموت الغاضب.

XIV

انظر! إنه إله المعارك الجبار

ينشر قطاره القرمزي في الخارج

وأصوات الخلاف لا تعد ولا تحصى

في السهول التي هزها الرعب والخوف

ترتفع الرايات ،وتتوهج الخوذات

وتصفر السهام في الهواء

ويتردد صداها في السماء المظلمة

وترتفع همهمات اختلاط الجنود الجامحة

 

ويتقارع الفولاذ البراق

ويرن الترس المجوف

ويجلجل الصنج الفضي

وتسمع أخر أنين عميق من الألم

وهدير الأقدام المتسارعة

للتراجع العشوائي

والأصوات المتطاولة للصراخ بالنصر

XV

فوق سهولنا غريب منتقم

يسكب ٱماله العدوانية بنشوة

من سيتحقق من الخطر القادم ؟

ومن يهرب من القدر القادم؟

 

وأنت! أيها القادم من السماء البعيدة

عندما تتراجع ظلال الليل

تحرك عربتك اللامعة بفخر

وتلتف بنار شبه أبدية

 

انت! بنورك الحميد

تحث شياطين الظلام الغريبة والهاوية

على الطيران إلى كهوف جهنم المركزية

والشمس المعجبة تشهد دعاءنا

أيجب أن يسقط شعبك المفضل؟

أيجب أن نغادر سهولنا الباسمة؟

وأن نئن تحت وطأة سلاسل الغرباء؟

انهضي أيتها القوة السماوية الجبارة

وارم أعداءك بحجارة من سجيل

وبسهام الموت القاتلة

حتى تتشتت جيوشهم وتموت

من خلال انتشار حجافلهم المعاكسة

والأمراض القاتلة والخوف الشديد

ووهج الحمى والاضطراب والقلق الموحش

والرعب والجنون واليأس.

XVI

الويل ثم الويل لهذه الأعداد الشرسة الوقحة،

الويل ثم الويل لهذه الجموع المتدفقة بجنون

كأصوات العواصف التي تهب فوق المحيط

الويل ثم الويل للأمم المتكبرة القوية

باجتياحها الصاخب العنيف

وتدحرجها المتدفق كزبد الامواج العالية

وصدى موجها الذي يتردد طويلا

مثل ضوضاء البحار العظيمة،

مثل النسيم يهمس بصوت عال

انهض يا إله النور واجمع اندفاع الأمم وغطرستها

ومد يدك السريعة كالسهام

وانسف صلفها وغرورها

وأوصل مراتبهم للقدر المحتوم

وأطلق نيران اليأس في طريقهم

وقدهم إلى دمار أزلي لا ينتهي

واقلب عاليهم سافلهم

واخسف جبالهم خسفا

XVII

للأسف! عبثا ننادي عبثا

والغريب ينتصر بسقوطنا

ويأتي القدر عابثا لا يرحم

ليدمر تدمر الرائعة

ويشجع على ذلك النفس الثابت للزمن

وزوابع الصحراء تكتسح العظمة

وتغطي الرمال المتحركة في الجبال

الأعمدة المرتفعة

المحمولة على أجنحة العاصفة

وتبحر في سحابة واحدة

وسط السماء المظلمة

إنها تسقط...تسقط على أسوار تدمر

حيث الدمار الثقيل الغامر

وقذف رعد الانتقام

ليشطب مجدها من خريطة العالم

واسمها لم يعد معلوما في الحكاية التي تقول:

يقف المسافر على أطلالها

ويفتش بين رمال الصحراء

عن تاريخها المجيد!

اندرست قصورها ، وبادت مدنها

وغلفها النسيان بظلاله

XVIII

كم مرة علقت اللوحات الاحتفالية

على هذه الجدران التي مزقها الزمن

كأغان تتنفس نشوة.

أواه على فكر قليل و مجد ثري

عندما كانت السعادة الوردية تضحك بأعلى صوتها

هنا وسط أرضهم العريقة

ويلاحظ المتجول في الايام السحيقة

الغيم الحزين يحدق

في هذه الفلاة الرملية الواسعة.

وهنا لا يلتقي صوت بإذن

خلا صوت عواصف الصحراء التي تكنس كل شيء

بهمساتها الهادئة العميقة

وتحتك بالقبور الدارسة هناك في التل

والذين كانوا يوما هنا

ينشرون الحب والسعادة.

XIX

قصيرة هي الحياة المخصصة للإنسان

في هذا الوادي الدنيوي الذي نسير فيه

يتجول الإنسان وكله خطيئة وضلال وضعف وعمى

ويعيش حياة العواطف المتناقضة

متجاهلا حقيقة أن الحب بلسم للجروح.

وهو أعز نعمة يمكن أن يعرفها الإنسان

والغيرة ،بأنفاسها المسومة،

تقتل براعم العواطف الغضة،

واليأس العنيد الذي يسخر من الموت

والانتقام الأسود الذي يستحم بالدم

والخوف الذي يكفن نفسه بالظلام.

ويرتجف في الهواء الخافت

والأمل الذي يرتسم على الغيوم

برؤى سماوية مزيفة لكنها جميلة

كل حكم بالتناوب

اليوم هو يحترق

بألم شديد وضيق شديد

وسماء الغد

تعد بزوال الحزن والألم

وبأحلام سعيدة موعودة.

XX

منذ خيط الشفق الأول

الذي شهد هذا اليوم ولاد الخلق

وحتى حريق الأمس المتناقص

والذي لايزال متدحرجا محتارا بالمصيبة

مربكا عجلات الحياة الكثيرة.

وسيظل يتدحرج حتى انتهاء صلاحية آخر الزمان

في كل عصر وفي كل حين،

وستختفي السنوات المتوالية

والأعمال المتنوعة التي تميز العصر الحاضر

لن تبقى إلا ظلال الأيام الخالية.

XXI

على طول الشاطىء المهجور

حيث يتدفق نهر الفرات واسعا وغزيرا

لا يمكن لعين المسافر القلقة أن تتبع أكثر

البقعة التي كانت يوما ملكة المدن

حيث نصب بيرسيبولس العجوز برجا رائعا

عاليا من خشب الأرز

لم يبق منه شيء إلا الأطلال المدمرة بقسوة

لا يمكن للقوة والأبهة أن تقف في وجه القدر

والتلوث يطأ بقدميه المراوح العملاقة

يا مدينة الشمس!

وتتهاوى قباب الفرح والثراء المصنوعة في مدينة صور

كما تهاوت بوابات طيبة المئة وأبراج طروادة

بعار وحزن مقدر مسبقا له أن يكون،

وسالم الفخور قابل قدرك المحتوم

وغاصت فنون وأسلحة اليونان

مع أمجاد روما الإمبراطورية العتيدة في الظلام

XXII

عندما رفعت يد الطغاة الحديدية

أكوام جبل ممفيس

بقيت عواصف الغضب تتحدى الزمن

وحدق بخيلاء واعجاب ذاتي

وأمر حشود العمال الهائلة أن تتوقف

حتى تموت الطبيعة.

وجاءت رياح الموت مثل الأحمق المغرور

و مسحت اسمك الذي لا يقدر بثمن

والعصور بتدفق خبيث

ووضعت الأنسجة المشتراة بالدم في الدرك الأسفل

ثم يتوقف الغريب ، ليقال له:

هنا إنتصبت يوما الأهرامات العظيمة القديمة

و ابتسم ،يخالجه الشك،بالحكاية التي سمعها

والتي تروي عجائب السنين الغابرة.

XXIII

رغم أن الليل يغتصب السماء

سرعان ما يشرق نور الصباح

ويعيد النور والحياة

لتطلي الشمس بنورها السهول

ويعود الشباب مرة أخرى

لكن الإنسان لن يعود أبدا

 

على الرغم من عبوس الشتاء الشديد

الذي يشوه السنة الضائعة

يبتسم الربيع مرة أخرى بأزهاره المتجددة

ولكن ياله من ربيع حلو بنفس لطيف

فهل يلاحق الموت الجليدي نومه

في شتاء القبر المظلم والقاسي؟

 

أصخ السمع للصوت المثير

الٱتي من قصور الموتى

والذي بنتشر بعمق شديد!

لقد اختلطت الأصوات بشكل رائع من أصوات العواصف الدائرة مليئة بالهواء الصحراوي

XXIV

وأنت يا من لا تفكر! أتعرف كلفة ما تبكيه

تلك الغيوم لتغمر يومك الصغير؟

تكتسح يد الموت العنيدة

كل أمل دنيوي بسرعة وتكنسه بعيدا.

 

تتدفق الساعات السريعة في الظلام،

ولكن هذه الساعات السريعة تستخدم جيدا

وتقود الإنسان من عوالم الويل والخوف

إلى عوالم الفرح الأبدي.

 

ورغم أن أبيك وإلهك

يلوح فوق بعصاه الطاهرة

الرحيمة القاسية

ورغم أن بركة المستقبل تصلح

بكل عناية وبقوة عشرة أضعاف

ما يشير إلى تقدمك هنا.

XXV

انحني له لأنه رجل صالح

ويحب ما صنعت يديه

في التراب والهواء والنار والماء

سخاء والده يشع في كل مكان

انحني له لأنه رجل عادل

رغم أن البشر الفانين يتفحصون مسالكه في الحياة عبثا،

لا تتململ يا بني من التراب

لأنه برحمته يرسل لك الألم

انحني له لأنه رجل عظيم

وكان قبل الطبيعة والزمن والقدر

لقد بدأوا رحلتهم الغامضة

وسيبقى عند اشتعال اللهب

ويغمر الاطار العالمي

في الليل الأبدي البهيم.

انحني له إذن ، إنه سيد الجميع

وهو من يقرر سقوط ونشوء الإمبراطوريات

والأرض والسماء وأحجار الطبيعة

له فقط ، لا نظير له ، وحده لا شريك له

عرشه واسع في الفضاء الفسيح

خالد لا يتغير أبد الدهر

في حين تبيد العوالم والشموس والأقمار

***

....................................

العنوان الاصلي:

Palmyra -first edition-Thomas Love Peacock

Trans 2021

 

 

محمد المحسن-هذا المقال مهدَى حصريا إلى الشاعرين التونسيين: د. طاهر مشي وجلال باباي

كيف يمكن ايجاد مصالحة بين الإنسان والفرح، في خضم التداعيات المؤلمة التي يشهدها الوطن العربي في محنته "الإغريقية".. ؟

وكيف يستطيع الشاعر صياغة هموم وتطلعات أمته شعريا ؟

أليس بإمكان الشاعر الآن.. وهنا تطريز المشهد الشعري بزلازل من الأسئلة الحارقة والمقلقة لهذا الواقع الممجوج والمتخم قلقا وألما، وذلك عبر لغة شعرية صافية تعتمد الأصالة والإضافة، وتنأى عن المحاباة والوصولية.. تصالح ذهنية المتلقي وترتقي بحسه في هدأة الطريق إلى عوالم النص؟

ألسنا إذا وضع يتسم بالقتامة والإنكسار، أفرزته ظروف تاريخية ما فتئت تمر بها هذه الأمة منذ أمد بعيد، وقد شهدت خلالها متغيرات حثيثة، في القيم الرئيسية لمسيرة التاريخ الإجتماعي-الثقافي للعرب، بما من شأنه أن يوظف الأدب، توظيفا واعيا بجدلية الصراع بين الكائن وما يجب أن يكون، ويجعله يقاوم التيار الكاسح، ويتحدى الأمر الواقع، ليصوغه في شكل جدل بين الهزيمة والمقاومة.. !

ألم يواجه أدباء العالم في الحربين الكونيتين الأولى والثانية، وما استجد من حروب صغيرة هنا وهناك، ظروفا لا تقل وجعا عن التي نحن فيها، غير أنهم سَمَوا بأفكارهم إلى مستوى التحدي، فظهر أدب المقاومة ضد النازي، وهو الأدب الأمريكي و-السوفياتي-والفرنسي، بين العشرينات والخمسينات من القرن الماضي، وبعد أن خلقت الحربان آثارا حضارية قاسية، وآلاما نفسية جريحة وموجعة، انبجست الموجة الوجودية في أدب الغرب، كاحتجاج وتمرد بارزَين..؟

أفلم يكن من الأحرى بنا نحن العرب، الذين خضنا حربا مهزومة عام 67 وثانية بديلة عام 73 وأخرى أهلية عام 75، علاوة على مآسي أخرى، وتراكمات تاريخية مؤلمة، أفضت إلى إنتقاضة جاسرة، مازال يخوضها أطفال فلسطين بالنيابة عنا في أرجاء الوطن السليب والمستَلَب، أن يكون أدبنا موسوما بالرفض والمقاومة، ويؤسس في مضمونه للآتي في موكب الآتي الجليل.؟

أليس للنص الشعري دور ريادي في تفعيل واقعنا، والإرتقاء بحسنا الإبداعي إلى مراتب البلاغة والإبداع، بما يمنحنا سخاء في الرؤيا يتجاوز الذاكرة الحبلى، والحلم العذري، حس المأساة في خاتمة المطاف، وهي تصاغ في حوار مجلجل مع الجيل الشعري الرائد؟!

إن تجاوب الأدب مع كل هذه التداعيات، وتحويلها لمادة للإنتاج، من شأنه أن يقوي الشعور بالوحدة، وبالرابطة القومية، ويذكي الوضع النفسي المتلائم مع القربى، والإنتماء الواحد، والمصير المشترك، ويضعف بالتالي الشعور الإقليمي، الذي يتكوّن تلقائيا في ظل أوضاع التجزئة، ويفتح ثغرة في جدار الحدود الإقليمية..

وقد جسّد شعراء بداية النهضة العربية هذا الدور على أفضل مما يقوم به شعراؤنا اليوم، ولعل في الأبيات التالية -للرصافي-عن تونس ما يؤكّد هذا القول :

أتونس، إن في يغداد قوما***ترف قلوبهم بالوداد

ويجمعهم وإياك انتساب***إلى من خص منطقهم بضاد

فنحن على الحقيقة أهل قربى***وإن قضت السياسة بالبعاد

إن حالة التردي التي يتسم بها واقع الأمة العربية بكل أقطارها، جعلت الراهن متخما بالمواجع، تتكالب عليه قوى الشر وتتحالف فيما بينها، بهدف اجهاض نقاط الضوء الثورية، التي نجحت في تخطي تخوم الإنكسار، واستطاعت بجهد غير ملول أن تجد لها طريقا بين جدران هذا الظرف، مما حدا بهذه القوى إلى احتواء تلك النقاط المشرقة لتصفيتها نهائيا، ولإشاعة جو اليأس والإحباط والتشاؤم بين أبناء الأمة..

وفي خضم-هذا الهم النبيل-وفي ظل تداعيات الوجع العربي بكل أبعاده الدراماتيكية، يقف-الشاعر-يستبطن أبعاد هذا الهم في الواقع الخام والمادة الأدبية، يتابع نبض الهزيمة وإيقاعها المأسوي، ويؤسس في ذات الآن للإنتصار، راسما في أشعاره علامات الزمن الخائب، واعترافات الجيل الضائع، من غير أن تكون الخيبة أو الضياع عنوانا أساسيا أو محورا متعمدا، بقدر ما هو قراءة للذات الراهنة، واستحضار للذكريات الماضية، واقامة جدل موضوعي بينهما في ضوء المدى المنظور..

هذا الضوء، هو-الجانب الجمالي-الذي يصوغ الأزمنة ويقيم الحوار معها، وفق-رؤيا-جديدة تؤسس لللآتي الجليل بأفراحه المرتجاة، وتجسد التخاطب الحي بين الهزيمة والمقاومة، وهذا يعني، أن للشعر فعلا موازيا للدور السياسي والعسكري في تضميد جراح هذه الأمة، واستشراف ضوء شموسها الآتي..

ومن هنا، تكون قضية ايجاد المعادلة الصعبة بين الهموم والتطلعات، وخلق المعادلات المعبرة عنها شعريا ضمن القصيدة، احدى نقاط الإرتكاز الأساسية التي يبحث عنها الشعراء، أثناء "المكاشفة الشعرية "فحالة الإنكسار التس يشهدها الوطن العربي من ناحية، وقضية الشعب الفلسطيني من ناحية ثانية، هما قطبان متلازمان في الخطاب الشعري الحدبث.

ومن البديهي أن تكون الهوية الفلسطسنية من جهة، والأرض المحتلة من جهة ثانية، مصدرا ملهما للشعر، فتتجلى المأساة عريا بوجه عام، وفلسطينيا بوجه خاص.

وقد لا يكون الأمر مفاجئا حين ينخرط الشعراء في البحث الدامي الدؤوب، عن مواقع الضوء في زوايا الواقع العرب، لأن الرؤيا التي أفرزتها-الإنتفاضة، هي الرؤيا المضادة لواقع الهزيمة، إنها الإستيعاب التاريخي لمعاناتنا جميعا، وهي العلامة الرئيسية لأدب المقاومة في مختلف تجلياته..

هذا الأدب الذي بات عليه أن يسبح ضد التيار الكاسح، ويتحدى الأمر الواقع، بإعتباره سيصارع تيار الهزيمة، ويتجاوز بذلك واقعها المترجرج، ويبحث في أدغالها وجذورها العميقة، عن تفاصيل وأسباب هذا-الواقع-المهزوم..

ومن هنا جاز القول، أن-الإنتفاضة الفلسطينية-بالأمس.. واليوم.. وبإسناد من المقاومة الباسلة، بدأت تؤسس للون شعري جديد ومتجدد، يتماهى مع الواقع، ويصوغه على نحو يجلو قيمه الجمالية، ويبرز أبعاده النبيلة التي هي مطمح كل فنان أصيل.

غير أن ما نرومه، هو أن لا تكون أشعارنا راشحة بالمرارة، طافحة بالحزن ومتخمة بالمواجع، بقدر ما هي مشعة بالفرح، تجسد الإنبهار بالحياة حد الشهادة، وتؤسس لروح الإنتصار عبر لغة تستكشف كنوز البيان وخبايا البلاغة، في تاريخية اللفظ والتركيب العضوي للكلمة، فيبوح النص الشعري بما يتضمنه من مفردات إبداعية، وبما كان سرا مستغلقا على الفهم ومستساغا للأذن في ذات الآن، بما من شأنه أن يحرر رقعة واسعة من الذوق التقليدي المتحجّر، ويكتسح مواقع الكلاسيكية عبر رؤيا تتفاعل مع عالم القصيدة الداخلي في ارتباط وثيق بالثورة الحضارية، وأن يتوصل في النهاية إلى ايجاد معادلات معبرة عن همومنا شعريا، بما يحقق تلك المعادلة الصعبة التي تربط، دون قسر، بين الذات والموضوع بصورة شعرية واعية.. ..

 

محمد المحسن - ناقد تونسي