ضياء نافعالترجمة الحرفية – عش قرنا، اعمل قرنا .

التعليق – العمل عنصر ضروري ومهم جدا في الحياة الانسانية، وتوقف العمل يعني توقف الحياة نفسها . المثل الروسي هذا يؤكد هذه الحقيقة الساطعة في مسيرة الانسان . يوجد مثل روسي مقارب (سبق وان أشرنا اليه) يقول – عش قرنا، ادرس قرنا، (والدراسة عمل طبعا) وهو يذكرنا بالقول العظيم في تراثنا - (اطلب العلم من المهد الى اللحد) .

**

الترجمة الحرفية – والذئب يحب النعجة .

التعليق – قال صاحبي ضاحكا – واخيرا فهمت تعبيرنا العجيب الغريب جدا - (ومن الحب ما قتل)...

**

الترجمة الحرفية – شيب في اللحية – عقل في الرأس .

التعليق –  صورة فنيّة جميلة و طريفة تعكس التناسب الطردي الصحيح بين (سنوات العمر) وبين (تراكم التجربة الحياتية)، ولهذا السبب يقول المثل الصيني – كلمات الكهول غالية مثل الجواهر...

**

الترجمة الحرفية – الحدّاد  يطرق الحديد، وليس المطرقة .

التعليق – الانسان يقوم بالعمل، اما المطرقة فهي اداة ليس الا لتنفيذ العمل من قبل الانسان نفسه . مثل رمزي رائع ينسجم مع كل النشاطات والاعمال،التي يؤديها الانسان في مسيرة حياته ...

**

الترجمة الحرفية – تسلل الى الثروة، ونسى الاخوة .

التعليق –  ونحن نقول - الفلوس تغّير النفوس، الا ان المثل الروسي هنا أكثر دقّة، اذ انه يستخدم فعل (تسلل)، اي انه لم يحصل على الثروة  بشكل قانوني صحيح، ثم يحدد المثل طبيعة هذا (التغيّر)، وهو (نسيان!) الاخوة . مثل واقعي فعلا، وكم يوجد من هؤلاء النماذج في حياتنا بالوقت الحاضر، الذين (تسللوا) بغفلة الى الثروة في زماننا البائس ...

**

الترجمة الحرفية – من الطحين وحده لا تخبز الخبز .

التعليق – صحيح ان الطحين عماد الخبز، لكنه ليس بالطحين وحده يخبزون، كما ان الخبز عماد الحياة، لكن (ليس بالخبز وحده يحيا الانسان) . كل شئ مهم في حياتنا، وكل شئ يمتلك قيمته وضرورته، والحياة الانسانية هي تناسق وتناغم وتفاعل بين كل الاشياء المادية والمعنوية  المحيطة  بنا  ...

**

الترجمة الحرفية – في قضيتك، انت نفسك لست الحاكم .

التعليق – مثل دقيق جدا، وكم نحتاجه في مسيرة حياتنا، فاننا نعلن دائما احكامنا القاطعة في قضايانا وكأننا الحكام والقضاة، اذ (كل يبكي على ليلاه)، متناسين، ان الحاكم يجب ان يستمع لكلا الطرفين كي يصدر الحكم النهائي ...

**

الترجمة الحرفية – لا يرمون الكلب باللحم .

التعليق – مثل مرح جدا يضرب في ضرورة الاستخدام الصحيح لكل شئ، والا فان النتائج تكون عكسية تماما ...

**

الترجمة الحرفية – لن تذهب الى الجيران طلبا للعقل .

التعليق – مثل طريف جدا وبنيته في غاية الذكاء، اذ ان الانسان غالبا ما يطلب من جيرانه حاجة ما لا يمتلكها في الوقت الحاضر، ولكن العقل ...

**

التر جمة الحرفية – احذر من مدح الخصم .

التعليق –  مثل حكيم جدا، ويجب أخذه بنظر الاعتبار، اذ ان مدح العدو او الخصم يعني، ان هذا الخصم  قرر الوصول الى اهدافه عن طريق الحيلة والخداع .

***

أ. د. ضياء نافع

.....................

من الطبعة الثانية المزيدة لكتاب: (معجم الامثال الروسية)، الذي سيصدر عن دار نوّار للنشر في بغداد وموسكو قريبا .

ض . ن .

 

 

يسري عبد الغنيحتى يكون الأدب صادقا-، لا بدّ وأن يتكلّم عن الواقع الذي يعيشه الأديب، والظروف التي تحيط به، وتؤثر على نفسيته وعلى يراعه، فتخرج حينئذ الكلمات نابضة بالصدق، وتأخذ طريقها مباشرة إلى فكر القارئ ووجدانه.

أمّا معنى الالتزام فعريق في الادب، قديم مثل كلّ أدب أصيل، وكلّ تفكير صميم، ذلك أنّ الالتزام في الأدب لا يعدو في معناه الصحيح أن يكون الأدب ملتزما الجوهري من الشؤون، منصرفا عن الزخرف اللفظي وعن الزينة الصورية التي هي لغو ووهم وخداع، والالتزام هو أن يكون الأدب مرآة جماع قصّة الانسان وخلاصة مغامراته وتجربته للكيان، وزبدة ما يستنبطه من عمق أعماقه وألطف أحشائه من أجوبة عن حيرته وتساؤلاته، وهو أن يكون الأدب رسالة يستوحيها من الجانب الإلهي من فكره وروحه، ومن هذا الوجدان أو الحدس الإلهي، الذي هو الفكر وما فوق الفكر، والعقل وما فوق العقل، والخيال مع العلم والمعرفة، مع الانطلاق مجربا في كليته وشموليته.

فالأدب الملتزم هو سابق على محاولات المحدثين، وقد وجدنا قديما الأدب يتجسّد في مشاركة الأديب الناس، همومهم الإجتماعيّة والسياسيّة، ومواقفهم الوطنيّة، والوقوف بحزم، لمواجهة ما يتطلّبه ذلك، إلى حدّ إنكار النّفس في سبيل ما يلتزم به الأديب شاعرا أم ناثرا . واطلاعنا على أدبنا القديم وشعرائه، يعرّفنا أنهم كانوا في العهود والأعصر العربية، في الجاهلية والإسلام كافة، كانوا أصوات جماعاتهم . كذلك قبل كلّ واحد منهم أن يعاني من أجل جماعته التي ينطق باسمها، إلى حدّ أنّك إذا سمعت صوت أحدهم وهو يرتفع باسم جماعته أو قومه، لا يمكنك إلا أن تحسّ هذا الالتزام ينساب عبر الكلمات، يصوّر هذا الإيمان وتلك العقيدة دون أن يساوره أدنى شكّ أو حيرة أو تردّد في تحديده للمشكلات التي يواجهه، والتي تتعلّق بمصيره ومصير سواه من أبناء قومه في القبيلة أو الحزب أو الدين، يدفعه إيمان راسخ بضرورة حلّ إشكالية القضايا التي كان يواجهها في حينه

سارتر عرّف الأدب الملتزم فقال: مما لاريب فيه أنّ الأثر المكتوب واقعة اجتماعيّة، ولا بدّ أن يكون الكاتب مقتنعا به عميق اقتناع، حتى قبل أن يتناول القلم . إنّ عليه بالفعل، أن يشعر بمدى مسؤوليته، وهو مسؤول عن كلّ شيء، عن الحروب الخاسرة أو الرابحة، عن التمرّد والقمع . إنّه متواطئ مع المضطهدين إذا لم يكن الحليف الطبيعي للمضطّهدين

ويشير سارتر إلى الدّور الكبير الذي يلعبه الأدب في مصير المجتمعات، فالأدب مسؤول عن الحرية، وعن الاستعمار، وعن التطوّر، وكذلك عن التخلّف.

فالأديب ابن بيئته، والناطق باسمها، وكلمته سلاحه، فعليه تحديد الهدف جيدا، وتصويبها عليه بدقّة، فـ " الكاتب بماهيته وسيط والتزامه هو التوسّط "

وهنا يبرز هدف الالتزام في جدّة الكشف عن الواقع، ومحاولة تغييره، بما يتطابق مع الخير والحقّ والعدل عن طريق الكلمة التي تسري بين الناس فتفعل فيهم على نحو ما تفعل الخميرة في العجين] على ألا يقف الالتزام عند القول والتنظير، فالفكر الملتزم في أساس حركة العالم الذي يدور حوله على قاعدة المشاركة العملية لا النظرية إذ: ليس الالتزام مجرّد تأييد نظري للفكرة، وإنّما هو سعي لتحقيقها، فليست الغاية أن نطلق الكلمات بغاية إطلاقها .

الكاتب مطالب بمسؤوليّة مجرّد أن يكتب وينشر لامته، فهو يجب أن يعبّر عن آلامها وآمالها ونضالها .

" ليس كفعل القلم اجتماعي وتاريخي بكل ما تنطوي عليه كلمة اجتماعي من شؤون الأمّة، والشعب، والقوم، والوطن، والانسانيّة ... وعلى القلم المسؤول أن ينفي عنه أوّل شيء اعتبار عامل الكسب . فذلك هو الشرط المبدئي لصحّة الرأي ونزاهته "

وظروفنا الاجتماعيّة الحالية، الحافلة بالقلق، والمليئة بالمشكلات، تدعو وبشدّة إلى الأدب الملتزم .

ووضع بلادنا العربية وما آلت إليه من تشرذم ومن تآمر الأعداء وتكالبهم عليها، تدعو الكلّ إلى تجنيد الجهود للعمل على رفع مستواها السياسي والاجتماعي والفكري.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

صادق السامرائيجون فرانسوا شامبليون (1790 - 1832)، عالم لغويات وشرقيات، إشتهر بفكه رموز اللغة الهيروغليفية المصرية، ومن واضعي علم المصريات، ويتحدث اللغة القبطية والعربية، وتمكن من قراءة حجر رشيد المكتوب بثلاث لغات.

مات بالسل او التدرن الرئوي.

هذا الشاب ظاهرة خارقة، فتحت للبشرية آفاقا معرفية لولاه لبقيت مغلقة ومجهولة، ففي سن مبكرة إستطاع أن يقرأ اللغة الهيروغليفية .

ظاهرة تطرح أسئلة، أن يأتي شاب من فرنسا مولعا باللغات وموسوسا بالمصريات، وعاكفا على قراءة كتابات الأولين، وواثقا من فكِ رموزٍ مُسْتعصياتٍ، إنه لأمر محيّر!!

فمن الذي زرع فيه هذا التوجه والإنجذاب؟

وكيف لصبي أن تتفحر في أعماقه رغبة غريبة وإرادة عجيبة تأخذه إلى مصر، وتشده إلى حجر رشيد وتدفعه إلى حل رموزه، وإزالة الحجب عن فترة زمنية حضارية مبهمة!!

من العوامل التي أجدها فاعلة في البشر أنه يولد وفيه  قوة دافعة تأخذه إلى حيث تريد، وهذه القوة هي البوصلة التي ترسم خارطة حياته، وتحدد مستقبله وما سينجزه أثناءها.

ووفقا لهذا المنطلق أشك في أن شامبليون فيه موروثات مصرية تحرك واحدها فأطلق الطاقات التعبيرية عما فيه، فكأن قراءته لحجر رشيد أشبه بالإلهام أو الوحي، رغم أنه ربما إعتمد على محاولات غيره لقراءته.

وكلما أقف أمام حجر رشيد أتخيله أصما مجهولا لولا شامبليون!!

ترى هل هناك طاقة خفية تسيّرنا وتكشف لنا الخفايا عندما يحين وقتها، ونكون مؤهلين لقبولها والتفاعل معها، كما يحصل في الثورات المعرفية والمعلوماتية التي أجدنا قد تفاعلنا معها بعد أن إكتسبنا مهاراتها، ولو أنها ظهرت قبل قرون لما إمتلكنا قدرات الإستفادة منها، بل ربما أن هناك من تخيلها ووضع أسسها قبل مئات السنين، لكن الزمن لا يناسبها.

إنها من الظواهر التي يعجز البشر عن إدراكها وفهمها بسهولة!!

 

د. صادق السامرائي

 

يسري عبد الغنيفي كل ليلة يسمع آلاف الناس صوتًا رقيقًا من إذاعة القاهرة (البرنامج العام)، هو صوت السيدة الإعلامية / صفية المهندس (رحمها الله) تقدم برنامج (لغتنا الجميلة)، الذي كان يعده ويقدمه الشاعر والإعلامي الأستاذ / فاروق شوشه (رحمه الله)، وذلك ببيت من الشعر يقول:

أنا البحر في أحشائه الدر كامــــن

فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي

وقد لا يعرف كثيرون من السامعين صاحب هذا الشعر، إنه شاعر النيل / محمد حافظ إبراهيم، وهذه القصيدة الرائعة وضع لها عنوانًا هو (اللغة العربية تنعى حظها بين أهلها)، ونشرت سنة 1903، وهي من قافية التاء، وتبلغ 23 بيتًا . (راجع : ديوان حافظ إبراهيم، ص ص 253 - 255)

حافظ إبراهيم هذا الشاعر المصري الكبير الذي كتب عليه البؤس في حياته وبعد موته، وكأنه يطارده، مع أنه من أعظم شعراء العصر الحديث، وقد اقترن اسمه دائمًا باسم أمير الشعراء / أحمد شوقي، لا يكاد ينفصل عنه، حتى بعد وفاتهما بخمسين سنة .

وأذكر أنه عندما أرادت وزارة الثقافة المصرية الاحتفال بهذه الذكرى الأدبية جمعت الشاعرين الكبيرين معًا لأنهما رحلا رحلة الأبد في سنة واحدة، فقد توفى حافظ في 21 يوليو 1932، وتوفى شوقي في 14 أكتوبر 1932، وتقرر الاحتفال في أكتوبر 1982، وكان على حافظ أن ينتظر شوقي حتى في ذكراه !!!

***

كان حافظ إبراهيم يقول:

- الناس يقولون أكثر من عشرين سنة شوقي وحافظ، كما يقولون (بيض وسميط) !!

وعندما أراد عميد الأدب العربي الدكتور / طه حسين الحديث عن الشعر المصري الحديث جمع ما كتبه عن حافظ وشوقي في كتاب واحد .

بل إن جريدة الأهرام المصرية المعروفة هي التي لقبت شوقي في سنة 1899، بلقب (أمير الشعراء)، ووصفت قصائده بالشوقيات، وهي التي لقبت حافظ إبراهيم بلقب (شاعر النيل)، وفقًا لما رواه رئيس تحريرها الأستاذ / داود بركات .

وهذا الاقتران بين اسمي شوقي وحافظ يذكرني دائمًا بالاقتران الذي كان بين اسمي شاعري الألمان : (يوهاث ولفجان فون جوته)، و(فردريش شيللر) المتعاصرين، والمتعانقين في تمثال واحد منصوب في الميدان العام أمام مسرح مدينة فايمار، والتي يطلق عليها الألمان (أثينا ألمانيا)، بل أنهما يرقدان معًا في مقبرة واحدة عظيمة البنيان في هذه المدينة .

كان جوته وزيرًا ثريًا أرستقراطيًا مثل شوقي، وكان شيللر صعلوكًا بائسًا فقيرًا مثل حافظ، حتى قيل : إن جوته هو الذي بنا له بيتًا إلى جواره في مدينة (فايمار) حتى لا يفارقه، برغم مشاكسات شيللر ومناكفاته، مما كان يحتمله جوته في حب شديد، فيتغافل حتى عن سقطات العبقري الشاعر شيللر .

وقرأنا أن شيللر ترك ذات مرة مدينة (فايمار) وذهب إلى قرية صغيرة مجاورة ليشتغل مدرسًا في إحدى مدارس المرحلة الابتدائية، فما كان من الوزير الصديق جوته إلا أن سارع واستعاده مرة أخرى مطالبًا إياه بأن يتفرغ لإبداعه الأدبي .

ولكن لقاء حافظ وشوقي كان مختلفًا، وكان التنافس بينهما قد وصل إلى أبعد الحدود، كما أن شهرة شوقي قد بلغت مبلغًا عظيمًا، غير أن اقتران اسميهما ظل قائمًا حتى يومنا هذا، ويبدو أنه سيظل قائمًا مثل اسمي : جوته و شيللر .

ووجه الاختلاف في هذه المقارنة أن (شوقي) ظل على نعمته وثرائه وأرستقراطيته، وأن حافظًا ظل على بأسائه وفقره وقلة حظه، حتى بعد وفاته، فلم تجمع آلهة الشعر والعبقرية بينهما في تمثال واحد أو مسرح واحد في أي مكان عبر أنحاء مصر المحروسة، مثل (جوته وشيللر) ..!!

عند وفاة حافظ إبراهيم تكونت لجنة من أصدقائه الأفاضل، وعقد اجتماعها الأول في دار (السيد/ عبد الحميد البنان)، صديق حافظ المقرب، وأحد أثرياء التجار في القاهرة، وقررت اللجنة جمع آثاره، ونشرها في طبعات تليق به، وإقامة حفل لتأبينه، ولم يتم شيء في ذلك، بكل أسف وألم ..!!!

وأذكر أنني قرأت ما كتبه الدكاترة / زكي مبارك بتاريخ 9 ديسمبر 1932، حيث قال : " أقيمت لشوقي حفلتان في مصر، وإن شئت فقل ثلاث حفلات، ولم تقم لحافظ حفلة واحدة، وسبب ذلك أن أصدقاء حافظ اجتمعوا يوم وفاته وقرروا طبع ديوانه ووضع كتاب عن شعره ونثره، ثم اجتمعوا مرة ثانية فأجلوا الاحتفال بذكراه إلى نضج العنب، فلما نضج العنب اجتمعوا وقرروا الاحتفال بذكراه إلى نضج التين، وصدق من قال : سعيد الدنيا سعيد الآخرة، وكذلك كان حظ حافظ بجانب حظ شوقي في دنياه وأخراه " !!

وفي خريف سنة 1932، وبعد وفاة الشاعرين الكبيرين بدا لأحدى شركات السجائر أن تخرج علبة سجائر باسم شوقي، وعلبه أخرى باسم حافظ، فجعلت ثمن العلبة الأولى خمسة قروش، وثمن العلبة الثانية أربعة قروش ...!!! ..حقًا إن سعيد الدنيا سعيد الآخرة كما يقول المصريون ..!!

ومن المفارقات العجيبة الغريبة أن يكون حافظ إبراهيم هو أول شاعر مصري تقيم له الدولة مقبرة، ثم تظل هذه المقبرة مجهولة حتى يومنا هذا، فقد لاحظ أحد محافظي القاهرة أن شاعر النيل الكبير مدفون في مقبرة مفردة في عرض الطريق، وكان هذا المحافظ وهو المرحوم / محمد صدقي باشا رئيسًا للجنة الجبانات، فأقام لحافظ مقبرة فاخرة في جبانة السيدة / نفيسة (رضي الله عنها )، وقد عرفتها مصادفة منذ سنوات، لأنها تقترب من نفس المنطقة التي فيها مقابر أسرتي، ولكن المؤكد أن السيد / حارس المقابر في هذه المنطقة أو ورثته قد باعوا هذه المقبرة، أو تصرفوا فيها، كما هي عادة هؤلاء الحراس مع أية مقبرة لا يسأل عنها أهلها .. !!

أمر عجيب حقًا هذا الشاعر في حياته وفي موته، كان يقول في حياته :

مرضنا فما عادنا عائد

ولا قيل : أين الفتى الألمعي ؟

ولا حن طرس إلى كاتب

ولا خف لفظ على مسمع

سكتنا فعز علينا السكوت

ةهان الكلام على المدعي

فيا دولة آذنت بالزوال

رجعنا لعهد الهوى فارجعي

ولا تحسبينا سلونا النسيب

وبين الضلوع فؤاد يعي

وكان يقول وكأنه يتحدث عن نفسه :

أمشي يرنحني الأسى

والبؤس ترنيح الشراب

كان يضحك ويتحدث أعذب الأحاديث وأشجاها، ويروي أجمل النكات، في حين كان فؤاده يتمزق، وحياته كلها يسيطر عليها البؤس والشقاء .

***

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

صادق السامرائيالتنور: فرن طيني يُخبَز فيه الخبز في العراق ودول عربية أخرى، وهو قديم قِدَم الحضارات البشرية.

هذا موضوع ربما لم يتناوله أحد من قبل، إنتبهت إليه وأنا في خضم البحث عن لماذا أبيدت سر من رأى عن بكرة أبيها في غضون أشهر أو بضعة سنوات على أكثر تقدير.

ومَن يتجول في إسبانيا يحمد الله كثيرا لأن الإسبان حافظوا على الإرث العربي كما كان ولم يمسونه بسوء، وما أصابه بفعل الهزات الأرضية، ولو كان بأيدينا لما أبقينا عليه.

فقرطبة وغرناطة وغيرها من مدن الأندلس الجميلة، لا تزال معالمها متألقة، وما بقي في سامراء إلا الأطلال.

وأعود إلى التنور ودوره في إتلاف تراثنا ومعالم وجودنا، فهو الذي أكل كل شيئ قابل للإحتراق، وفي مدينةٍ  يعز فيها السجير، يكون أي شيئ يحترق طُعما للتنور.

وهناك الكثير من الحكايات التي كان يتداولها الأجداد، أن فلان الفلاني إقتلع باب السور وجعله زريبة للحيوانات ومن ثم أكله التنور، وغيرها التي صارت في بطن النسيان.

فلو سألتني عن أي معلم خشبي في المدينة وأين ذهب، فسيكون جوابي : أكله التنور!!

بل حتى الكتب، وربما المفروشات وغيرها من أثاث قصور بني العباس الثمينة، جميعها وبلا إستثناء إلتهمها التنور، الذي يقدم لنا رغيف خبز حار بثمن لا يعوض.

أين ذهبت أبواب الجامع الكبير وأعمدته وشبابيكه وزخرفاته الخشبية، وما كان في قصور بني العباس من منحوتات ومزينات خشبية، والجواب إلى التنور!!

فالتنور أحال معالم المدينة النفيسة الغالية إلى رماد!!

وقس على ذلك ما يمكن حرقه من آثار الحضارات القديمة في مدن وقرى بلاد الرافدين، فجميعها صار طُعما للتنور المتأجج يوميا في البيوت.

قد نتباكى على ما أحرقه هولاكو في بغداد وخصوصا مكتبة بيت الحكمة، لكن التنور بفعله اليومي التراكمي، ربما أحرق أكثر من ذلك عبر مسيرة الأجيال، فكل ما هو قديم كان يُلقى في التنور.

فاللعنة على التنور وعلى رغيف الخبز الذي يقدمه لنا بعد أن أتلف الكثير من معالم وجودنا!!

 

د. صادق السامرائي

 

ناجي ظاهريُقدّم الكاتب والشاعر الفرنسي خالد الذكر الفونس دي لامارتين (21 تشرين الاول 1790 - 28 شباط 1869)، في روايتيه الهامتين، "جرزيلا"، أولا، و"رفائيل" لاحقا، رؤية دافئة للحب الإنساني الراقي، يزيد في أهمية ما يقدمه.. وفي قيمتهِ أيضًا، انه اعتمد في كتابته هاتين الروايتين على تجربته الذاتية.. تلك التجربة التي ابتدأت سخونتُها تزداد رويدًا رويدًا حتى انتهت إلى جمرة، تحرقُ اليدَ وتشعلُ الروح.. بنار الفقد والحرمان، من اجمل ما خلق الله.. المحبة على هذه الارض.

لامارتين شاعر فرنسي عُرف بأنه من أهم شعراء الحب والرومانسية، ولد في مدينة لاكان الفرنسية عام 1790 ورحل من عالمنا عن عمر ناهز التاسعة والسبعين عامًا. كتب الشعر وله فيه عددٌ من المجموعات أهمها " التأملات"، كما كتب الرواية وله فيها روايتان كما سلف، تحدّث فيهما عن حبه المتقد المشبوب.

سبق وقرأت هاتين الروايتين وعاودتني الرغبة في قراءتهما مؤخّرًا، فقمت بقراءتهما واحدةً اثر الأخرى. ابتدأت بقراءة الرواية الأولى "جرزيلا"، بترجمة إبراهيم النجّار، وقد صدرت في أواسط الثلاثينيات، بعدها قرأتُ رواية "رفائيل"، بترجمة احمد حسن الزيات، عِلمًا ان مجيد غصن قام بترجمة هذه الرواية مجدّدًا، وقد قدّمتُ قبل فترة، محاضرة عنها في المعهد الفرنسي في مدينتي الناصرة، قارنت فيها بين الترجمتين. فرأيت أن الزيات قدم ترجمة اعتمد فيها على تمثُّل الحالة اللغوية الروائية وقام بعدها بتعريبها، وكأنما هي كُتبت بلغةٍ عربية جزلة، في حين كانت ترجمة مجيد غصن اقرب ما تكون إلى النصّ المترجم المتّبع حاليًا فيما يقوم آخرون بترجمته من لغات أخرى إلى لغتنا العربية.

يَتّبع لامارتين في كتابته لكل من هاتين الروايتين أسلوبًا مميّزًا يركّز على التطوّر البطيء للحدث، لكن الغني في تفاصيله ووصفهِ للمشاعر، لهذا ليس من السهل تلخيصهما، أما فيّما يتعلّق بالحدث الروائي ذاته فإن مؤلّفهما، يحكي في جزيلا عن رحلة الى إيطاليا، قام بها أيام شبابه الاول، وتعرّف خلال رحلته هذه على جزيلا، ابنة الصياد الفقير، التي ستقع في هواه، بسبب طيبته وايجابيته في التعامل معها ومع عائلتها، وبسبب انسانيته الدفّاقة. تتعلّق جرزيلا بالراوي، مع علمها انه لن يرتبط بها لبُعد الشقّةِ بينَ عائلته الغنيةِ وعائلتها الفقيرة. وتنتهي الرواية نهايةً محزنة مؤسية تتمثّلُ في الفراق الابديّ بين اثنين، رجلِ وامرأةٍ، كان بالإمكان ان يعيشا قصةّ حبٍّ فريدةٍ من نوعِها. لكن بدلَ ان تنتهي هذه القصة إلى التواصل والوصال، تنتهي بالفراق، لهذا تحقّق نوعًا من خلود .. أمُه الشوقُ وأبوه التوقُ الابدي.~

في روايته الثانية" رفائيل"، واذكر بالمناسبة ان طبعةً منها صدرت في بلادنا، قبل العشرات من السنين، وقُيّض لي ان اطلع عليها في حينها وان اقرأها، فإن الحدثَ الرئيسيّ فيها لا يفترقُ كثيرًا عن الحدث الرئيسي في جرزيلا، فهي تحكي قصةَ حبٍّ ملتهبٍ بينَ شخصيةٍ عظيمة يقوم بتقمّصِها، والتعامل معها على اعتبار انها قناعٌ روائي، هي شخصيةُ الفنّان العالمي العظيم، رفائيل، وبين امرأةٍ قست عليها الحياةُ فأفقدتها الامَ والأب، والقت بها في ميتمٍ للأطفال في ضائقة. في هذا الميتم، او الملجأ، تتعرّف على واحد من رجال العلم يكبرُها بخمسة اضعافِ عمرها، كما تُخبر رفائيل في بداية تعرّف كلٍّ منهما على الآخر، هذا الرجل لا يهمه شيءٌ سوى سعادتها. وعندما يشعر بضيقها الذي سرعان ما يتحول إلى معاناة صحية، يرسل بها لتقيم في بلدة سافوا الفرنسية، وهناك يلمحُها رفائيل، القادم من باريس العاصمة، ويأخذ في تحيّن الفرصةَ للقاء بها. القدر لا يبخل عليه بهذا اللقاء المتمنّى، فيتصادف ان تواجه عاصفة قاربًا يقلُّها، فما يكون من رفائيل إلا أن ينقذها. هاتان الشخصيتان، يقع كلٌّ منهما في هوى الآخر. وتتطوّر الاحدث إلى أن تقوم تلك المرأة المحبوبة بإبعاده عنها، بادعاءٍ تلفّقُه، ليتبيّن لنا، نحنُ القراءَ في نهاية الرواية، انها إنما أبعدته عن معاناتها في ايامها الأخيرة وتقضي هذه الحبيبةُ ليعيش رفائيل مأساةَ حياته بفقدهِ الفادحِ لها.

كما قلت في كل من هاتين الروايتين، مواقف تسمو فيها أحاسيسُ كلٍّ من العاشقين المدنفين المتيّمين، إلى آفاقٍ عاليةٍ شاهقة. تبحر في آفاق الإنسانية العامة، وتقدمان كما سلف صورًا مُبهرةٍ للحبّ الرومانسيّ الطاهر الحنون. روايتان تدفعان من يقرأهما لأن يتفاعل مع احداثِهما، وكأنها تقع الآن وهنا.

 

بقلم: ناجي ظاهر

 

صادق السامرائيمارون بن حنا بن الخوري يوحنا عبود (1886 - 1962)، كاتب وأديب لبناني، ولد في عين كفاع من قرى الجبل. وقد تفاعل مع شعراء عصره وأدبائهم أمثال سعيد عقل، رشيد تقي الدين، أحمد تقي الدين.

ولديه ستين كتابا بين المطبوع والمخطوط، من كتبه: ربة العود، تذكار الصبا، رواية الحمل، أصدق الثناء على قدوة الرؤساء، أحاديث القرية، حبر على ورق، أبو العلاء المعري زوبعة الدهور، آخر حجر، أشباح ورموز،  وغيرها الكثير من الكتب والأقاصيص.

ونال العديد من الأوسمة، ويجيد العربية والسريالية والفرنسية، وكتبَ الشعر.

وهو من رواد النهضة الأدبية الحديثة في لبنان والعالم العربي، كتبَ في الصحافة والرواية والقصص والشعر والنقد والمسرح والتأريخ.

ومن أمثاله كوكبة من الأفذاذ الذين إنطلقوا بمسيرة التنوير والتجديد والإستنهاض منذ بدايات القرن العشرين، وبثوا أفكار الحياة المعاصرة الواعدة بإنطلاقات إنسانية سامية.

وكان لهم دورهم وتأثيرهم، وبسببهم تقدمت الأمة وتطورت أحوالها إلى أحسن مما كانت عليه بكثير، فلو قارنا أحوالها في بداية القرن العشرين وفي بداية القرن الحادي العشرين، لتبين الفرق الواضح، وأنها برغم ما يُقال ويُنشر ويُذاع عنها، في تقدم وتفاعل مع معطيات العصر.

هؤلاء رموز أمة حية واعدة بالمنجزات والتطلعات الأصيلة، ففيهم تأكدت إرادتها وعبّرت عن منهجها في التحدي والتواصل مع جوهر ما فيها من القدرات.

ولاتزال أفكارهم ومشاريعهم النهضوية والمعرفية ذات قيمة تربوية وتنويرية فاعلة في مسيرة الأمة ووعي الأجيال، وعلينا أن لا نغيّبهم و ونبتعد عنهم لأنهم جذوة إنطلاقنا، وعنوان مسيرتنا المتدفقة بالإشراق والعطاء النبيل.

فلنعد إليهم ونرتشف من درر أفكارهم التنويرية!!

 

د. صادق السامرائي

 

يسري عبد الغنيالطريق إلى المعرفة.. علم الدين نموذجا

رجلنا علي مبارك عاش بين عامي 1824 م و1893م، حيث ولد في قرية برنبال التابعة لمحافظة الدقهلية بمصر، وتعلم العربية، وقرأ القرآن الكريم، ثم سافر إلى باريس لدراسة العلوم العسكرية، ولما رجع إلى مصر شغل عدة مناصب عسكرية، حتى عين ناظراً (وزيراً) للأوقاف، والمعارف (التربية والتعليم) ثم شغل منصب نظارة الأشغال، واستقال منها أثناء الثورة العرابية سنة 1881م، وكان آخر عمل حكومي قام به هو نظارة المعارف .

كان علي مبارك غزير التأليف، يدل على ذلك كتاباته العديدة، ومنها قصته التعليمية التي سماها (علم الدين)، والتي هي من وجهة نظرنا الخاصة خلاصة لتجربته الحياتية ومسيرته الفكرية، كما أنها تعلن بجلاء فلسفته الأخلاقية والتربوية .

وعندما نقرأ المقدمة التي كتبها لهذه القصة، نعرف أنه كتبها عندما رأى النفوس تميل إلى السير والقصص، فتجرد لعمل كتاب يضمنه كثيراً من الفوائد في أسلوب حكاية لطيفة، وسواء وفق في السرد أم لم يوفق، فقد خرج الكتاب على هيئة مسامرة الأشجار والزهور، وهي تتفاوت طولاً، وأسلوبها تغلب عليه البساطة والوضوح والاستواء .

وتعتمد القصة على السرد والحوار، عارضة لشئون الحياة والدين، مثيرة الكثير من القضايا السياسية والاجتماعية والتاريخية، أما أحداث القصة فتجري في مصر وأوربا، وبطلاها رجل أو شاب أزهري اسمه علم الدين، ورجل إنجليزي قدم إلى مصر، وحاول أن يتعلم اللغة العربية، وكلاهما كان يخوض في مشكلات الحياة، ويسافر، وينظر، ويسأل، ويحاول أن يصل إلى الحقيقة .

ذلك أن الحقيقة (كما يقول علي مبارك على لسان علم الدين) تختلف بحسب الظروف والأحوال، والوصول عليها يتطلب معرفة بأسرار الوجود، وإحاطة بالعلوم المختلفة وبالفنون وغرائب الموجودات وعجائب الكائنات .

وفي سبيل الحقيقة أو المعرفة نطرح خبايا التاريخ، ونناقش القضايا من وجهها الظاهر والخفي، ولا بأس من الاستقراء، واصطناع المنطق، واستخدام كل وسائل المعرفة .

إننا ندعو إلى دراسة قصة علم الدين، دراسة علمية تاريخية أدبية فكرية متأنية، ولا نتعامل معها كمجرد عمل أدبي في سياق تاريخي .

إن هذه القصة، دعوة إلى المعرفة، أو فلنقل إنها ترسم الطريق إلى المعرفة، سبق بها علي مبارك ذلك الرجل المثقف المستنير الذي لم يأخذ حقه حتى الآن من الدرس والبحث، سبق بها عصره، في نفس الوقت الذي كان له فضل السبق والريادة في كتابة القصة التعليمية .

بقي أن نشير إلى أن النسخة التي معنا من علم الدين، كتب عليها (علم الدين لحضرة العالم الفاضل صاحب السعادة / علي باشا مبارك ناظر الأشغال العمومية سابقاً، قدم له المؤلف)، ونذكر أيضاً أن الطبعة الأولى من هذه القصة، صدرت في الإسكندرية، عن مطبعة جريدة المحروسة، سنة 1299 هـ = 1882 م .

توفي على باشا مبارك في 14 نوفمبر عام 1893م في منزله بمنطقة الحلمية الجديدة، متأثراً بالمرض، بعد حياة حافلة قضى جزء كبير منها في التفاني من أجل نهضة بلده.

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

نبيل عرابيحين اتّخذ قراره بمغادرة مدينة طرابلس اللبنانية حيث ولد في العام 1922، لم يكن يعلم بأنه سيسلك درباً صعباً ووعراً في حياته العملية. فقد عمل لفترة في إذاعة (الشرق الأدنى) في مدينة يافا الفلسطينية، وتوجه بعدها إلى مصر حيث تسلّم منصب سكرتير تحريرفي مجلة (روز اليوسف): المحطة الأولى في طريق مهنة البحث عن المتاعب، أي الصحافة، فكان ثمن اكتشافه فضيحة ما ونشر تفاصيلها، خسران وظيفته وطرده من مصر. فعاد إلى بيروت، حيث حرر في عدد من الصحف التي كانت تصدر هناك، إلى أن اشترى إمتياز صحيفة طرابلسية من لطف الله خلاط، يعود تاريخ تأسيسها إلى العام 1911.

حدث ذلك عام 1956، وتحولت هذه الوسيلة الإعلامية المكتوبة بجهوده منبراً لآرائه السياسية اللاذعة، وكأنه يُكمل مسيرة لطف الله خلاط الذي دفع ثمن مواقفه الناقدة للحكم والحكام في زمنه، فنُفِيَ مع عائلته إلى تركيا طوال سنوات الحرب العالمية الأولى، وعاد بعدها إلى لبنان ليعاود إصدار صحيفته من طرابلس.

وخلال حرب السنتين في لبنان (1975-1976)، لجأ صاحب المطبوعة الجديد إلى لندن ليتابع نشاطه الصحفي من هناك، في ظل احتقان نفوس جهات سياسية وعسكرية  لها نفوذها في وطنه تجاه ما كانت تتضمنه مقالاته حيالها.

وفي شهر شباط/فبراير من العام 1980، اضطر للسفر بشكل مفاجىء إلى لبنان بسبب وفاة والدته، لكنه تعرّض للخطف خلال توجهه إلى مطار بيروت للعودة إلى لندن، وكان ذلك في 25 من الشهر عينه، وبعد ثمانية أيام عُثِر على جثته في أحراج (عرمون) جنوب بيروت، وعليها آثار تعذيب حاقد واضحة المعالم.

إنه الصحافي اللبناني سليم اللوزي الذي خسر حياته، في سبيل الكلمة التي آمن بقوتها ووَقعها  فشكلت قناعاته الراسخة كالجذور العميقة، وانضمّ إلى قافلة شهداء الصحافة في الرابع من آذار/مارس لعام 1980.

 

نبيل عرابي

صادق السامرائيحبيب بن أوس بن الحارث الطائي، (188 -231) هجرية، ولد في قرية جاسم من قرى حوران بسورية، وإستقدمه المعتصم وقدمه على شعراء زمانه، وتولى بريد الموصل لأقل من سنتين، ومات بعد وفاة المعتصم بأربعة سنوات، وقبل وفاة الواثق بسنة.

وفي ديوانه قصائد يمدح فيها المأمون (170 - 218) هجرية، مما يشير إلى وجود علاقة بينهما.

والمعروف عنه كان يحفظ أربعة عشر ألف أرجوزة من أراجيز العرب غير القصائد .

وهو أديب ومن فحول الشعراء، وتعرضت قصائده لشروحات متعددة من قبل أساطين اللغة والبيان كالخطيب التبريزي وغيره.

ومن تصانيفه: فحول الشعراء وديوان الحماسة، مختار أشعار القبائل، نقائض جرير والأخطل، الوحشيات، ديوان شعر.

ولشعره دراسات نقدية متنوعة لأنه إنتهج مذهبا جديدا في الشعر، فكان بعيد المعاني غريب الإستعارات، مليئا بالطباق والجناس، وسببا بإثراء اللغة العربية وتطوير مفرداتها وأساليب الكتابة بها.

ويُعد أبو تمام ثورة معرفية وموهبة شعرية نادرة زعزعت أركان الشعر العربي، وصدح صوته في آفاق الدولة العباسية، وهي في أوج قوتها وذروة إنطلاقها الحضاري، فعبّر عن جوهرها ومنطلقاتها الحضارية بشعره، الذي يتوافق وما وصلت إليه من مجد الإبداع.

ولديه العديد من القصائد التي يمدح بها المعتصم، وأشهرها قصيدته التي قالها بعد فتح عمورية، والتي مطلعها:

السيف أصدق أنباءً من الكتب

في حدّه الحد بين الجد واللعب

والعلم في شهب الأرماح لامعة

بين الخميسين لا في السبعة الشهب

....

وقد أمضى أبو تمام معظم حياته في العراق بمدينة سامراء، وعلى الأرجح أنه رافق المعتصم منذ بداية خلافته حتى وفاته، وهو الذي قدّم البحتري إلى بيت الخلافة العباسية وأجازه.

ولا يوجد ما يشير إليه في سامراء، ولا دراسات عن حياته فيها، وأظنه قد أنشد قصيدته المشهورة في عمورية بسامراء، لكن البعض يرجح أنها في مكان آخر أثناء العودة من الحملة.

 توفى في الموصل أثناء توليه لبريدها في زمن الواثق.

أبو تمام ظاهرة نادرة لا تتكرر، فأثناء عمره القصير أنتج شعرا متميزا وفكرا منيرا، وأسهم في تدوين أحداث دولة ذات كيان سامق، ففي عمر مبكر كان يرافق المعتصم، وينشد قصائده بمجالسه وأمام جهابذة اللغة والعلم والفكر والفقه.

فأية موهبة وطاقة إبداعية كانت تتخلق في دنياه؟!!

 

د. صادق السامرائي

 

 

ناجي ظاهر(قراءة سريعة في كتابة بديعة)

ينطلق الكاتب الناقد اللبناني الخالد مارون عبود في كتابه عن ابي العلاء المعري "زوبعة الدهور"، من فكر نيّر مستقل، لا يعبأ بأصحاب القول العنيد" عنزة ولو طارت، ويتوصّل بالتالي الى استخلاصات جديدة واجتهادات فريدة، تشمل اضافةً عميقة جدًا الى ما سبق وقيل عن شاعر المعرّة  صاحب " ديواني" سقط الزند"( الشرارة تخرج من ارتطام حجرين)، و"لزوم ما لا يلزم"، الذي انتهج فيه المعرّي نهجًا غير مسبوق متّبعًا نهجًا فريدًا.. ثلاث قواف متتابعة لا قافية واحدة كما درج الشعر العربي عليه في ابداعاته المتنوعة.

الكتاب صدر عام 1945، عن دار المكشوف اللبنانية، وما زال صالحًا للقراءة والاستفادة منه ومما ضمّه من اجتهادات عبوّدية ذكية وجريئة ايضًا، وقد اعدت قراءته مؤخرًا، بعد ان توفّرت لدي نسخة اصلية قديمة منه.

قبل التوغل في التحدث عن الكتاب وما فاض به من اجتهادات لافتة خاصة، اود ان اقدّم فكرة عنه، يقع الكتاب في 276 صفحة من القطع الصغير، ويتطرق فيه مؤلفه، العلّامة، إلى العديد من المحطات الهامة في فهمه لابي العلاء وفي تاريخه وعطائه الثرّ الثمين. مثل: كيف كنت افهم المعري، مدرسة ابي العلاء ومعتقده، مذهب ابي العلاء، وشاعر العقل الفاطمي.

واضح من هذه العناوين، لا سيما الاخير بينها، ان عبّود يقدّم اجتهادًا جريئًا وغير مسبوق في فهمه عقيدة ابي العلاء، وانه يحاول ان يتعمّق في قراءته له عبر نصّه وليس عبر شخصه، كما حاول ويحاول الكثيرون، وفق عبود ذاته.

من الاجتهادات المختلفة واللافتة في قراءة عبود لابي العلاء في كتابه هذا، قوله ان اللزوميات ما هي الا نظمُ متمكن، وانها لا تختلف في كينونتها عن الفية ابن مالك المعتمدة على النظم، وليس على الخلق الشعري، وبعيدا عن تقديس آخرين للمعري، يتقاطع عبّود ويتفق مع الكثيرين من دارسي المعري.. في ان قصيدته " غير مجد في ملتي واعتقادي" هي من عيون الشعر العربي.

يطرح عبود في كتابه هذا السؤال الذي طالما طرحه آخرون عن ابي العلاء مُفكرًا، ويُفهم من حديثه عنه انه لم يكن مبادرًا في افكاره، وانما هي كانت رادًا لأفعال، مثل موقفه من اللذات التي يقول عنها" ولم اعرض عن اللذات الا لأن خيارها عني خنسنه". ويلخّص رأيه هذا في اننا لا يمكننا ان نطلق على المعري صفة الفيلسوف، كما فعل كتّاب مصريون في عدد مجلة" الهلال "المكرس له ولذكراه الالفية، وانما هو يقدّم اجتهاداتٍ متشائمةً للحياة والانسان وحسب.

مع هذا يعرف عبّود قيمة المعرّي مفكرًا وضع العقل في اعلى سلم اولياته " حكّموا العقل لا امام سوى العقل"، وينهي كتابه بخاتمة قصيرة تحت عنوان "عنزة ولو طارت"، ينعى فيها على اولئك الذين لا يحترمون المعري وعطائه بقد ما يقدّسونه. ضمن اشارة ذكية منه للنظر المتمعن فيما خلّفه من تراث ابداعي. ويكفي لفهم هذا الكتاب، جيدًا، ان ننظر في عنوانه" زوبعة الدهور" لنتأكد من ان عبود يحترم المعري.. لكن لا يقدسه.. وفي هذا حكمة تدل على شجاعته وخصوصيته المتفردة.. ناهيك عن انها تدل على ناقد عميق النظر.. وافر الاطلاع.. يقول كلمته ولا يمشي، وانما يتوقف عندها معتبرًا اياها رسالة عظيمةً ومسؤولية تاريخية.

كتاب جدير بالقراءة.

 

ناجي ظاهر

 

قاسم محمد الساعديسنوات مرت على دخولي لهذا العالم الافتراضي، كنت في البداية، مثل قروي يرى لأول مرة القطار

- كتبت اول منشور (تغيرت معالم مدينتي اين تقع اقرب حانة) لكني مسحته على الفور .

- وايضا كتبت عن الواح سومر لصموئيل كريمر (كان الناس يتكلمون لغة واحدة ويمجدون بلسان واحد إلها" واحد هو أنليل) فأثار المنشور عاصفة من احتجاج البعض الذين يعتبرون انه مخالف للشريعة لكني احتفظت به واعدته بعد شهر من كتابته

- تسبب منشور بزعل اصدقاء حين كتبت فيه ... لا قراء لما نكتب ويجلس بعض الشعراء بوجه بعض في الامسيات – ولا جمهور في المهرجانات الا من الشعراء والكتاب ، ازمة كبيرة لابد ان نعترف بها

- لم اقرا من زمان مفردة ( الكادحين)

هل هم بخير .... او انقرضوا

- تقول صديقة (محبتي لكم والليلاس) ماهي الليلاس بحثت بالغوغل عنها فكانت احد اصناف الورد

- البعض ينطبق عليه قول الشاعر الامريكي روبرت لوديل واغلبهم من الوسط الثقافي

(هذه بوسطن القديمة، الطيبة

موطن الفاصوليا، وسمك القد

حيث عائلة لوديل، تتحدث الى ال كابوت

وال كابوت

يتحدثون الى الله وحده)

- وجود الاهل والاقارب في الفيس احيانا" يسبب الحرج  وماكنة التأويل تشتغل بسرعة البرق لما ننشر

- في شعري، الشهداء، الفقراء، المهمشون، وسكان العشوائيات، سعاة البريد ، الخان، الاهوار . مسقط راس سومر، الاصدقاء، و الموت الذي يحصدنا بلا شفقه، ونساء السبي .

وشتمت الجنرالات، وتجار الحروب،وأمراء الطوائف، وهوانم صنعتهن الصدفة مثل باشوات بلا اصل، وحاملي أوامر الاله على الرماح .

- عناوين دواويني أعتبرها البعض غريبة ( من مدونة مفلس – حياة قاحلة – يوميات رجل منقرض- مرآة ونصف وجه)

- كلما اشعر ان القلب سيبدو مضخة عاطلة ......

الجأ للكتابة عن الاغاني فكتبت (مسامحك، رسالة للولف ، ويا خلي القلب، وزعلان الاسمر، وهذا يا حب جاي تحجي عليه ..اما اغنية رياض احمد (من تزعل) فقد بكيت عند اعادة قراءتها _

- اثار مقالي سيداتي آنساتي -- استياء سيدات وكأني في نظرهن رجل خرج للتو من الكهف و جاء بالخطأ في القرن العشرين

- بعض الرسائل تحمل الغرابة فقبل ان ينبت للنهار شارب ترسل لك احداهن رسالة عن عذاب القبر (شلون صباح ههه) وأخرين رسائل أدعية ويطلبون منك ارسالها لأخرين والا هلكت !!

أمّا رسائل جمعة مباركة فقد تطورت الى (في ليلة الجمعة المباركة) وهلا بالخميس ووو

- في المناسبات الوطنية يبدو الفيس وكأنه سجال قبائل متناحرة !

- كلما أريد ان أكتب عن  مقطع هذه الاغنية لعبدو وهو يختصر عذابه فيها، يحاصرني سؤال مرَّ، وماذا بعد يا قاسم ، والناس تحاصرها هُمُوم لا تحصى .

(على قد الشوق

على قد الشوق اللي في عيوني.. يا جميل سلم

وانا يا ما عيوني عليك سألوني.. ويا ما بتألم

وبخاف لتصدق.. يوم الناس واحتار

أوصف للناس.. الجنه وانا في النار)

- صديق كتبت له رسالة تهنئة بعيد ميلاده رد بإشارة لايك !! يا للتواضع

- الاديب سعد محمد غلام في جلسة احتفاء بمنجزي المتواضع قال (قاسم شاعر الموت) والشاعر كريم عبد الله احصى عدد مفردات الموت في احدى دواويني ، لكن اتمنى ان لا تصيب قصائدي البعض بالإحباط او اليأس

- اخطاء التحريك للنصوص وقعت فيها كثيرا وقبل سنوات كتب لي اخي وحبيبي د محمد ونان عن خطأ في قصيدة نشرتها، لكن حينها لم اعرف كيف اقوم بتعديل ألمنشور وبقي على حاله

- يزعجني جدا ان يكون الرد على منشور لصديق او صديقة على التعليقات ، بانتقائية، ووصفته ذات يوم (بالقفز بالزانة)

- (هاي العايزه التمت) صديق يتوسل محبوبته ان لا تهجره  يا للحب شو بيذل كما يغني الساهر

- كتبت قصيدة (رئيس) وتذكرت قول الشاعر الارجنتيني ارنستوا كاردينال .

(يوم اخبروني بانك تعشقين آخر

ذهبت الى حجرتي

وكتبت ضد الحكومة

هذه القصيدة

التي بسببها انا معتقل الان)

- ندمت لأنني لم اكتب عن احتفالية كان الحضور اليها محفوفا بالخطر وطرق مغلقة وحراس مدججين بالسلاح ، كانت امسية الشاعر جواد الحطاب وكنت اريد ان اركب الباصات للوصول الى مكان الجلسة لكن هاتفني د محمد ونان قائلا (خذ تكسي وانا سأدفع لك) كان ذلك اليوم الثالث لتظاهرات شباب العراق وصوت الرصاص والقنابل المسيلة للدموع يسٌمع مع قصائده، التي تغنى بها بشباب التكتك وعن وطن الملاحم، لكن لم توثق هذه الاحتفالية للأسف التي ادارها بنجاح جاسم العلي

- لا اعرف ألنكز وقبل اسبوع سئلت صديقة عن ماذا يعني قالت هو تنبيه، حتى لا أعرف أيهما أفضل لايك الأعجاب أَمْ ألتفاعل

- اعترف في السنوات الثلاث الاخيرة بدأت أدقق في طلبات الصداقة، فقد سبب لي قبول الصداقة دون قراءة البروفايل بمشاكل وقرصنة .

- صديقة طلبت صداقتي كتبت على صفحتها (الخاص ممنوع) لكن كانت تأتيني رسائل، على الخاص دون ان ارد، فكتبت لي هذه أخر رسالة لك ايها (المتكبر) لم استطع ان ارد لأنها سارعت بالحظر -- حسنا فعلت

- ساعدني الفيس بنشر قصيدتي (للقمر عاصمة) بين شباب تشرين في ساحة التحرير وشعرت بالزهو

- حواري عن الكتابة مع الراحل قيس مجيد المولى منحني فرصة لكتابة  قصيدة (من يتذكرنا بعد الموت) بعد شعور بمرارة واقع لم يمنحنا فرصة لالتقاط انفاسنا ونستريح من عناء حياة

- أمنياتي ألبسيطة ان أوفق برضا أصدقائي وصديقاتي في الفيس ولم تعد تغريني نشر الصحف او المواقع لمنشوراتي.

 

قاسم محمد مجيد

 

ضياء نافعالترجمة الحرفية – أكثر القضاة صرامة – أطفالنا .

التعليق – مثل رائع حقا، فالاطفال يقولون الحقيقة بشكل مباشر ودقيق، دون خوف او مجاملة او اي اعتبار آخر، ولا يقدر القضاة على ذلك في معظم الاحيان (خصوصا  في ظروف بلداننا)، ولهذا فان اطفالنا فعلا (أكثر القضاة صرامة !) . ما أجمل هذه الملاحظة الذكيّة جدا والصحيحة جدا في مسيرة حياة الانسان في كل مكان وزمان .

**

الترجمة الحرفية – في العالم كثرة من كل شئ، كالماء في البحر .

التعليق – يضرب هذا المثل للمتشائمين (وما أكثرهم في حياتنا !)، الذين يرون الاشياء السلبية فقط في عالمنا، ويتحدثون عنها، ويبالغون في احاديثهم تلك، ويتناسون كل الجوانب الايجابية الاخرى في حياتنا . يوجد مثل روسي (سبق وان ذكرناه) يقول -   (العالم  - جبل ذهبي) ...

**

الترجمة الحرفية – امّا تتأسف على العلف، وامّا على الحصان .

التعليق – يضرب هذا المثل الطريف عندما يجب على الانسان ان يختار بين شيئين بملامح وصفات واضحة  تماما  في كل الجوانب، ولكن هذا الانسان  - مع ذلك - لا يستطيع تحديد موقفه ...

**

الترحنة الحرفية – كلمة الاذعان تتغلب على الغضب .

التعليق –  نعم، المثل صحيح فعلا، فمن اجل اطفاء جذوة الغضب يجب التساهل، اذ ان العناد او المناقشة في تلك اللحظة تؤدي الى نتائج عكسية تماما . 

**

الترجمة الحرفية – الخطأ ليس خداعا .

التعليق – يمكن لكل انسان ان يخطئ، ولكن الخطأ لا يعني، ان الانسان يخدع الآخرين، أمّا الخداع  فيعني ان الانسان يخطط لذلك ويعرف مسبقا انه يكذب . مثل عام  ودقيق جدا، ويتناول حالة انسانية تحدث في كل المجتمعات، ويجب أخذها بنظر الاعتبار ...

**

الترجمة الحرفية – الدموع ليست حلّا للمصيبة .

التعليق – موقف يتكرر امام المصائب تلقائيا عند الانسان، لكن هذا المثل يذكّر هذا الانسان، ان الدموع  لا تقدّم الحل لتلك المصيبة . خلاصة حكيمة رغم صعوبة تطبيقها . يوجد مثل روسي آخر سبق وان أشرنا اليه يقول – لا فائدة من الدموع امام المصيبة ...

**

الترجمة الحرفية – لست أنا الذي يغنّي – الروح تغنّي .

التعليق – وصف شاعري جميل للتعبير عن حالة الفرح، التي يمرّ بها الانسان بعض الاحيان . ما أندر هذه الحالات في حياتنا مع الاسف الشديد ...

**

الترجمة الحرفية –  بسبب كلمة واحدة – خصام ابدي.

التعليق –  يحدث ذلك فعلا، و في كل المجتمعات بشكل عام، وفي مجتمعاتنا خصوصا، التي لازالت تنطلق من مفاهيم قبلية وعشائرية في علاقاتها العامة.

**

الترجمة الحرفية – من الصحة لا يتعالجون .

التعليق –  يوجد فعلا اناس اصحاء ولكنهم يتعالجون، لانهم (سمعوا !) بالعلاج الفلاني من المرض الفلاني، ولكن صاحبي قال، ان هؤلاء مرضى ايضا، اذ ان نفسيتهم مريضة، رغم ان اجسادهم صحيّة تماما، والصعوبة تكمن، في ان هؤلاء المرضى لا يعرفون انهم مرضى، بل ولا يعترفون بذلك اصلا....

**

الترجمة الحرفية – للبداية الواحدة  لا توجد نهايتان .

التعليق – لم نصل الى اتفاق بشأن هذا المثل . يؤكد البعض ان هذا المثل فلسفي، وان لكل بداية نهايتان فعلا، بل وربما حتى اكثر من نهايتين، ويؤكد الآخرون، ان المثل صحيح بشكل عام، وان اخضاعه للمفهوم الفلسفي يبعده عن معناه المنطقي المباشر والدقيق والحاسم  في ان لكل بداية واحدة نهاية واحدة ليس الاّ.

***

أ. د. ضياء نافع

............................

من الطبعة الثانية المزيدة لكتاب: (معجم الامثال الروسية)، الذي سيصدر في بغداد وموسكو قريبا.

ض . ن

 

 

حميد طولستدأبت فئات عريضة من المجتمع المغربي، كما في الكثير من ربوع شمال إفريقيا، مع مطلع كل سنة جديدة، وبالضبط في الثالث عشر من يناير من كل سنة ميلادية، على الاحتفال بحلول السنة الأمازيغية الجديدة، كل حسب طقوسه التي ورثها عن أسلافه، دون إدراك من الكثيرين منهم لتاريخ الحدث ودلالاته الرمزية والانتربولوجية، مع اختلاف حام بينهم في التسميات، حيث أنها عند البعض: ليلة "الناير" وعند البعض الآخر "إض- سكاس" وعند فريق ثالث "السنة الفلاحية" وهي عند فريق رابع " حكوزة " كما يسميها غيرهم "رأس السنة " دون ذكر لأية إشارة إلى السنة المقصودة، ورغم هذا التباين والاختلاف في التسمية، فإن هناك شبه اتفاق عام على طبيعة الاحتفال وتشابه كبيرين في طقوس ووصفات الاحتفال بهذه المناسبة التي تجمع بين الطابع السياسي المتمثل في تاريخها الذي يعود إلى سنة 950 قبل الميلاد حينما استطاع الأمازيغ دخول مصر الفرعونية بعد الانتصار عليها في حروب عمرت طويلا، وتمكنوا من تأسيس الأسرة الثانية والعشرين بقيادة الزعيم الامازيغي "شاشنق" أو "شيشونغ" واعتبر هذا الانتصار بدايةً وفاتحة للتأريخ الأمازيغي الذي تناقلته الأجيال، والطابع الاحتفالي بالأرض كعروس ورمز للعطاء والخصوبة، والذي هو التقليد الذي تحتفل به العديد من الأسر المغربية والمغاربية، وتتبادل خلاله التهاني، كما تفعل بمناسبات حلول السنتين الجديدتين السنة ميلادية والسنة الهجرية والمولد النبوي الشريف..

 ويتنوع الاحتفال برأس السنة الأمازيغية بتنوع المناطق المغربية، لكن يبقى القاسم المشترك بينها هو الطابع الجماعي للطقوس الاحتفالية التي تشكل فرصة اجتماع أفراد الأسر لمد جسور التواصل وصلة الرحم، في أجواء من الفرحة، يتم فيها إعداد وجبات تقليدية وفق عادات وتقاليد موروثة، كطبق "الكسكس بسبع خضاري" الخاص بالمناسبة والذي تضع فيه بعض الأسر-في جنوب المغرب على الخصوص - نواة تمرة "إغس" أو حبة لوز، ومن يجد تلك النواة أو حبة اللوز، يعتبر شخصا "مباركا"وتسند إليه مفاتيح المخزن "أكادير" ..

ورغم أن رأس السنة الأمازيغية من أقدم الاحتفاليات الأمازيغية ببلادنا، وأنه أحد أهم الطقوس لدى أمازيغ المغرب وجل بلدان شمال إفريقيا، فإنه لم يعتمد إلى اليوم عيدا وطنيا، اعترافا منا بجميل الأجداد وبمجدهم، وحفظا للذاكرة الجماعية من الاندثار والطمس الذي طالها لمدة غير يسيرة، ونظرا للأهمية التي أصبح يحظى بها هذا الاحتفال والذي صار تقليدا سنويا لدى المناطق القروية والحضرية على السواء، حيث أصبح يتخذ أبعادا جديدة كحدث اجتماعي تبنته جل جمعيات المجتمع المدني العاملة في مجال النهوض بالثقافة الأمازيغية وبعض الجماعات الحضرية والقروية والمؤسسات الرسمية،مع الأسف، فقد أصبحت الدعوة إلى ترسيم رأس السنة الأمازيغية، كيوم عطلة وعيد وطني كما هو الشأن بالنسبة لرأس السنة الهجرية ورأس السنة الميلادية، أشد ضرورة وإلحاحا، لما يحمله من دلالات رمزية ثقافية وحضارية وتاريخية وفنية، وأنتروبولوجية.

وفي الختام أتمنى لقرائي الأعزاء سنة أمازيغية سعيدة مباركة مليئة بكل المسرات والأفراح، باللغة الامازيغية : أسْكًاسْ إسْعْدَنْ إصبْحانْ إفُولْكِينْ بمناسبة حلول 2971.

 asggwas amaynu amghudu ”ـ

 

حميد طولست

 

صدر عن دار فضاءات للنشر والتوزيع في عمان "أطياف متمردة" للأديب زياد جيوسي في 212 صفحة من القطع المتوسط، وقد صنف الأديب زياد أطيافه المتمردة تحت عنوان " وجدانيات" ضمن 75 نصاً، فكانت وجدان الروح الذي يستدرج أناقة الغياب ويوظف دهشة الكلمة للتعبير عما يعتمل في داخله من أفكار.

يزوره طيفها صباح مساء، لا يغادر الأمكنة، يبوح لطيفها بعشق خاص للحبيبة، التي تأتي حيناً وتذهب أحيانا أخرى، تجلب حنينا يشبه الحنين للوطن، يصبح طيفا من خيال عماد الأمكنة ويُشكّل طقوسه اليومية، هي غربة الذات في وطن مكبل بالقيود.

يكتب زياد بقلم يتدفق محبة، نظرته الوجدانية لحقيقة الحبيبة والوطن، كلاهما يأتي مجزأً، حبيبة من خيال مع أنها حقيقة في مكان ما، ووطن مجزأ مقسم، الإنسان الحقيقي فيه مهمش، يوحد الكاتب الحبيبة والوطن بالغربة الحبيبة تتغرب عنه وهو غريب في وطن يحتله الأغراب، ولكن كل ذلك لا يستطيع أن يكسر روح الكاتب، ما زال يُحب ويَتنسم هواء عليل ويستمتع بربيع الوطن وأزهاره

يبهر زياد القارئ بجلب مشاعر تحاسبه تعيش معه، هي خيال سامر أو أسطورة يخفق لها القلب، ويستدرجها العقل، حاله من الوله تغلي فيها الكلمات على سطح ساخن تتصاعد ... تتكاثف من جديد لتصب في الضلوع.

يكتبها من مداد روحه من شغاف قلبه يصنع نصوصاً تنبض.. تهمس ... توشم الذاكرة حباً وحنيناً.

بين الواقع والخيال هناك خياران للإنسان، إما أن يغوص في شقاء الحياة أو يهرب للأحلام يختار الكاتب أن يبقى بالوسط، ويُسطّر من تجارب الحياة حروفاً تُشكل الحقيقة على صفحة الأحلام.

الكاتب يسبر غور النفس البشرية، يغوص في أعماقها يراها بمرآة الشعور، ويتابع صور انعكاسها على الواقع، يحلل غموض ما خفي بداخلها.

حلم من نور يتمرد الطيف على المألوف ويحمل حبه للحسناء والوطن، طيفه وحده من يعرف تفاصيله الصغيرة، ونكهة القهوة وبوح الياسمين.

تتماهي حبيبته مع فلسطين، وهو الغريب البعيد، يدفع ثمن العشق وجريمة الانتماء للوطن، كلاهما حرام لكنه يكسر " التّابو" ويحلم بطيفهما معاً.

وقد تكون رام الله الحبيبة وطيفها يلاحقه في الغربة.

وفي نص “صباحنا معاً" قد يكون أوان الوصال، فها هو الكاتب يجوب الحقول ويعانق خضرة السهول وهي على صدره ويقطف الورد معا وبالنهاية لا يكون سوى طيفها من جديد، وقد استسلم الكاتب للأقدار.

استمرار الطيف الذي يلاحقه ويعذبه كل حياته، ألم رشيق مخفي في خلجات القلب يخاطب الروح، ولا يطلب له شفاء.

السادر بطل الحكاية بلا منازع، غربة.. عزلة.. ترحال، تكمل دلالات الحرية قيود البعاد، والغربة تأكل الروح، هو مفتاح القلب الذي ضاع مع الوطن، ليحاصر داخل قلبه وداخل وطنه، ويصارع أناته المكتومة.

للكاتب قدرة عظيمة على الإيحاء والتأثير في نفسية القارئ وتحليل المشاعر، وجلب حنين ما إطاره يحدده القارئ في ركن مخفي من الذاكرة، هو يحاول أن يجد نفسه يبحر عميقاً، حقاً نحن جوعى للحقيقة، وجوعى للإنسانية الحقّة، فقد يسقط القناع ويظهر وجهنا وقد غسلناه برحيق وشهد زنابق الوطن.

كل ذلك في إطار تراكيب لغوية آسرة، وجع ... تذكر ... حنين ... الفكرة ملهمة للقارئ تسقط ما بقلبه من انفعالات هي أبعاد مختلفة للعين والقلب وتُخرج أفكار أخرى في قوالب من صنع القارئ لا الكاتب.

يُكرر وهم أطياف حلم خيال يقول "تتحولين" البعد، يجعل الحلم سراب ويستخدم الأزهار.. زنابق... ياسمين.. شقائق النعمان.. أقحوان ... من خضرة الوطن

فأين تلك الجميلة.. التي لا يحدها زمان ولا مكان هي طيف المرافئ، تجلب الربيع في خريف العمر، تتمتع بالحرية كونها طيف، تمردها لأنها تعشق الأرض وتتمرد على عدو يقف بينها وبين هذا الحب رغم التعب.

حتى التقيتك نص يلخص ذات الكاتب وماهية روحه، هو مجبول بالأمل يُعّرف الحب والأنسان بانه نسمات روح. حجم من التفاؤل  يريد أن يحيا الحياة بالأمل تنبت روحه كالتراب في بحث دائم عن الحب والجمال، هذا يبرر عدم عتابه لها وكونه لا يحمّلها هموم الاشتياق.

وفي النبضة الأخيرة من" نبضات قلب" يرفض أن يسبب لها العذاب وكأن رغبتها لا توجعه وكل أمانيه أن يكون صباحها فرح.

هكذا كان الأطياف المتمردة، حكاية عاشق يبحث في وطنه عن وطن، ويحلم بالمعشوقة البعيدة ويحلق في سماء الوطن.

 

الأديبة: إسراء عبوشي

 

 

كاظم الموسويكل صباح بعد التوكل وتناول لقيمات الفطور، والأدوية وفنجان القهوة، تعودت، حتى قبل حجز جائحة الكورونا، واشتراطاتها الصحية وإجراءات السلطات بشأنها، ان اتوجه الى مكتبي المتواضع للقراءة، مبتدأ بالبريد الالكتروني ومن ثم مجموعات الواتس اب، واغلب الوارد رسائل اخبارية وتقارير سياسية متنوعة ومن ثم متابعة قراءة ما بداته من كتب. حيث اهتممت بمطالعة في اكثر من كتاب في كل جلسة. وزادتها الجائحة بظروفها وإجراءات الحجز الصحي والعزل والاغلاق، وكنت احب قراءة الكتب الورقية واليوم بعد ان حمّل جهاز التابلت عشرات الكتب الكترونيا اصبحت الرغبة تتجه اليه، او التفضيل محسوم له، للامكانات في تكبير حجم الحروف وتسهيل الاطلاع، والقراءة التي لا تتعب أو تكل العيون.

اخذ الهاتف الذكي حصته الكبرى في هذا الجدول او البرنامج  من التواصل والمتابعة والقراءة وحتى الكتابة.. وهو امر نافع ومفيد ومن مقتضيات التطور التقني والحداثة الثقافية، ولابد لمن همه ذلك ان يواكب ويستفيد من كل هذا الخير العام وهذا المشاع الحر.. واستثماره في التثقف والتنوير والتواصل والمتابعة.. فبدونه أو في كثير من الامور، تصعب شؤون الحياة اليومية وتتعقد حلولها أو تيسيرها العملي والفني ومقتضياتها المتشابكة.

لكن هذا الحديث الممتع لا يمتع الى الاخير، فثمة عواقب وحواجز وعرقلة "تخربه" وتحوله الى ألم وقسوة وعذاب احيانا. تقررها الصحة الشخصية عامة وحالة العيون خاصة. وكأنه سباق معها، بين مسير العمر و"مهنة" القراءة. ومعروف أن عادة القراءة لها اثمانها هنا. أو تكاد تكون كذلك عالية الطلب أو عزيزة المكسب. إضافة إلى النظارات الطبية الضرورية، وأنواع القطرات، والأدوية المعالجة الاخرى، ومنها طبعا عمليات جراحية وليزر ومتاعب الرؤية والالتزامات معها. ورغمها تبدو وكأنها رسائل العمر الاخيرة وانذارات الهرم وتاثيراتها كبيرة، وعلى أمثالي اكبر ، ربما، بحكم أن وسائل الإنتاج الأساسية لدينا تعتمد عليها كليا، مع الإنتباه إلى التطورات والمتغيرات على الأصعدة كافة.

 صديقي العزيز الدكتور ماجد الياسري، صديق عمر، من ايام الدراسة الجامعية، ورغم اختلاف اختصاص دراستنا، هو في الطب وانا في الاداب، ولكن من بين ما جمعتنا "هواية" قراءة الكتب وتبادلها، في إطار اهتماماتنا المشتركة.. وكل مرة أراه فيها، صدفة أو بلقاء منظم، وعلى مر كل تلك السنين، العقود من السنوات، اجده حاملا بين يديه مجموعة من الكتب، ثقافية عموما، موزعة بين السياسة والتاريخ والادب، ونتناقش دائما حولها، ويردد لي بأنه يحفظها في مكتبته التي تنقلت معه حسب ظروفه من بغداد الى لندن، ليقراها عند وصوله سن التقاعد اذا لم يستطع ذلك في حينها، ومرت الأعوام والايام وتقاعد عن العمل الذي شغله بجدارة، واخذ العمل حقه من العمر والصحة وتبعاتها.. وكلما نلتقي الان نبدا السؤال عن الصحة ومتاعب وتداعيات رسائل العمر، التي يغلبها تعب العيون وضعف النظر.. وتشدنا حسرات، وتقبضنا آلام، ولا تكفي العبرات والعبارات. ولسان الحال يردد: يا ليت الشباب يعود يوما!.

ولأنها وسائل انتاج المثقف، العيون والايدي والصحة السليمة، ولأداء وظيفته الثقافية، لابد له من القراءة والكتابة، وهنا تبدا القضية المهمة للإنسان المثقف، وتبدأ التساؤلات،  ولا اريد الحديث عنها الان، لكن ما طرحه أستاذ الفلسفة والعلوم السياسية في جامعة كيبيك الكندية د. الان دونو في كتابه "نظام التفاهة"، (ترجمة وتعليق د. مشاعل عبد العزيز الهاجري، ومنشورات دار سؤال_ بيروت، ط1 /2020) من فكرة يمكن أن تناقش حول ما يكابده الكاتب المثقف ودوره في هذا الزمن وشروط العمل في عنوانه لنظام التفاهة.. وتعليقه النقدي في سياق ما رآه من ارتفاع منسوب التفاهة على صعد مختلفة.. ومنها ما يتعلق بدور المثقف، وعدم اقتصاره على النشر وشرح الأفكار، فكتب: ينظر إلى المثقف، على أنه عاطل عن العمل عندما يتعذر عليه أن يجد "وظيفة ثابتة تؤمن له ميزانيته", ولكن مثل هذه الوظيفة هي أمر هامشي بالنسبة إلى نشاطه المتعلق بالفكر هو نشاط حر وغير مصلحي، "في أغلب الأوقات، لا يحتاج المثقف الى أي شيء عدا الاوراق والحبر". ولهذا، فإنه لن يكون عاطلا عن العمل ابدا بالمعنى الدقيق، ذلك لأنه يفكر دائما، فالتفكير هو وظيفته". أنه واحد من القلة المحظوظين الذين افلتوا من الوظيفة "كحالة" لازمة تضعف الشخص الخاضع لها. وهكذا بالنسبة للمثقف، فإن البطالة، رغم كونها تمثل حالة من عدم الاستقرار، إلا أنها ذات أثر ضعيف على قدرته على العمل. وتتسارع هذه الحالة مع شروطها في وسائل إنتاجها الشخصية، التي لا تعيق المثقف عنها وحسب، بل تزيده قلقا وألما وخشية من عواقب لا تنتظر، منها العشي والعمى، وهنا الطامة الكبرى، لاصحاب الحرف والفكرة والوعي "الشقي"!. ومع كل هذا لا تخلو الأمور من ومضات واشعاعات في بطولات فردية ولكنها قادرة على الثبات في دلالتها وعزيمتها واثبات قدرات قد لا تتوفر عند كثير من "العاطلين" عن العمل أو الباحثين عنه في الثقافة والإعلام في وطننا العربي الثري والكبير.

ارسل لي الصديق العزيز، دكتوراه الصيدلة، أسامة الشبيبي، نصا منقولا وصف كاتبه حالة الروائي الفرنسي جان دومينيك الذي أصيب بالشلل التام، والف كتابا من 150  صفحة بتحريك جفن عينه اليسرى، لعدم استطاعته على الكلام، وكانت المحررة التي تكتب عنه النص، تقرأ عليه الحروف الأبجدية في كل مرة بالترتيب حتى تصل إلى الحرف المقصود الذي يؤشر عليه بجفنه، وكانت تقضي ست ساعات  كل يوم لتسجل نصف صفحة فقط.

ويعلق كاتب النص المنقول; هذا درس في الإصرار وتحدي الظروف مهما بدت مستحيلة. وقد نشرت الرواية بعنوان; بدلة الغوص والفراشة، التي كتبت برمش العين وصبر المحررة الموظفة.

وهنا حين يشعر المثقف أنه يفقد وسائل إنتاجه أو تتاكل قوتها وتتقلص مفاعيلها، بحكم الزمن وقوانينه، لا يحزن ويتأذى ويتألم عليها وحسب وانما تتراكم عنده الأزمات وتشتد لديه المعاناة، ويكابد اللحظات ولا تنفعه  الاهات أو تشفع له الادمع. تلك محنة العيون وصعوبات القراءة والكتابة في زمن مربك وأوقات مرتبكة.. والله في عون المثقف العربي في بلداننا الممتحنة باكثر من هذه المحن . !.

 

كاظم الموسوي

 

 

صادق السامرائيأبو الفتوح يحيى بن حبش بن أمبرك السهروردي، ويُلقب بشهاب الدين، وإشتهر بالسهروردي المقتول (1155–1191) ميلادية.

وإبن شداد، أبو المحاسن بهاء الدين يوسف بن رافع بن تميم بن شداد الأسدي الموصلي (539 - 632) هجرية، قاضي ومؤرخ عاصر صلاح الدين الأيوبي وأرّخ لفترته، وكان من المقربين إليه.

إبن شداد يكبر السهروردي بعشرة سنوات ومات في عمر 89، والسهروردي مات في عمر 36 وقبل وفاة صلاح الدين بعامين.

وقتلُ السهروردي كان بأمر من صلاح الدين الأيوبي، فهل كان لإبن شداد دور في إصدار ذلك الأمر؟!

فصلاح الدين الأيوبي حكم (567 - 589) هجرية، أمر إبنه في حلب بقتل السهروردي، وقد تردد لكنه هدده وأعاد أمر قتله، وبمؤازرة الفقهاء الذين كانوا حوله.

 ومما جاء في كتاب "النوادر السلطانية" لإبن شداد: " وفيها (587) هجرية، قُتِل أبو الفتح يحيى الملقب شهاب الدين السهروردي الحكيم الفيلسوف بقلعة حلب محبوسا، أمر بخنقه الظاهر غازي بأمر والده السلطان صلاح الدين...."

ومنها أيضا: "... وكان صلاح الدين.. مبغضا للفلاسفة والمعطلة ومَن يعاند الشريعة، وقد أمر ولده صاحب حلب الملك الظاهر أعز الله أنصاره بقتل شاب نشأ يُقال له السهروردي، قيل عنه أنه كان معاندا للشرائع مبطلا، وكان قبض عليه ولده المذكور لما بلغه من خبره، وعرفَ السلطان به فأمره بقتله فطلبه أياما فقتله"

ويبدو إبن شداد كغيره من فقهاء الأمة الذين برعوا بالحيل الكلامية عبر مسيرتها، فيجعل القضية بين صلاح الدين الأيوبي وإبنه ويحرر الفقهاء من المسؤولية، وهم يفتون بقتل الأعلام ويقولون أن الخليفة أو السلطان الفلاني قتلهم، ويقدمونهم لهم كالقرابين المصفودة بالسلاسل ويحشدونهم ضدهم، وما عرفهم الخليفة أو السلطان ولا شاهدهم إلا يقفون أمامه على النطع والسيّاف بجانبهم أو السيف بيده، وما عليه إلا أن يقول بضعة كلمات غاضبة ويفتك بهم.

فالذين قتلوا وعُذِّبوا من العلماء والفقهاء، كان بسبب وَشايا الفقهاء الذين حول الكرسي، الذي يرتزقون من عطاياه.

ولا يمكن تبرأة إبن شداد من مقتل السهروردي، فصلاح الدين الأيوبي لا يعرفه، وقد أوشى به فقهاء حلب وأرسلوا وشايتهم إليه، ولا بد لإبن شداد وهو المقرب منه أن إطلع عليها وآزر رأي الفقهاء وفتواهم، فأمر صلاح الدين الأيوبي إبنه بقتله.

وهذا سلوك فقهاء الأمة المتكرر عبر العصور، يقتلون الأبرياء ويتبرؤون من جرائمهم بقولهم أن الخليفة أو السلطان هو الذي قتلهم، ولا تزال العملية ذاتها تجري على قدم وساق في المجتمعات التي تتحكم بها العمائم، فيتم القتل فيها بموجب فتاوى، والقاتل مجهول!!

فاتقوا الله يا أولي الألباب!!

 

د. صادق السامرائي

 

يسري عبد الغنيكان أحمد أمين هو الذي دعا إلى إنشاء الجامعة الشعبية، من أجل تعليم الناس وتثقيفهم، وأحمد أمين أستاذ جامعي وكان عميدًا لكلية الآداب بجامعة القاهرة، ولكنه رأى أن الارتقاء بجماهير الأمة لا نستطيع الوصول إليه عبر باب الجامعة، وعليه يحتاج الناس إلى إنشاء جامعة شعبية تعلمهم وتثقفهم وتوعيهم، وكان أول مدير لهذه الجامعة، في الوقت الذي كان فيه صاحب مفهوم حضاري عصري لمعنى الثقافة .

طالب أحمد أمين بأن نعلم الناس العلوم الميسرة، والفنون البسيطة، والصناعات الفنية .. وبذلك نستطيع جعل رجل الشارع الذي يقرأ ويكتب رجلاً مثقفًا، ولم يكن عند أحمد أمين مفهوم واضح للثقافة، لأن موجة العصر أيام أحمد أمين كانت قد بدأت في الحديث عن الثقافة والرجل المثقف في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وبدأت في أوربا حركات فكرية يقودها طائفة من الناس أطلقوا على أنفسهم لقب (الخلصاء)، وسميناهم نحن في اللغة العربية باسم المثقفين !! .

الترجمة خاطئة، والمفهوم خاطئ، وليس لفئة الخلصاء صلة بمفاهيم الثقافة أو التعليم، ولكنهم فئة تدافع عن العقائد والأفكار والأيديولوجيات عن طريق الفكر، وهم صفوة المجتمعات المتصارعة فكريًا بعد الحرب العظمى الثانية، وكان بعضهم من الماركسيين، وآخرون اشتراكيون، وفئة ثالثة من دعاة الرأسمالية الحرة، وهم يغلفون مذاهبهم السياسية بغلاف الفكر والفن، كما أنهم كما يدل عليه اسمهم الفئة المختارة في مجتمعاتهم .

ولكن أحمد أمين فهم الثقافة فهمًا عربيًا، وأدرك احتياجات بلادنا العربية في عصره إدراكًا واعيًا، فأقام الجامعة الشعبية التي تعتبر أساسًا لهيئة قصور الثقافة أو الثقافة الجماهيرية في أيامنا التى نأمل ان تعي دورها المنوط بها من اجل مواجهة خفافيش الظلام التي تريد العودة بنا الى عصور الحهل والتخلف، وكان الرجل بحق صاحب تفكير عملي واقعي، حتى أنه جعل صناعة حياكة الثياب وفنون التطريز وأشغال الإبرة للفتيات من مواد الدراسة في جامعته الشعبية، وكانوا يعلمون في هذه الجامعة فنون الرسم والموسيقى والمسرح وغيرها من الفنون الجميلة، إلى جانب بعض المهن البسيطة مثل النجارة والسباكة والكهرباء .

ويبدو لي اليوم أن هذا الأستاذ كان سابقًا لعصره، لأنه بفكر العالم الأكاديمي المستنير استطاع تحديد المفاهيم الثقافية والشعبية، وكان قد بدأ في كتابة دائرة المعارف الشعبية التي تعتبر من الدراسات الطليعية في دراسة الأدب الشعبي المصري في عصرنا، وهي مرجع أصيل ينهل منه كل من كتب في مجال الأدب الشعبي أو الفلكلور بوجه عام .

ولكن مفهوم أحمد أمين للثقافة كان يرتبط دائمًا بمفهوم التعليم، ويبدو أنه كان يعتبر الثقافة أو تثقيف الناس وتوعيتهم مرحلة موازية لمرحلة التعليم، ولذلك فإنه عندما عقد المؤتمر الثقافي الأول في لبنان خلال سبتمبر 1947، كان أحمد أمين مديرًا للإدارة الثقافية في جامعة الدول العربية، وهو الذي دعا للمؤتمر فأضفى على هذا المؤتمر فكرته، فكانت المحاضرات تدور حول التعليم .

كانت خلاصة التفكير في معنى الثقافة في فعاليات هذا المؤتمر الثقافي الأول للعرب، هو ما قاله الأستاذ / واصف البارودي وهو من أعلام الفكر اللبناني، حيث أكد على أن الثقافة ليست كما يعتقد الكثيرون لتكوين الصفوة ولتكوين مجتمع لائق بها سلبًا وإيجابًا، أي يعرف كيف يتجه معها ما دامت على حق، وكيف يوجهها أو يستغنى عنها متى انحرفت عن المسير، فهي تكون مجتمعًا يعرف كيف يعيش، ولا تعترف بأي مجتمع يصنع من البشر أوثانًا وآلهة يعبدها من دون الله !! .

وهكذا ربط هذا المثقف المتميز في وقت باكر بين الثقافة والأيديولوجية، في عالم ما بعد الحرب العالمية الثانية، وفي تلك الأثناء من تاريخ الفكر العربي المعاصر، ألف طه حسين كتابه عن (مستقبل الثقافة في مصر) وحاول ربط مصر ثقافة البحر الأبيض المتوسط، وهاجمه كثيرون (وما زالوا يهاجمونه حتى يومنا هذا)، وقالوا: إن ثقافة مصر ترتبط بثقافة العرب، وليس مع ثقافة البحر المتوسط، هذه التيارات لم تستطع وضع مفهوم للثقافة .

 

بقلم: د. يسري عبد الغني

 

 

شاكر فريد حسنللباحثة المربية لميس جبارين 

مما لا شك فيه أن الفولكلور هو مرآة لهوية الشعوب وملامحها الخاصة وبصماتها المتميزة، وقد سعت شعوب العالم كافة إلى احتضان فولكلورها ودراسته وحفظه من الضياع. وينطوي الفولكلور على ركام يختلط فيه التراب بالتبر، وجمع الفولكلور الشعبي الفلسطيني بألوانه المتنوعة ودراسته ونشره يشكل مهمة وطنية جليلة بامتياز، لترسيخ الانتماء ولتأكيد الهوية الفلسطينية. والبحث في تراثنا الشعبي الفلسطيني ليس عملًا أكاديميًا فحسب، وإنما هو نضال هدفه الأسمى الحفاظ على الهوية القومية لشعبنا الفلسطيني أمام محاولات المسح والتشويه والتذويب والضياع وتزوير التاريخ الشفهي الفلسطيني، واغتيال الذاكرة الثقافية الفلسطينية.

ومن هنا تنبع أهمية كتاب الباحثة الفولكلورية المربية الفحماوية لميس حبارين، الصادر حديثًا، بعنوان "اغاني الاعراس والامثال في الوادي الأخضر" الذي نطل من خلاله على الفولكلور الفلسطيني.

مؤلفة الكتاب لميس جبارين من مواليد أم الفحم، أنهت دراستها الابتدائية فيها، ثم انتقلت للدراسة في مدرسة مار يوسف الثانوية في الناصرة، وهي من الرعيل الأول الذي أنهى الدراسة الثانوية خارج أم الفحم لعدم توفر مدرسة ثانوية آنذاك فيها، ثم أكملت دراستها العليا وحصلت على شهادة البكالوريوس في التربية سنة 1996، وحاليًا تستكمل دراستها للحصول على الماجستير في الأدب العربي. وكانت اشتغلت في مهنة التدريس في جيل مبكر، وتنقلت بين مدارس عديدة في كفر قرع ومصمص ومدارس أم الفحم ابن خلدون والمتنبي وعمر بن الخطاب والزهراء، وفي العام 2004 خرجت للتقاعد. ونشطت في عدد من الجمعيات التطوعية والثقافية في أم الفحم، وانشأت مع عدد من زميلاتها وبالتعاون مع السلطة المحلية، مدرسة للكبار استمرت عدة سنوات لمحو الامية وتعليم الامهات اللغتين العربية والعبرية والحساب.

وهذا هو الإصدار الأول للميس جبارين، ويقع في 244 صفحة من الحجم الكبير، وطبع  بمطبعة توب برنت في مرج ابن عامر، وصمم غلافه الفنان حمزة ابو عياش، وقام  بطباعة النصوص رباب ابو حطب وهدى سباعنة ، وراجعه ودققه لغويًا شريك حياتها الأستاذ يونس جبارين، وأهدته إلى:" الذين لم يولدوا بعد.. إلى أبي الذي علمني حبّ التعلم.. ذكرى حزن ولهفة متأخرة.. إلى أمي التي ساعدتني في جمع الأغاني والأمثال. إلى أفراد عائلتي.. إلى الكاتبة والروائية الفلسطينية أسماء أبو عياش ولنجلها الفنان حمزة أبو عياش اللذين أسهما في إخراج الغلاف إلى حيز التنفيذ.. إلى الأستاذ الكاتب فتحي فوراني الذي اقترح علينا تسمية الكتاب.. وإلى شعبنا في كل أماكن تواجدِهِ والذي يحمل التراث إرثًا وهوية. إلى أوغاد العالم الكبار، لعنةً كبيرة.. وإلى الباحثين عن حقيقة وجودنا والرافضين لأي انحناء. وإلى شريكي في رحلة الكتاب.. زوجي الغالي الأستاذ يونس جبارين الذي كان صبره قلعتي الأخيرة ضدّ الظلام. وإلى كل من ساعد في إخراج هذا الكتاب إلى الحياة".

يشتمل الكتاب على أغاني الأعراس والمهاهاة والأمثال الفلسطينية لأم الفحم وقراها ووادي عارة الأخضر. وفي مقدمة الكتاب تؤكد لميس على أهمية جمع التراث وحفظه من الضياع، فهو- كما تقول – غاية سامية، بل هي وسيلة للتواصل بين الأجيال، ويعزز التفوق والتميز، ويقرب الأمم، كذلك يعزز الانتماء للأرض، ومبدأ التعاون، ويثري روحنا المعنوية ويدفعنا إلى التفوق.

وتشير لميس أنها ادركت أهمية جمع هذه الأغاني والأمثال الفلسطينية خلال حضورها للأعراس، لأن الجيل الجديد من الصبايا والنساء، أخفقن في حفظها، وانقطعن عنها. وقد استغرق جمع وتدوين مواد الكتاب أكثر من أربع سنوات، وأنها كانت أمينة على حفظ الأغاني ونقلها كما هي، وهذه الأغاني تعود إلى أيام الدولة العثمانية، الانتداب البريطاني، نكبة 48 وفترة الحكم العسكري الذي امتد من سنة 1948 حتى 1966 وإلى أيامنا هذه.

وهي تؤكد أن الهدف من وراء نشر هذا الكتاب هو هدف اجتماعي إنساني ووطني. 

وفي المقدمة التي كتبها الأستاذ د. صلاح جرّار، وزير الثقافة الأردني سابقًا، والامين العام لوزارة الثقافة بين الأعوام 1999- 2002، يقول: "لقد أبدعت الكاتبة الأستاذة لميس جبارين، وهي تصف لنا بصورة تبعث الأشجان في النفس عن العرس الفلسطيني في أم الفحم (أم النور) ووادي عارة (الوادي الأخضر) بكل مراحله وتفاصيله بدءًا من الجاهة وانتهاءً بوصول العروس مع جهازها إلى بيت العريس وما يصاحب ذلك من أغانٍ رائقةٍ رائعة تنم عن قيم الخير والبركة والشجاعة والكرم والإباء، حيث نجحت المؤلفة نجاحًا باهرًا في جمع نصوص الأغاني وضمنتها هذا الكتاب قبل أن تندثر، وبذلت جهدًا عظيمًا في الاستقصاء حين استقصت الاغاني التي تتردد في الاعراس، وحينما تمكنت من جمع أكثر من 1400 مثل من الأمثال الشعبية المتداولة".

أما الروائية أسماء أبو عياش ابنة رام اللـه، فكتبت في تقدمتها: "هذا العمل هو توثيق أمين لشفاه غنّت وحناجر صدحت بكل حلم أو حب أو حرب .. دبكات ورقصات ومأثورات حكاها الفلسطيني الكنعاني أمس وأرتنا ما سيكون عليه الغد. عمل جدير بالاهتمام وتقديمه لأجيالنا الشابة الذين أخذتهم الحداثة بأدواتها .. اسقيناه من أفواه الجدات والأمهات .. لا نطرحه بديلًا وإنما رديفًا لكل ما هو محدث وجديد مع الاحتفاظ بأصالته وعراقته وصولًا للحاضر".

توزع الكتاب على 3 فصول، الفصل الأول ويضم أغاني الأعراس في الوادي الأخضر، وتستهل الحديث بشرح مسهب عن عادات الخطبة والزواج وعادة البدل والسهرات والتعاليل والحناء وحمام العريس والزفة والنقوط وجلب العروس وهدم العم والخال والسهرة السرية وردة الاجر وأسبوعية العرس وغير ذلك من الطقوس والعادات الاجتماعية السائدة.

أما الفصل الثاني فيشتمل على أغاني المهاهاة/ الزغرودة في الوادي الأخضر، التي تناقلتها الأجيال عبر فترات تاريخية مرت بها بلادنا، ولها مكانة مرموقة في الفرح الفلسطيني كونها تعكس صور الفرح، وهي جزء من أفراحنا، وصمدت متحدية العادات والتقاليد.

أما الفصل الثالث والأخير، فيحتوي على 1455 مثلًا من الأمثال الشعبية في الوادي الأخضر، متعددة الموضوعات والأغراض، وحرصت على الحفاظ على المثل كما هو في النص واللغة نفسها، وأوضحت أنه سادت الأمثال بعض الألفاظ البذيئة المفزعة التي تخدش الحياة وتسبب الارباك، وأنها حاولت استبدال اللفظ المرادف لها بحيث يكون مقبولًا على القارئ.

وحملت الأمثال معاني الهم والحزن والفرح والسخرية وشد العزيمة وجميع مناحي الحياة، بينما اتسمت الأغاني المشمولة في الكتاب بطابع الألم والأسى والشجن وهذا الأمر يعود إلى تاريخنا الحافل بالمآسي والآلام والعذابات اليومية.

 ويمكننا القول أن كتاب الأخت الباحثة الفولكلورية لميس جبارين يقدم صورة مشرقة لتراثنا الفلسطيني، ويهدف إلى صيانة التاريخ الشفوي لشعبنا الفلسطيني من محاولات الطمس والتذويب والاندثار، ولتثبيت ملامح الهوية الوطنية والتراثية الفلسطينية، وإنني أثمن عاليًا هذا الجهد الرائع المتميز والمبارك الذي بذلته وقامت به الأستاذة لميس جبارين بجمع هذه الأغاني وتدوينها وتسجيلها وتوثيقها وتقديمها للقارئ العربي الفلسطيني بصورة مبسطة وسلسة جميلة.

إنه باختصار كتاب بحثي تراثي عميق وجاد وهام ومشوق وماتع جدير بالقراءة والاهتمام ، وبدوري أشد على يدي المؤلفة الباحثة لميس جبارين مهنئًا ومباركًا ومثمنًا جهودها الوطنية في حفظ التراث وإحياء الذاكرة الفلسطينية، وأدعو جميع المهتمين بالتراث والوعي الجمعي إلى تكثيف جهودهم والعمل على جمع تراثنا الشعبي الفلسطيني وحمايته، لأن ضياعه واندثاره يعني فقدان الهوية، وفقدان الثقافة الشعبية الفلسطينية المتوارثة، فالحفاظ على تراثنا واجب وطني وثقافي وأخلاقي. وتحية احترام وتقدير لباحثة الفولكلور المربية لميس جبارين، وبانتظار المزيد من المنجزات التاريخية والإصدارات التراثية. 

 

بقلم: شاكر فريد حسن 

 

 

جواد عبد الكاظم محسننعت الأوساط الثقافية في العراق وخارجه رحيل الشاعر العراقي الكبير عبد الخالق فريد؛ المولود في مدينة غماس بمحافظة القادسية سنة 1932م من أب يعمل موظفاً في المالية،  وبعد أربعين يوما على ولادته قتل والده من قبل لصوص في تلك الناحية، فانتقل إلى مسكن أهله الأصلي في بغداد وتكفّل بتربيته أخوه الأكبر غير الشقيق أحمد مختار فريد، فأكمل دراسته الابتدائية والمتوسطة والثانوية، ثم التحق بكلية الحقوق بجامعة بغداد، ولكنه اضطر لترك الدراسة وهو في المرحلة الثانية لظروف خاصة، وعمل موظفاً في المصارف العراقية حتى عام 1981م حيث أحال نفسه إلى التقاعد لأسباب صحية.

أول ديوان طالعته من شعره كان في سنة 1970م، وهو (صلاة العطر) الصادر في القاهرة في تلك السنة، وبعده (أنين القيثارة) سنة 1971م، ورحت أتتبع دواوينه السابقة واللاحقة وهي كثيرة، فأعجبت بها وأنا في عزّ الشباب المتوهج، ورأيت فيه شاعراً مجيداً أوقف شعره على التغني بالحبَّ والجمال والمرأة في زمن كان الشعر العراقي في غالبيته سياسياً ومتحزباً ومؤدلجاً كما يقول الناقد شكيب كاظم، بينما ظلَّ شاعرنا الغِرَّيد (يعزف ألحانه الشجية، واصفاً ومتغزلاً عابًا من النشوة ولذائذ الحياة ما شاء له الهوى)، فاستحق أن يصفه الناقد نفسه بـشاعر الحب والجمال وقيسيّ الوصال ونواسيّ الخيال.

صدرت لعبد الخالق فريد بين سنتي (1955 – 2005م) ثمانية عشر ديواناً شعرياً، ولم تخرج جميعها عن الإطار الذي ذكرناه، وعُرف واشتهر به، وحملت عناوين رومانسية جميلة، فكانت دواوينه: نداء الأعماق (بغداد 1955م)، أغاني الحان القديم  (بغداد 1960م)، العطر الضائع (بغداد 1963م)، أحزان البنفسج (القاهرة 1968م)، الشوق الغارب (القاهرة 1969م)، صلاة العطر (القاهرة 1970م)، أنين القيثارة (القاهرة 1971م)، أغنيات على شفاه الليل (القاهرة 1973م)، الرحيل في الدروب النائية (القاهرة 1975م)، مرافئ الأشواق (القاهرة 1982م)، من شفاه الورد (بغداد 1987م)، تراتيل الغروب (بغداد 1997م)، مجامر العبير (بغداد 1999م)، الشفق الجريح (بغداد 2000م)، في مأتم الورد (بغداد 2001م)، أغنيات القلب الرمادي (بغداد 2002م)، رجع الحنين (بغداد 2003م).

كما صدرت له مجموعة من الكتب الأدبية، مثل: ألياس أبو شبكة؛ دراسة أدبية (بغداد 1988م)، ومذكرات في الأدب؛ ومقالات أدبية (بغداد 2001م) .

وقد اعتني الشاعر عبد الخالق فريد بالرسائل الأدبية التي كان يتبادلها مع أدباء عصره في داخل العراق وخارجه وهي كثيرة، فجمعها وأصدرها في عدة أجزاء.

كتبت عنه وعن شاعريته مجموعة من الكتب الرصينة، منها: شاعر الأعطار والأنغام؛ دراسة في مقالات (القاهرة 1976م)، وشعر عبد الخالق فريد؛ آراء ودراسات نقدية (بغداد 1985م)، وعبد الخالق فريد؛ شاعر الحب والجمال للدكتور أحمد مطلوب، ومن رياض الأقحوان للدكتور عبد الله الجبوري، كما كتب عنه الكثير من المقالات الأدبية المنشورة في الصحف والمجلات العربية والعراقية منذ أول ديوان شعر صدر له في منتصف الخمسينيات وحتى أواخر عمره.

 

جواد عبد الكاظم محسن