 أقلام ثقافية

نجيب طلالترددت بين الكتابة واللاكتابة، لهاته المقالة، وذلك من خلال السؤال: ما أهمية إحساسات خاصة؛ في ظرفية خاصة؟ في وضعية استثنائية؟ وماذا سيستفيد ذاك القارئ المفترض من تلك الإحساسات الخارجة عن إحساساته (ربما)؟ لكن في سياق الاحتفاء بمظاهر عاشوراء: الذي هو اليوم العاشر من شهر (محرم الحرام) عزمت على القول التالي: بعد زال يوم الجمعة فكرت النزول للمدينة القدية (فاس) لكي ألامس عبق التاريخ بهدوء، بعيدا عن الحركة وتداخل الأصوات بين الباعة والمتبضعين وأصحاب الدواب. ولكي أعيش نشوة الامتلاء من الفراغ، فراغ الأحياء والأزقة من الباعة والتجار وازدحام المارة والسياح وفراغ من وسائل النقل التقليدية (الحمير) تلك الكائنات التي تساهم في نصف اقتصاد المدينة القديمة؛ من حمل البضائع بشتى أنواعها التقليدية أو الصناعية ونقلها من هنا وهناك؛ وفعلا إبان ولوجي منطقة (الرصيف) إلا وتصادف الإغلاق الشامل للدكاكين والحوانيت والورشات؛ وهنا يعتريك إحساس خاص؛ منطلقه التردد ومنتهاه الارتباك؛ وبينهما الخوف! مما تخفيه تلك الأزقة الملتوية من شرور؛ رغم قناعتك يأن اليوم يوم عطلة الدينة القديمة؛ لكن يحدوك شعور بأن المنطقة في حالة الطوارئ من المنظور الحربي أو الاستعماري!!  ومنطلق المشهد استرجع بي لما عاشته الجزائر إبان صعود جبهة الإنقاذ والصراع الذي اسفر عن دموية التسعينيات من (ق، م) بحيث يوم الجمعة الإغلاق الشامل؛ في غرب الجزائر كلها إلى حدود مدينة (تيزي وزو) الأمازيغية؛ بحيث لن تجد ولودكانا يمدك ب(كازوزة) لتروي عطشك! حتى المقاهي؛ هي مغلقة ولكن بعض منها؛ كانت تبيع المشروبات للزبائن؛ كأننا في سوق (السوداء) ليشربوها على قارعة الطريق؛ أما الحانات فبعضها أصيب بهجومات حادة؛ دفعتهم لإغلاق طويل المدى؛ تذكرت هذا وغيره؛ ونحن نتأمل ساحة الصفارين فارغة / هادئة/ كأن الطير جثم على مشهدها؛ لا صوت "المعلمين " ولا هرولة " الصناع" ولاتصلية على النبي ولا قرعا لصفائح النحاس؛ قبل أن تتشكل أواني وخلافها؛ لكن الملاحظ لست الوحيد الذي سيمر إلى جامع القرويين أو إلى (البليدة) بعْد تجاوز ساحة الصفارين؛ بل هناك سياح كثر؛ أرادوا الاستمتاع بالفراغ الممتلئ بسحر المدينة في جولتهم وفي صورهم؛ مقابل هذا: وهذه حسنة من حسنات مديرية الأمن الإقليمي؛ بحيث بين كل الأزقة رجال الشرطة بشارتهم المعروفة؛ يراقبون عن كثب أية حركة من حركات الذين يمرون من هناك؛ وبحكم نسبية الهدوء واعتناق عبير الأسلاف وروحانية الأجداد؛اكتشفت مسجد (الطلوق) المتواجد بزنقة الحدادين ومسجد (سلمى) بزنقة الدراس المتاخم للعشابين، علما أنني مررت مرارا من هناك: لكن الازدحام سبب حجب مثل هاته الأماكن الربانية؛ وبينما كنت أتأمل ساحة العشابين وقاعتها السينمائية؛ التي انمحت من الخريطة ومن الذاكرة؟ ودكاكين بيع الطيور؛ ودكان رئيس جمعية مربي الطيور وساحة (المرقطان) ذاك المكان الذي تجتمع فيه مئات النسوة من مختلف الأعمار يبعْن الزرابي والأثواب والمخدات وكل زينة صالونات الشقق,,, لا أدري كيف انعرجت رجلي إلى أحد الأزقة، لأجد نفسي أمام ضريح/ مسجد سيدي (أحمد التيجاني)  بخلاف العديد من المرات الذي تبركت بفضائه ورحابه الروحانية / الهادئة؛ في إطار [سياحة روحية] وهاته المرة ولجته مسحُورا عن صوت جماعي؛ صادر من رحاب الضريح. يردد – الهيللة – التي يتم ذكرها بعد صلاة العَصر من يوم الجمعة لا غير، فبعدما قدمت التحية لبعض مراقبي وخدام الضريح الذين يعرفونني وأعرفهم كأشخاص فقط؛ اتجهت صوب الجماعة، فجلست بعيدا عنها بأمتار قليلة (لكن) يا لهَول الجماعة! خليط من الأفارقة ومغاربة كلهم في لحظة صوفية مائزة و انسجام صوتي بديع؛ وخشوع رائع، وتمايل إيقاعي  بالأجساد والرؤوس؛ وحركات التسبيح  منسجمة وقافية – الورْد - فقبل انخراطي  معهم في تلاوة ما يتلونه من أمداح نبوية / محمدية/ أحمدية/  بدأت أتأمل في الوجوه  "محبة " وذهني يتساءل هؤلاء أفارقة الذين أمامي:هل هم مسلمون أكثر منا؟ هل هم مريدي الطريقة التيجانية حد الثمالة أكثر منا ومن الشعْب الجزائري؟ يبدو ذلك، باعتبار أنهم شغوفين بيوم الجمعة للحضور لعوالم – الهيللة - سواء شباب وشيوخ. إذ يلبسون ألبسة ناصعة وطاهرة؛ كأنهم في محفل عيدي، طبعا تشعر بأنك وإياهم في احتفال صوفي خلاب؛ وخاصة حينما تنصهر في تلك الجماعة، تعتريك حالة فيسيولوجية متغيرة؛ تتحول فيها مجريات الدم إلى لغة ميتافيزيقية غير مفهومة؛ وهنا لسنا بصدد الحلول والارتفاع. لأنه بعيد المنال. بل ذاك التحول الذي تفْرضه الجماعة صوتا / جلوسا/ حركة/ نظرات عيون/ تواصل الجوارح / وهنا يختلط التأثير بالتماهي والتماهي بالنسق والوضعية. لتصبح كثلة كيميائية منصهرة مع الكثل. وهاته الوضعية خارجة عن التفسير والمنطق.

هنا لا يمكن أن نغفل أو ننسى جَناح النساء العامر بالإفريقيات والمغربيات؛ وهذا يلاحظ إبان دخولنا من البوابة الرئيسية؛ التي هي المشترك؛ أو لحظة مغادرتنا الفضاء الروحاني. والعجيب أن هنالك مراقب من ألطف خلق الله؛ يراقب أحذية  وحاجيات المريدين؛ ويرشد النساء لمدخلهم. لكن المفارقة الصارخة التي تحتاج لنقاش أعمق؛ ولربما هي التي دفعتي بشكل سري أن أكتب هاته السطور؛ إهداء لكل قارئ.

ففي المدينة القديمة أفارقة متخلقين ومتأدبين وروحانيين حتى في مشيتهم وتحياتهم للآخر، وأغلبهم من طلبة علوم القرآن والشريعة؛ مقابل ذلك؛ أفارقة منتشرين في المدينة الجديدة، بشكل مريب! ومؤسف! ومخيف! يفترشون الترى ويعيشون متشردين؛ وكلهم وكلهن يتسولن في مفترق الطرق وقرب إشارة المرور؛ طبعا هنالك تعاطف معهم حسب ما يلاحظ وما نصادفه  تقريبا يوميا. ومن خلال هاته المفارقة؛ هل أفارقة فاس البالي من عيلة القوم ومن أغنياء بلدانهم؟ وأفارقه المدينة البيضاء فقراء متشردين هاربين من الفقر والمجاعة والحروب القبلية والعشائرية؟ ممكن! ولكنني أعرف العديد من الأفارقة مريدي الطريقة التيجانية؛ ويحضرون مواسمها؛ وهم يعيشون ظروف قاسية ومزرية في العديد من المدن الفرنسية؛ وخاصة في باريس بحي (باربيس).....

***

نجيب طلال

قالت: أبديت إعجابي بمنشوركِ

فقلت لها: وهل فعلا أعجبك محتواهٌ؟.

فأجابت بلامبالاة: ومن منّا يستطيع قراءة كل هذا...؟!.

أدركت حينها أن ثمة فجوة تزيدها الأيام اتساعا، ما لم تُردم.

**

التقيتها من دون سابق موعد فأثنت كثيرا على منشوراتي وقالت إنها دائمة الزيارة لصفحتي، فاستغربت كثيرا لأن معرفتنا وصحبتنا واقعية ولا تجمعنا صداقة الفيس الافتراضية.

**

تصلني أحيانا بعض طلبات الصداقة بأسماء مستعارة، وقد أُقفلت الصفحة، فأقف حائرة إزائها بين الموافقة والرفض؛ لتبقى معلقة إلى أن يزيلها الفيس من قائمة الطلبات.

**

منذ سنوات اتخذ...

حكايات الفيس لا تنتهي، لكن سأتركها لقابل الأيام لعلّها تحلّق في فضاءات تحتوي همومها.

**

لطالما يرافقني الحرص الشديد وأنا للتوِّ أعمل على صياغتها، فكرة تأتيني مباغتة في أحيان كثيرة، لتغدو منشورا غايته جمالية وإن نبع من حزن عميق رافق أنفاسه.

**

تضطرني أحيانا بعض الظروف، فتمنعني عن الكتابة والنشر، كان هذا جوابي المغلّف باعتذار خجول لصديقه هاتفتني تسأل عن سرّ انقطاعي عن الفيس، وتقول: أنها تنتظر بشوق منشوراتي.

**

يا لهذا الفيس يتقاذفنا في متلاطم منشوراته، ليقايض أنفاسنا حين يهبها مشاعر يتباين مزاجها، بين الضحكة والدمعة، وبين الحسرة والبهجة، وبين، وبين... مشاعر لا تزيد فضاءاتنا إلّا اغترابا.

**

كثيرا ما تزعجنا مشاهد التسوّل التي تفنّد مزاعم من يطلقون الوعود المبدوءة بحرف المستقبل سوف؛ لأن ما بعد سوف إن هو إلّا سراب حسبناه غدا يعوّض خساراتنا التي لا تعوَّض، لكن أن يفرض علينا الكترونيا وفي منازلنا كلما حاولنا الإفادة من معلومة أو نصيحة سواء كانت فيسبوكية أو غيره من منصّات التواصل حتى تخللته عبارة لا تنسون تسجيل الإعجاب والمشاركة فضلا وليس أمرا، فالتسوّل واحد وإن تعددت تقنياته.

***

إبتسام زكي

 

ضياء نافعصدرت طبعا بعض الكتب باللغة الروسية في بغداد قبل هذا الكتاب، ولكنها كانت منهجية، اي ترتبط بتدريس طلبة قسم اللغة الروسية في جامعة بغداد فقط ، أمّا هذا الكتاب، فانه يختلف تماما، اذ انه ليس مدرسيّا، وانما (وحسب معلوماتنا المتواضعة) يتوجه للقارئ بشكل عام، وانطلاقا من هذه النقطة الجوهرية وارتباطا بها، يمكن لنا القول،انه يعدّ اول كتاب بالروسية يصدر في بغداد خارج اطار الكتب المنهجية التي أشرنا اليها، هذا اولا، وكذلك يمكن القول (اي ثانيا)، انه اول محاولة نشر لمواد علمية يجمعها طالب  دكتوراه للتحضير لكتابة اطروحته، ويرى، ان هذه المواد مهمة لدرجة، انه قرر نشرها بلغتها الروسية (اي كما في الاصل الروسي) في بغداد، دون ان يترجمها من الروسية الى العربية (كما يحدث عادة عندما ينشر خريجو الجامعات الاجنبية نصوص اطاريحهم في بلدانهم)، وحول هاتين (النقطتين المتميّزتين !) في (اولا) و(ثانيا)، اكتب هنا بعض السطور التعريفية عن هذا (الحدث الثقافي!) الفريد وغير الاعتيادي بتاتا في مسيرة الكتب ونشرها في بغداد، وطبعا يرتبط هذا الحدث بمسيرة اللغة الروسية في العراق بشكل عام، وهو موضوع مهم جدا بالنسبة لي شخصيا منذ الستينيات في القرن الماضي ولحد الان .

صدر هذا الكتاب باللغة الروسية في بغداد الان (ونحن في عام 2022)، ويقع في (380) صفحة من القطع المتوسط، ويتضمن مقدمة باللغة العربية تشغل 15 صفحة في بداية الكتاب . مؤلف الكتاب د. هيلان كريم المجمعي، الذي كان طالبا عندنا في قسم اللغة الروسية بجامعة بغداد قبل اربعين سنة، وكان انطباعنا – نحن التدريسيين – عنه ايجابيا دائما، اذ كان هادئا ونظاميّا ومنفّذا لكل الواجبات الدراسية، وهي سمات الباحث العلمي المستقبلي، وقد تذكرت صفاته تلك عندما كنت اتصفح كتابه هذا، الذي جاء تحت عنوان بالعربية هو – (الكلمات العربية المستخدمة في اللغة الروسية)، الا ان الترجمة الحرفية للعنوان بالروسية كالآتي – (المفردات ذات الجذر العربي في اللغة الروسية المعاصرة)، ويمكن للقارئ ان يلاحظ التباين بين العنوانين العربي والروسي، وهو تباين يختلف بشأنه المتخصصون، اذ ان تلك المفردات اصبحت روسيّة، رغم انها (ذات جذر عربي)، وهذه ظاهرة طبيعية جدا وتتكرر  في كل اللغات، وما أكثر الكلمات ذات الجذور الاجنبية في لغتنا العربية، ولا نقول عنها الان انها كلمات اجنبية في لغتنا العملاقة والشامخة بين اللغات، بل يشير المختصون الى جذورها الاجنبية ليس الا في معاجم خاصة ومحدودة التداول، ومن الطريف جدا ان نشير هنا، الى ان  المؤلف نفسه قد ذكر هذه النقطة المهمة حول الكلمات الروسية في مقدمة كتابه، اذ انه أجرى استبيانا في روسيا بين طلبة جامعيين روس، وطرح عليهم اسئلة عن تلك الكلمات ذات الجذر العربي، وتبين نتيجة هذا الاستبيان، انهم يعتقدون، ان هذه الكلمات روسية بحتة، ولا تمتلك اية علاقة باللغة العربية بتاتا، وأنا على يقين، ان الباحث سيصل الى نفس النتائج في حالة اجراء هذا الاستيبيان بين الطلبة العراقيين في بغداد حول الكلمات العربية ذات الجذور الاجنبية.

د. هيلان كريم المجمعي اصطاد عصفورين بحجر واحد عندما أصدر كتابه هذا، كتابه الفريد شكلا ومضمونا بالنسبة للمكتبة العربية بكل معنى الكلمة، العصفور الاول - هو تحقيقه هذا الموقع الريادي والتاريخي في مسيرة اللغة الروسية في العراق، والعصفور الثاني - هو تقديمه للقارئ العربي حوالي 500 مفردة روسية ذات جذر عربي، 500 مفردة تثّبتها المصادر الروسية نفسها، المصادر القاموسية المعتمدة في وثائق اللغة الروسية المعاصرة وتاريخها، الوثائق التي لا يمكن لأحد (من العرب او الروس او غيرهم) ان يشكك  في عمقها وصحتها ودقتها وعلميتها، فما أجمل هذا العمل الابداعي يا طالبنا القديم، العمل الذي يحق لنا (ان نباهي به الامم !!!)....

***

أ.د. ضياء نافع

 

صادق السامرائيأبو بكر الطرطوشي، هو محمد بن الوليد بن محمد بن خلف الأندلسي (451 - 520) هجرية.

أديب وفقيه من مدينة طرطوشة شرقي الأندلس.

تفقه في بلاده، ورحل إلى العراق ومصر وفلسطين والشام ولبنان، واستقر في الإسكندرية يدرس فيها حتى وفاته، وتتلمذ على عدد من أعلام زمانه وإلتقى الغزالي في القدس، وتفاعل مع الصوفية في بغداد، وتأثر بعلمائها آنذاك.

من مؤلفاته:

الحوادث والبدع، سراج الملوك، بر الوالدين، الفتن، كتاب يعارض فيه كتاب إحياء علوم الدين للغزالي، التعليقة، المجالس .

ومن أقواله:

"إعلم إن هذا الملك الذي أصبحت فيه إنما صار إليك بموت من كان قبلك، وهو خارج عن يدك مثل ما صار إليك، فإتق الله فيما حولك من هذه الأمة، فإن الله سائلك عن النقير والقطمير، واعلم أيها الملك أن الله تعالى قد آتى ملك الدنيا بحذافيرها سليمان بن داود عليهما السلام، فسخّر له الإنس والجن والشياطين والوحوش والبهائم، فوالله ما عدها نعمة كما عددتموها، ولاحسبها كرامة كما حسبتموها"

كتاب سراج الملوك:

السراج: كل شيئ مضيئ

أمضى سنة بتاليفه في الإسكندرية، وأتمه قبل وفاته بأربعة سنوات، ويتألف من (64) فصلا، تتناول سياسة الملك، وفن الحكم، وتدبير أمور الرعية، وأسهب في خصال الملك والسلطان، ليتمكن من ملكه ويرقى به إلى الكمال، وأشار إلى ما يتسبب بذم السلطان، وما على الرعية أن تقوم به إذا جار عليها، وتوسّع في تفاصيل أمور الحكم الأخرى.

وأشار إلى الوزراء وصفاتهم وآدابهم، وأهمية المشاورة والنصيحة، ولم يهمل موضوع الحرب وما تتطلبه من تدبيرات.

هذا الكتاب يُعد من البرامج الواعية الناضحة لتأمين الحكم الرشيد، وتعزيز قدرات البلاد والعباد، ويحوي نظريات للحكم جديرة بفهمها والعمل بموجبها،  وفيه الدليل على أن أعلام الأمة لم يهملوا تقديم المشورات والنصائح للحكام، وهم كثر ومنهم الفارابي وإبن الراوندي وغيرهم.

وقد سبقوا الدنيا بإسداء الآراء الصالحة لمجتمعاتهم، وفي كتبهم آليات حكم صالحة وناضحة من التجارب التي عاشوها في ديارهم، كما حصل للطرطوشي الذي عاصر دول الطوائف في الأندلس، وغيرها من التطورات والأحداث التي ألمّت بالأمة، فحللوها وإستنبطوا منها الأسباب والمعالجات العملية.

وما لدى الأمة من تراث تنويري لمناهج الحكم، يشير إلى أن قادة الأمة المعاصرين لا يقرأون، ولهذا تجد أنظمة الحكم في مسيرات تخبط وإنكسار متلاحقة.

فهل تقرأ الكراسي في بلاد العُرب أوطاني؟!!

***

د. صادق السامرائي

 

عمار عبدالكريم البغداديشهرزاد: يحزنني القول إن عنوان (الأخ الأكبر)  قد يكون سببا لضياع كل محبة بين الإخوة والأخوات، كيف لنا أن نفسر  ذلك؟.

شهريار: نعم، في كثير من الأحيان يكون الأخ الأكبر أو الأخت الكبرى عنوانا للتسلط والنظرة الفوقية لمن سواهما، وأرى السر في ذلك مفهوم (الوريث الشرعي) للأب أو الأم على حد سواء، وكلنا يسمع ويردد: أخوك الأكبر.. أختك الكبرى ، وهذا المصطلح الذي يفرض علينا مزيدا من الإحترام والتوقير من باب أولى أن يفرض على الطرف الآخر أحساس محبة وتقدير مضاعف، وإنني أتساءل هنا: ماالذي يجعله أو يجعلها أكبر منّا إن لم يكونا أكثر عطاءً وعطفا ومحبة؟ !، وماالذي يجعله أكثر حكمة ووقارا إن لم يغلب عليه سلوك القيادة ورحابة الصدر وروح المسامحة والتواضع؟!.

أنْ مثل الإنسان المتقدم على غيره في السن بدون دراية وحكمة ومحبة كشجرة كبيرة تحيط بها شجيرات مثمرات من كل جانب لكنها تعلو على الجميع بأغصان فارعة وتتساقط أزهارها في كل موسم ربيع وهي تقاوم بتكبّر نسائم التغيير .

إن مفهوم (الوريث الشرعي) لايعني في حقيقته وراثة التسلط والطاعة المفروضة على الآخرين، وكما أسلفنا، فان الوالدين الصالحين يؤديان رسالة حياة خالدة هدفها الوحيد أن: يصلا بأولادهما الى بر أمان ونجاح وتفوق، ولا يتحقق ذلك إلا من خلال التواضع والمحبة غير المشروطة، والقيم العليا، والتقمص الشخصي، وخلع قبعة الخبير والأقنعة الزائفة التي قد يواجهان بها الناس، وتقدير مواهب أولادهما وإبداعاتهم وحسن أختياراتهم، وتجنب إسقاط تجاربهما القديمة على طريق نجاح الجيل الجديد.

فإن كانت هذه صفات الوالدين الصالحين، فمن أين أتى الأخ الأكبر او الأخت الكبرى بأحقية الأوامر النافذة والتسلط على بقية أفراد الأسرة؟!.  

وللأجابة على هذا السؤال يمكننا القول: إن الوالدين الصالحين المتشبثين بمفاهيم التربية الصالحة قد يقعان بأخطاء الحتمية الوراثية،أو المحبة المفرطة لأول مخلوق أدخلهما سجل الوالدين، وأغدق عليهما بالإحساس الأول لصفة  (الأب والأم)، وهما في كل مرة يرددان: أخوك الأكبر.. أختك الكبرى بنبرة سعادة تعيد إليهما ذلك الإحساس الذي لا يتكرر مرتين وإنْ أنجبا 10 أولاد من بعده.

وقد يكون تشبث البعض حتى يومنا هذا بما يعرف بالنظام البطريركي (العشائري)  الذي يعود الى العهد الروماني القديم سببا بالفهم الخاطئ لمعنى الوريث الشرعي.

ذلك النظام العشائري الروماني كان سائدا بمفهومه العام لدى العرب قبل الإسلام أيضا، ويعني أن يَملُك الأب الأسرة ويتحكم فيها كما يشاء، ومن متطلباته ما يعرف بـ"محبة الأب المبدئية" التي يصفها (ماكس فيبر) بالقول: (إذْ يحب الوالد أبنه غالبا لأنه يماثل توقعاته ومتطلباته، هذا الولد يكون غالبا مهيأً لأن يكون الخليفة والوريث له، في النظام البطريركي يكون المسعى أن يربي الأب الولد المحظوظ، وعادة ما يكون الأول، الأكبر سناً) .

بهذا المفهوم الخاطئ قد يتسلط الولد الأكبر على أشقائه وشقيقاته،لكن طابع العصيان الذي صار سمة سائدة منذ القرن العشرين - كما يقول الفيلسوف الألماني أيريش فروم  - جعل رغبة التمّلك والتسلّط للأب والولد الأكبر من ورائه غاية شبه محالة، إلا في بعض المجتمعات الريفية التي مازالت تهيمن عليها نبرة العشائرية المفرطة.  

والمفارقة المضحكة المبكية أن لا يكون الوالدان متسلطان ويتخذان من أولادهما أصدقاءً بمحبة غير مشروطة، ومع ذلك يبرز (الأخ الأكبر المتسلط) متأثرا بالحتمية البيئية.

وربما تكون المفارقة الكبرى أن جميع الأديان السماوية والسواد الأعظم من القوانين الوضعية تخالف هذا المبدأ المتسلط، وتجعل التميز في العمل والإيثار، ولنا في القرآن الكريم مثلا عظيم في قوله تعالى: (آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا)، اي لا تعلمون أيهم أنفع لكم في أمور دينكم ودنياكم، كما يقول أهل التفسير. 

شهرزاد: أسبابك مقنعة وأرجو أن تكون الحلول مقنعة أيضا، فهي ظاهرة عامة  قد تلاقي منها الأسر الويلات.

شهريار: محبة الأشقاء والشقيقات قيم عليا نزرعها في قلوب أولادنا، فكما يردد الوالدين دائما (أخوك الأكبر.. أختُك الكبرى)، فإن عليهما أن يكرران على مسامع الكبار (أخاك الأصغر.. أختَك الصغرى).

شهرزاد: مهلا بالله عليك..  أراك قد نصبت الأخَ والأختَ هنا، بخلاف الجملة الأولى فهل لحنت باللغة يارجل؟!.

شهريار: لا أيتها الخبيرة النحوية لم ألحِنْ، لكن الوالدين حينما يرددان على مسامع الصغار: (أخوك الأكبر.. أختُك الكبرى)، واللفظان مرفوعان،  فإنهما يقصدان عبارة غير قابلة للنقاش، كأنهما يقولان: إنه أخوك الأكبر.. إنها اختُك الكبرى وهي حتمية طاعة لاجدل فيها، كما إنهما يقصدان تذكير نفسيهما بالإحساس الأول للأبوة والأمومة - كما أسلفنا- وأنه لإحساس يجلب سعادة لحظية لكنه قد يعود على الأسرة  بتعاسة  أبدية..وللحديث بقية.

***

بقلم : عمار عبد الكريم البغدادي

......................

* من وحي شهريار وشهرزاد (67)

مقتبسات من مؤلفي: شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة

 

صادق السامرائيالمقال يبحث في موضوع محيّر، فتأليف الكتب أصبح وكأنه موضة عاصفة، فالكل تؤلف كتبا وليس كتابا، فهذا لديه عشرات الكتب، وذاك تجاوزت كتبه المئة وهلم جرا!!

وتقترب من الكتب وإذا بها لا تستحق قضاء بضعة دقائق معها، ومعظمها تتميز بمقدمات مكتوبة من قبل أشخاص ما تصفحوها، وذلك واضح من اللغة التي تشترك فيها مقدمات الكتب، وهي أشبه بتعليقات المجاملة المنتشرة في المواقع الإفتراضية، التي لا تشير إلى أن المعلق قرأ النص الذي علّق عليه.

فلان لديه عشرات الكتب، وعندما تستمع لكلامه لا يوحي  بأنه يجيد كتابة صفحة واحدة بلغة عربية تامة، فكيف تفسر تأليف الكتب الكثيرة التي تحمل إسمه؟

إنها كتب لتسويقه، فهو كبضاعة والكتب لترويجه، وما هو الذي كتبها بل هناك أقلام كتبتها بأجر.

فالعديد من الكتب المطبوعة باللغة العربية، خالية من بذل الجهد والجد والإجتهاد، والإتقان المعرفي والرصانة البحثية، وفاقدة للغة السليمة والتعبير الجميل عن الفكرة، فتكتسف أنها أكداس كلمات وأكوام عبارات، لا تجذب القارئ ولا تضيف إليه من المعرفة شيئا، وكأنها وجدت لتنفيره من القراءة ونأيه عن الكتاب.

ترى ما قيمة الكتاب إن لم يُقرأ؟

ولماذا نقرأ لكُتاب النصف الأول من القرن العشرين أكثر مما نقرأ للمعاصرين؟

الكتاب الذي يُبذل به الجهد الأصيل وتُستحضَر به المعلومة الساطعة المدروسة، له دوره في بناء العقل وترتيب آليات السلوك الحضاري في المجتمع، أما الكتاب الذي يشبه الأكلات السريعة، فهو من المطبعة إلى سلال المهملات أو الموت في رف أو مخزن مظلم.

فما أكثر الكتب وأقل الكتاب الصادقين المتوثبين الجادين الذين يتقنون ما يكتبون، ويحترمون الكلمة ويؤمنون بدورها في صناعة الحياة الطيبة.

وما يميز كتاب النصف الأول من القرن العشرين، أنهم يجدّون ويجتهدون ويجددون، ولا يقتربون من الغثيث،  ويمعنون بالوصول إلى أقصى درجات الإتقان والرصانة فيما يكتبون، فهم يبحثون ويتساءلون ويراجعون ويتحاورون، ويزنون ما ينشرون بميزان العقل والجمال والذوق واللغة، ويقرأون عشرات الكتب القيمة ليكتبوا بضعة صفحات، وهم يتوجسون، وأكثر كتبهم ذات مقدمات شيقة بُذل جهد كبير في كتابتها، لأن كاتبها قد قرأ الكتاب أكثر من مرة وقيمه بميزان المعرفة الأمين المعاصر.

فهل من كِتاب للأحياء ؟!!

***

د. صادق السامرائي

 

محمد الربيعي منذ كتابتي لمقالي "من هو البروفسور؟" وقبله "ما الذي يجعل الاستاذ مميزا؟" وصلني العديد من الردود الايجابية من الاصدقاء والمتابعين، بعضهم يطلب المزيد من مثل هذه الكتابات حول هذه المهنة. فكرتُ كثيراً في الموضوع فراقت لي فكرة ان اكتب حول السعادة التي يكتسبها الاستاذ الجامعي كونه مربي وتربوي وعالم وباحث ومبتكر في نفس الوقت.

لذلك أود في هذه المقالة أن أشارككم الرأي الشخصي لأساتذة من مختلف انحاء العالم حول عملنا، ومهنتنا، وكيف نرى أنفسنا. هذه مقتطفات من آرائهم:

- نحن نتعلم كما نعلِّم. يتطلب التدريس تحسينا مستمرا للعقل. هذا كافي ليبقيك شاباً على الاقل عقلياً.

- إنها متعة المعرفة والرضا بالنفس من خلال إعادتها بطريقة راقية لما تعلمته. وتعرفت عليه فتكسبك روح التحدي المتمثل في اكتساب معرفة جديدة واعادة نقلها. 

- أحب التدريس لأنه يمنحني فرصة للتفاعل مع العقول الشابة. انه يضعك في البيئة المناسبة، وبين العلماء، والأنشطة الأكاديمية والثقافية ومجموعة كاملة من الطلاب الشباب المتحمسين.

- في الواقع انا أشعر بالارتياح لكوني أستاذاً بسبب "السعادة" التي أحصل عليها عندما أغادر الصف بعد كل محاضرة جديدة!

- كونك أستاذاً أمراً رائعاً وطبيعيا، إنه لقب مرغوب فيه وأنا فخور به لأنني عملت بجهد وحصلت عليه.

- دائما اسأل نفسي كم انا محظوظ، فهل يمكن لأي شخص أن ينال مثل هذا الاحترام في أي مهنة أخرى؟ انها مهنة من أنبل المهن في هذا العالم.

- في بعض الأحيان يذكرك احد طلابك القدماء بعبارة أو إجابة أو تشجيع منك. هذه مكافأة كبيرة تشعرك بالسعادة.

- عندما أشعر بالمرض، أقوم بحشد بعض القوة لالقاء المحاضرات. بعد ساعة واحدة أحصل على طاقة متجددة. أنا سعيد لكوني مدرس.

- اخترتُ التدريس كمهنة في عام 1968 ... وما زلت أحب مهنتي، التدريس.

- تمنحك ساعة في غرفة الصف مع طلاب متحمسين محفزات كافية لمواجهة -المشكلات.

- اليوم أكملتُ أكثر من 40 عاما في هذه الوظيفة وما زلتُ معجباً بقراري. عندما ينظر الطلاب إلى عينيك ويستمعون إليك، تشعر بالرضا والارتياح.

- إنه عمل شاق ، لكني أحبه أكثر من أي وظيفة أخرى حصلت عليها من قبل.

- أشعر أنني قدمت مساهمة صغيرة ولكنها ذات قيمة مضافة للمجتمع.

- وظيفتي هي مساعدة الآخرين على الرؤية والعمل سياسيًا لتحقيق قدر من العدالة الاجتماعية والتحول.

- شغفي هو العمل مع طلابي في بيئة مختبرية. يعمل العديد من طلابي السابقين في الصناعة وهذا ما يجعل وظيفتي جديرة بالاهتمام.

- الشيء الآخر الذي يجعلني أشعر بالرضا هو أنني أستمر في الالتقاء بطلابي ومن الجيد جدا معرفة أن معظمهم قد وجدوا وظائف جيدة جدًا.

- جاء ارتياحي في جزء كبير منه "كعامل تغيير" في حياتهم.

- أشعر أنني أقوم بتكوين ممرضات جدد وأبدأ بهن بشكل مناسب. أنا فقط أحب التدريس. عندما أتوقف عن حب ما أفعله ، سأتوقف نهائيا.

- كل عام وكل فصل هو بداية جديدة. أحب ما أفعله في الصف. الطلاب المتميزون هم النتائج النهائية لأساتذة اليوم.

- كطالب كنت أقرأ لاجتياز امتحاناتي الخاصة ، لكنني الآن أقرأ لأضمن نجاح طلابي بجدارة!

- من الرائع أن تشعر أنك حقا تساعد الناس وتؤثر في حياتهم.

- أشعر دائمًا بالارتياح في كل مرة أقوم فيها بتدريس طلابي ، فنحن جزء من مستقبلهم لأننا موجودون لدعمهم ومساعدتهم.

- أكثر ما أستمتع به هو رؤية طلابي يبتهجون عندما "يحصلون على الشهادة" ومشاهدتهم يصبحون محترفين في مجال اختصاصهم.

- أحب التأثير الذي تركته على "أطفالي".

بعد هذا الايجاز لاراء نبذة من اساتذة الجامعات العالمية سيكون مفيدا ان نتعرف على آراء اساتذة الجامعات العراقية فيما يخص التحديات التي يواجهونها في عملهم، وما يشعرهم بالسعادة والفخر في تأدية واجباتهم، في ظل ظروف العمل الضاغطة واحيانا غير الملائمة.

***

محمد الربيعي

 

 

طارق بوحالةالدكتور اليامين بن تومي باحث وأكاديمي وروائي جزائري معاصر، صاحب رؤية معرفية خاصة ومغايرة للسائد النقدي والفكري الشائع في الخطاب العربي المعاصر، وهو من الأقلام النقدية -القليلة- المثيرة للجدل المعرفي المثمر، وللسجال النقدي المنتج؛ كونه يلج إلى مساحات حرجة، يُعمل فيها السؤال الجديد الغير مكرور، ويتبنى الشك المعرفي الفعال والغير هدام، ينطلق في كل ذلك  من ضغط جملة من الإشكالات الحارقة التي تختص أساسا بمجلات تتوزع بين التراث والحداثة وما بعدها، مناقشا قضايا الراهن الثقافي الجزائري والعربي وحتى الغربي.

وينخرط بن تومي منذ سنوات في مهمة تجسيد مشروع فكري خاص، يؤخذ على عاتقه مسؤولية إعادة تدوير مجموعة من الأسئلة المرتبطة أساسا بخطابات الهوية والاختلاف والعلاقة مع الأخر والموقف من التراث العربي، وكيفية محاورة النصوص الكبرى دون الخوف منها، وتجاوز حالة القحط الفكري والثقافي الذي تمر به الذات العربية عموما والجزائرية خصوصا.

ولهذا فقد كتب في موضوعات عديدة، تخص النقد الأدبي والدراسات الثقافية ونقد الخطابات الدينية والفلسفية، مما جعله يمثل شكلا من أشكال  الوعي المترحل، والمتنقل بين المعارف محققا بذلك صفة المثقف الموسوعي التي خفتت في عصرنا هذا. وهو كذلك من الباحثين الذين ينتصرون للتفكير العقلي الهادئ، معتمدا على الخطاب المؤسس على قواعد رصينة والمنطلق من خلفيات فكرية عميقة.

ويملك الدكتور بن تومي مسارا معرفيا وأكاديميا ثريا، حيث نعثر له على قائمة طويلة من الكتابات والأبحاث في كتب فردية وجماعية ومجلات محكمة وجرائد رائدة، إذ نذكر له كتاب عن فكر نصر حامد أبو زيد وكتاب عن العواضل البينوية والتاريخية التي تقف حاجزا أمام  العقل النقدي العربي وكتاب عن أمراض الثقافة في الخطاب الجزائري المعاصر وكتاب عن السرد الأمومي، كما يمارس بن تومي نشاطا موازيا لاهتمامه الأكاديمي فهو روائي متمكن له في رصيده مجموعة من الأعمال أهمها رواية الزاوية المنسية ورواية زنباية... ويبدو أنه يستأنف في نشاطه الإبداعي مناقشة القضايا العديدة المتعلقة بالثقافة والتفكير ...

***

د. طارق بوحالة

ثامر الحاج امينالمعروف عن شاهدة القبر انها لوحة تعريفية تحمل اسم الميت وتاريخ مولده ومماته ومدينته، ولكن هناك من يتجاوز هذا الحد من وظيفة الشاهدة فيلجأ الى جانب التعريف بصاحب القبر تزيين الشاهدة بكتابة عبارات لها اغراض متعددة مثل نقش رموز تشير الى مهنة صاحب القبر او تزيين الشاهدة بموعظة او عبارات نثرية وأدبية او مقاطع من قصائد تشير الى فضائل الميت، وهذا التقليد يعد من أقدم العادات الانسانية حتى ان البعض كان يوصي بكتابة عبارة معينة يريد بها طرح فلسفته في الحياة وهو ما فعله الشاعر ابو العلاء المعري عندما أوصى ان ينقش على شاهدة قبره البيت الشعري (هذا جناه ابي عليّ.. وما جنيت على أحد) وهناك من زهد في كل هذه المظاهر مثل دوستويفسكي الذى أوصى (حين يهيلون على قبري التراب، انثر فوقه فتات الخبز، فتتهافت عليه العصافير، فأسمع صوتها، ولا اشعر أني وحيد) هكذا صارت شواهد القبور متحفا ومعرضا فنيا تجمع فنون النحت والنقش والخط الى جانب الشعر والفلسفة والوصايا .

ولا غرابة في كل ما تقدم ذكره ولكن الغريب ان تسخرّ الشاهدة للدعاية والتشفي ونشر الغسيل بعبارات تعكس واقع العلاقة الاجتماعية بين الاطراف المعنية بالشاهدة، ففي مدينة لينكولن الانكليزية كتبت زوجة على شاهدة قبر زوجها (هنا يرقد جيرد بيتس الذي تعيش ارملته في شارع إيلم رقم 6 وهي في الرابعة والعشرين من عمرها ولديها كل مقومات الزوجة العظيمة المريحة)، ولوحة أخرى (هنا ترقد سييئيا ستيفتز زوجتي، عاشت ست سنوات من الهموم والمنازعات واخيرا استراحت وكذلك أنا)، ويبدو ان أرملة السيد جيمي ويت كانت شديدة البخل، أذ كتبت على قبره في فولكيرك بانجلترا (مات ذات صباح في الساعة التاسعة فوّفّر بذلك وجبة الغداء ووجبة العشاء يوم وفاته). ومثل هذا الفعل في استغلال شاهدة القبر لغير الأغراض المخصصة له ما يقابله على أرض الواقع ممارسات اجتماعية وطقوس دينية من أجل تحقيق الوجاهة والظهور بلباس مختلف غير الذي يعرفه به المجتمع وهو ما يسمى بالنفاق الاجتماعي.

***

ثامر الحاج امين

الفن هذا الآخذ بالمهج حيث الكائن في حله وترحاله نحتا للظلال وتقصدا للغناء الخافت في تلوينات من القول البليغ بالفكرة تنهض على ايقاعات الدواخل ..و الرحلة هنا سؤال تلو سؤال وحيرة و...أمل دفين مثل حب قديم ..قدم الألوان والوجوه والظلال و...الأصوات...

هكذا يأخذ الحلم كائنه الى مدن بعيدة في القلب أسماؤها وأصواتها..يرتجي لحنا باذخا يعلي من شأن النطر والتأمل والاحساس في حيز من ضجيج الأمكنة ونداء العناصر والأشكال والأشياء والتفاصيل ...هي فكرة الفن التي تمضي الى النبع تنحت مجاريها في صخر الأيام مثل نهر ترقد فيه ريح وأصوات وكائنات هشة...

أيتها الوجوه القلقة..الضاجة بالحيرة الكبرى..تزينك الورود والزخرف والأقنعة..نعم القناع وجه قديم جديد وبلا أصوات..أيتها الوجوه والأشكال قولي للبحر كلاما...علميه كيف يخفي القلب شجنه ...في مدن الخواء..هكذا لونت الطفلة فكرة حالها ..و مضت مثل فراشات من ذهب الازمنه ...

من هنا نمضي مع تجربة هامت صاحبتها بالتلوين ضربا من العبارة وقولا بالنشيد ونشدانا لانثى اللون في الأقاصي تقول كلماتها الملونة في غناء خافت تعرفه الوجوه والأحوال والدواخل وهي تخبر الآفاق بما فعلته الأمنية...

سافرت منذ طفولة مع التلوين والرسم بحثا عن ذاتها في الجهات وخروجا عن الرتيب الكامن في التفاصيل لا تلوي على غير اللون ضوءا للجغرافيا والرسم شجنا يانعا تتجلى منه وبه الفكرة الابداعية في مجالاتها الجمالية الفنية الانسانية...

هدى دبيش الفنانة التشكيلية التي نعني رأت في الفن حياة أخرى لا تضاهى وفي ورشتها الفنية اطارا مغايرا للحلم البليغ للتعبير عن ذاتها وهي تحضن في حنو هائل حلمها المرافق لظلها ..الفن عندها بمثابة ما يتركه عطر في الأرجاء حيث القلب تأسره خطاه المبشرة بالجميل والمبتكر والمختلف...

تنوعت تحربتها الفنية فمن البروتريهات الى الوجوه المتعددة بين الزخرف والقناع والصراخ وما به أحوال الكائن القلق ..و المرأة الحاضرة بتلوينات شؤونها وشجونها ...و غير ذلك من الأعمال الفنية حيث تعد لمعرضها الفني التشكيلي الشخصي لابراز بانوراما التجربة والنشاط حيث كانت لها مشاركات ثقافية وفنية متعددة ...

و عن تجربتها والبدايات تقول الفنانة هدى دبيش "... منذ طفولتي كنت أفضل اللعب واللهو بالأقلام والألوان وفي مرحلة التعليم الثانوي درست عند الأستاذ حسن ضيف الله الذي رغبني أكثر في مادة التربية التشكيلية من خلال مشاركتي في نادي الرسم الذي كان يشرف عليه مساء كل جمعة ..و عند حصولي على البكالوريا زاد اهتمامي اكثر بالفن فتوجهت للمعهد العالي للفنون الجميلة بتونس اين تلقيت تكوينا اكاديميا طور موهبتي ثم واصلت دراستي وتحصلت على ماجستير البحوث في التراث التقليدي . بدأت مشواري الفني برسم الطبيعة ثم التطرق لبعض القضايا الانسانية من ذلك لوحتي المسماة " الشهيد " كذلك رسم البورتريه بتقنيات مختلفة أما الموضوع الاساسي لأعمالي فهو قضية المرأة باختلاف أجناسها وألوانها وهمومها وحبها للجمال حيث انني أرسمها عبر التاريخ ماضيه، حاضره ومستقبله. فهي تظهر بوضوح في البعض من لوحاتي باللباس التقليدي مزدانة بوشم امازيغي الذي يعد من أقدم الطقوس الأمازيغية وفي البعض الآخر تعبر على غموض النفس البشرية بعمقها التكويني وتركيبتها المعقدة. بالاضافة الى ذلك فأنني اميل الى التعبير من خلال لوحاتي عن مختلف المشاعر البشرية بتناقضها كالخذلان ، الحب، الحرية ، القوة ، الضعف ، البكاء والفرح. ان اللوحة تمثل بالنسبة لي فضاء ابيض لا قيود فيه، فانا املك من خلاله الحرية في التعبير عن مشاعري وأفكاري خاصة أن معظم أعمالي فيها الجانب الحسي الذي يمكنني رسمه بشكل رمزي وحالم مستعملة تقنيات وخامات مختلفة....".

هكذا هي افكرة والحال عند هدى الفنانة المجتهدة وفق حلم قديم متةاصل .. متحصلة على الأستاذية في الفنون التشكيلية اختصاص رسم وماجستير بحوث في التراث التقليدي - تدرس بأكاديمية الفنون بحمام الشط وببعض المعاهد الخاصة شاركت في عدد من المعارض الجماعية و في ندوات ثقافية  وهي  رئيسة الجمعية العالمية فرع تونس " la palette du monde " - نائبة رئيس الجمعية التونسية للتربية والثقافة - عضو بالجمعية التركية لوحات بلا حدود -منخرطة باتحاد الفنانين التشكيليين بتونس وحاصلة على شهادة التميز والإبداع من جمعية نجم الدولية بفلسطين 2019 وعلى وسام التميز والإبداع الفني 2020 من أكاديمية مصر للتدريب والتنمية...

فنانة تعانق فكرة التلوين بروح فيها الكثير من الرغبة والاصرار والمغامرة تقول بالفن فسحة جمالية لترميم ما تداعى من الحواس والعناصر في أومنة السقوط المربك والتداعيات الانسانية..تلهو بالرسم لتقول ذاتها في عالم تلم بتحويله الى علبة تلوين مثل أطفال البراءة الأولى...

***

شمس الدين العوني

 

ثامر الحاج امينالفعل الابداعي جهد فكري وانساني يتمثل في قدرة الانسان على إنتاج افعال وخلق أفكار جديدة قد يصعب على الاخرين الاتيان بمثلها، عليه من الواجب ان يحظى هذا الجهد بالاهتمام والتشجيع خصوصا من قبل الجهات المعنية بالأبداع، ويفضل ان يأتي، تكريم المبدع في حياته فذلك يمثل اعتراف بعطائه وتثمين لجهده الاستثنائي وحافزٌ ايجابي على البذل والعطاء، ولكن للأسف ما نشهده في حياتنا ان التكريم غالبا ما يأتي متأخرا وبعدما يكون المبدع قد غاب عن مشهد الحياة دون ان يرى ويلمس وهو في الحياة مقدار الوفاء لجهده ومواقفه، فمهما حقق المبدع من شهرة ومكانة يظل بحاجة الى من يشير الى انجازه ويثمّن دوره الثقافي والانساني، فالشاعر (حسين مردان 1927 ــ 197) على الرغم من حضوره الثقافي وتداول اسمه وشهرته كواحد من رموز التمرد في الثقافة العراقية كان بحاجة الى ان يرى نفسه بعيون الآخرين، ففي جلسة خاصة جمعته مع عدد من الأدباء سأله الشاعر (رشدي العامل 1934 ــ 1990):

ــ ابو علي ... ماذا سأكتب عنك عندما تموت؟

تنهد الشاعر حسين مردان طويلا ورد مرتجفا:

ــ اسمعوا ... عندما أموت لا يهمني ماذا سيكتب عني ابصقوا على قبري .. بولوا عليه .. انما اريد ان  تكتبوا الان، ان أقرأ ما تكتبون .

أما القاص والروائي (احسان عبد القدوس 1919 ــ 1990) الذي كتب المئات من الروايات والقصص تحولت اغلبها الى افلام سينمائية والذي نجح في الخروج بها من المحلية الى حيز العالمية وترجمت الى لغات أجنبية متعددة انه برغم هذا العطاء الهائل فانه لم يحظ باهتمام النقاد سوى ان جريدة الاهرام كتبت يوم تشييع جنازته انه من الرجال الذين يحق لمصر ان تزهو بهم، لكن للأسف مثل هذا الكلام لم يسمعه قبل موته وجاء في الوقت الذي لا يحتاج اليه .

***

ثامر الحاج امين

صادق السامرائيأهاجر بروحي وعقلي وقلبي ونفسي ووجداني وأعماقي وكياني، ونبضات أحلامي وفضاءات خيالي، مثل فراشة تسعى إلى مجد التفاني، وتتألق حول شعاع ضوء يخترقها ويلهمها التجلي، والتناهي إلى منبع الإشراق العظيم.

أهاجر إلى ينابيع المحبة وأنوار السلام واليقين والبرهان وتطلعات الكواكب، التي ترتل آيات الشكر والعرفان، لبارئ الموجودات وفاطر السماوات والأكوان.

إلى الذين يحبون مَن هاجر إليهم، ويتطعمون بحلاوة الإيمان والتقوى، والمتحابين بجلاله، وفي يوم لا ظل فيه إلا ظله.

إلى الذين مَن أحبهم أحبه الله، الجالسين على منابر من نور وقد وجبت محبته لهم، والذين يحبهم أهل السماء.

أهاجر إلى بلاد طلع البدر عليها من ثنيات الوداع، ووجب الشكر عليها ما دعا للداعي داع، التي تحولت إلى بهجة منيرة لأبد الدهر، ومنطلقا للحق المبين وعاصمة لجوهرة الصيرورة الكبرى على تراب الأرض، التي تسبّح بفيض الخلاق الكريم.

أهاجر إلى قل هو الله أحد، و"وتعاونوا على البر والتقوى" و"خذ العفو وأمر بالمعروف واعرض عن الجاهلين" و" وكنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر" و"إنما المؤمنون أخوة" و"أدعُ إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة" و"إن الله يأمر بالعدل والإحسان" و"الكاظمين الغيظ والعافين عن الناس"و "يؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة".

أهاجر إلى ينابيع الرحمة والأمان ومواضع المسرات والنقاء والصفاء، وإلى "وأما اليتيم فلا تقهر وأما السائل فلا تنهر" وإلى "كلكم لآدم وآدم من تراب" وإلى "ورحمتي وسعت كل شيئ".

أهاجر إلى مَن يأتي بالحسنة ويمقت السيئة، ويمسح الدمعة عن عيون الأطفال والنساء، ويرسم الابتسامة على وجوه البائسين، ويطعم الجياع ويعين الفقراء، ويشهد أن الناس ولدتهم أماتهم أحرارا، فيأبى استعبادهم وهوانهم وذلهم.

أهاجر إلى " وأنك لعلى خلق عظيم"، وإلى "فاصفح الصفح الجميل" وإلى "واخفض جناحك للمؤمنين"، وإلى "وعباد الرحمن الذين يمشون في الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما".

أهاجر إلى مَن يكتب عند الله صدّيقا، ويؤدي الأمانات إلى أهلها، ويرتقي بروحه ونشده إلى حيث يحقق رفاه أخيه الإنسان، ويبث السعادة في قلبه ونفسه فيبتهج ويفرح معه، ويتمم فرحته بالأمن والرجاء والأمل.

أهاجر إلى سيد الكائنات وخاتم الأنبياء والمرسلين، النبي الصادق الأمين الذي أطلق دعوة الحق والعدل المبين وبشر المؤمنين بالخلد في عليّن.

إلى المغيث الغيّاث وحادي ركب الطيبين الصالحين لبر أمان النهى واليقين . وحبيب الأولين والآخرين من أبناء آدم وحواء أجمعين، والقمر الساطع في دواجي الأنام، ومسيرات الراحلين إلى وادي الختام.

أهاجر إلى منير الطلعة ونقي الصفات الذي أدبه رب العباد، وألهمه بديع القول وجوهر الحكمة وأنوار البهجة، ورياض المحبة والمسرات والجمال، فكان كتاب القادر القدير الذي يسعى وهاجا في الحياة ويصنع شواهد لآيات ربه البينات.

إلى جامع الحسن المهاب وواهب الفيض فيضا، وينابيع النور نورا وبهاءا وجلالا وسناءً، وواسع العلم وعظيم الخلق والصبر الجميل.

أهاجر إلى راحة الروح ومملكة الوجدان وكنه البرهان، ونبراس الخير والشفقة والرحمة والطيبة، والرأفة والألفة والأخوة والصدق والإيمان، الذي يأسو جراح القلوب ويغسل النفوس بقطر الأشواق والنقاء والرجاء والإحسان.

أهاجر إلى حبيب مَن نحب ورسول مَن نعبد والعارج ببراق الأنوار إلى آفاق فوق آفاق، الذي تشدنا إليه لوعة الحب وصبابته وأشواقه، إلى السامي المعلى وومضة اليقين في أعماق أهل الأرض وأكوان العالمين.

أهاجر إلى شمس الجلال ونور التسامي وفيض الإشراق الرباني في قلوب المدركين الشاربين قطر الأقمار وسلافة المعنى ومنهج الفحوى، البشير المنير الساعي للخير الطاهر النبيل، الذي يضع على رأسه تاج المعالي الكونية وينهل بكأس النور من زلال القدسية قرب عرش رب عظيم.

أهاجر إليه فأدرك " وخلقناكم من نفس واحدة وجعلناكم شعوب وقبائل لتعارفوا..."، فتشعشع أنوار المعرفة من آفاق الإدراك، وتحيط الشمائل الربانية قلب البشر الإنسان، فيسمو إلى حيث أراده الله.

وبهذا تتحقق معاني الهجرة النبوية، ودلالات الفتح الرباني الفياض الذي تأكدت فيه إرادته، فانتشر دينه وعمّت العدالة والرحمة تفاعلات البشر، وارتقى بروحه ونفسه وعقله إلى مرتبة الإنسان الزاهي بقيم السماء ومنهاج العمل الطاهر الرحيم، مسبحا للذي خلقه في أحسن تقويم.

فهاجروا معي وتعانقوا وتواصلوا محبةً في الله فالمحبة أعظم الإيمان.

وخيرنا الذي يبدأ بالابتسام والسلام.

***

د. صادق السامرائي

 

سعيد الوائليالشهقة في الكتابة موال لا ينتهي،

هبة الملاك الغافي على كفّ عفريت ينوء بحمل القصيدة،

ينفخ في شريان الغُصة الابدية على ظل الحروف النائمة ما بين جناحيّ الورقة وهي تتغندر تحت مسحة القلم الحبلى برعشة الخلق،

تتلصص على قامة شيطان الشعر العملاق،

تتمرجح بشعيرات اثدائه الطويلة كمنطاد،

وتتمتم وصاياه السبعين عن ظهر قلب،

قبيل ان يرتجف القلم ويصاب بالدوار الابدي ويجف ماؤه الساحر.

*

الكتابة عذاب ومتعة ينهشان باب الغواية في احشائك،

يلقيان بملائكتك خارجا ً ويغلـّقان النوافذ بإحكام،

يتركان الظلمة للشياطين تتسلل ما بين مضايق الهوس لديك،

يتسابقان الى مفاتيح سرية لمغالق الخيال،

يتزاوجان في الخفاء كهدهدين يلاحقان شيطان غابة الامزون الاكبر،

يتربصان بجيشه الملفوف حوله "كملوية سامراء " على القمة يرتعد كماردٍ اسود قد انتفض للوثوب خلف بساط سليمان الحكيم.

*

يتعلـّقان بكل شاردة وواردة،

يشاطران جنياته الرأي والمشورة،

"يبحوشان" في حجرات نومه الحالكة السواد عن جوهرة غارقة في وحل ٍ مُضئ.

يسافران خلفه يعبران الشطآن والبراري،

يراقبان اتساع عيونه وتقلصات اجفانه،

وحين ينبع الشعر من سوادها كدمع اسطوري،

يهلهلان ويرقصان طربا ً،

يقطعان مجرى الانهار والمصبـّات،

المدن والقصبات،

الجبال والفصول،

المحيطات والقارات،

وينزفان "شلالات نياكَرا" على سهل الورقة الفسيح فتنبع بذور القصيدة كوشم تنين اغريقي يتدلى من حلمة نهد الحسناء الفارعة الطول كتمثال الحرية في عنق الغابة الضيق كرحم الحياة.

*

الكتابة هي الحدس الذي يلزّ كوابيس الخيال،

واحلام اليقظة،

*

بوصلة كينونة السجود في بحار النبوءات وبريق المعاني الغارقة في استحياء الوجوم والخوف من المجهول،

سراب يفرّ من فيوضات الكسل وطلاسم الجنون المقدس .

هتافات في زمن ِ يفتـّح عيون الشطئان كنوافذ مضيئة في جوف الليل الغارق بفوضى جسر مزدحم يربط بين قمتيّ جبل اسفلهما واد ٍ سحيق .

جسور الخيال فضاءات منفتحة على سماوات الإعياء الخفيّ ورماد المشاكسة وإلتماعات ٍ بمذاق النسيان الأجشّ تحت خطوات اللسان،

فورة لِقلق ٍ ممض ٍ كالمد والجزر،

يربك المزاج الغريزي،

يغذي فوضى التمرد ويرسو على ذائقة المغامرة في يخوت الكتابة والرسم بشفرة حادّة على كوكبة انفعالات انيقة تمـّوج ستائر غيمية تـُخفي العرض القادم خلفها لمشاهد لجوج .

*

طائر سحري على صهوة ريح ٍ براق،

يمامات نووية يستحـّم طفح ضوئها بإخضرار النبوءات ودبيب الافكار الفارعة،

نيوترونات نوق حجـّلى بلحاءات الغوث المتلبس بشال التمرد الفضفاض،

احتدامات اشلاء الحزن الصدفيّ في انطواءات الزمانات اللماعة القادمة .

*

رمانة تخـّزن مليارات الحبات الضوئية،

مُزن انطفاءات المجرات السائحة في ثقوب سوداء لا تشبع،

افلاك مشدودة بظلال ثورة وجودية ممهورة بهودج التمرد الملكي،

غارقةً ساعة الترحال المثخنة بفصول ارتجافات الغضب والكبرياء،

مشروخةً بغبش اصفر،

حزّمَ حقائبَ مُعبّأةً بأهداب زرق،

استوطنها ترحال السائرين حفاة الى آبار جافة،

إلا من عَرَق درب طويل يبدأ من سقطة فتحة كونية وينتهي

بسقطةٍ في مجـّرةٍ اوسع.

***

سعيد الوائلي

امريكا – ديربورن هايتس

طارق بوحالةينخرط الباحث والأكاديمي الجزائري الدكتور وليد بوعديلة منذ سنوات طويلة في صناعة المشهد الثقافي في الجزائر وذلك عبر الكتابة والتنويه والإشارة إلى الأعمال الثقافية والأدبية، فهو من المتابعين الشغوفين والمهتمين بكل فعل ثقافي جديد، حيث نعثر له على باقة معتبرة من المقالات في جرائد ومجلات وطنية وعربية تعالج الإصدارات الأدبية والأعمال المسرحية والسينمائية والجهود الفردية المُعرفة بالثقافة الجزائرية .

فالرجل لا يبخل بجهده ووقته في العمل الثقافي دون توجيه من أحد، هدفه الأسمى هو تفعيل الحركة الثقافية المحلية، كما إنه لا يكتب أو يذكر فعلا ثقافيا أو نصا أدبيا أو معلما أثريا أو علما من علماء الجزائر إلا وكان له سابق معرفة بذلك. فالدكتور وليد بوعديلة لم يفرط في أعماله البحثية الخاصة بالبحث الأكاديمي، فهو الأستاذ والمشرف والكاتب الذي لا يتوان عن تقديم يد المساعدة لطلبة العلم.

وعن طريق ممارسة الدكتور وليد بوعديلة للفعل الثقافي تمكن القارئ من التعرف على كتاب جزائريين غير معروفين، وآخرين شباب، وعلى شخصيات تاريخية ودينية وحضارية تركت أثرها في المشهد الثقافي الجزائري، وعلى معالم تاريخية وحضارية لها قيمتها العلمية والجمالية.

وينقل الدكتور وليد بوعديلة مفهوم الثقافة من مستواه النظري إلى مستوى الممارسة والفعل، لهذا حق له أن يكون نموذج المثقف الفاعل المجسد لمفهوم المواطنة الثقافية .

***

د. طارق بوحالة

 

عمار عبدالكريم البغداديشهرزاد: ليس كل تنافس بين الأشقاء والشقيقات يخلق الشحناء فيمابينهم، ألا تتفق معيَ على ذلك ؟

شهريار: نعم، وقد ذكرنا آنفا أن الظروف القاسية التي تعصف بالأسرة تكون أعظم مدعاة للتنافس تحت سارية التكاتف، وكلما زادت الأيام قساوة تجسدت تلك المعاني بأبهى صورة.

ولايقف التنافس المحمود بين الأشقاء والشقيقات عند هذا الحد، فعندما تكون أنوار المحبة منطلقا له فإنها تشيعُ أجواءً رحمانية تبعث أقصى قدرات الإبداع عند كل طرف، وكأننا في جنة أرضية يزرع كل فرد فيها حديقة غنّاء يرويها بأعذب المياه، ويرعاها بإبتسامة دائمة نابعة من قلب محب لعمله، وعيناه على الحدائق المجاورة، وهي لا تقل جمالا ورقة، وهو بالنتيجة لا يملك  إلا أن يبتسم في كل مرة يمعن النظر فيها الى شبيهات إبداعه، فإذا أرجع بصره الى جنته الصغيرة إبتسم مرة أخرى، ذلك التنافس الرقيق المفعم بالأنوار المودة وإرادة الإبداع قد يكون مبعثا لإطلاقات محبة خاصة جدا تترك أثرا سحريا في القلوب فلا تصيبها أمراض الكراهية أو الحقد ولا حتى الضغينة .

ودعيني أضرب لك مثلا حيّا، فإن من أرقى درجات التنافس المحمود تسابق في إرضاء الوالدين، وتلك أسمى الغايات، فهي طريق واسع الى الجنة، ومن قبل ذلك سبب للنجاح والتوفيق على الأرض.

وقد شهدتُ في بيتنا الكبير تنافسا بمنتهى الروعة يتسابق فيه الجميع على أرضاء الوالدين، ومع كل إطلاقة محبة ترسم البهجة على وجه أمي أو علامات القبول على محيا أبي، كانت تعم الإبتسامة على وجوه الجميع، غير أن إحدى أخواتي -التي أحب أن أسمْيَها زهرة السوسن-  كانت لا تُجارى في هذا الميدان، فهي تنفق كل مرتبها الشهري بسخاء عجيب ليس فقط لسد إحتياجات المنزل، أو شراء هدية للوالدين، بل إنها تنفق أموالا كثيرة لإعانة العوائل الفقيرة بإشارة من أمي،وكيف لا تكون زهرة السوسن وهي كوردة بيضاء تطفو على نهر المحبة بلا منافس لتشع عبيرا وحنانا على الجميع ؟

رفضت فرصا عديدة للزواج وإنشغلت بوظيفتها الحكومية، وإرضاء والدَيّها، وإحتضان اليتيم،ومساعدة الفقير، ودعم منكسر كبير، ورسم البسمة على ثغر طفل صغير حتى تجاوزت الخامسة والأربعين .

كنت أرقبها عن كثب وقد مال لونها الى الشحوب وسرق العمر إبتسامتها، وكأنها شمعة منيرة أطفاتها ريح عاتية،لم يدم الأمر طويلا حتى رأيتها في المنام تلبس تاج مرصعا باللآلئ وكأنه (تاج الرضا) .

دنوت منها في اليوم الثاني، وهي تعد الطعام لوالدَيّ، وقلت بصوت كله ثقة: هل تعرفين إن الله قد أعطاك ما لم يعطِ أحدا من أشقائك وشقيقاتك .

إلتفتت اليَّ بإبتسامة تفاؤل وقالت: وماذلك ؟

- لقد أعطاك القدرة والمكنة لأرضاء أمي وأبي كما لم يعط أحدا منّا، وإني لأشعر بالغيرة منك أحيانا، وإعلمي أن جميع منافسيكِ يقرّون بالغلبة لك، ولا أعتقد أن أحدنا سيكون قادرا - وهو منشغل بهموم عائلته ومسؤولياتها – أن يجاريكِ يوما، فهنيئا لك أختي الحبيبة وأنت تلبسين تاج الرضا.

لقد كان موقفا لم أشهد كرقته حتى يومنا هذا ياشهرزاد، تعانقنا وقبلتها من جبينها،وفاضت دموعنا بأحلى إطلاقات المحبة التي مازالت تظللنا حتى يومنا هذا .

مات أبي في حجرها، وإنها لخيمة حانية على الجميع بعد رحيله، ومازالت تنفذُ أوامر (العطاء) الصادرة عن أمي بل وتنافسها بقوة، فهي زهرة السوسن الطافية على نهر محبة يتنافس الجميع في أطلاقاته، لكنها ترفل بتاج الرضا بدون منازع .

وحري بنا أن نقول: أن إطلاقات المحبة التي تمس أعمق نقطة في نفوس أشقائنا وشقيقاتنا كنز مودة لا تفرغ خزائنه أبدا، ومن كان يحمل في جوفه قلبا طيبا فستدله أنواره على مكامن تلك الأحاسيس المجروحة ليُسعفها برعايةٍ وتقديرٍ لمواهبهم وإبداعاتهم، ويكونَ بلسما منسابا الى أعماقهم .

***

بقلم: عمار عبد الكريم البغدادي

....................

* من وحي شهريار وشهرزاد (66)

مقتبسات من مؤلفي: شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة

صادق السامرائيالإبداع بأنواعه لا يغيّر الشعوب، وربما يساهم في الترقيد والتخميد، لأنه يوفر لها منافذ سهلة للتخلص من طاقاتها المأزومة، والمقهورة بإرادة السلطة الفاعلة فيها.

فالشعوب عجينة الكراسي تصنع منها ما تشاء، ولديها القابلية للتماهي مع الكرسي أيا كان نوعه، فلا فرق عندها بين التي تمثل القوة وتستدعي التبعية والقيام بدور التصدي.

فالذين يحمّلون الإبداع فوق طاقته، ويرسمون له دورا متخيلا، يحرثون في الحجر، ويزرعون في الهواء ويحسبون السراب ماءً.

الإبداع ربما نشاط تَرَف، وسلوك لملئ الفراغ، وطاقة كامنة في المخلوق، تعبّر عما تراكم في دنياه من إنعكاسات ومؤثرات الحياة فيه.

فالإبداع الأدبي لا يُرتجى منه  دور مهم في إيقاظ الشعوب وصناعة الحاضر والمستقبل، في المجتمعات المرهونة بمن يدّعون ممثلية الدين.

فالأمم والشعوب يصنعها قادتها، ويمكن للقائد المؤثر أن يوظف الأدب في مسيرة التغيير، كما فعل الرئيس الصيني "ماو" الذي شكّل عقل أمته بشعره، وأعاد ترتيب الرؤى والتصورات والإقترابات من مناهج الحياة.

أما الأدب المجرد من قوة القيادة وتأثيرها، فلا أثر له، ومهما كتبنا فلن نؤثر في الواقع.

ومن المعروف أن معظم الشعراء الفاعلون في الحياة،  كانوا على مقربة من القيادات في مكانها وزمانها.

فلو أخذتم أي شاعر إشتهر وأثر في واقعه، ستجدونه على علاقة مع قائد تلك المرحلة التي برز فيها.

كأبو تمام والبحتري وعلي بن الجهم  والمتنبي وأحمد شوقي وغيرهم من المعاصرين والغابرين.

فلا يمكن القول بأن الإبداع يغيّر إن لم يكن متفاعلا مع مركز السلطة، ومساهما في إرساء دعائم التعبير عن  رؤيتها.

ولهذا تكون أبواق الكراسي أكثر تأثيرا في الواقع من أصحاب الإبداع الحر، لأن إبداعهم لا يطعم من جوع!!

فهل من كراسي ذات عقل فاعل، لكي نحيا بالإبداع؟!!

و"...المجد للسيف، ليس المجد للقلم"!!

***

د. صادق السامرائي

علي الجنابيلو أنَّ سُطُورَكَ -يا صاح- هيَ أَجَلُّ مِن سُطور"ألفِ ليلةٍ وليلة" البَاهِرة، وأَفْضَلُ مِمَّا سُطِّرَ في مَوسُوعةِ (إنجليزٍ) زَاخِرة، فَإنّما هي سُطُورٌ من هَباءٍ مُنبثٍّ في بَيْداءَ قافِرة، إن لَم تَتَبَنَّاها شَاشَةُ تلفازٍ فَاخِرة، واعلمْ أنَّ شراعَ كلِّ شُّهرةٍ بشَرَفٍ، أو شُهرة بقَرَفٍ هوَ شُعاعٌ مِن شَاشَةٍ شَاغِرة، لذلكَ كانَ "يهودُ" سَادةَ شَاشَاتِ الأرضِ وصُحُفٍ في أفَلَاكِها دَائِرة، َفإن قِيلَ لكَ؛ بل إبداعُ القلمِ هو الفصلُ أينَما حَلَّ في آفَاقِ ميادين حَاضِرة، فَقُلْ؛ كلّا، فلولا شُعاعُ شَاشَةٍ لكانَتْ نسماتُ وخواطِرُ (مِتوَلي الشَّعراوي) مَجهُولةً وبَائِرة، وهمساتُ ومخاطِرُ (د. مصطفى محمود) خَفِيَّةً غيرَ ظاهرة، ولكانَت لَمَساتُ وقناطِرُ (د. فاضلُ السَّامَرائيّ) لمساتٍ خاسِرة، ولكانَ الرّجلُ نَكرَةً عَابِرَةً إلّا مِن طَلّابهِ، وقَليلٌ مَاهُمْ في حُقبَةٍ بِغبارِ الجَهلِ مُغبَرَّةً ولغيرِها غَابِرة، ولكانَ رَحّالةً لأجلِ مُرتَّبٍ بينَ أروِقةِ كُليَّتهِ ما بينَ شبّاكِ وَاردَةٍ وشراكِ صَادرَة، ورُبَما لن أسمَحَ لهُ بتَجاوزِ طَابورٍ أنتظمُ فيهِ في مَصرَفٍ أو في دَائِرة، وهو ذو حَظٍّ عَظيمٍ إن تَصَدَّقتُ أنا عليهِ بِطَرفِ حرفٍ مِن عُلُوٍّ، وبتَكَلُّفٍ كتَصَرُّفِ الأبَاطِرة!

أجَلْ، نَكِرَةٌ عَابِرَةٌ، كأساتذتِهِ (جرجَاني وإبنَ جنيّ وغيرهم) نَكِراتٌ غابِرة، رغمَ أنَّهمُ جَواهرُ عُلُومٍ نَفيسةٍ نَادِرة، لأنَّهُ لا (شَاشةَ) تَبَنَّتهُمُ، ولا صُحفٍ تَمَنَّتهُمُ فَرَوَّجَت لِكُنوزٍ وَحدهُمُ مَلكوها في حُقُبٍ أُولى وآخِرَة، بينَما شَّاشة مُتواضعةٌ جَعَلَت مِن عَربيٍّ مُهاجرٍ في (هِلسنكي) لا يَميزُ بينَ مُبتدأٍ وخَبَرهِ، يبعثُ بِقُبلةٍ عَبرَ الأثيرِ على جَبينَ (السَّامرائيّ) وبِمشاعِر أخآذةٍ آسرةٍ بَاهِرة.

وإنَّما العلمُ شَطرَانِ، فعِلمُ أدبٍ وعِلمُ تَطبيقٍ، فالتَّطبيقُ يقتَلِعُ شُهرتَهُ من أعيُنِ الشَّاشَاتِ إقتِلاعاً لإبتكاراتٍ لديهِ مُتتابِعَةٍ مُتَكاثِرَة، فتَرى الشّاشاتِ مُهطِعَةً إثرَهُ بَحثاً عَن بدعةٍ على خطفِ الأضواءِ قادِرة. وعِلمُ أدبِ إتَّخَذَ مِن الرُّوحِ مُختبراً لعُلُومِهِ الماخِرة، وذُروةُ إبتكارهِ كامنةٌ في شَدَا فَصَاحةٍ آسرِة، وشَذَا بَلاغةٍ سَاحِرة، تُمَكِّنُهُ من إلانَةِ الحَرفِ لِيُحَلحِلَ خَلَجَاتِ قَارئِهِ بعِبَارَاتٍ بليغةٍ ثَائرَة، فَيَتَغَلغَلَ رُوَيداً رُوَيداُ في دافقِ الخافقِ، فيُخَلخِلَ مَشاعِراً تَحتَهُ ضَامِرة، لَيَنالَ مِن ذانِكَ الصَّدرِ شُهرةً تَميزُهُ عن أدبٍ وثقافةٍ مُتخَلخِلةٍ بَاسِرة، وتلكَ -لَعُمري- تَجارةٌ ساميةٌ رفيعةُ وغيرُ خاسِرة. لكنها باتتِ اليومَ تَجارةً كاسِدةً وخائرة، بعدَما زَحلَقَ القَدرُ الأدَبَ في عصرِنا لإستِجداءٍ تعريفٍ مِن شَاشَاتِ إعلامٍ ساذجةٍ أو جَائِرة، لتُرَوِّجَ لهُ مَا خطَّ في قِرطاسِهِ مِن سُطُورٍ خَادِرة، والّا فَالطَّمرُ خاتِمةُ قَراطيسِهِ، في أقربِ مقابِرِ قريَةٍ مُجاوِرة، وكَمْ من ذي أدَبٍ مَغمُورٍ وعِلمٍ مَطمورٌ إلتقمَتهُ أفواهُ قبورِها الفاغِرة، وكانَ يَتَمَنَّى من الشَّاشاتِ لفتةً، أو يَتَرَنَّى منها لآصِرة! وقد ننأى هاهنا عن أمرٍ هوَ الأطغَى على شَاشَاتِنا (الوطنيةِ الثَّائرة)، وذاكَ هو (هَزِّ الوسطِ) المُهَيّجُ لأبدانٍ في لغوِها هادِرة، وللهوِها مُعاشِرة، فترى عَدَساتِ الشّاشاتِ تواكبُ هزَّ الوسطِ وبَزَّ عرقِ الخاصِرة، وقد أطَّتِ لها صَاغِرة، وحَطَّت على دَكَّاتِهِا داخِرةً، ونَطَّت أمامَها لتَفوزَ بلقطَةٍ لأفخاذٍ (قِطَّةٍ) فاجِرة، أو تحوزَ بسَقطَةً لنَجدَينِ مُترجرجينِ بهزَّاتٍ كأنّها حَائِرة، فَتَنعُمَ تلكَ الشَّاشَة الخائِرة، بخَبطةٍ إعلاميةٍ نادِرة، تستحوِذُ بها على مُقَلِنا نحنُ الجَماهيرِ ذوو الأفئدةٍ الجوفاء القاصرة، وذوو حدقاتٍ مُحَدِّقَةٍ مُحَلِّقةٍ مُبَحلِقةٍ في بَثِّها وللمزيدِ متلهفةٌ ونَاظِرة! وكانَ أولَى للشّاشاتِ أن تُنقِّبَ في الدُّرُوبِ وسائِرة؛ ألا مِن عَالمٍ نَتَمَنَّاهُ لنُؤَازِرَهُ ونُناصِرَه، ألا من أديبٍ نَتَبَنَّاهُ بألقٍ وبِتَظاهرة، فَنمخرُ معهُ كما مَخَر عهدُ الآباءِ في عبابِ مَنفلوطيّ وعَقّاد، وزخرَ بخطابِ رصافيّ وكتابِ تأريخٍ لجواد، وإفتَخَرَ بِما سَطَّروا من عَبَرَات ومِن خَاطِرة، وأن تهجرَ إسفافاً هي بثُغائهِ تَتَمايلُ سَائِرة، وتَتَحايَلُ برغائهِ ولِمثلِهِ مُرَوِّجَةٌ، بل هيَ الآمِرة، فذي صَحيفةٌ تُخَصصُ صفحةً لنصٍّ عن جَلسةِ (كبابٍ) لا صِلَةً للبيانِ بادرةٌ فيه وظاهِرة، بل ربَما صلةُ الكاتِبِ بهَيئةِ التَّحريرِ هيَ الجَابِرة، ولِعوراتِ نصوصهِ ساتِرة، وتلكَ شاشةٌ تَزعُمُ رِعايةَ الأدبِ وتَبَنّي أطيافَهُ الفاخِرة، فإن سَمَحَت لأديبٍ أن يَشهقَ في فضائها بشَهقةٍ أدبٍ إذ الأنامُ نيامٌ حينَ الهاجِرة، ولن تسمحَ لهُ بزفيرٍ يردُفُها ولثوانيَ مَعدوداتٍ خاطِفةٍ زائِرة، تَرى الشَّاشةَ تَتَمَلّقُ بشهقتِهِ اليتيمةِ تلكَ، بأنّها للأدبِ راعيةٌ ولألوانهِ الظافِرة! رغمَ أنَّ بثَّها في غُدوٍّ وعَشيٍّ مُنهمِكٌ في فكِ شفرةِ حُمرةِ شفاهٍ ل(نواعمٍ) ناضرَة، وفي زَحمةِ رَدحٍ وقَدحٍ، وسَاعاتِ بَثٍّ دَاعرة، لكنِ سَاعاتِها تكونُ عَاقّةً وعَاقرة، إن بَثَّت حروفاً لأديبٍ شَافيةً، أو قَافيةً لشاعِرة.

فيا مَن في سَمَا البَيانِ شهقاتُهُ ماهِرَةٌ وطاهِرة، ويا مَن في فَضَا البَنانَ زفراتُهُ حاضِرةٌ وساهِرة، تَذَكَّرْ عبارتي هذهِ، بل شَهادتيَ الناقرة الكَافِرة:

لو أنَّ نصوصَك هيَ أَجَلُّ من (كليلة ودمنة) الزَّاهِرة، وأَفْضَلُ مِمّا عُلِّقَ على جدارِ (الكَعبَةِ) من مُعَلَّقَاتٍ غابِرة، وما زالَت بألقِها وَعبقِها ظافِرة، فسُطُورُكَ سُطُورٌ هباءٌ في هَواءٍ مالم تتَبَنَّاها شاشةٌ فاخِرة غيرُ فاجِرة.

(كانَ ذاكَ صَفيراً صَفَرَتْهُ في ساحةِ حروفيَ الصَّافِرةُ)!

***

علي الجنابي- بغداد

4022 Samuel Beckett(1918-1989)

اختارها وترجمها عن الانكليزية مصدق الحبيب

***

*  يبدو لي ان مهمة الفنان الآن هي ايجاد الفورم الذي يلائم وينطبق على كتلة من لخبطة وفوضى الالوان.

*  أقسى جانب أراه في الموت هو انني سوف لا أدرك انني ميت.

*  الدموع والابتسامات لها مقادير ثابتة لاتتغير عبر هذه الارض! فحين تشع ابتسامة في زاوية ما، تنهمر الدموع في زاوية اخرى.

*  أحيانا نرى بداية النهاية لكننا نصّرعلى المضي في طريقها.

*  حين نقول "الله يشهد .." فاننا نتناسى ان هذا الشاهد لايستطيع اداء القسم علناً كما يفعل الشهود.

*  أحيانا نستطيع ان نتغابى ونغض الطرف كما تطمس النعامة رأسها في الرمل! ولكن ما من أحد يعرف ما تراه النعامة في عمق الرمال!!

*  كلماتنا هي الملابس التي نلبسها لأفكارنا.

*  الفلاسفة عقل الانسانية والشعراء احاسيسها.

*  أحسن ما في العمر من سنين قد مضت عندما كان هناك بارق من الأمل. ولو خيرت ان تعود تلك السنين لرفضت عودتها والنار ماتزال تستعر بين جوانحي.

*  لا شئ البتة انصع حقيقةً من اللاشئ!

*  كلنا نولد حمقى، لكن بعضنا يصرّ ان يبقى كذلك!

*  حين نفشل لابد ان نجعل فشلنا اقل وطأة في المرة الثانية، وأقل في الثالثة الى ان يندحر الفشل.

*  لاتشغل بالك بما يعني الكلام، بل تأمل ما يعنيه السكوت.

كاظم الموسويلا نقاش حول الموت، سنة الحياة التي لا مهرب منها ولا قدرة على تغييرها او تبديلها.. الموت حق، هكذاانتهى الامر.

كلُ ابن أنثى وإن طالت سلامته

يوماً على آلةٍ حدباء محمول..

و"كلُ نفسٍ ذائقةٌ الموت "!.

 يبقى الرحيل ووقته ومنزلته هماً كبيرا.. والقرب والبعد والاحوال والآمال تبعث الاسى وتزيد اللوعة.

ألم الفراق صعب وطويل.. وقسوة التذكر او الذكرى او التذكير تضاعف الحزن وتعيد الصور والأياموالدموع وتخنق العبرات والآهات..

صَاحِ هَذِي قُبُورُنا تَمْلأ الرُّحْبَ

فأينَ القُبُورُ مِنْ عَهدِ عادِ

خَفّفِ الوَطْء ما أظُنّ أدِيمَ

الأرْضِ إلاّ مِنْ هذه الأجسادِ

ويظل السؤال ويرد الجواب وتبتعد الكلمات او تغرق في الصمت والصبر والتسليم..

تَعَبُ كُلّها الحَياةُ فَما أعْـجَبُ

إلاّ مِنْ راغبٍ في ازْديادِ

إنّ حُزناً في ساعةِ المَوْتِ

أضْعَافُ سُرورٍ في ساعةِ الميلادِ

وتمضي السنون وتدور الدوائر وتبقى رفة العين وشهقة الحزن ماثلة في الفراق والغياب والفقدان..

خطف المرض اللعين اصدقاء اعزاء واشقاء غالين على عجل ودون موعد وانتظار.. كنا نلتقي ونبني صروح احلام ومشاريع مستقبل زاهر، ونجدد العهد لامال مفتوحة الآفاق لشعبنا ووطننا في معمورته الممتدة بين مائين.

هكذا في ليلة ظلماء رحل الصديق صباح جواد..في غرفة المستشفى وعلى سريره الاخير ودعنا كما كتب لي الصديق سامي الرمضاني وهو يغمض عينيه مع ابنته وابنه، في اخر لقاء وداع.

وفجعنا فايروس الكوفيد 19 في بداياته برحيل اصدقاء لم يحسبوا له حسابه.. ولم ينتظروه موعدا للغياب.. صرخات زوجته، ام رونق، على الهاتف هزتني؛ رفيقك صباح علي الشاهر لم نعد نراه.. وبعده جاء خبرالصديق جودت القزويني، وكل يوم خبر اخر عن جائحة اغلقت ابواب العالم وسورت كرته الأرضية بدائها ورفعت رايات السواد الأليم. وطوى المحيطات خبر غياب شقيقة الروح، الاستاذة فاطمة، فزعت بامالي الى تكذيبه ولكن بلا جدوى.. خطفتها المنون. وبين حصار الكورونا واجراءات السلطات التي منعتنا حتى اننحمل الجثمان الطاهر الى مثواه الاخير بنظرة وداع، وشرقت بالدمع حتى كاد يشرق بي، كما قال صاحبنا ابو الطيب المتنبي.

في المنفى والمغترب، في هذه الغربة الطويلة والانتظارات المتأملة تاتي اخبار الموت، الوداع، تشاركا فياحزان المهجر القسري وتعزية في الاغتراب الاضطراري محملة بما يضاعف في شجنها وحزنها وعبرها.. فتصدم كل من تصله ويردد  حروفها وكأنها هجوم مباغت دون استعداد او تحسب له رغم كل ما يقال عنه. اخبار تتوالى.. وفاة الدكتور جعفر هادي حسن والرفيق عبد الرزاق الصافي والصديق سعد الياسري(ابو سعود) في لندن، ودفنهم في مقابرها.. والدكتور صادق البلادي، في المانيا ودفنه في مقابرها. ووفاة الصديق منذر الاعظمي في تونس ودفنه فيها، تلحقها وفاة الصديق الطبيب نظمي عبد الصاحب العبيدي في اسبانيا ودفنه في مقابرها. اية فاجعة هذه؟!.. حتى القبور اصبحت بعيدة عن السماوات الاولى، وغريبة عن تراب الوطن الذي كان حديث الروح وهاجس المنافي. غربة واغتراب في الحياة وفي الممات.

قائمة الاصدقاء تطول وسجل الرحيل يمتد ودموع الوداع تحرق الاجفان. لكل ذكراه ولكل مكانه ولكل حسرة ولهفة وبقايا سؤال ..

عند بحيرة في حديقة قريبة من سكني امارس المشي فيها في زمن الكورونا والحصارات والممنوعات، كان ابن العمة، سميي، القائد العسكري المؤتمن في عمله، اللواء كاظم ابو رغيف الموسوي، يتصل هاتفيا كل فترة وبالصدفة المدهشة حين اكون عند تلك البحيرة وانا ادور حولها، فاجلس على كرسي يطل عليها واواصل الحديث معه.. وقبل اسابيع وصلني خبر رحيله فجأة، تاركا خلفه عائلة كبيرة، وذكريات وأسئلة كثيرة. والآن كلما امر بالبحيرة اتوقف متذكرا كلماته وسلاماته واشواقه.. هكذا نودع الاحبة بعيدا عنهم، نوجع لهم وهم يرحلون، لا لقاء بعد ولا عتاب الزمان ومسافات المكان.. ويتركوننا بعدهم بفراغ السؤال عنهم وقسوة الغياب ووحشة الفراق..

ايها السابقون وداعا.. تظل ذكراكم وما تركتموه من طيب حيا يعيد بسماتكم المرسومة على الوجوه ويجدداستعادة لكم.. حضوركم قائم رغم الغياب، ونوركم مشع طارد للظلام، ويبقى سؤال المتنبي  وفاء لكم وعنكم في القلب والعقل والوعي..

وما انتفاع اخي الدنيا بناظره

اذا استوت عنده الانوار والظلم….

***

كاظم الموسوي

عمار عبدالكريم البغداديشهريار: وعدتك ياشهرزاد بالاجابة عن سؤالك في آخر حديثنا السابق عن حل لمواجهة (الأنا المتعالية) التي تهدم معاني الأخوة بين الأشقاء والشقيقات.

وأقول: إننا من حيث ندري أو لا ندري نعول على الترابط المفروض في علاقتنا مع أشقائنا وشقيقاتنا، كأننا في جزيرة معزولة مهما بعد أو قرب كل فرد فيها، فإنه لن يغادرها الى البحر فيغرق،ذلك الآمان الزائف بإستمرار معاني الأخوة يجعلنا قساة القلوب على بعضنا، إلا من رحم الله، كأننا نردد على أنفسنا أسئلة متشابهة: ماالذي سيتغير إذا خاصمني أخي أو لا؟، ماالفائدة اذا تصالحت مع أختي؟، مازالت أمي تفضل شقيقي الأكبر فلماذا أفكر بالإعتذار منه؟.

تلك الأسئلة وغيرها تبرر لنا من قريب أو من بعيد بعض سلوكيات الجفاء التي نعامل بها بعضنا تحت سقف واحد.

والأجوبة الشافية للأسئلة المتجاهلة لمعاني المحبة المقدسة بين الإخوة والأخوات يحملها مركب واحد تتقاذفه بحور الحياة، ويقف كل راكب فيه بمقدمته، أو بأحد جانبيه بعيدا على الآخرين، حتى يتهاوى الجميع الى المؤخرة بمجرد أن يواجه المركب موجة عاتية، ويبدأ التكاتف من جديد، وتنطمر الأنا المتعالية تحت تلك الموجة، ويسعى كل واحد منهم الى إنقاذ المركب من الغرق، وتلتف الأكف على بعضها لتمسك بالسارية، ويتقاسمون مهمات التوازن بحماس كبير، فإذا سكنت الموجة عاد كل واحد منهم الى ركنه البعيد.

كأننا نسخر من ذواتنا عندما نطمئنها بفلسفة الجزيرة الواحدة التي لن يغادرها أحد وننسى أو نتناسى إن مياه البحر،إذا علت، لن ترحم أحدا، وستغرق الجميع في لحظة واحدة، ولعلك ياشهرزاد تدركين هذه المعاني في دموع أنسان رحل شقيقه او شقيقته الى العالم الآخر وهو على خصام معه أو معها.

وقد يقول قائل: إن هذا الوصف ينحصر بعقد أو عقدين يعيش فيهما الأخوة والأخوات تحت سقف واحد، ومن بعدها يشق كل فرد منهم طريقه بعيداً عن الجزيرة الأم ويسكن جزيرة أخرى، ويعيش في كنف عائلة جديدة يكون هو أحد أركانها،وهو رأي سطحي يغفل عن مقاييس السمعة الواحدة، والشرف الواحد، والهم الواحد، ببساطة مازالتْ شقيقتي التي تطلب الدعم والمساندة إن أحست بظلم من زوجها، أو عصيان إبنها الشاب الذي لا تقوى على أقناعه بأمر ما تراه يصب في مصلحته، ومازلتُ شقيقها الذي يلجا إليها لطلب العون في مناسبة مفرحة،أو يحل ضيفا عليها حينما يخرج من بيته مغاضبا، أو يطلب نجدتها لإصلاح ذات بينه مع زوجته.

وهكذا كلما زاد وعينا أدركنا عمق تلك العلاقة المفروضة التي لا إنفصام لها إلا بسيف ظلم بتّار، أو كِبْرٍ جبار يقتلع الشقيق أو الشقيقة من جذورهما العتيدة.

ألآن بعد أن علمنا بأهمية تلك العلاقة دعيني أجيبك عن سؤالك ياشهرزاد: ألم نقل آنفا أن نهر المحبة يجف من غير إطلاقات تروي مجراه؟، وإن الإختلاط الدائم والتنافس على تفضيل الوالدين، وربما التنافس في ميادين العلم والتفوق يخلق حالات من التوتر والزعل، وكل ذلك تحت وطأة الأنا المتعالية، وإنني أخاطب هنا كل شقيقة أو شقيق عالمٍ بأن الأخوة والأخوات نجوم لامعات في سمائه يهتدي بها في الليالي المظلمات، وإنهم لينافسون الصديق الصدوق في تلبية نداء الإستغاثة وربما يتفقون عليه فهم يملكون من حاسة التواصل فوق الحسي التي تؤهلهم الى سماع النداء قبل أن تنطلق به حناجرنا.

ولي أختان مامررت بضيق إلا وبلغهما الخبر في منامهما، وتسابقتا بالإطمئنان عليّ وإنْ كنت قاصدا إخفاء أحوالي عن الجميع.

أن إدراكنا لعظيم معنى الشقيق والشقيقة يجعلنا حريصين على أطلاقات محبة دائمة ترطب الأجواء، وتمتص الشحنات السلبية، وتلتمس لنا الأعذار في أوقات الخصام، ولعلَ من أعظم إطلاقات المحبة في نهر الأخوة والأخوات أن لا ينام أحدنا ليلته من غير أن يصلح ذات بينه مع شقيقته التي تنام في الغرفة المجاورة، أو شقيقه الذي يعيش في بلد آخر.. ويكفي أن نقول: أحبكَ أخي.. أحبك أختي، ولو كان ذلك برسالة نبعثها عبر الهاتف.

نحن لا نرضي، بإطلاقات المحبة الدائمة، أشقاءنا وشقيقاتنا فقط، بل نطفئ نار (الأنا المتعالية)، ونجسد أنقى المشاعر الإنسانية، وأعظم معاني التكاتف وكأننا نردد (نحن ونحن فقط).

***

بقلم: عمار عبد الكريم البغدادي

.........................

* من وحي شهريار وشهرزاد (65)

مقتبسات من مؤلفي: شهريار من بغداد وشهرزاد من القاهرة

العدد: 5817 المصادف: الثلاثاء 09 - 08 - 2022م